إسلام ويب

شرح ألفية ابن مالك [35]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المصدر هو ما يأتي ثالثاً في تصريف الفعل، ويأتي كثيراً مفعولاً مطلقاً، وللمفعول المطلق أحكام متعددة من حيث المعاني التي يأتي لها، وما ينوب عنه، ومتى يحذف وغير ذلك. ومن المفاعيل المفعول لأجله، وهو المصدر المنصوب المبين لعلة الفعل، ويشترط أن يتحد مع فعله في الوقت والفاعل، وله أحكام متعددة ذكرها النحاة.

    1.   

    المفعول المطلق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المفعول المطلق.

    المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن]

    المفاعيل إما مقيدة وإما مطلقة، فالمقيدة تكون مقيدة بالباء، وباللام وبـ(في) وبالواو، والمفاعيل خمسة مجموعة في هذا البيت:

    ضربت ضرباً أبا عمرو غداة أتى وجئت والنيل خوفاً من عقابك لي

    هنا يقول المؤلف: المفعول المطلق، أي: الذي لم يقيد، فما قيل: به، أو فيه، أو له. والعنوان أعم من الأبيات من وجه وأخص من وجه؛ لأنه تكلم عن المصدر، فعندنا مصدر مفعول مطلق.

    والمصدر أعم من المفعول المطلق من وجه، والمفعول المطلق أعم من المصدر من وجه آخر:

    فإذا قلت: وقوفك طويل، (وقوف) هذه مصدر، لكنها ليست مفعولاً مطلقاً، وكذلك: يعجبني قيامك، (قيام) مصدر، ولكنها فاعل.

    أما: فرحت كل الفرح، فـ(كل) مفعول مطلق وليست بمصدر.

    إذاً: المفعول المطلق والمصدر بينهما عموم وخصوص: فالمصدر أعم من وجه، والمفعول المطلق أعم من وجه.

    والمفعول المطلق لا يكون إلا منصوباً، ولكن قد يكون مصدراً، وقد يكون نائباً لهذا المصدر، والمصدر قد يكون منصوباً، وقد يكون غير منصوب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن]

    فإذا قلت: يجلس، فهذه لها مدلولان:

    فقد دلت على الحدث الذي هو الجلوس، وعلى زمن المستقبل، وعلى هذا فقس.

    وقوله: (اسم ما سوى الزمان) ما سوى الزمان هو الحدث.

    مثاله: (كأمن من أمن)، أمْن: هو المصدر، قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82] فـ (الأمن) مصدر: أَمِن، لكنه هنا مرفوع؛ لأنا مبتدأ مؤخر.

    والحاصل: أن المصدر هو الحدث الذي دل عليه الفعل، فهو اسم لأحد مدلولي الفعل وهو الحدث، هذا تفسير ابن مالك.

    وبتفسير أوضح نقول: المصدر -كما قال صاحب الآجرومية- هو الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، تقول: قام يقوم قياماً، جلس يجلس جلوساً، صعد يصعد صعوداً، ونحو ذلك.

    العامل في المصدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [بمثله أو فعل او وصف نصب

    وكونه أصلاً لهذين انتخب]

    أي: ينصب المصدر بمثله، أي: أنه قد يكون الناصب له مصدراً مثله، وينصب بالفعل، وينصب بالوصف.

    إذاً: ناصب المصدر ثلاثة: إما مصدر مثله، وإما فعل، وإما وصف، فإذا قلت: عجبت من ضربك العبد ضرباً شديداً، فالناصب له مصدر مثله وهو (ضرب) و(ضرباً) منصوب على المصدرية.

    (أو فعل) مثل: ضربت ضرباً، أضرب ضرباً، اضرِبْ ضرباً، فالعامل هنا هو الفعل.

    (أو وصف) مثل: أنا الضارب المجرم ضرباً أليماً، المصدر (ضرباً)، وناصبه (الضارب) وهو وصف، ومثله: هذا هو العبد المضروب ضرباً شديداً، فالمصدر (ضرباً) منصوب بالوصف، وهو اسم المفعول (المضروب).

    المصدر أصل للفعل والوصف

    قوله: (وكونه أصلاً لهذين انتخب):

    كونه: مبتدأ، وهو من متصرفات كان، فيعمل عمل كان، واسمه الهاء في قوله: (كونه).

    أصلاً: خبر (كون) باعتبارها من النواصب.

    انتخب: جملة خبر المبتدأ وهو (كون).

    يقول: إن الذي اختير أن المصدر أصل لهذين، أي: الفعل والوصف، فأصلهما المصدر؛ لأنك تقول: ضَربَ مشتق من الضرب، إذاً (الضرب) سابق على ضَربَ، فيكون أصلاً له، والضارب مشتق من الضرب.

    إذاً: فأصل الأفعال المصادر، وأصل الأسماء والأوصاف المصادر، وهذا الذي يذكر المؤلف أنه انتخب هو الصحيح.

    وقال بعضهم: إن الفعل هو الأصل، وأن الصواب أن الضرب مشتق من ضَربَ، وهكذا.. ولكن يقول المؤلف: إن الأفعال مبنية على المصادر، وكذلك الأوصاف مبنية على المصادر؛ لأنك تقول: ضَربَ من الضرب، وأَكلَ من الأكل، وشَرِبَ من الشرب، وقائم من القيام، وليس من قام، وتقول مثلاً: الآكل من الأكل، والشارب من الشرب، والمصلي من الصلاة.. وهكذا.

