إسلام ويب

شرح ألفية ابن مالك [25]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • (إن) هي أم الباب في الحروف الناصبة للمبتدأ الرافعة للخبر، وقد تفتح همزتها وقد تكسر، وقد بين العلماء مواضع وجوب فتحها ووجوب كسرها وجواز ذلك.

    1.   

    مواضع جواز فتح همزة إن وكسرها

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي

    مع تلو فا الجزا وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد ]

    هذا قسم ثالث: وهو أنه يجوز في همزة إن الفتح والكسر، بمعنى: أنك إذا كسرت لا تغلط، وإذا فتحت لا تغلط، وقد ذكر المصنف في هذين البيتين مواضع جواز الفتح والكسر:

    الأول: إذا وقعت بعد إذا الفجائية فإنه يجوز فيها الكسر ويجوز فيها الفتح، وإذا الفجائية: هي الدالة على مفاجأة ما بعدها لما قبلها، أي: أن ما بعدها أتى مفاجأة، كقولك: (حضرت فإذا الأسد) أي: ففاجأني الأسد، فإذا جاءت إن بعد إذا الفجائية جاز فيها وجهان: الكسر على أنها جملة استئنافية، بمعنى: أنها جملة مستقلة لا علاقة لها بما سبق، والفتح على أنها جملة مصدرية تؤكد ما بعدها بمصدر.

    مثاله: قول الشاعر:

    وكنت أُرى زيداً كما قيل سيداً إذا أنه عبد القفا واللهازم

    أو: وكنت أَرى زيداً، يجوز فيها الوجهان.

    ومعنى البيت: كنت أرى زيداً سيداً كما قيل فيه -وعلى ضم همزة أُرى أي: أظنه- ولكن خاب ظني فيه إذا أنه عبد القفا واللهازم، أي: فاجأني الأمر فوجدت أن الرجل عبد القفا واللهازم.

    فهنا همزة (أنه) يجوز فيها وجهان: الفتح على أنها مؤولة بمصدر والخبر محذوف، أي: إذا عبوديته حاصلة؛ مثلاً.

    ويجوز الكسر على أنها جملة استئنافية، وحينئذ لا حاجة إلى التقدير؛ لأن الجملة الاستئنافية لا تؤول فيها (إن) بمصدر، فلا تحتاج إلى مبتدأ ولا إلى خبر، والجملة (إنه عبد القفا واللهازم) تامة، لا تحتاج إلى تقدير شيء محذوف.

    إذاً: نقول: إذا وقعت (إن) بعد إذا الفجائية فلك في همزتها وجهان: الأول: الفتح على أنها تسد مسد المصدر، ويجب في هذه الحال أن يقدر الخبر محذوفاً.

    والثاني: الكسر على أنها جملة مستأنفة، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير خبر؛ لأن الجملة تامة.

    الثاني: قال: (أو قسم لا لام بعده).

    إذا وقعت في قسم ليس بعده لام فإنه يجوز فيها الوجهان، لكن هذا إذا ذكر فعل القسم، مثل: حلفت بالله إنك فاهم، فيجوز أن نقول: حلفت بالله أنك فاهم، وحلفت بالله إنك فاهم، فعلى الكسر تكون جملة استئنافية، وعلى الفتح تكون مؤولة بمصدر والخبر لابد أن يكون محذوفاً.

    أو نقول: لا حاجة للخبر؛ لأننا نقدرها مجرورة بحرف الجر المحذوف؛ لأن حرف الجر يطرد حذفه مع أنْ وأنَّ، قال الشاعر:

    أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبي

    فيجوز في (أن) الفتح ويجوز الكسر.

    فعلى الكسر نقول: إن الجملة مستأنفة، أي: تحلفي، إني أبو ذيالك الصبي.

    وعلى الفتح نقول: الجملة في موضع الاسم المفرد الذي حذف منه حرف الجر، والتقدير:

    أو تحلفي بربك العلي بأني أبو ذيالك الصبي؛ لأن حذف حرف الجر مع أنَّ وأنْ يطرد، كما ذكر ابن مالك في الألفية.

    إذاً: يجوز في (إن) إذا وقعت جواباً لقسم ذكر فيه الفعل وجهان:

    الوجه الأول: فتح الهمزة.

