إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم أيها السفهاء

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم أيها السفهاءللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأقلام ليجف حبرها، وإن الكلمات ليعجز الإنسان عن سردها عندما يكون الحديث عن خير مخلوق عرفته الأرض؛ إنه محمد عليه الصلاة والسلام الذي حاز أعلى درجات الكمال البشري، وحاز على رضا ربه ومولاه، وتمكن حبه من كل قلوب أتباعه، فيجب علينا أن نسير على ما كان يسير عليه، وأن نقتفي أثره، ونتبع سنته.

    1.   

    بيان مكانة النبي الكريم

    الحمد لله فاطر السماوات والأرضين، الذي تكفل لنا بحفظ الملة والدين، جبار السماوات والأرض القوي المتين، أرسل لنا خير الثقلين وخير خلقه أجمعين، الذي لقبه أهل الكفر أنفسهم بالصادق الأمين، صاحب الأخلاق العلية والأنوار البهية، إمام النبيين والمرسلين، صاحب لواء الحمد الذي به يكشف عن البشرية في يوم الدين.

    أرسله ربه رحمة للعالمين وهادياً للمتقين وإماماً للصالحين، ومكن له في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها ليبلغ هذا الدين، فسارت دعوته إلى جميع الأقطار، وبلغ الدين بإذن ربه ما بلغ الليل والنهار، وما ترك بيت مدرٍ ولا وبر إلا دخلته بعز عزيز أو بذل ذليل، وستبقى طائفة يدافعون عنه وعن شريعته إلى يوم الدين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا من تكالب عليهم من الإنس والجن مجتمعين.

    واختار له خير صحبة على مر الدهور والعصور والسنين، فأحبوه من كل قلوبهم وقدموه على الأموال والأنفس والبنين، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين وعلى أصحابه الطاهرين الغر الميامين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، أما بعد:

    فقد صدق الله وصدق رسوله ونحن على ذلك من الشاهدين، قال الله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، قال جل في علاه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:109]، وقال جل في علاه كاشفاً عن أوصافهم: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:119].

    فلا تزال الحرب مشتعلة مستعرة بين أهل الطغيان أولياء الشيطان وبين أولياء الرحمن بشتى ألوانها وأنواعها، وتتمثل الحرب الآن في شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا عجب ولا غرابة في هذا؛ فإن أهل الكفر من اليهود والنصارى قد آذوا موسى عليه السلام من قبل ذلك واتهموا يوسف بالزنا، وآذوا عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فأرادوا قتله وصلبه.

    ثم هذه الحرب التي لا هوادة فيها شنوها حرباً ضروساً على سيد الأنبياء والمرسلين، ولذلك كان لزاماً على جميع الأمة صغيرها وكبيرها أن يدفع ذلك بكل ما أوتي من قوة قدر استطاعته فإن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، وإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    وبسبب هذا الهجوم على هذه الأمة نخصص في هذه الليلة هذه المحاضرة التي نتحدث فيها عن رسولنا الكريم لعل الله أن يتقبلنا جميعاً فيمن ينزل تحت لوائه مدافعاً عن عرضه بأبي هو وأمي.

    نخاطب من خلالها الذين تجرءوا على عرض نبينا صلى الله عليه وسلم أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ينتمي نسبه إلى عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل الذبيح عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فهو أشرف الناس نسباً وأعظمهم قدراً.

    روى مسلم في صحيحه عن واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى منهم قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).

    سأتكلم بإيجاز في هذه المحاضرة، وأبين لهؤلاء السفهاء مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربنا جل في علاه رب الأرض والسماوات وعند الصحابة الكرام؛ علنا نقتدي بفعلهم وتعظيمهم وتبجيلهم وتوقيرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلنا لا نفضح يوم القيامة عند المقارنة بين أفعالهم تجاه جناب رسول الله وبين أفعالنا في هذه الأزمنة، ثم نبين مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المشركين والكافرين، ثم واجب هذه الأمة نحو رسولها صلى الله عليه وسلم.

    الرسول يبشر به من قبله من الرسل

    إن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه دعوة إبراهيم وبشارة عيسى وموسى ورؤيا أمه:

    أما دعوة إبراهيم فقد حكى لنا الله جل في علاه عنه بقوله عندما دعا ربه رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129].

    وأما بشارة موسى وعيسى ففي التوراة والإنجيل ذكره حتى بعد التحريف قال تعالى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157].

    وقال جل في علاه مبينا على لسان عيسى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف:6].

    وهذا دأب الكافرين، وأحمد من أسماء نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب).

    وورد عندهم في التوراة في بعض الأسفار: لقد أضاءت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده.

    وهذا فيه ذكر محمد صراحة دون أدنى تحريف ولا تأويل .

    وورد في إنجيل لوقا: الحمد لله في الأعالي وعلى الأرض إسلام وللناس أحمد، وأحمد المقصود به هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم.