    أنواع المفعول المطلق

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [توكيداً او نوعاً يبين أو عدد

    كسرت سيرتين سير ذي رشد]

    قوله: (توكيداً): مفعول مقدم لقوله: (يبين)، يعني: يوضح.

    أو نوعاً: معطوف على (توكيداً).

    أو عدد: أو: حرف عطف، عدد: معطوف على توكيداً، أي: أو يبين عدداً.

    وهنا قال المؤلف: عدد، والمعروف أنه إذا وقف على المنصوب يوقف عليه بالألف، فإما أن نقول: إنه سكن لأجل الروي، وإما أن نقول: إنه على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب بالسكون.

    إذاً: القاعدة العامة من هذا الشطر: أن المصدر يأتي لأغراض منها: التوكيد، ومنها: بيان النوع، ومنها: بيان العدد، وقد ضرب لذلك المؤلف فقال: (كسرت سيرتين) فهنا المصدر مبين للعدد، (سير ذي رشد) مبين للنوع؛ لأنه بين لنا أن سيره سير ذي رشد، ومعناه: حسن التصرف. وتقول أيضاً: واجهته مواجهة المقصر، (مواجهة) مصدر مبين للنوع.

    وثب وثوب الأسد، هذا أيضاً مبين للنوع.

    والتوكيد مثل قولك: ضربت ضرباً، ومثل قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164].

    وفائدة المبين للعدد أنه يبين العدد، والمبين للنوع فائدته وأنه يبين نوع المصدر، لكن ما فائدة المؤكد؟ إذا قلت: كلمته تكليماً، فما الفائدة من كلمة (تكليماً)؟

    يقولون: فائدته: انتفاء احتمال المجاز، فقولك كلمته تكليماً، مثل ما لو قلت: كلمته أنا، أي: لا ريب.

    إذاً: نستطيع من هذا أن نقول: من يقول: إن الله كلم موسى تكليماً، أي: جرحه بمخالب الحكمة، فكلامه ساقط؛ لأنه أكد الكلام بقوله: (تكليماً)، وهذا لا يكون إلا في الكلام المسموع حقيقة.

    ما ينوب عن المصدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد وافرح الجذل]

    قوله: (وقد ينوب عنه) أي: عن المصدر، وكلمة (قد) للتحقيق.

    إذاً: قد ينوب عن المصدر ما دل عليه، مثل: جد كل الجد، أي: اجتهد كلّ الاجتهاد، كل: مفعول مطلق، والجد هو المصدر، لكن (كل) دلت عليه، فعلى هذا إذا أردنا أن نعرب نقول:

    جد: فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوباً تقديره أنت.

    كل: مفعول مطلق -ولا نقول: مصدر؛ لأن المصدر هو الجد- فكل مفعول مطلق منصوب على المفعولية المطلقة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وكل مضاف والجد مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره.

    قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44]، (بعض) هنا يصلح أن تكون مفعولاً مطلقاً وأن تكون مفعولاً به؛ لأن الفعل واقع عليها، فإذا قلت: أكرمه بعض الإكرام، فإنها مفعول مطلق؛ لأنها أضيفت إلى المصدر.

    وكذلك: تجلده أشد الجلد، أيضاً مفعول مطلق.

    إذاً: كل ما كان منصوباً مضافاً إلى مصدر الفعل فهو مفعول مطلق.

    قال: (وافرح الجذل) افرح: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.

    الجذل: مصدر، لكنه ليس من لفظ الفعل، بل هو من معناه؛ لأن الجذل هو الفرح، ولو قال: افرح الفرح، لصار مصدراً، لكنه قال: افرح الجذل، فالجذل إذاً مصدر من معنى الفعل وليس من لفظه، فنعربها بأنها: مفعول مطلق، ولا نقول إنها مصدر.

    ومثله أيضاً: قم وقوفاً، قم: فعل أمر، وقوفاً: مفعول مطلق، ولا نقول: مصدر؛ لأن (وقوفاً) ليست مصدراً لقم من لفظه، لكن هذا مصدر له من معناه.

    ومثله: اجلس قعوداً، تقول: اجلس: فعل أمر، قعوداً: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة في آخره.

    إذاً: القاعدة: أن ما أضيف إلى المصدر فهو نائب عنه، ويسمى مفعولاً مطلقاً، وما جاء بمعنى الفعل لا بلفظه فهو نائب عن المصدر، ويعرب بأنه مفعول مطلق.

    إفراد المصدر وتثنيته وجمعه

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [وما لتوكيد فوحد أبدا وثن واجمع غيره وأفردا]

    قوله: (وما لتوكيد) أي: المصدر الذي يراد به توكيد عامله يكون مفرداً، لا مثنى ولا جمعاً، مثل قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] (تكليماً) هذه يقصد بها التوكيد.

    فالذي يراد للتوكيد لا يجوز أن تثنيه ولا يجوز أن تجمعه؛ لأنك لو ثنيته أو جمعته فمعناه: أنك أردت أن تدل به على معنى آخر غير التوكيد، وهو العدد، إذا قلت: حضرت حضوراً، فالمقصود بالمصدر هنا التوكيد، فلا يمكن أن تثنيه ولا تجمعه؛ لأنك إن ثنيته أو جمعته صار دالاً على غير التوكيد، بل على العدد، ولهذا قال: (وثن واجمع غيره وأفردا) أي: غير الذي للتوكيد يجوز تثنيته وجمعه وإفراده، والذي لغير التوكيد هو المبين للعدد والنوع.

