إسلام ويب

أتأمرون الناس بالبرللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعيب الله عز وجل على بني إسرائيل أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر دون أن يكون ذلك واقعاً عملياً ملموساً في حياتهم، فإنهم لا يأتون ما أمروا به، ولا ينتهون عن ما نهوا عنه، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيشمل ذلك بني إسرائيل وغيرهم، وفي هذا تحذير من اتباع سيرة أحفاد القردة والخنازير.

    1.   

    أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    المخاطبون بهذه الآية الكريمة هم اليهود خاصة، والكتاب المشار إليه في هذه الآية هو التوراة، أي: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون التوراة، ويلتحق باليهود كل من أمر بالبر ونسي نفسه من نصارى، وأهل نفاق، ومن قال قولاً لم يعمل به وكان قادراً على العمل به من المسلمين.

    أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44] هذا الاستفهام المراد به: التوبيخ والتقريع، والبر بداية: هو كل طاعة، فكل طاعة لله عز وجل تسمى براً، والبر المقصود به في هذه الآية هو: التمسك بالتوراة، فقد كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بالتمسك بها ولا يتمسكون هم بها.

    وقيل: المراد بالبر هنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الرجل من اليهود يوصي أقاربه سراً باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ويقول لهم: إنه هو الرسول الحق، ولا يتمسك هو بذلك، فقد أخرج الإمام البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه وقال له: (أسلم! فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار).

    وقيل أيضاً: المراد بالبر هنا: الصدقة، وقد كان علماء اليهود يأمرون بها ويحثون الناس عليها ولا يتصدقون هم. وقيل: المراد بالبر: الحث على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان جماعة من اليهود قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون الناس بخروج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام، ويحثون الناس على اتباعه، وهذا قبل أن يبعث، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به، وجحدوا نبوته، وأعرضوا عن دينه، وكان اليهود يقولون للعرب: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما سمع الأوس والخزرج بهذه المقالة آمنوا بالنبي لماء جاء، وانتظروا أن يؤمن به اليهود، فلم يؤمنوا وتولوا على أعقابهم.

    وقيل أيضاً: المقصود بالبر هنا: عموم الطاعات، وقد كان أحبار اليهود يحثون أتباعهم على طاعة الله عز وجل وتقواه، ثم يواقعون هم المعاصي ويقترفونها.

    وهذه الآية آية عظيمة جليلة من كتاب الله عز وجل، ومن أجلها ألف الإمام الحافظ الخطيب البغدادي كتابه الطيب العظيم (اقتضاء العلم العمل)، وهذا الكتاب خرج حاشيته فضيلة الشيخ الألباني ، وقد قيل:

    هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل

    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء للناس ويحرق نفسه).

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع)، والقلب لا يخشع إذا لم يطيق ما يعلمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به، وعن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه).

    ولذلك قالوا: كن بالخير موصوفاً، ولا تكن للخير وصافاً، فإن الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد، فإنما الرائحة من العبير، قالوا: العلم كله دنيا والعمل به هو الآخرة، وقالوا: العلم موقوف على العمل به، والعمل بالعلم موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله عز وجل يورث الفهم عن الله عز وجل، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، فكلما اتقى العبد ربه جعل له فرقان في قلبه يميز به بين الخطأ والصواب من المسائل.

    قال الله عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]، وقسوة القلوب تكون بالبعد عن العمل، ولذلك حل على اليهود غضب الله عز وجل؛ لأنهم كانوا يعلمون ولا يطبقون، والنصارى كانوا يجهلون ولا يعلمون فسموا: ضالين، ولذلك قال العلماء: من ضل من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن ضل من عبادنا كان فيه شبه من النصارى.

    ولذلك كان الصحابة إذا حفظ الرجل منهم البقرة وآل عمران عد فيهم عظيماً أو عالماً؛ لأنهم كانوا يعلمون فيعملون فيدعون الناس إلى ما يعلمون، ولذلك قالوا: من علم ثم عمل ثم دعا الناس إلى ما علم ثم صبر، عد في ملكوت السماوات عظيماً.