    محمد صلى الله عليه وسلم أفضل المرسلين

    النبي محمد هو أعظم الرسل مكانة عند ربه جل وعلا، فهو خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقدوة الصالحين، وسيد الملائكة المبشرين، أعظم الرسل قدراً، وأشرفهم مكاناً، وأعلاهم شأناً، فقد أجمعت الأمة على أن رسل الله جل في علاه هم أفضل الخلق على الإطلاق، والرسل بعد ذلك يتفاضلون فيما بينهم قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253].

    وقد فضل الله أولي العزم من الرسل على البقية، وأولي العزم هم: محمد صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، نسأل الله جل وعلا ألا يفضحنا أمامه يوم القيامة، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، وقال جل من قائل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى:13].

    وذكرهم بالتصريح في آية أخرى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]، (ومنك) أي: من محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل هؤلاء الخلق على الإطلاق بلا منازع هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو أكرمهم على ربه جل في علاه.

    فقد ذكر الله في كتابه الحكيم كل نبي باسمه دون لقبه، إلا رسول الله مبيناً شرف ومكانة هذا النبي العظيم عند ربه جل في علاه، فليسمع هؤلاء الرعاع كيف يلقبه ربه جل في علاه تعظيماً لمكانته قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، وقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة:67].

    وربنا جل في علاه لم يقسم بحياة نبي قط وهم أشرف الخلق على الإطلاق إلا بحياة رسولنا صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- حيث يقول الله جل في علاه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72].

    ومن الأدلة التي تبين فضل رسول الله على البشر أجمعين وعلى أولي العزم من الرسل أنه ما من معجزة ولا فضيلة ولا عظيمة آتاها الله جل في علاه لنبي من أنبيائه إلا كان الحظ الأوفر والنصيب الأعظم لنبينا صلى الله عليه وسلم، فقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً واتخذه كذلك خليلاً، كما في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).

    حتى إنه لما أُسري به أم الأنبياء؛ شرفاً وتعظيماً وتكريماً لهذا النبي الجليل.

    وكانت خاصية موسى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] وكلم الله كذلك محمداً صلى الله عليه وسلم أيضاً كما كلم موسى، وهذه ظاهرة جداً في قصة المعراج عندما عرج به وكلم ربه عندما قال جبريل: هنا لا أستطيع أن أتقدم، فتقدم رسولنا على جبريل، فهو سيد الخلق أجمعين بلا منازعة.

    ويكلمه ربه فيفرض عليه خمسين صلاة، وتنزل إلى خمس صلوات كخمسين في الأجر فضلاً من ربنا ورحمة.

    وكما أن الله حبا عيسى عليه السلام القدرة على أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فإن في غزوة بدر قام ابن النعمان ينافح عن رسول الله فسقطت عينه على وجنته فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعها في مكانها فكانت أصح ما تكون وكانت أفضل العينين لـقتادة بن النعمان .

    و عبد الله بن عتيق كسرت رجله فحمل إلى رسول الله فمسح على رجله فاستقامت رجله فكانت أصح الرجلين له، وهذه فضيلة حباها ربنا لرسوله صلى الله عليه وسلم كما أعطاها لعيسى عليه الصلاة والسلام.

    فضائل لم يعطهن نبي قبله

    فضل الله نبينا على جميع الرسل، وخصه بست من الفضائل لم يعطَ نبي فضيلة واحدة من هذه الست، وأعظم من هذه الست القرآن، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87].

    وفضله الله على الأنبياء بأن أعطاه جوامع الكلم، ونصر بالرعب، وأحلت له الغنائم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفضائل الست في قوله صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الناس بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون).

    كان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسله الله كرامة له للناس أجمعين، ولذلك صح في البخاري ومسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده! ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).

    وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وذلك أن يجمع الله له بالقول الوجيز المعاني الكثيرة.

    فلو تدبر الإنسان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وإذا شرح هذا الحديث في مجلدات ما احتملت المجلدات شرح هذا الحديث.

    قال: (ونصرت بالرعب) فإن الله جل في علاه -كرامة لهذا النبي العظيم- يلقي في قلوب أعدائه الرعب من مسيرة شهر، قال الله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [آل عمران:151]، وقال في آية أخرى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12].

    قال: (وأحلت لي الغنائم) وكانت العادة في زمن الأنبياء أن تنزل النار من السماء تأكل هذه الغنائم، فأحلها الله رحمة بهذه الأمة وكرامة لنبي هذه الأمة.

    قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) جعلت الأرض بأسرها طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة في أي مكان فلم يجد الماء فله أن يضرب يديه على الأرض ويمسح على وجهه ويديه ويصلي الصلاة في أي مكان مستقبلاً القبلة رحمة من الله بهذه الأمة وكرامة لنبي هذه الأمة.

    وهذه الفضيلة المهمة العظيمة قال: (وأرسلت للناس كافة) فإن الله جل وعلا أرسله للناس كافة عربهم وعجمهم أبيضهم وأحمرهم، بل وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم للثقلين: الإنس والجن، قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال تعالى حاكياً عن الجن: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأحقاف:30-32].