    وكلام المؤلف يشمل أن ما أريد به العدد وما أريد به النوع فإنه يجوز أن يثنى ويجمع ويفرد، فتقول فيما يراد به النوع: سرت سيري زيد السريع والبطيء، وتقول مثلاً: نظرت إليه نظرتي غضب وسرور، فهذا مثنى وهو مبين للنوع، فواحدة من النظرات غضب، والأخرى سرور، وكذلك: سرت سيري زيد البطيء والسريع، واحد نوعه بطيء، والآخر نوعه السرعة.

    وكذلك أيضاً ما قصد به العدد، مثل: ضربته ضربة، أي: واحدة، وضربتين، وثلاث ضربات، ومائة ضربة.

    قوله: (وما لتوكيد فوحد أبداً):

    ما: مفعول مقدم لوحد، والفاء: هنا إما أن تكون عاطفة أو مزينة؛ لأنها أحياناً تدخل على الكلمة لتزيين اللفظ مثل قول: (فقط).

    أبداً: يعني في جميع الأحوال.

    (وثن واجمع غيره وأفردا) أي: غير ما للتوكيد وهو ما كان لبيان النوع وبيان العدد فإنه يجوز تثنيته وجمعه وإفراده.

    1.   

    حذف عامل المصدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المفعول المطلق.

    المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن]

    المفاعيل إما مقيدة وإما مطلقة، فالمقيدة تكون مقيدة بالباء، وباللام وبـ(في) وبالواو، والمفاعيل خمسة مجموعة في هذا البيت:

    ضربت ضرباً أبا عمرو غداة أتى وجئت والنيل خوفاً من عقابك لي

    هنا يقول المؤلف: المفعول المطلق، أي: الذي لم يقيد، فما قيل: به، أو فيه، أو له. والعنوان أعم من الأبيات من وجه وأخص من وجه؛ لأنه تكلم عن المصدر، فعندنا مصدر مفعول مطلق.

    والمصدر أعم من المفعول المطلق من وجه، والمفعول المطلق أعم من المصدر من وجه آخر:

    فإذا قلت: وقوفك طويل، (وقوف) هذه مصدر، لكنها ليست مفعولاً مطلقاً، وكذلك: يعجبني قيامك، (قيام) مصدر، ولكنها فاعل.

    أما: فرحت كل الفرح، فـ(كل) مفعول مطلق وليست بمصدر.

    إذاً: المفعول المطلق والمصدر بينهما عموم وخصوص: فالمصدر أعم من وجه، والمفعول المطلق أعم من وجه.

    والمفعول المطلق لا يكون إلا منصوباً، ولكن قد يكون مصدراً، وقد يكون نائباً لهذا المصدر، والمصدر قد يكون منصوباً، وقد يكون غير منصوب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن]

    فإذا قلت: يجلس، فهذه لها مدلولان:

    فقد دلت على الحدث الذي هو الجلوس، وعلى زمن المستقبل، وعلى هذا فقس.

    وقوله: (اسم ما سوى الزمان) ما سوى الزمان هو الحدث.

    مثاله: (كأمن من أمن)، أمْن: هو المصدر، قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82] فـ (الأمن) مصدر: أَمِن، لكنه هنا مرفوع؛ لأنا مبتدأ مؤخر.

    والحاصل: أن المصدر هو الحدث الذي دل عليه الفعل، فهو اسم لأحد مدلولي الفعل وهو الحدث، هذا تفسير ابن مالك.

    وبتفسير أوضح نقول: المصدر -كما قال صاحب الآجرومية- هو الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، تقول: قام يقوم قياماً، جلس يجلس جلوساً، صعد يصعد صعوداً، ونحو ذلك.

    حكم حذف عامل المصدر المؤكد

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [وحذف عامل المؤكد امتنع وفي سواه لدليل متسع]

    قوله: (حذف): مبتدأ، وخبره: (امتنع).

    في سواه: جار ومجرور خبر مقدم.

    متسع: مبتدأ مؤخر.

    يقول المؤلف: إن المصدر المؤكد لا يجوز حذف عامله؛ لأننا نسميه مصدراً مؤكداً، فكيف يوجد المؤكِّد ولا يوجد المؤكَّد؛ لأنه لا تأكيد إلا بوجود مؤكَّد ومؤكِّد، فالذي قصد فيه التأكيد لا يمكن يحذف عامله؛ لأن المقصود بالتأكيد تقوية العامل، فإذا كان العامل غير موجود فأين التوكيد؟

    تقول: ضربت زيداً ضرباً، فلو قلت مثلاً: زيداً ضرباً، لا يجوز؛ لأنه ما دمت تريد أن تؤكد العامل فإنه لا بد أن يوجد العامل حتى يحصل التوكيد، وإلا لحصلت المنافاة؛ إذ إن المحذوف لا وجود له حتى يقال: إنه مؤكَّد.

    إذاً: القاعدة: أن المصدر الذي يراد به التأكيد لا يجوز حذف عامله.

    قوله: (وفي سواه).