    والثاني: كسرها.

    فعلى الكسر تكون الجملة استئنافية، وعلى الفتح تكون الجملة في محل نصب بنزع الخافض، ويقدر الخافض مناسباً للمقام.

    فإن وجدت اللام في هذه الجملة تعين الكسر، مثل قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [التوبة:56]، فهنا يتعين الكسر لوجود اللام، وإذا وجدت اللام صار الفعل معلقاً بها، وقد سبق أن العرب يكسرون من بعد الفعل المعلق باللام.

    الموضع الثالث: قال: (مع تلو فا الجزا) أي: إذا وقعت أن بعد الفاء الرابطة للجواب فإنه يجوز فيها الوجهان: الكسر والفتح، فعلى الكسر تكون جملة استئنافية، وعلى الفتح تكون جملة مؤولة بمصدر ويكون الخبر محذوفاً، مثل قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ.. [الأنعام:54]، فهنا (أن) وقعت في جواب الشرط المقرون بالفاء، فيجوز في همزتها الفتح والكسر: (فأنه) و(فإنه).

    ونأتي بمثال من عندنا لنتمكن من التصرف فيه:

    إذا زارني زيدٌ فإنه صادق في المودة.

    يجوز: فأنه صادق، ويجوز: فإنه صادق، فعلى الفتح نقول: الفاء رابطة للجواب، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر أي: فصدقه، والخبر على هذا محذوف والتقدير: فصدقه ثابت.

    أما إذا جعلناها مكسورة فنقول: الفاء رابطة للجواب، وإن: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والهاء اسمها، وصادق خبرها، ولا نحتاج إلى تقدير.

    الموضع الرابع: قال: (وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد).

    ذا: المشار إليه جواز الفتح والكسر.

    والمعنى: أنه يجوز الوجهان أيضاً في نحو هذه الجملة: (خير القول إني أحمد)، فيجوز في همزة إن الفتح على أنها في تأويل مصدر، والخبر محذوف، أي: خير القول حمد الله.

    والكسر على أنها جملة استئنافية، أي: خير القول أن أقول: إني أحمد الله، فوجه الكسر أن جملة: إني أحمد الله، وقعت خبراً للمبتدأ، ولم تحتج إلى رابط؛ لأنها في معنى المبتدأ، وقد قال ابن مالك فيما سبق:

    وإن تكن إياه معنى اكتفى بها كنطقي الله حسبي وكفى

    والقاعدة في هذا: إذا وقعت إن خبراً عن قول، وخبرها قول، وفاعل القولين واحد؛ جاز الوجهان.

    والكسر أشد توكيداً في كون الإنسان يحمد الله.

    قوله: (بعد إذا فجاءة أو قسم).

    بعد: ظرف متعلق بقوله: نمي، وبعد مضاف وإذا: مضاف إليه، وإذا مضاف وفجاءة: مضاف إليه.

    أو قسم: معطوف على إذا، والمعنى: أو بعد قسم.

    لا لام بعده: لا: نافية للجنس، ولام: اسمها، وبعده: الظرف متعلق بمحذوف خبر لا النافية للجنس، والجملة في موضع صفة لقسم.

    بوجهين: جار ومجرور متعلق بنمي.

    نمي: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، وهذا أحسن من قولنا: للمجهول؛ لأنه قد يكون معلوماً، ولكن أخفاه المتكلم، ولهذا فعبارة الآجرومية جيدة، حيث قال: باب ما لم يسم فاعله.

    ونمي بمعنى: ذكر، أي: بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده ذكر بوجهين، أي: وجهين في همزة إن: الفتح والكسر.

    قوله: (مع تلو فا الجزاء):

    مع: ظرف، والظاهر أنها ساكنة من أجل استقامة البيت، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فالفتح أكثر؛ لقول ابن مالك في الألفية:

    ومَعَ معْ فيها قليل... .....................

    وهذا الظرف متعلق بمحذوف، والتقدير: وذلك مع تلو فاء الجزاء، أي: يجوز الوجهان مع إن التي تتلو فاء الجزاء.

    وقوله: (وذا يطرد)، ذا: مبتدأ، وهو اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع.