    وأخيراً هو خاتم الأنبياء فلا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40].

    هذه الكرامات وهذه المكانة العظيمة التي أجلاها الله وصورها في هذه الدنيا إتماماً لهذه الكرامات وإتماماً لتعظيم مكانة رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما يبعث الله الخلائق يوم الدين، يوم يكون رسولنا الأمين بيده لواء الحمد والأنبياء والمرسلون تحت لوائه كل يكون تابعاً له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد بلا فخر، وما من نبي يومئذٍ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع وأول من يشفع ولا فخر) فعندما يشتد الكرب ويدلهم الخطب وتقترب الشمس من الرءوس يغرق الناس في العرق، ومنهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وتزلزل القلوب، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وعندما يعظم الأمر على الناس يستشفعون بالرسل والأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم للقضاء بينهم، وما من نبي إلا ويقول: نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، آدم يحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول النبي الأمين: (أنا لها أنا لها، فيذهب ويخر ساجداً عند العرش، فيحمد الله بمحامد لا يعلمها إلا في ذلك الوقت)، وهذه خصيصة لرسولنا صلى الله عليه وسلم كرامة وتعظيماً وتشريفاً لنبينا.

    يقول: (فأحمد الله بمحامد فيقال: يا محمد سل تعط، واشفع تشفع) -بأبي هو وأمي- هذه مكانته عند ربه جل في علاه، فهلا علم هؤلاء السفهاء كيف مكانة هذا الرسول العظيم عند ربه جل في علاه؟!

    1.   

    مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة

    انظروا كيف كان الصحابة الكرام يضحي كل واحد منهم بنفسه وحياته وماله فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إليكم نبأ هؤلاء الأخيار ماذا فعلوا مع رسولهم صلى الله عليه وسلم، والصحابة هم أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وأحسن الناس خلقاً، وأكثرهم علماً، وأبرهم قلوباً، ومن عظيم فضلهم رؤيتهم لسيد المرسلين، وأهم مناقبهم رؤية وجه النبي الكريم.

    فكان أحدهم من شدة تعظيمه له لا يستطيع أن يديم بصره إلى وجه النبي الكريم، مع أن النظر إلى وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من أعظم المناقب كما سلف وذكرنا.

    قال عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه واصفاً إسلامه: أتيت النبي وكان أبغض الناس إلي، فلما أسلمت كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليّ، وكان من شدة تعظيمه له لا يستطيع أن يرفع بصره إليه، ولو طُلب منه أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فما كان يستطيع النظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً وتشريفاً وتكريماً للنبي صلى الله عليه وسلم، ومهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يحبونه من كل قلوبهم، ويفدونه بكل غالٍ وثمين، ويقدمون النبي صلى الله عليه وسلم على كل شيء، ويضعون نصب أعينهم قول ربهم جل في علاه: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، ويقدمون قول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    وصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) وهذا الحديث يتوقف عنده كل واحد منا ويخلو بربه ويخلو بنفسه، بعدما سمع ورأى الحرب الضروس على نبينا، والاستهتار بجلاله والخفض من مكانة النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل نفسه: هل رسول الله أحب إلى أحدنا من نفسه ومن والده ومن ولده ومن الناس أجمعين؟

    الإجابة تفصل لك الإيمان ومكانتك عند ربك جل في علاه، لو أنك وقفت موقفاً ورأيت رجلاً سفيهاً قد علا صوته واشتد خطبه عليك وسبك وسب أباك وأمك ومن تعرف، فكيف سيكون موقفك؟ حبك لأبيك يدفعك للرد فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    فكل منا يقف وقفة مع نفسه ويقول: إن النبي أناط الإيمان بأن أقدمه على نفسي وعلى أبي وعلى أمي وعلى كل شيء، فهل كل منا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل شيء؟

    الإجابة عندكم، وكل منا سيضع الدرجة التي يكون فيها ومكانته عند ربه جل في علاه لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين).

    وقد أظهرت لنا المواقف الرائعة مكانة رسول الأنام عند صحبه الذين برأهم ربهم من درن كثير من الآثام، وإجمالاً سنحكي لكم حالهم مع رسول الله ثم يأتي بعد الإجمال التفصيل.

    كانوا جميعاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى أحدهم حمل نعله والآخر يحمل وسادته، وإذا توضأ تزاحموا على فضل وضوئه، وإذا تنخم مسحوا بما تنخم به جلودهم تبركاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا عروة بن مسعود الثقفي يحكي لنا كيف كان وضع النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه الكرام قال: لقد وفدت على الملوك وعلى قيصر وعلى كسرى والنجاشي والله! ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله! ما تنخم نخامة ووقعت في كف رجل منهم إلا دلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له ومهابة له.

    ويقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: ما فرح أصحاب محمد بشيء أشد من فرحهم بقوله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من يحب) وكلهم يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويتمنون مرافقة رسولهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة.

    ولذلك لما قدم مولى رسول الله الوضوء لرسول الله قال له النبي صلى الله عليه وسلم مكافأة: (تمن علي، فقال له مولاه: أتمنى مرافقتك في الجنة. فقال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذلك) ما عندي إلا ذلك، الدنيا بأسرها لا تساوي دقيقة واحدة بالنظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم! لا تسقطنا من هذه المكانة أبداً، اللهم! اجمعنا معه في الفردوس الأعلى يا رب العالمين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فأعني على نفسك بكثرة السجود)، هذا إجمال حالهم مع رسول الله.

    أما تفصيلاً: فهذا أبو بكر خير الناس بعد النبيين والمرسلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما طلعت الشمس على مثل النبيين والمرسلين مثلما طلعت على أبي بكر)، رضي الله عنه وأرضاه قد فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهله وماله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنتم تقولون: كذب ويقول: صدق، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، واساني بأهله وماله)، لما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتذكر العدو من الأمام فيأتي أمام النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حياته لا تساوي شيئاً أمام حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتذكر الطلب من قريش فيأتي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي يميناً ثم يأتي يساراً!

    كان الصحابة حين يجلسون مع رسول الله أو حين يرون طعامه أو شرابه أو نومه يتأدبون بأدب جم مع هذا النبي الكريم كما في الحديث: (كنا نسير أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ونترك ظهره للملائكة)، ويصف لنا أحد الصحابة الكرام مجلسه قال: كنا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رءوسنا الطير! هيبة وتعظيماً لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا غرو ولا عجب فقد تأدب بأدبهم التابعون وفعل ذلك الذين تبعهم بإحسان، فيذكر أهل السير من مناقب مالك أنه كان ما يجلس مجلس التحديث ليروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يغتسل ويتطيب، وكان الناس يرونه يمشي في المدينة حافياً فيسألونه: لم تفعل ذلك؟ فكان يقول: تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بل فوق ذلك كان شغوفاً بالعلم، لكن كان إذا جلس ليكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم يعلوه الوقار والسكينة، وفي ذات مرة في مجلس التحديث تزاحم الناس على ربيعة شيخ الإمام مالك فما وجد مكاناً ليجلس ويكتب الحديث، فكان قائماً والناس يكتبون، ومالك لا يكتب فعلتهم الدهشة! فسألوه: لم لا تكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟! فقال: كنت قائماً فعظمت حديث النبي أن أكتبه وأنا قائم، فلا بد من الجلوس والتعظيم والتبجيل والتوقير لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.

    علت أصوات الصحابة أبو بكر وعمر أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات مرة فنهاهم الله عن ذلك وردهم رداً رادعاً زاجراً، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، فيبكي عمر ويبكي أبو بكر ويقولان: حبطت الأعمال، فكانوا يجلسون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أحدهم أن يتنفس النفس وله صوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل تحت طائلة هذه الآية العظيمة!

    ومن أدبهم مع رسولنا الكريم أنهم كانوا يطرقون بابه بالأظافر خوفاً وهيبة وتعظيماً لهذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه جل في علاه.

    وهذا ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه في أسفاره كان يتلمس أي مكان ينزل فيه الرسول فينزل في هذا المكان، يضع القدم على القدم، ويقول: ليت القدم يكون على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سأل الصحابة: أين كان يبول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيذهب فيبول في المكان الذي بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه!

    وجاء رجل من أهل اليمن إلى ابن عمر يسأله عن حج النبي صلى الله عليه وسلم وطواف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يبتدئ بالوضوء يتوضأ ويدخل إلى البيت فيذهب إلى الحجر الأسود فيقبله، فقال اليمني: أرأيت يا ابن عمر إن دفعوني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، يقول: يا ابن عمر أرأيت إن زاحموني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، اقتداء واحتذاء برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال له: أرأيت يا ابن عمر ! لو قتلوني، فقال: اجعل أرأيت في اليمن، قد رأيت رسول الله يقبل الحجر)، حتى ذكر عن ابن عمر أنه كان يقف ليقترب من الحجر فيدفعونه حتى يرعف وينزل الدم من أنفه ومن وجهه ولا يتحرك حتى يقبل الحجر ويقول: (رأيت رسول الله يقبل الحجر)، ولا غرب ولا عجب، فأبوه كان يأتي إلى الحجر الأسود ويقبله ويقول: (والذي نفسي بيده! قد علمت أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك).

    وهذا أنس كان لا يحب الدباء، قال: (جلست مجلساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الدبا على المائدة، ورسول الله يتتبع الدباء في الصحفة، فأصبحت أحب الدباء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أكل الدبا).

    و أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه فضيلته مشهورة معروفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فنسي آية فما رد عليه أحد، فلما سلم قال: (أفي القوم أبي؟ فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال: لم لم ترد علي؟ فقال: خشيت أو استحييت يا رسول الله!).