    وهو المبين للنوع والعدد، فالمبين للنوع كما لو سألك سائل: كيف سرت؟ فتقول: سيراً بطيئاً، فإنه يجوز؛ لأن المقصود أن تبين النوع، فسواء ذكرت العامل أو حذفته؛ لأن حذفه هنا لدليل دل عليه، وهو قولنا: كيف سرت؟

    ومثله: أيضاً: كيف كان سيرك؟ تقول: سير ذي رشد، أو سير إنسان أحمد، أي: سرت سير ذي رشد.

    كذلك المبين للعدد، مثل: كم ضربت غلاماً؟ تقول: ضربتين، فهنا حذفنا العامل، وأصله: ضربته ضربتين، فهنا يجوز أن تحذف العامل، ولا حاجة لذكره؛ لأنه ليس المقصود من المصدر التوكيد بل بيان العدد.

    فإذا كان المقصود بيان النوع أو بيان العدد فإنه يجوز أن يحذف العامل، ولكن لدليل، ولهذا قيده المؤلف فقال: (وفي سواه لدليل متسع)، أما إذا لم يدل عليه دليل فإنه لا يجوز أن يحذف.

    إذاً: القاعدة في الشطر الأخير: يجوز حذف عامل المصدر الذي يراد به بيان النوع أو العدد لدليل.

    ثم إن المؤلف بعد هذا البيت الذي فيه الاتساع والسهولة ذكر ستة أبيات كلها فيها وجوب حذف العامل.

    حذف عامل المصدر إذا كان نائباً عن فعل الأمر

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [والحذف حتم مع آت بدلا من فعله كندلاً اللذ كاندلا]

    قوله: (الحذف): مبتدأ.

    حتم: خبر المبتدأ، أي: واجب ولازم.

    (مع آت بدلاً من فعله) أي: مع مصدر آت بدلاً من فعله.

    بدلاً: حال من الضمير المستتر في (آت).

    وقوله: (من فعله) أي: من عامله، ومعناه: إذا جعل المصدر نائباً عن الفعل فإنه يحذف الفعل؛ لأنه لا يجتمع النائب والمنوب عنه، والتصرف لا يكون إلا لواحد إما الوكيل أو الموكل، أما أن تجمع الوكيل والموكل فلا يمكن، فإذا ناب المصدر عن فعله فإنه يحذف وجوباً، ولكن لا ينوب المصدر عن فعله دائماً؛ بل في المثال المقيد: (كندلاً اللذ كاندلا).

    وقوله: (كندلاً) الكاف: حرف جر، وندلاً: اسم مجرور بالكاف، وهو الآن منصوب، نقول: الآن لم يسلط الحرف على (ندلاً)، وإنما يجوز في إعرابه وجهان، الوجه الأول: أن تكون الكاف داخلة على مجرور مقدر، والتقدير: كقولك (ندلاً).

    والثاني: أن تكون داخلة على الجملة، فهو يشير إلى بيت معروف، وهو قول الشاعر:

    يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب

    على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلاً زريق المال ندل الثعالب

    هذا شاعر يهجو لصوصاً يسرقون من الأحساء من دارين، فيمرون بالدهناء، والدهناء موضع معروف.

    فيمرون خفافاً عيابهم ليس فيها شيء من المتاع، فإذا وصلوا إلى دارين وسرقوا من متاعها (يرجعن بجر الحقائب) أي: مملوءة، (على حين ألهى الناس جل أمورهم) فيأتون على حين غفلة من الناس.

    (فندلاً زريق المال) الندل معناه: خطف الشيء بسرعة، يقول: ينادي صاحبه: اخطف خطفاً سريعاً، وكن خفيف اليد سريع الروغان كالثعلب.

    فالمهم: أن قوله: (ندلاً) مصدر ناب عن الفعل، ولهذا يقول ابن مالك رحمه الله: (كندلاً اللذ كاندلا) اللذ: لغة في (الذي) أي: كندلاً الذي كاندلا، وكلمة (اندل): فعل أمر، أي: اخطف بسرعة، فإذا جاءت (ندلاً) بمعنى (اندل) وجب حذف عاملها؛ لأنها نابت مناب الفعل الذي هو فعل الأمر.

    وعليه نقول في إعراب (فندلاً زريق المال ندل الثعالب):

    ندلاً: مصدر نائب مناب فعل الأمر منصوب بفعله المحذوف، والتقدير: اندل ندلاً.

    زريق: منادى حذفت منه ياء النداء، والأصل: يا زريق، وزريق اسم رجل.

    المال: مفعول (ندلاً) لأن (ندلاً) نابت مناب (اندل).

    وندل: مصدر مبين للنوع.

    إذاً: لو قال قائل: أنا أريد أن أقول: فاندل ندلاً زريق المال ندل الثعالب، نقول: لا يجوز.

    ولو قلت: ضرباً المهمل، وأنا أريد أن آمر بأن تضربه، فلا يجوز أن أقول: اضرب ضرباً المهمل؛ لأن المصدر نائب عن فعل الأمر، ولا يجتمع النائب والمنوب عنه، أما إذا لم يكن فعل أمر مثل: ضربت ضرباً المهمل، فيجوز ذكر الفعل.

    فالقاعدة إذاً: يجب حذف عامل المصدر إذا ناب عن فعل الأمر، فيشترط أن يكون فعل أمر، وقد أخذنا هذا من التمثيل بقوله: (كندلاً اللذ كاندلا)، فهذا أحد المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر.