    يطرد: فعل مضارع، والجملة خبر ذا.

    وقوله: (في نحو خير القول)، في نحو: متعلق بـ (يطرد)، وهو مضاف و(خير القول إني أحمد)، الجملة كلها مضاف إليه، والتقدير: في نحو هذا المثال.

    أحوال همزة إن إذا كانت جواباً للقسم

    إذا ذكر الفعل ولم يقترن باللام جاز الوجهان:

    الكسر والفتح، تقول: حلفت إن زيداً قائم، وحلفت أن زيداً قائم، ويكون للفتح وجه؛ لأنه ذكر المتعلق، ويكون الموجب لفتح الهمزة محذوف وهو: على، حلفت على أن زيداً قائم.

    وإن اقترنت باللام وجب الكسر، فصار يجب الكسر بالقسم في موضعين:

    الأول: إذا لم يذكر فعل القسم، سواء ذكرت اللام أو لم تذكر.

    مثاله: والله إن زيداً قائم.

    الثاني: إذا ذكر فعل القسم وعلق باللام.

    مثاله: حلفت إن زيداً لقائم.

    1.   

    دخول لام الابتداء على خبر إن المكسورة

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء نحو إني لوزر

    ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا

    وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا ]

    قوله: (بعد ذات الكسر) بعد: ظرف متعلق بتصحب.

    والخبر في قوله: (تصحب الخبر): مفعول تصحب.

    لام ابتداء: فاعل تصحب، وتقدير الكلام: وتصحب الخبر لام ابتداء بعد ذات الكسر.

    وذات الكسر في هذه الحروف الستة هي (إن)، فظاهر كلام المؤلف أن الخمسة الأحرف الباقية لا تصحب خبرها لام الابتداء، وهي: أن، وليت، وكأن، ولكن، ولعل، فلا تصحب لام الابتداء إلا خبر إن المكسورة نحو: إني لوزر، أي: إني لقوي، فإن هنا مكسورة، والياء اسمها، ووزر خبرها، واللام للابتداء.

    فإذا قال القائل: لماذا نسميها لام ابتداء وهي متطرفة في الخبر؟

    قلنا: لأن الأصل أن تقع في المبتدأ، أي: في أول الجملة، ولكنها تأخرت لوجود إن، وذلك أن (إنَّ) للتوكيد واللام للتوكيد، قالوا: فلا ينبغي أن يجمع بين مؤكدين في أول الكلام، ولهذا يسمونها: اللام المزحلقة؛ لأنها زحلقت من أول الكلام إلى آخره، فلا يجوز أن تقول: لإني ذو وزر، ولا يجوز أن تقول: إن لزيداً قائمٌ، ويجوز أن تقول: إن زيداً لقائم، فمواضع اللام إذاً ثلاثة: قبل إن، وبعدها وقبل الاسم، وبعد الاسم وقبل الخبر، والموضع الجائز هو الثالث، ولهذا قال: تصحب الخبر لام ابتداء نحو: إني لوزر.

    إذاً: لا تصحب لام الابتداء إلا خبر إنَّ المكسورة، فلا يجوز أن تقول: ليت زيداً لقائم، ولا: لعل زيداً لقائم، ولا: ما قام زيدٌ لكن عمراً لقائم، ولا كأن زيداً لأسد؛ لأن المؤلف خص الجواز بذات الكسر.

    متى يمتنع دخول لام الابتداء على خبر إن

    ثم قال:

    [ ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا ]

    ذي: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.

    ما: فاعل مؤخر، وهو اسم موصول.

    قد نفي: الجملة صلة الموصول.

    ومعنى ذلك: أن لام الابتداء التي تقع في خبر إن لا يليها ما نفي؛ لأن اللام للتوكيد، والنفي بخلاف ذلك، فلا يمكن أن يجمع بين الشيء ونقيضه أو ضده، فلا يصلح أن تقول: إن زيداً لما قام؛ لأنك حينئذٍ جمعت بين الإثبات والنفي، فلا يصح.

    وقال بعض النحويين: إنه يصح، ويكون هذا توكيداً للنفي لا توكيداً للإثبات.