    ومن فضيلته أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه وقرأ عليه سورة البينة، فسأله أبي بن كعب عن السبب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرني ربي أن أقرأ عليك سورة البينة، فبكى أبي وقال: يا رسول الله! أسماني باسمي؟).

    وذات مرة قال: (جلست مع رسول الله فوضع الطعام وكان في الطعام بصل أو ثوم مطبوخ -والتحريم في النيئ ليس في المطبوخ- فكف عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: فكففت يدي عنه فما أكلته قط)، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً لهذه القدوة العظيمة، ليتنا أمثال هؤلاء حتى نُرفع كما رفعهم الله جل في علاه، يا لله! امتثال عجيب بالاقتفاء والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان ابن مسعود يسير نحو المسجد حتى بلغ بابه فبينما هو كذلك سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه داخل المسجد وابن مسعود لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اجلسوا) فجلس امتثالاً واقتفاء واقتداء وتعظيماً وتبجيلاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس على باب المسجد حتى انتهى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ووجد ابن مسعود على باب المسجد جالساً، فقال له: يا ابن مسعود ! لم فعلت هذا؟ قال: يا رسول الله! سمعتك تقول: اجلسوا، فجلست، أيُّ تعظيم؟ وأيُّ امتثال في فعل هؤلاء؟!

    ومن أروع ما يضرب به المثل في انصياعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقف كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك، ولما تخلف أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهجره، فكان يذهب إلى ابن عمه ويقول: أنا ابن عمك، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا يرد عليه السلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجره، فعمل بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبعث النبي صلى الله عليه وسلم له بالحكم الأغلظ والأشد فيقول: (لا تأتِ امرأتك)، قال: سمعت وأطعت، وهذا فيه تعظيم وتبجيل للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا نبلغ ما بلغ هؤلاء في تعظيمهم وتبجيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول من أخيار وأفاضل الصحابة الأكارم الأماجد، من الأتقياء، وكان أبوه من المنافقين الذين يعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول على أبواب المدينة بعدما علم أن أباه قد قال هذه الكلمة الشنيعة: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] فوقف على أبواب المدينة، وسل سيفه وكان رجلاً شجاعاً كريماً مهيباً قوياً، فقال لأبيه: والذي نفسي بيده! لا تدخل أبداً -وفي هذا ولاء تام لرسول الله- حتى يأذن لك رسول الله، هو الأعز وأنت الأذل، وحق له أن يقول ذلك، فو الله! إن أعز الخلق أجمعين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً لما اشتد الكرب على المسلمين في غزوة أحد انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكالب المشركون عليه لعلهم يظفرون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء سعد بن أبي وقاص ينافح عن رسول الله ويرمي بالنبل ويتتبع أخاه عتبة بن أبي وقاص وكان كافراً ويقول: نحري دون نحر رسول الله أقتله قبل أن يقترب من رسول الله، وكان عتبة يتربص برسول الله يريد أن يقتله، فيأتي سعد الأسد المغوار يريد قتل أخيه من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبقه حاطب بن أبي بلتعة فأطاح برأسه ففرح سعد فرحاً لم يفرح مثله بنجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو على مقتل أخيه.

    و خبيب بن عدي عندما صلبوه قالوا له: أتتمنى أن يكون محمد في مكانك وأنت آمن في بيتك؟ قال: والله! لا أتمنى أن يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم شوكة واحدة وأنا آمن في بيتي! معلناً بذلك الولاء التام لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعندما جاء عروة بن مسعود الثقفي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس سيفرون عنك عما قريب، فقال أبو بكر : أمصص بظر اللات، وهذه مسبة عظيمة، وهذا فحش في القول، لكن عند الله ليس بفحش؛ لأنه رد لمظلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ما قال دفاعاً على مكانة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبجيلاً وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا أسد آخر محمد بن مسلمة هوى كالصاعقة على كعب بن الأشرف فيرديه قتيلاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لـكعب؟) وكان يؤذي رسول الله ويسب رسول الله، وكانت عنده جارية تتغنى بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام محمد بن مسلمة كالأسد الثائر، فأرداه قتيلاً دفاعاً عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم يتكرر هذا الموقف العظيم من عبد الله بن عتيق وهو يتسلل إلى موقع أبي رافع بن أبي الحقيق وينادي عليه في الظلمة ثم يغمد سيفه في بطنه حتى تيقن أنه قد قتله، ثم يرجع إلى أصحابه فتنكسر رجله فيقص على النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة فيمسح على رجله فتسلم فتكون أصح الرجلين، وما فعل ذلك إلا دفاعاً عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فعل ذلك إلا تعظيماً لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا يقف الدفاع والولاء التام لرسول الله عند الرجال فحسب بل عند النساء كذلك، وإن فُضحنا أمام الرجال فسنُفضح أكثر أمام النساء؛ لأن المتوقع من الرجل أن يتقدم على المرأة في حفظ عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    دخل أبو سفيان حال كفره على ابنته وكانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت تطرده وتبعده عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبين أن كفره لا يجعله مستحقاً أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأروع من هذه المواقف الباسلة التي تبين لنا مكانة الرسول العظيم عند هؤلاء الأخيار أنهم قدموا نفسه الشريفة على أنفسهم وحياته على حياتهم، قال أنس بن مالك : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو دجانة صاحب عصابة الموت، وأبو دجانة له قصة شريفة عظيمة تبين مكانته في دفاعه الباسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم جلس مع أصحابه وأخذ خشبة فهزها فأصبحت سيفاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟) فقام الزبير وما أدراكم ما الزبير ! أول من استل سيفاً في سبيل الله، الزبير المبشر بالجنة، الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أنا آخذه يا رسول الله! بحقه، فيقول: اجلس، ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فيقوم الزبير ، فيقول: اجلس، ثم قال الثالثة: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام أبو دجانة صاحب العصابة الحمراء هذا الفارس المغوار فقال: يا رسول الله! أنا آخذ بحق هذا السيف، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السيف.