    1.   

    ما أعده الله للذين لا يعملون بعلمهم أو يخالفونه

    وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرءون العشر آيات حتى يعملوا بها، فتعلموا العلم والإيمان معاً؛ ولذلك كان أبو سليمان الداراني يقول: يا أصحاب السورة! ويا أصحاب السورتين! ماذا غرس القرآن في قلوبكم؟ ثم يقول: إن القرآن ربيع قلب المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض.

    وكان أحد أبناء العباد يقول لأبيه: يا أبتي! مالي أراك إذا تكلمت أبكيت، ووعظ غيرك لا يبكي العيون؟ قال: يا بني! إن العالم إذا لم ينتفع بعلمه زالت موعظته عن القلوب، ثم قال: يا بني! ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.

    لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

    من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد

    ولذلك سئل يونس بن عبيد تلميذ الحسن البصري : هل رأيت من يعمل بعمل الحسن ؟ قال: لا والله، ما رأيت من يقول بقول الحسن حتى أرى من يعمل بعمله، إن الحسن كان إذا تكلم أبكى القلوب، ووعظ غيره لا يبكي العيون.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالرجل فيدور على أهل النار فتندلق أقتابه -يعني: أمعاؤه- فيقولون له: ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).

    وقد وصف الله عز وجل الذين لا يعملون بعلمهم بأبشع وصف، قال الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، فالرجل الذي لا ينتفع بعلمه كالحمار يحمل الأسفار ولا ينتفع بها:

    كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول

    بل وصفهم الله عز وجل أيضاً بوصف أبشع من الأول فقال: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال؛ الأئمة المضلون).

    وهم الذين لا يعملون بعلمهم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)، فتسأله في المسألة فيجيب إجابة جيدة جداً ولكنه لا يطبق، فهذا أخوف ما يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، فكل إنسان يعظ الناس ثم لا يعمل هو بالوعظ فهذه مصيبة كبيرة.

    وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع

    وقال آخر:

    لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

    ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].

    وقال عن شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88].

    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض

    إن قوماً يأمروننا بالذي لا يفعلون لمجانين وإنهم لم يكونوا يصرعون

    قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص -يعني: الوعظ- لثلاث آيات: قول الله عز وجل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [البقرة:44]، وقول الله عز وجل: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]، وقول الله عز وجل: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88].

    فالقضية أن يتعلم الإنسان أولاً العلوم الشرعية من باب العلم قبل القول والعمل، والعلم شرط في صحة العمل؛ لأنك إذا لم تعلم لم تستطع أن تفرق بين البدعة وبين السنة، فلا بد أن تتعلم أولاً، ثم تطبق ما تتعلم على نفسك، وتدعو الناس إليه، وتصبر على دعوة الناس، فالذي لا يطيق العلم واقعاً عملياً ممارساً في حياته، يصيبه الله عز وجل بقسوة القلب، ويبتعد عن منهج الله عز وجل.

    وغالباً ما يؤدي الفصل بين العلم والعمل إلى وقوع الإنسان في الرياء، فإنسان يقول ولا يعمل بهذا القول يدفعه ذلك إلى طلب الشهرة؛ إذ لو كان الرجل يعمل بعلمه لابتعد أشد ما يبتعد عن الشهرة، قال سفيان الثوري: قلّ رجل تكبر حلقة درسه، أو يشتهر بين الناس إلا وابتعد عن الإخلاص.

    ولذلك مر الحسن البصري على طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس وهو في المسجد الحرام فيهمس له في أذنه: إن كانت نفسك تعجبك فقم.

    وطاوس بن كيسان هذا قال فيه ابن عباس : إنما طاوس طاووس، يعني: زين العباد، وكان إذا قال له هذا يقوم من فوره.