    وقال بعضهم: إن الممنوع حرف النفي لا الاسم الدال على النفي، فيجوز: إن زيداً لغير فاهم، ولا يجوز: إن زيداً لما فهم؛ لأن (ما) مع اللام ظاهرة المنافاة، بخلاف (غير) وشبهها.

    لكن المشهور ما مشى عليه ابن مالك رحمه الله: أن كل ما دل على النفي فإنه لا يمكن أن يجتمع مع لام التوكيد.

    قوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا)، أي: ولا يليها من الأفعال الذي مثل رضي.

    وقوله: (ما كرضي) يجوز أن نجعل الكاف هنا اسماً، ونقول: ما مثل رضي، وتكون في محل رفع والمبتدأ محذوف، والجملة صلة الموصول، أي: ما هو مثل رضي، ويجوز أن نجعلها حرف جر، ويكون المراد بقوله: (رضي) اللفظ، فتكون داخلة على الفعل باعتبار لفظه، ويكون الجار والمجرور خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ما هو كرضي.

    وإذا نظرنا إلى (رضي) نجد أنه فعل، وأنه ماض، وأنه متصرف، وعليه نأخذ من هذا قاعدة: أن اللام لا تدخل على خبر إن إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً.

    فخرج بقولنا: (إذا كان فعلاً)، ما إذا كان اسماً وقد سبق.

    وخرج بقولنا: (ماضياً) ما إذا كان فعلاً مضارعاً، مثل: إن زيداً ليقوم، فهذا جائز.

    وخرج بقولنا: (متصرفاً) ما إذا كان غير متصرف، مثل: إن زيداً لعسى أن يفهم؛ لأن (عسى) هذه جامدة، فيجوز أن تقترن بها اللام.

    ثم قال:

    [ وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا ]

    قوله: (وقد يليها مع قد)، قد: للتقليل، والقاعدة: أن قد إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل، وقد يراد بها التحقيق، مثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور:64]، ومثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب:18].

    ومعنى ذلك: أنه قد يلي هذه اللام الفعل الماضي المتصرف مع قد، وعلى هذا ففي قوله: (يليها) ضمير مستتر يعود على قوله: (ما كرضي).

    قوله: (كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا).

    كإن ذا: الكاف حرف جر.

    و(إن ذا لقد سما على العدا مستحوذا): مجرور بالكاف باعتبار اللفظ.

    أما إعراب هذا المثال فنقول:

    إن: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.

    وذا: اسمها مبني على السكون في محل نصب؛ لأنه اسم إشارة.

    لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق.

    سما: فعل ماض، وهو فعل ماض متصرف، لكن جاز دخول اللام عليه لأنه فصل بينه وبينها بقد، وفاعل سما مستتر جوازاً تقديره هو.

    على العدا: جار ومجرور متعلق بسما.

    مستحوذاً: حال من فاعل سما، والاستحواذ بمعنى السيطرة.

    والحاصل: أن ابن مالك رحمه الله يقول: إنه يمتنع دخول لام التوكيد على خبر إن إذا كان منفياً، هذا الأول.

    والثاني: إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً لم يقترن بقد؛ لأنه قال: إنه قد يليها مع قد.

    دخول اللام على غير خبر إن المكسورة

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل واسماً حل قبله الخبر ]

    قوله: (تصحب) الفاعل يعود على اللام.

    الواسط: مفعول به.

    معمول الخبر: صفة للواسط.

    والفصل: معطوف على الواسط.

    واسماً: كذلك معطوف عليه.

    حل: فعل ماض.

    قبله: قبل: ظرف متعلق بـ (حل)، وهو مضاف والهاء ضمير في محل جر مضاف إليه.

    الخبر: فاعل.

    ذكر المؤلف رحمه الله أن اللام بالإضافة إلى صحبتها للخبر تصحب ثلاثة أشياء:

    الأول: معمول الخبر إذا كان متوسطاً بين الاسم والخبر، مثل: إن زيداً لطعامك آكلٌ.

    إن زيداً: إن واسمها.

    لطعامك: اللام للتوكيد، وطعام: مفعول مقدم لآكل الذي هو الخبر، وهو مضاف إلى الكاف.

    آكل: خبر إن مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.

    هذا هو الواسط معمول الخبر.