    قام هذا الرجل صاحب العصابة الحمراء أبو دجانة يحتضن رسول الله فكان ترساً لرسول الله، والنبال تأتي وتنصب على ظهر أبي دجانة وهو لا يتحرك، وكان أبو دجانة يضرب لنا أروع الأمثلة في فداء رسول الله.

    وأروع من ذلك ما فعله طلحة عندما التف عشرة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم من الأنصار إلا طلحة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يدفع عني القوم وهو رفيقي في الجنة؟) انظروا لو جاءكم الآن النبي صلى الله عليه وسلم معمماً وجلس وقال لكم: من يدفع عني وهو رفيقي في الجنة، ماذا ستفعلون؟ فـطلحة يقوم ويقول له المصطفى: اجلس، فيقوم الأول فيقتل، والثاني فيقتل... والثالث فيقتل، والتاسع فيقتل، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا إخواننا) فقام طلحة ينافح عن رسول الله فيضرب بسيفه حتى ينكسر السيف في يده، فيلقي السيف ويحتضن رسول الله ويصد السيوف عن رسول الله بيده حتى شلت يده فسقط على الأرض، فجاء أبو بكر وعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دونكم صاحبكم فقد أوجب الجنة بما فعل) فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتضنه: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، نحري دون نحرك يا رسول الله! لا يأتيك سهم من سهام القوم، فحياتك تقدم على حياتي يا رسول الله، وهذه أمثلة رائعة تبين لنا كيف أن ولاءهم التام ما كان إلا لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هي إلا للرسالة الغراء العظيمة.

    ومن مواقف النساء: موقف أم عمارة التي قاتلت بضراوة من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما جاء ابن قمئة أقمأه الله فضرب رسول الله بالسيف حتى دخلت حلقة من حلقات المغفر في وجنة رسول الله بأبي هو وأمي فنزل الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت أم عمارة تستل سيفها دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقاتل هذا اللعين، فضربها بالسيف فجرحها جرحاً غائراً في رقبتها، وفعلت ذلك من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما من أحد من صحابة رسول الله يوم أحد إلا ضرب لنا مثالاً رائعاً في فداء نفسه في سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ونظر إلى رسول الله والدم يسيل على وجهه، فهاله هذا الموقف، فأخذ يمص دم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (مجه وألقه) فقال له: لا والله! لا أمجه فأشرف ما يكون دماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يمجه وذهب ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل شهيداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) نسأل الله أن يجعله رفيقاً لنبيه في الفردوس الأعلى.

    وهذا أنس بن النضر في نفس هذه الغزوة لما سمع بمقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس! مات رسولكم فعلام تعيشون؟ علام تحيون؟ موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد بن معاذ: يا أنس ! إلى أين تذهب؟ قال: يا سعد ! إنها الجنة ورب النضر ، فدخل فقاتل حتى قتل في سبيل الله.

    هؤلاء باعوا أنفسهم لله جل في علاه، قدموا رسول الله وحياة رسول الله وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرواحهم، هذه هي مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أصحابه الأخيار، يحبونه من كل قلوبهم، يفدونه بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم.

    اللهم! ارزقنا ما رزقتهم من حب نبيك صلى الله عليه وسلم، ونشتكي إليك ما نحن فيه.

    1.   

    شهادات من أهل الكفر للنبي الكريم

    هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم لم تقف مكانته العظيمة عند المسلمين، والحق ما شهدت به الأعداء، فإن الله جل في علاه جعل لرسوله العظيم المكانة العظيمة والمهابة الخالدة عند عقلاء الكافرين، وهذا الذي جر كثير من أهل الكفر للدخول في الإسلام.