    فارتباط العلم بالعمل هو الذي يجعل الإنسان يستقيم على درب الله تبارك وتعالى، ولذلك تجد الرجل إذا عمل بعلمه وعظ الناس بحاله وبلحظه حتى وإن لم يتكلم، وقد قالوا: إن شيخك من وعظك بلحظه قبل أن يعظك بلفظه، وقالوا: إن أخاك من نفعك بحاله قبل أن ينفعك بمقاله، ومن لم ينتفع بصمت العالم لا ينتفع بعلمه، ولذلك كان الناس إذا رأوا محمد بن سيرين خارجاً إلى السوق كبروا للنور الذي على وجهه، وكان إذا أقبل على الناس تبسم، ووسع على الناس، فإذا كان بمفرده خالياً بربه فكأنه قتل أهل القرية جميعاً، ولا بد أن يكون بينك وبين الله عز وجل خبء من عمل صالح: بكاء، صيام، صلاة، قراءة قرآن، تسبيح، لا تشعر به حتى زوجك، وأخلص العمل فإن الناقد بصير.

    1.   

    معنى النسيان في قوله تعالى: (وتنسون أنفسكم)

    قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، والنسيان هنا ليس النسيان المعهود الذي هو ضد التذكر؛ لأن النسيان الذي هو ضد التذكر لا يؤاخذ الله به، قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].

    والنسيان يأتي أحياناً كثيرة بمعنى: الترك، كما قال الله عز وجل: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] أي: فأهملهم؛ لقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64].

    إذاً: فمعنى: وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]: تتركون زكاة أنفسكم، وقلنا: إن النسيان هو ضد التذكر، ويأتي أيضاً بمعنى: الترك، قال الله عز وجل: فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:51]، وقال الله عز وجل: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]، وقال الله عز وجل: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44]، كل هذا من النسيان الذي بمعنى: الترك.

    قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44] أي: التوراة: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] يعني: أفلا تمنعون أنفسكم من الوقوع في هذه الحالة المخزية، أتأمر الناس بالبر وتنسى النفس.

    والعقل: هو المنع، وقد سمي العقل عقلاً لأنه يعقل الإنسان عن الصفات الذميمة، ومنه يسمى: عقال البعير؛ لأنه يمنع البعير من الحركة: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] أي: أفلا تفهمون، أفلا تمنعون أنفسكم من هذه الحالة المخزية، وهل معنى هذا أن يترك الإنسان الأمر بالبر مطلقاً حتى يفعل هذا البر، أو أن للإنسان أن يأمر بالبر وإن لم يفعله؟ قال العلماء: لا يترك الإنسان الأمر بالبر، بل عليه أن يأمر بالبر وإن لم يفعله، فالآية الكريمة حوت ثلاث فقرات: المعنى الأول: أمر الناس بالبر، والمعنى الثاني: نسيان النفس، وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، والمعنى الثالث: تلاوة الكتاب: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]، ولا شك أن الذم في الآية الكريمة والتوبيخ والتقريع منصب على الفقرة الثانية: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، فأمر الناس بالبر مستحب، وقد يصل هذا الأمر إلى الوجوب في بعض الأحيان، وكذلك تلاوة الكتاب، فمن نسي نفسه، وأمر الناس بالبر، وتلا الكتاب خير ممن نسي نفسه، وترك تلاوة الكتاب، وترك أمر الناس بالبر، وكذلك هو خير ممن نسي نفسه، وأمر بالمنكر، وترك تلاوة الكتاب، وهكذا جاءت أقوال أهل العلم.

    قال الحافظ ابن كثير : الغرض من هذه الآية: أن الله عز وجل ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم للبر، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن الأحرى والأولى بالعالم أن يفعل ما أمرهم به ولا يختلف عنهم.

    إذاً: الأمر بالبر مستحب، وقد يصل أحياناً إلى الوجوب، هذا في الدرجة الأولى، ثم يطبق الإنسان هذا الأمر على نفسه كما قال شعيب عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    1.   

    لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبهما ممتثلاً لهما

    فالأمر بالمعروف وفعل المعروف واجبان لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم، فأمرك بالمعروف واجب، وفعلك المعروف واجب، فلا يسقط أحدهما بترك الآخر، يعني: إن تركت واحداً منهما فلا تترك الأمر الثاني وهو الأمر بالمعروف، قال الإمام ابن كثير : كل من الأمر بالمعروف وفعله -يعني: فعل المعروف- واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعصية لا ينه غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه من يتمسكون بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه.

    قال سعيد بن جبير : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، ومن يعظ العاصين بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    والأغلب أن الناس عصاة، فليس هناك من كمل في صفاته وأخلاقه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام مالك بن أنس : وصدق سعيد بن جبير : من ذا الذي ليس فيه شيء؟

    وقال العلامة الشيخ السعدي: فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه دل على عدم عقله وجهله، خصوصاً إذا كان عالماً بذلك قد قامت عليه الحجة، وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في بني إسرائيل فهي عامة لكل أحد، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2].

    يقول: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين: واجب الأمر بالمعروف، وواجب فعل هذا المعروف، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحد الواجبين لا يكون رخصة في ترك الآخر، والكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر فليس في رتبة الأول وهو دون الأخير. هذا كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي .

    1.   

    الصبر وأنواعه

    ثم يقول الله عز وجل: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، الصبر على الثلاثة الأنواع: صبر على الأقدار المؤلمة، وصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وأكملها: الصبر على المعصية، فلا يستوي صبر يوسف على إلقاء إخوته له في الجب مع صبره على مراودة امرأة العزيز له، فصبره على مراودة امرأة العزيز له أعظم من صبره على إخوته، كما لا يستوي صبر إبراهيم على إلقائه في النار مع صبر يعقوب على فقدان يوسف.

    وهناك صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.

    فالصبر بالله هو: الاستعانة، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] يعني: أن ترى أن الذي يصبرك هو الله عز وجل.

    والصبر لله: أن يكون دافع الصبر إرادة وجه الله عز وجل.

    والصبر مع الله -وهو الأكمل-: أن تدور مع الأحكام الشرعية حيث دارت.

    قال الله عز وجل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] يعني: لما أخذوا برأس الأمر: الصبر واليقين جعلناهم رءوساً.

    وقال ابن تيمية : إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين.

    يقول الله عز وجل: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45] والمخاطبون بذلك: هم بنو إسرائيل، والمؤمنون تبع لهم في الخطاب.

    فيطلب الله عز وجل من بني إسرائيل الاستعانة على طاعة الله عز وجل بصفة عامة، فيقول: استعينوا بالصبر والصلاة لتذهب عنكم شهوة الرئاسة والجاه، فعندما يطول الأمد، ويشق الجهد يضعف الصبر، فعليك أن تصبر على طول الطريق الشاق، وعلى قلة الناصح، وعلى أن ترى الشر منتشراً، والخير خافتاً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، وعليك أن تصبر على قساوة القلوب، وإعراضها عن كتاب الله عز وجل، وهنا يمد الله عز وجل الصبر بالصلاة؛ لأنها التقاء النقطة بالكنز الذي يغني ويفيض، إنها انطلاقة من حدود الأرض إلى كون الله الفسيح، إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بها يا بلال !).

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر فليستكثر)، ودائماً يوصى الدعاة بالصبر وعدم العجلة؛ لأن العجلة تضيع ثمرة الخير التي في الدعوة، يقال بعضهم: إن القائد المحنك لا يخدع بحماس الجماهير الثائرة من ورائه، ثم يضرب المثل على ذلك بقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، وهم الذين طلبوا القتال والبذل والعطاء، فلما فرض عليهم القتال تولوا، وهذه هي الانتكاسة الأولى، والانتكاسة الثانية: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ * قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:247-248].

    الانتكاسة الثالثة: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:249]، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249]، وهذه الانتكاسة الرابعة.