    وجوب حذف عامل المصدر إذا جاء المصدر مفصلاً

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا ]

    قوله: (وما لتفصيل) ما: مبتدأ، أي: والذي، والمراد به المصدر الذي جاء مفصلاً.

    وقوله: (عامله يحذف) عامل: مبتدأ ثان، ويحذف: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول.

    فعندنا الآن مبتدآن.

    وقوله: (حيث عنا) أي: حيث عرض، تقول: عنَّ لي كذا، أي: عرض لي.

    معنى البيت: إذا جاء المصدر مفصلاً فإنه يجب حذف عامله.

    وقد جمع المؤلف رحمه الله بين الحكم والمثال، فالمثال قوله: (كإما منا)، يشير إلى قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد:4]، التفصيل: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً أي: إما تمنون مناً، وإما تفدون فداء.

    وتقول مثلاً: إذا لقيت زيداً فإما ضرباً أو إكراماً، أي: إما أضربه ضرباً أو أكرمه إكراماً، فإن كان قد أهمل وفرط في الواجب فجزاؤه الضرب، وإن كان قد قام بالواجب فجزاؤه الإكرام.

    وتقول مثلاً: سأغوص في البحر فإما غنماً وإما إفلاساً. فيجب حذف عامله؛ لأنه للتفصيل.

    إذاً: كلما وجد تفصيل في مصدر فإنه يجب حذف عامله.

    وجوب حذف عامل المصدر إذا تكرر المصدر أو حصر وجاء نائباً عن فعل مستند إلى اسم عين

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند ]

    قوله: (كذا مكرر) أي: كذا مصدر مكرر (وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند).

    إذاً: عندنا أمور:

    الأول: (كذا مكرر).

    الثاني: (وذو حصر ورد) أي: وردا جميعاً، وهنا كان على المؤلف أن يقول: وردا، لكن منعه من ذلك الروي، (ورد نائب فعل) أي: قام مقام هذا الفعل (لاسم عين استند) أي: استند هذا الفعل لاسم عين، أي: لشخص، وضد العين هو المعنى، أي: أنه إذا تقدم اسم معنى وجاء بعده مصدر نائب عن فعل مكرر أو محصور فإنه يجب حذف عامله.

    مثاله: زيد سيراً سيراً.

    فزيد: اسم عين، وسيراً سيراً مصدر مكرر عامله خبر لزيد، أي: استند إلى اسم عين، وأصله: زيد يسير سيراً، فلما كرر المصدر فإنه لو جمعنا بين المكرر وعامله صار في الكلام ثقل، فلهذا وجب حذف العامل، فنقول: زيد سيراً سيراً.

    ومثله: زيد سيراً سيراً سيراً.

    ومثله قولك لإنسان عنده كثرة في الكلام: أنت هذراً هذراً هذراً، أي: تتكلم كلاماً كثيراً.

    فعلى كل حال: إذا جاء مصدر مكرر نائب عن فعل مخبر به عن اسم عين، فإنه يتعين حذف العامل.

    وقوله: (اسم عين) لو أنه استند إلى اسم معنى، كما لو قلت: شأنك ضرباً ضرباً، أي: شأنك تضرب ضرباً ضرباً، فهنا يجوز أن تذكر الفعل؛ لأنه ليس خبراً عن اسم عين؛ إذ إن الشأن معنى من المعاني أو حال من الأحوال، فلا يجب حذفه.

    الأمر الثاني قال: (وذو حصر) من المعلوم أن الحصر يكون بطرق، أشهرها وأكثرها: النفي والإثبات، و(إنما)، وكذلك إذا تقدم ما حقه التأخير فهو دال على الحصر، ومنها: إذا اقترن بضمير فصل فهو دال على الحصر.

    تقول مثلاً: ما زيد إلا سيراً، والتقدير: إلا يسير سيراً.

    ما زيد إلا انطلاقاً، أي: إلا ينطلق انطلاقاً، فهنا الحصر بالنفي والإثبات.

    وتقول في (إنما): إنما زيد مشياً، أي: يمشي مشياً، فهنا حصر بـ(إنما).

    إذاً: هذا البيت معناه: أنه إذا جاء المصدر نائباً عن فعل مخبر به عن اسم عين وهو مكرر أو محصور فيه، فإنه يتعين حذف عامله.

    وجوب حذف عامل المصدر المؤكد لنفسه والمؤكد لغيره

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ ومنه ما يدعونه مؤكدا لنفسه أو غيره فالمبتدا

    نحو له علي ألف عرفا والثان كابني أنت حقاً صرفا ]

    قوله: (ومنه) أي: من المصادر التي يجب حذف عاملها (ما يدعونه مؤكداً لنفسه أو) مؤكداً (لغيره)، وهو ما وقع بعد جملة يؤكدها.

    فإن كانت الجملة لا تحتمل سواه سمي مؤكداً لنفسه، وإن كانت الجملة تحتمله وغيره سمي مؤكداً لغيره، وهذا معنى قوله: (ما يدعونه مؤكداً لنفسه أو غيره).

    فالمؤكد هو الذي يأتي بعد جملة هي بمعناه، ثم إن كانت لا تحتمل غيره سمي مؤكداً لنفسه؛ لأنه مؤكد للجملة قبله، وهي نفس المصدر، وإن كانت تحتمله وغيره صار مؤكداً لغيره، ومعنى أنه مؤكد لغيره: أنه مانع غيره أن تكون الجملة بمعناه.