    فهذا عروة بن مسعود الثقفي يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظمته وهيبته فيقول للقوم: ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه مثلما رأيت من أصحاب محمد يعظمونه، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

    ومن مكانته عند هرقل عظيم الروم أنه قال -عندما جاءه كتاب رسول الله- مبيناً عظمة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو منهم: إني كنت أعلم بخروجه، ولم أكن أظن أنه منكم -أي من العرب-، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه تعظيماً وتبجيلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فما بالنا لا نعظم رسولنا؟! فما بالنا لا نعرف له حقه؟! فما بالنا لا نعرف قدره؟!

    و أبو جهل كان أشد الناس عداوة وضراوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس تهكماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في الخلوات كان يعرف قدره ويعرف عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لصاحبه: إني والله! لأعلم أنه صادق!

    و عبد الله بن سلام كان منصفاً من اليهود يعلم عظم قدر رسول الله، وكان يقرأ صفاته، فلما رأى الصفات متجلية أمامه دخل في الإسلام لعظمة صفات النبي صلى الله عليه وسلم فلما دخل الإسلام قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت فلا تخبرهم بإسلامي، فدخل عليهم رسول الله فسألهم: كيف فيكم عبد الله بن سلام ؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، سيدنا وابن سيدنا، حبرنا وابن حبرنا، فقال: كيف إذا أسلم؟ قالوا: لا والله! لا يسلم أبداً، فدخل عبد الله بن سلام يبين عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقالوا: حقيرنا وابن حقيرنا بغيضنا وابن بغيضنا، فانقلبوا رأساً على عقب! والغرض المقصود أنه علم مكانة الرسول فسارع بالدخول إلى الإسلام.

    1.   

    أنوار من شخصية الرسول الكريم

    إليكم أنوار من سمات شخصية رسولنا الكريم التي جرت الكافرين للإسلام:

    كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وأخشاهم وأتقاهم.

    كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه.

    كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم، وفي هذه عبادة وتلك عبادة.

    كان يتغلب على الجوع بالصوم.

    كان كريماً شهماً يحمل الكل ويعين على المصائب والنوائب.

    جاءه رجل يسأله فأعطاه وادياً من الغنم، فذهب سفيراً إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

    وحسن جواره وتعامله مع أهل الكفر أثر فيهم فدخلوا الإسلام، وأنقذهم الله بحسن خلقه من النار، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بحسن خلقه ليعود مريضاً يهودياً فلما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند رأسه فقال: يا غلام! أسلم تسلم، فدخل أبوه اليهودي فقال للغلام: أطع أبا القاسم، فقال الولد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فخرج النبي فرحاً يقول: (الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار)، وهذا من فرط رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس أجمعين، وما أرسله الله إلا رحمة للعالمين، حتى قال تعالى له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3] (باخع) أي: قاتل.

    1.   

    واجب الأمة نحو رسولها

    ختاماً: ما هو واجب الأمة نحو هذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه وكرمه وشرفه، وعظمة الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم؟

    إن هذه الأمة لما استهانت بنبيها صلى الله عليه وسلم باستهانتها لسنته جعلت في الخلف ظهرياً، وعندما أصبحت تعيب على أصحاب السنن وتستهين بهم، بل وتستهين بعلمائها الذين هم حملة الدين وورثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هانوا عند ربهم بأفعالهم؛ لأنهم حاربوا السنن بقدر استطاعتهم.

    فعلى هذه الأمة أن تستيقظ من سباتها، وتستفيق من غفوتها، وترجع إلى تعظيم نبيها صلى الله عليه وسلم، وتعظيم سنته، والعمل بها ونشرها بين الناس، فإذا رأى أهل الكفر أن هذه الأمة تعظم نبيها بتعظيم سنته عظموه وهابوا مكانته، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح:8-9] وتعظيم النبي وتعظيم سنته وتحكيم شريعته يكون في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل دقيقة؛ ونشر ذلك في كل مكان: على الإنترنت، على الفضائيات، على المذياع، على كل شيء.

    لا تسكت أنت تستطيع أن تحول أمة بأسرها إن كنت مخلصاً، فلحظة صدق واحدة مع الله لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم تنقلب الدنيا بأسرها لتناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انظروا إلى أم إسماعيل لحظة صدق واحدة صدقت فيها مع ربها جل في علاه فحباها الله زمزم عيناً معيناً إلى يوم القيامة بلحظة واحدة.

    ولا بد من النصح لأصحاب الفضائيات وغير هؤلاء بوقفهم الهجوم الضاري على سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ويناصح الذين يقولون: إن البخاري أحاديثه موضوعة، ومسلم أحاديثه ضعيفة!

    علينا أن نناصح هؤلاء القوم بأن نقول: إن سنة النبي فوق الرءوس، فهو قدوتنا وأسوتنا، ولن نرتقي ولن نمكن ولن نرتفع إلا بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بتعظيم سنته.