    ولذلك يقول سيدنا خباب بن الأرت : (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لاقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، وقال: إنه كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيوضع في حفرة، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ما يمنعه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، وذلك أن الصحابة لاقوا ما لاقوا وصبروا، فقد كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال ينشد نشيده القدسي: أحد أحد، فالفتنة التي تعرض لها الصحابة هي من أشد الفتن، قال الله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    وقال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110].

    إن طريق التربية الإيمانية هو أقرب الطرق لإعادة دولة الإسلام وإن ظنه الناس أنه أبعد طريق، ولا بد من ابتلاء كما قيل للشافعي : يبتلى الرجل أم يمكن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، فلابد من التربية الإيمانية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه! قالوا: كيف يا رسول الله! يذل نفسه؟ قال: يعرضها من البلاء لما لا يطيق).

    فأين أنت يا مخنث العزم! والطريق طويل، تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، واضطجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشد الحجر على بطنه من شدة الجوع، ولله خزائن السماوات والأرض، وكسرت رباعيته، وشق رأسه، ولله جنود السماوات والأرض، وسم أبو بكر ، وطعن عمر ، وذبح عثمان ، وطعن علي ، وسم الحسن بن علي ، وقتل الحسين بن علي ، وسم عمر بن عبد العزيز ، وقتل الحجاج سعيد بن جبير وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، فالأمر يحتاج إلى صبر، فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مدة دعوته ثلاث وعشرين سنة، فضى منها أكثر من ثلاث عشر سنة في التربية الإيمانية، ولم يتم له النصر الأكبر والأكمل والأكثر تأثيراً المتمثل في فتح مكة إلا قبل وفاته بعامين فقط، فلا تطلب من الناس أن يلتزموا بكل الأحكام مباشرة، ولا تطلق الأحكام على الناس، كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، فجاهد نفسك، وهذه هي البداية، قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة:123]، فمن لم ينتصر على نفسه لا ينتصر على غيره، والإمام ابن القيم تكلم عن جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد أهل البدع، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

    1.   

    الجهاد مراحله وأنواعه

    وجهاد النفس أربع مراتب: العلم، والعمل، والدعوة، والصبر على أذى الناس، وجهاد الشيطان، وجهاد الشهوات التي يزينها الشيطان لك، ثم بعد ذلك جهاد الشبهات التي يلقيها عليك الشيطان، وجهاد الشهوات يكون بالصبر، أما جهاد الشبهات فيكون باليقين في آيات الله عز وجل، ثم بعد ذلك جهاد المبتدعة باللسان، ثم بعد ذلك جهاد المنافقين باللسان: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، فأي زنديق يطعن في دين الله عز وجل، أو يتكلم في دين الله عز وجل، أو يطعن في الصلاة التي هي أساس دين الله عز وجل فعليك أن تجاهده، وتبين عواره للناس.

    ثم جهاد الكفار، ويكون بالسيف واللسان كذلك، وقد مر الجهاد بمراحل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمرحلة الأولى: هي مرحلة الكف، وفيها لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال أي رجل من الكافرين في مكة، ثم بعد هذا جاء الإذن بقتال من قاتله، قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39]، ثم بعد هذا جاء الأمر بوجوب قتال من قاتلك، وأما من سالمك من الكفار فلا تقاتله، ثم أتت المرحلة الرابعة: وهي مرحلة السيف، فابدأ بالقتال لكل الناس حتى يسلموا لله عز وجل، أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

    وهذه المرحلة الرابعة هي التي قال فيها جمهور أهل العلم: إنها ناسخة لما قبلها من المراحل، وهذا قول ابن كثير وابن تيمية وابن القيم والقرطبي وابن عباس ومجاهد وقتادة ، ومعنى ناسخة أي: مزيلة لحكم المراحل التي قبلها، وليس هو النسخ بالمعنى الأصولي عند الفقهاء؛ لأن النسخ في اصطلاح المتقدمين من علماء السلف ليس كالنسخ في اصطلاح المتأخرين، فمثال النسخ في اصطلاح المتأخرين: أن الناس كانوا يصلون لبيت المقدس فنسخ هذا وأمرهم الله بالتحول إلى البيت الحرام، فالحكم الأول أزيل نهائياً ولا يعمل به في أي وقت من الأوقات،لكن النسخ عند العلماء المتقدمين معناه: التفسير والتبيين، ومن أمثلته: تقييد المطلق، وتخصيص العام، فعندما يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102].