    وقد ضرب المؤلف لكل واحد مثالاً فقال: (نحو له علي ألف عرفاً) فقوله: (عرفاً) اسم مصدر بمعنى: اعترافاً، أي: له علي ألف اعترافاً. وهذا اعتراف صريح واضح، وعليه نقول: (عرفاً) مصدر مؤكد لنفسه؛ لأنه مؤكد لجملة بمعناه لا تحتمل غيره، والفعل محذوف، والتقدير: أعترف بذلك اعترافاً، وقد حذفنا الفعل لأن الجملة بمعناه، فالفعل هو: (أعترف)، والجملة: (له علي ألف).

    ولهذا نقول: لقد حذف العامل الذي هو ناصب المصدر لأن الجملة بمعناه تماماً، فلا حاجة إلى ذكره.

    إعراب المثال: له: جار ومجرور خبر مقدم.

    علي: جار ومجرور في موضع نصب على الحال من (ألف)، و(ألف) نكرة، ولو تأخرت (علي) عن (ألف) لصارت نعتاً لها: له ألف علي، لكن إذا تقدم النعت على النكرة جعل حالاً.

    ألف: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.

    عرفاً: مفعول مطلق منصوب على المفعولية المطلقة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو مؤكَّد للجملة السابقة، وعامله محذوف وجوباً.

    قوله: (والثان كابني أنت حقاً صرفاً) هذا مثال للمؤكد لغيره.

    قوله: (ابني أنت) يمكن أن يكون ابنه حقيقة ويمكن أن يكون ابنه غير حقيقة، أي: أنت بمنزلة ابني، فقال له: ابني، من باب الاحترام والتكريم، فلما قال: (حقاً) أكد أنه ابنه حقيقة، لكن هل الجملة التي قبله بمعناه؟

    ليست بمعناه؛ لأنها تحتمل أنه ابنه حقاً، أو ابنه مجازاً؛ ولهذا يسمون هذا المصدر: مؤكداً لغيره، وتقدير الكلام: أحق ذلك حقاً، وحقاً: مصدر عامله محذوف وجوباً تقديره: أحق، أي: أثبت ذلك إثباتاً.

    وإعراب المثال:

    ابني: خبر مقدم.

    أنت: مبتدأ مؤخر، ولو كان الكلام لإنسان يسأل: هل أنا ابنك؟ فقال: ابني أنت، لقلنا: ابني: مبتدأ، وأنت: خبر، ونحن الآن لا نريد تعيين من هو ولده؛ بل نريد أن نخبر عن هذا الرجل المخاطب أنه ابنه حقاً، فعلى هذا يكون (ابني): خبراً مقدماً، و(أنت) مبتدأ مؤخراً.

    وفي إعراب: (أنت) رأيان:

    الأول: أن: مبتدأ مؤخر، والتاء حرف خطاب، والثاني: إعرابها كلها مبتدأ.

    حقاً: مصدر عامله محذوف وجوباً، منصوب على المصدرية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.

    صرفاً: هذا تأكيد آخر، والصرف: الذي لا يختلط بشيء، فمعناه: أنك ابني حقاً خالصاً.

    وجوب حذف عامل المصدر إذا قصد به التشبيه بعد جملة

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ كذاك ذو التشبيه بعد جمله كلي بكاً بكاء ذات عضله ]

    قوله: (ذو) بمعنى صاحب، وهو مبتدأ خبره قوله: (كذاك).

    (كذاك ذو التشبيه) أي: كذلك المصدر الدال على التشبيه بعد جملة، مثاله: (لي بكاً) الجملة الآن تامة، وهذا البكاء ليس بكاء صغير ولا كبير، بل: بكاء ذات عضلة، إذاً: بكاء: مصدر، والتقدير: أبكي بكاء ذات عضلة، وما معنى عضلة؟

    قيل: إن العضلة الداهية، وقيل: العضلة منعها من الزواج، فالتي منعت من الزواج تبكي على فراق محبوب، والتي أصيبت بداهية تبكي على حصول مكروه، وهذا أعظم.

    إذاً: نقول: بكاء: مصدر يراد به التشبيه، وعامله محذوف وجوباً، والتقدير: أبكي بكاء مثل بكاء ذات عضلة.

    وكلمة (بكاء) هل هي مقصورة أو ممدودة؟

    يقولون: البكاء بدون صوت يقال له: بكا، فهو مقصور، ومع الصوت يقال: بكاء، بالمد، قال الشاعر:

    بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل

    ففي الأول قال: وحق لها بكاها؛ لأن بكاء العين بدون صوت، وفي الثاني قال: وما يغني البكاء ولا العويل، وهو البكاء بالصوت؛ لأنه قال: ولا العويل.

    فيكون ابن مالك رحمه الله أراد بقوله : (لي بكاً) بكاء العين، ولكن قوله: (بكاء ذات عضلة) المراد البكاء المصحوب بالصوت.

    إذاً: القاعدة: يجب حذف عامل المصدر إذا أريد به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى.

    1.   