    الثاني: وتصحب الفصل، ويريد بالفصل ما يعرف بضمير الفصل عند البصريين، أو بالعماد عند الكوفيين.

    وضمير الفصل اختلف النحويون: هل هو اسم أو حرف أو كلمة زائدة؟

    والصحيح أنه حرف جاء على صورة الضمير، وليس باسم.

    واختلفوا أيضاً: هل له محل من الإعراب أم لا؟ والصحيح أنه لا محل له من الإعراب، كما في قوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40]، فلو كان له محل من الإعراب لقال: (هم الغالبون) فدل هذا على أن الواو اسم (كان)، و(الغالبين) خبرها.

    ولضمير الفصل ثلاث فوائد:

    الفائدة الأولى: التوكيد؛ لأنه يؤكد الجملة، فإذا قلت مثلاً: زيدٌ هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيدٌ فاضل.

    الفائدة الثانية: الحصر؛ بأن يكون هذا الحكم خاصاً بالمحكوم عليه، فأنت إذا قلت: زيد هو الفاضل، أي: لا غيره.

    الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا هو سبب تسميته فصلاً؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا في المثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فإن الفاضل هنا يحتمل أن تكون صفة، وننتظر الخبر، فيلزم أن تقول: زيدٌ الفاضل موجود، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون الفاضل خبراً.

    فإذا وجد ضمير الفصل بين اسم إنَّ وخبرها فإن اللام تدخل عليه، تقول: إن زيداً لهو الفاضل، قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران:62]، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16].. والأمثلة في ذلك كثيرة.

    الثالث: قال: (واسماً حل قبله الخبر)، أي: وتصحب هذه اللام الاسم إذا حل قبله الخبر، ومن لازم حلول الخبر قبله أن يكون متأخراً، فكأنه قال: والاسم إذا تأخر عن الخبر فإن اللام تقترن به، قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً [آل عمران:13] .. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى [الزمر:21]، والأمثلة على هذا كثيرة.

    إذاً: لام التوكيد تصحب أموراً أربعة: الخبر، ومعموله المتوسط، وضمير الفصل، والاسم المتأخر، لكن لا تصحب الخبر إلا بشروط:

    الأول: أن يكون مثبتاً؛ لقوله: (ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا).

    الثاني: ألا يكون فعلاً ماضياً متصرفاً، غير مقترن بقد، لقوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا.. وقد يليها مع قد).

    1.   

    دخول ما الكافة على إن وأخواتها

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل

    وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا

    وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن ]

    لما بين المؤلف رحمه الله ما يتعلق بإن وأخواتها من العمل وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، ذكر أن هناك موانع تمنع من عمل إن وأخواتها، فقال:

    (ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل).

    قوله: (وصل) مبتدأ، وهو مضاف إلى (ما).

    بذي الحروف: متعلق بوصل.

    مبطل: خبر وصل.

    إعمالها: يجوز فيه وجهان: النصب على تقدير أن (مبطل) منون، والجر على تقدير أنها مضافة.

    غير منونة، فتقول على الوجه الأول: مبطلٌ إعمالهَا، وعلى الوجه الثاني: مبطلُ إعمالهِا، ولكن الوجه الأول أولى، أي: أن تكون منصوبة ليكون اسم الفاعل بمنزلة الفعل، وكأنه قال: وصل ما بذي الحروف يبطل إعمالها.

    قوله: (وقد يبقى العمل) قد: للتقليل.

    يبقى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله.

    العمل: نائب فاعل.

    يقول رحمه الله: إن وصل (ما) -وهي حرف- بهذه الحروف يبطل عملها.

    وقد قلت: (وهي حرف) احترازاً من (ما) الموصولة، فإن (ما) الموصولة لا تبطل عملها؛ لأن (ما) الموصولة تكون هي الاسم، مثل قوله تعالى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام:134] ، فما هنا لم تبطل عمل إن؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي، أي: إن الذي توعدونه لآت.