    وقال في آية أخرى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فـابن تيمية يقول: إن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، أي: مبينة ومفسرة لمعنى الآية الأولى؛ ولذا قال العلماء: إن آية السيف ليست ناسخة وإنما هي ناسئة، كما في قوله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [البقرة:106]، ومعنى الكلام كما قال بعض أهل العلم: أن على المسلمين العمل بآيات الصفح والعفو في زمن الاستضعاف، والعمل بآية السيف في حال القوة والتمكين.

    1.   

    مهاجمة المسلمين لعدوهم من غير فرض جزية، وجواز موادعة الكفار عند الضعف والحاجة

    وقد سئل الإمام الشافعي : هل يجوز للمسلمين أن يهاجموا عدوهم من غير فرض جزية؟ قال: يجوز لهم هذا.

    بل قال الشافعي : ويجوز لهم عند الضرورة أن يعطوا المشركين مالاً إذا خشي الإمام استئصال شأفة المسلمين. يعني: دمار المسلمين دماراً نهائياً.

    والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى غطفان بأن يرحلوا عن المدينة مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة -إذاً: فالمسألة جائزة شرعاً- فقال سيدنا سعد بن عبادة : والله يا رسول الله! لقد كنا كفاراً وما كنا نعطيهم تمرة واحدة من ثمار المدينة، والذي بعثك بالحق لا نعطيهم إلا السيف.

    ومثل هذا حصل مع ألب أرسلان لما كان معه عشرون ألف مسلم، وقسطنطين الرابع ملك الروم كان معه ستمائة وخمسون ألف جندي مدجج بالسلاح، فسلطان المسلمين خاف على الجيش المسلم أن يباد عن بكرة أبيه، فبعث إلى قسطنطين الرابع وقال له: أبعث لك ما تشاء من المال واسمح للجيش بالمرور، فقال: لا، قال: أعطيك ما تشاء من الأرض، قال: لا، وذلك لخوفه على المسلمين، فأراد أن يسمح لجيشه بالانسحاب، فأبى ذلك الطاغية، ثم قال: من أراد أن يرجع منكم فلا شيء عليه، قالوا: لا، بل نقاتل طلباً للشهادة، فلبس سلطان المسلمين ألب أرسلان كفنه عند الفجر، ولبس كل الجيش أكفنتهم وذهبوا طامعين فيقسطنطين الرابع ومعه ستمائة وخمسون ألفاً، وما هي إلا ساعة حتى كان النصر للمسلمين، وسقط قسطنطين في الأسر، ثم نادى ألب أرسلان على قسطنطين : من يشتري الكلب؟ فنادى رجل من مؤخرة جيش المسلمين: لا أشتري الكلب إلا بالكلب! يعني: أدفع في ملك الروم هذا وأشتريه بكلب، قال: ادفعوا إليه الكلب، فذهب الرجل وأتى بكلبه وأتى بـقسطنطين وربطهما في حبل ليف واحد من العنق، ثم مشى الرجل بهما إلى القسطنطينية، فلما رأى أهل القسطنطينية ما فعل بملكهم سملوا عينيه.

    فالشاهد: أن الناس يمرون بمراحل، فمثلاً: المسلمون عندما يكونون في وقت مستضعفين فإنه يجوز لهم الموادعة، ولكن هذا لا يعفيهم من الإثم حتى يصلوا إلى الحالة التي يجاهدوا فيها الكفار، وإذا وقعت امرأة أو رجل من المسلمين في الأسر ولم يفد إلا بكل ما في بيت المسلمين من مال فإنه يجوز دفعه لافتدائه، فما ظنك بأعراض المسلمات التي تنتهك!

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.