    المفعول له

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ المفعول له

    ينصب مفعولاً له المصدر إن أبان تعليلاً كجد شكراً ودن

    وهو بما يعمل فيه متحد وقتا وفاعلا وإن شَرْط فُقِد

    فاجرره بالحرف وليس يمتنع مع الشروط كلزهد ذا قنع

    وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل وأنشدوا

    لا أقعد الجبن عن الهيجـاء ولو توالت زمر الأعداء ]

    ذكرنا أن المفاعيل خمسة: مفعول مطلق، وبه، وله، وفيه، ومعه. ومُثلت بهذا البيت:

    ضربتُ ضرباً أبا عمروٍ غداة أتى وسرت والنيل خوفاً من عقابك لي

    والمفعول له هو أحد المفاعيل الخمسة، ويقال: المفعول له، ويقال: المفعول لأجله، ويقال: المفعول من أجله، يعني: أن عبارات النحويين اختلفت فيه. فقائل يقول: مفعول له. وبعضهم يقول: مفعول من أجله. وبعضهم يقول: مفعول لأجله، والمعنى واحد.

    والمفعول من أجله هو المصدر المنصوب المبين لعلة الفعل. مثاله: قمتُ إجلالاً لك. (إجلالاً) مصدر فعله أَجَلَّ يُجِلُّ إجلالاً. وهذا المصدر يبين علة الفعل، فالسبب في فعل القيام هو الإجلال لك.

    وعلة الفعل هي سبب الفعل، فمثلاً قوله تعالى: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف:56]. خوفاً: مصدر مبين لعلة الفعل، أي: ادعوه للخوف والطمع. فمقام الخوف: أن تتعوذوا بالله مما تخافون، ومقام الطمع أن تسألوا الله تعالى ما تطمعون به.

    وشروط المفعول لأجله:

    الشرط الأول: أن يكون مصدراً: فغير المصدر لا يمكن أن يكون مفعولاً لأجله أو مفعولاً له.

    الشرط الثاني: إن أبان تعليلاً، وخرج به ما لا يبين العلة؛ فإنه لا يسمى مفعولاً له وإن كان مصدراً.

    كذلك أيضاً: (وهو بما يعمل فيه متحد) هذا شرط ثالث ورابع، فالذي يعمل فيه هو الفعل. فيشترط أن يتحدا وقتاً وفاعلاً، يعني: يشترط أن يكون هذا المصدر متحداً مع الفعل في الوقت والفاعل، بمعنى: أن يقع الفعل والمصدر في وقت واحد، ويكون الفاعل من الفعل هو الذي تلبس بهذا المصدر.

    مثاله المنطبق عليه الشروط: جُد شكراً.

    جد: فعل أمر من الجود، يعني: صر جواداً، أي: كريماً.

    شكراً: هذا مصدر، فعله: شكر يشكر شكراً، وهذا المصدر مبين لعلة الفعل. أي: جُد حال كونه بك شكراً، إذاً: هو مبيِّن لعلة الفعل، والفاعل الذي جاد شكراً واحد، والوقت واحد. أي أن الشكر مقارن للجود، وفاعل الشكر هو فاعل الجود.

    ومعنى (جُد شكراً) جد لأجل الشكر، أي: لأجل أن تشكر الله عز وجل، وليس لأجل أن تُشكر؛ لأنه لو كان المعنى جُد لتشكر، لما صح، إذ إن الشاكر غير الجائد فيكون الفاعل مختلفاً.

    ونحن لولا أن ابن مالك قال: (وقتاً وفاعلاً) كنا سنقول: يجوز أن يكون المعنى جُد لتُشكر، لكن ابن مالك نفسه يقول: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً).

    قوله: (ودن) هي من دان يدين، أو من الدين، يعني جُد وأعط الدين، فالجود مثلاً بالهبة والدين بالقرض، أي: دن بقرض، يعني: أعط الناس ديناً، فكأن ابن مالك أمرنا بالإحسان إما على سبيل الهبة والتبرع، وإما على سبيل القرض، لكن الاحتمال الأول أظهر، أعني أن (دن) من الدِّين وليست من الدَّين، يعني: جُد شكراً ودن شكراً، فكأنه أمرك أن تدين بطاعة الله سبحانه وتعالى شكراً له، وتجود بمالك أيضاً شكراً لله على ما أعطاك، وهذا المعنى أحسن.

    وقوله: ينصب: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع.

    مفعولاً: حالاً من المصدر الذي هو نائب فاعل، أي: ينصب المصدر حال كونه مفعولاً له.

    ومثال ما اختل فيه شرط: أن تقول: أقومُ الآن إجلالاً لك غداً، فاختلف الوقت.

    وكذلك إذا قلت: أُكرِمكَ شكراً لي.

    أكرمك: الفاعل أنا. شكراً لي: الشاكر هو المُكرَم، فاختلف الفاعل فلا يجوز.

    وهذا الشرط الأخير: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً) فيه خلاف بين النحويين، فـسيبويه وكثير من النحويين إن لم يكن أكثرهم يقول: ليس بشرط. وسيبويه هو إمام مدرسة البصرة.

    ولو اختاره من دون سيبويه لقلنا إن الصواب معه؛ لأنه أسهل، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الروم:24]، يعني: لتخافوا وتطمعوا، فنقول: هو مفعول لأجله، وفاعل (يري) هو الله، والخائف والطامع هو المخلوق، فاختلف الفاعل.

    إذاً: نصب المصدر هنا مفعولاً له مع أن الفاعل مختلف.