    مثال ذلك: تقول: إن زيداً قائم، فهي الآن عاملة، فإذا أدخلت عليها (ما) قلت: إنما زيدٌ قائم، فيجب أن تهملها، وأن يكون (زيد) بعد النصب مرفوعاً، وهنا هل يختلف المعنى فيما إذا اتصلت (ما) التي أبطلت العمل، كما اختلف الإعراب؟

    الجواب: نعم يختلف، فإذا قلت: إن زيداً قائم، لا يمنع أن يكون غيره قائماً أيضاً، لكن إذا قلت: إنما زيدٌ قائم، فقد حصرت زيداً في القيام فلم يقم غيره؛ لإن (إنما) أداة حصر، لكن هذا لا يتعين إلا إذا قلت: إنما زيدٌ القائم، فهنا يتعين انحصار القيام بزيد.

    وتقول: علمت أن زيداً قائمٌ، فإذا قلت: علمت أنما زيدٌ قائم، أبطلت عملها.

    وتقول: كأن زيداً فاهمٌ ، فإذا قلت: كأنما زيدٌ فاهم، أبطلت عملها.

    وتقول: ليت الطالبَ حريص، فإذا قلت: ليتما الطالبُ حريصٌ أبطلت عملها.

    وتسمى (ما) كافة؛ لأنها كفت هذه الحروف عن العمل.

    والعلة في ذلك: أنه لا يمكن أن تسلط إن وأخواتها على ما بعد (ما) إذا اتصلت بها، ولهذا تسمى (ما) كافة.

    قوله: (وقد يبقى العمل).

    قد: للتقليل، أي: قد تدخل (ما) على هذه الحروف ويبقى عملها، لكنه قليل كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله، وظاهر كلامه أنه قليل في جميع هذه الأدوات؛ لأنه قال: (بذي الحروف)، ثم قال: (وقد يبقى العمل)، فيكون بقاء العمل بعد دخول (ما) على هذه الحروف قليلاً في كل هذه الأدوات، لكن النحويين يقولون: إنه لم يسمع إلا في (ليت).

    أي: لم يسمع أن العمل يبقى مع (ما) إلا في ليت لا في غيرها، وعلى هذا فيكون التقليل في كلام ابن مالك باعتبار الأدوات لا باعتبار العمل، وأنت إذا نسبت (ليت) إلى هذه الأدوات صارت قليلة؛ لأنها واحد من ستة، فيكون التقليل في قوله: (قد يبقى العمل) باعتبار أعيان هذه الأدوات لا باعتبار العمل ووروده، وقد قلنا ذلك من أجل أن يوافق كلام غيره من النحويين رحمهم الله.

    مثال ذلك في ليت: إذا أعملناها قلنا: ليتما زيداً قائمٌ، وإذا أهملناها قلنا: ليتما زيد قائم، فيجوز الوجهان، وقد روي بالوجهين قول الشاعر:

    قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد

    (فقد) بمعنى: فقط.

    فقد روي: قالت ألا ليتما هذا الحمامَ لنا، وروي: قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا، فأعملت (ليتما) على الرواية الأولى، وأهملت على الرواية الثانية.

    والقائلة هي زرقاء اليمامة ، يقولون: إنها امرأة كانت ذات بصر قوي جداً، فقد كانت ترى مسافة ثلاثة أيام على الراحلة، وذات يوم مر بها فريق من الحمام، فأدركت عدده، وقالت: إن عدده ست وستون حمامة، ومعلوم أن عدد ست وستين حمامة سوف يمضي الحمام بعيداً قبل تمام هذا العدد، ومع ذلك أدركته.

    قالوا: إن هذا الحمام ورد على ماء فيه شباك، فصيد بهذا الماء، وحسب فوجدوه كما قالت، وفي هذا يقول الشاعر:

    واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد

    قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد

    فحسبوه فألفوه كما ذكرت تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد

    وفي ذلك تقول زرقاء اليمامة :

    ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه

    قولها: (قديه) أي: فقط، (تم الحمام ميه) أي: إذا أضيف إلى حمامتها، وهو ست وستون، ونصفه ثلاث وثلاثون، فإذا أضفنا ثلاثاً وثلاثين إلى ست وستين يصير المجموع تسعاً وتسعين، مع حمامتها يكون مائة، فالله أعلم.

    الشاهد من هذا: أن ليت إذا اتصلت بها ما الكافة فإنه يجوز فيها الإعمال والإهمال.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963130

    عدد مرات الحفظ

    720601396