    ألخص النقاط التي يجب علينا فعلها ونسأل الله أن نفعلها جميعاً:

    أولا: التوبة إلى الله: فإن سب الرسول من أردئ وأشد البلايا على هذه الأمم؛ لأن الله يغربل البشر، فإن سب الرسول فيه غربلة لنا، وإن رسول الله جنابه محفوظ، ومكانته عند ربه محفوظة، والمعني بذلك نحن، وإن الله يختبرنا وينظر إلى قلوبنا ويكشف عنا، هل نصدق معه؟ هل نحب رسول الله حقاً؟ هل نتمسك بسنته حقاً أم لا؟

    فلا بد من التوبة الصادقة على تفريطنا في دين الله جل في علاه، وعلى تفريطنا في عدم التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا بلاء، وإن البلاء لا ينزل إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة.

    ثانياً: نشر فضائله في كل الأقطار، فعليك أن تنشر فضل نبيك صلى الله عليه وسلم وأن تعرف رحمته وتعرف سماحته وكرمه وشجاعته وعلمه وتقواه وورعه، وأن تنشر ذلك في كل مكان: في عملك.. في دكانك.. في بستانك.. في أسرتك، علم أولادك حب رسول الله وحب آل بيت رسول الله وتعظيم رسول الله وتعظيم صحابة رسول الله، كما قال عبد الله بن المبارك : إن تعليم الأولاد حب صحابة رسول الله من دين الله جل في علاه فكيف بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ثالثاً: التمسك بهذه السنن والعمل بها وتعظيمها وتعظيم من يعمل بها، ولن يتم ذلك إلا بطلب العلم، فلا يمكن أن تعظم سنة النبي إلا أن تعلمها، وكيف تعلمها وأنت على سريرك؟ وكيف تتعلمها وأنت أمام الفضائيات؟ فهم لا يشرحون لك الكتب العلمية، ولا يعلمونك كيف كان يستنبط العلماء كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولن تتعلم سنة النبي إلا بالعلم، ولن تفوز ولن ترتقي إلا بذلك، وقد قرأت كلام بعض العلماء المعاصرين قال: من أراد التمكين والرفعة لهذه الأمة والرجوع إلى الازدهار الأول وجب عليه التفريق بين القراء وبين العلماء، وبين العلماء والخطباء، لا بد أن تفرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن الأمة لم ترتق إلا بعلمائها، وكل القراء والخطباء والعظماء والمثقفون لابد أن ينزلوا تحت لواء العلماء، وخلفهم؛ لأن هؤلاء كلهم خلف رسول الله، ورسول الله يحمل لواءه العلماء، فعليك أن تعلم أنك لن تنشر سنة نبيك إلا بالعلم، ولن ترتقي إلا بتعلم سنة النبي حتى تنصرها وحتى تنشرها بين الناس.

    رابعاً: الولاء التام للنبي صلى الله عليه وسلم بكل ما تستطيع، قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، بالقلم فتكتب عن رسولنا العظيم، ولن تبرأ ذمتك أمام ربك جل في علاه حتى تضرب بسهم في نصرة رسول الله وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    خامساً: حث الناس على مقاطعة كل ما يأتي من قبل هؤلاء، أنا ما كنت أقول بالمقاطعة في السابق حتى عارضين بعض طلبة أهل العلم، فقلت بذلك نظراً للمصالح في هذه المسألة، فهذا عرض رسول الله هذا جناب رسول الله، فكيف نرضى بالدرهم والدينار ليهدم عرض رسول الله؟

    لو قمنا بهذه المقاطعات هل سيحدث الفقر؟! وإذا حدث فلنمت على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه [التوبة:28].

    سادساً: لا بد من الوقفة الصحيحة الصادقة مع النفس، فكل واحد يقول: هل نصرت رسول الله أم لا؟ وهذه تكفيك، والإجابة عندكم وليست عندي.

    سابعاً وأخيراً: الهمة في دعوة غير المسلمين، أنت الآن لا تستطع أن تفعل لهم شيئاً، ولكن تستطيع أن تدعوهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما قاتل الكفار من أجل القتال ولا من أجل إسالة الدماء ولكن قاتل من أجل نشر الدعوة والتوحيد، فنحن نقول الآن: أنت تستطيع أن تدعوهم إلى الإسلام، فلا بد من الهمة العالية في دعوة غير المسلمين إلى الدخول في هذا الدين؛ لأن هذا من حق نبينا عليك، ومن نصرة النبي أن تفعل ما أمرك به، فمن حق نبينا علينا أن نبلغ عنه ولو آية، كما قال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) .

    وحتى لا يصل الإسلام مشوهاً إلى هؤلاء الذين يقولون عنا: قتلة، ويسيلون الدماء، ويفعلون كذا، فلا بد عليك من أن تتعلم العلم وتنشره بين الناس وتدعو إلى ربك على غرار قول الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، وبقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:125].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل ربي الكريم أن يلهمني الإخلاص، وأن يبرئ ساحتي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا أكون مقصراً في حقه إلى يوم الدين.