    وهذا واضح ليس فيه أدنى تكلف، لكن يقولون: إن حجة النحوي كنافقاء اليربوع؛ إن حجرته من الباب خرج من النافذة، فالذي يقول لا بد من اتفاق الفاعل يقول في الآية: (خوفاً وطمعاً): إن خوفاً بمعنى: إخافة، وطمعاً بمعنى: إطماع، أي: يريكم ليخيفكم ويطمعكم، وحينئذ يتفق الفاعل.

    أو يقول: خوفاً وطمعاً مصدر في موضع الحال من الكاف في قوله: (ليريكم)، أي: يريكم حال كونكم خائفين وطامعين، وحينئذ يبقى الشرط قائماً.

    ولكننا نقول: هاتوا دليلاً على اشتراط هذا؟ ولا يوجد دليل على الاشتراط، لو كان هناك دليل على الاشتراط لقلنا: نعم، يمكن تخريج الآية على ما ذكرتم، لكن ما دام لا يوجد دليل وعندنا شاهد ظاهره عدم اشتراطه فإن الأولى عدم الاشتراط، وهذا إن شاء الله هو الصحيح.

    إنما الشرط الأساسي هو: أن يكون مصدراً مبيناً لعلة الفعل، ولهذا قلنا: مفعول له، واللام للتعليل، أو مفعول من أجله، أو مفعول لأجله.

    إعراب: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً):

    وهو: مبتدأ، ومتحد: خبر المبتدأ، يعني: وهو متحدٌ بما يعمل فيه.

    وقتاً: ظرف، يعني في الوقت.

    وفاعلاً: منصوب بالخافض، يعني: وفي الفاعل.

    وقوله: (وإن شرط فقد).

    إن: شرطية.

    شرط: فيه ثلاثة إعرابات: الأول: فاعل لفعل محذوف. الثاني: فاعل مقدم للفعل المذكور. الثالث: مبتدأ خبره الفعل المذكور.

    فالبصريون يقولون: شرطٌ: فاعل لفعل محذوف.

    والكوفيون يقولون: فاعل مقدم للفعل الموجود، والتقدير: وإن فُقِد شرط.

    وآخرون من النحويين يقولون: شرط: مبتدأ، وفُقد: خبر المبتدأ.

    قوله: (فاجرره بالحرف)، وفي نسخة: فاجرره باللام، والمقصود بالحرف حرف التعليل، والدليل على أن المؤلف يريد حرف التعليل قوله: (إن أبان تعليلاً) واللام ومن وفي، تأتي للتعليل، وكذلك (على) تأتي للتعليل.

    المهم كل ما ذكر بأنه من حروف التعليل إذا فُقد شرط فإن المصدر يُجر به، فإذا قلت مثلاً: أكرمتك شكراً لي: فقد فقد شرطاً على رأي المؤلف وهو اتحاد الفاعل، فعلى هذا أجره باللام فأقول: أكرمتك للشكر لي.

    قوله: (وليس يمتنع مع الشروط).

    أي: لا يمتنع أن تجره بالحرف ولو تمت الشروط، فبهذا عرفنا أن المفعول من أجله لا يتعين نصبه؛ لأنه يجوز أن يجر باللام، مثاله: (كلزهد ذا قنع) أصل التركيب: هذا قنع زهداً، ولذلك نعربه فنقول:

    ذا: مبتدأ.

    قنع: فعل ماض، والجملة خبر المبتدأ.

    زهداً: مفعولٌ من أجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، لكن يجوز أن ندخل عليه اللام ونقول: لزهد ذا قنع.

    فالشروط تامة في قوله: (هذا قنع زهداً) فالزاهد هو القانع، ووقت الزهد وقت القنوع، ومع ذلك يجوز أن تجره فتقول: قنع هذا للزهد.

    فالمؤلف إذاً يبين لنا أنه إذا اختل الشرط وجب جره بالحرف، وإذا تمت الشروط جاز جره بالحرف وجاز نصبه، وأيهما أكثر النصب أو الجر؟ قال:

    (وقَل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل)

    وفي النسخة الثانية: وقل أن يصحبه المجرد، وعليها يتضح المعنى، لأن الضمير يعود على الحرف، أي: أن المجرد من أل قل أن يصحب الحرف، فتقول: قنع هذا زهداً، وقل أن يقال: قنع هذا لزهد.

    قوله: (والعكس في مصحوب أل).

    أي: يكثر اقتران الحرف مع أل، مثل: قنع هذا للزهد، ويجوز: قنع هذا الزهدَ، لكنه قليل.

    والحاصل أنه إذا لم تتم الشروط فلابد من أن يجر بالحرف، سواء كان المصدر مجرداً من أل أم غير مجرد، وإذا تمت الشروط جاز فيه وجهان وهما: النصب، والجر بحرف التعليل، لكن أيهما أكثر؟

    النصب أكثر إن كان المصدر مجرداً من أل: (قنع هذا زهداً)، والجر أكثر إن كان المصدر مقترناً بأل، ويقل النصب حينئذ، ومن هذا القليل ما ذكره ابن مالك بقوله: (وأنشدوا

    لا أقعد الجبن عن الهيجـاء ولو توالت زمر الأعداء

    وكان الأصل أن يقول: لا أقعد من الجبن، فيجره بالحرف، ولكن يصح:

    لا أقعد الجبنَ عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء

    وهذا البيت لا يعتبر من الألفية كما ذكرنا في المقدمة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007965140

    عدد مرات الحفظ

    720727489