إسلام ويب

توجيهات على طريق الصحوةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ماذا نعني بمصطلح الصحوة؟ ولماذا نطلق مثل هذه التسميات؟ ولماذا نريد توجيه هذه الصحوة؟ إجابة هذه الأسئلة هي الجزء الأول من هذه المحاضرة، ثم بعد ذلك (التوجيهات المقصودة) وتتركز على: سلامة الصدر وإصلاح ذات البين .. ضوابط التستر على أهل المعاصي. وتندرج تحت هذه العناصر الكثير من الفوائد المستقاة من النصوص الشرعية سواء في أصل المادة، أو في الإجابات عن الأسئلة.

    1.   

    مصطلح الصحوة وما يراد به

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة في الله! أحمد الله جل وعلا إليكم، وأشكره على آلائه التي لا تحصى، ونعمه التي لا تنسى، وأسأله جل وعلا أن يجعل لنا ولكم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن يثبتنا على دينه ومرضاته إلى أن نلقاه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا.

    أيها الأحبة! ليس الحديث بين أيديكم في موضوع جديد عنكم، بل أنتم أهل البيان والفصاحة والبلاغة، وما بضاعتنا بين أيديكم إلا بضاعة مزجاة، فيا أيها العزيز جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا بدعوة صالحة وحسن ظن ومودة في الله ولله، عسى أن نكون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    أما الحديث -أيها الأحبة- فهو عن توجيهات على طريق الصحوة، وليس لمثلي أن يُوجه أو يأمر أو ينهى ولكنني تلميذ من هؤلاء التلاميذ، وطالب من هؤلاء الطلبة، ودارس من هؤلاء الدارسين، سمعنا من مشايخنا وعلمائنا وقضاتنا ودعاتنا وولاة أمرنا ما ينبغي أن نفهمه وأن نفقهه، قال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) وقال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فبلغها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع).

    الصحوة -أيها الأحبة- مصطلح يبدو أنه حادث ويراد به عموم العائدين الملتزمين بأمر الله بعد تفريط فيه، والمستقيمين على شرع الله بعد تهاون وتساهل به، ذكوراً كانوا أم إناثاً، صغاراً كانوا أم كباراً، عواماً ومثقفين على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم، وإذا تحقق ذلك فإن هذا المصطلح ما دام مفهوماً حادثاً جديداً فلا شك أن الناس يتباينون في فهمه أو تحديد معناه، وأرجو في بداية هذا اللقاء ألا نفهم أو يفهم أحد أننا حينما نطلق كلمة (الصحوة) أننا نقسم مجتمعنا هذا إلى أحزاب وفئات وفرق وجماعات شتى، بل الواقع والواجب أن نفهم جميعاً أننا أمة واحدة، مجموعة واحدة بعلمائها وقضاتها ودعاتها وشبابها وشيبها وولاتها وصغارها وكبارها، ولكن هذه الأمة بمجموعها فيها الظالم لنفسه، وفيها المقتصد، وفيها السابق بالخيرات.

    إن بعض الإخوة ربما فهم معنى الصحوة أننا نقسم مجتمعنا إلى أحزاب أو جماعات، وأن هذا يعني: أننا سنقف يوماً ما على طرف، وسيقف بقية الناس على طرف آخر، وكلٌّ ينظر إلى صاحبه من بُعد، ويخاطبه من برج عاجٍ أو من منارة شاهقة، وما هكذا المؤمنون، بل المؤمنون يدنواً بعضهم من بعض ويخالط بعضهم بعضاً، ويزور صالحهم سيئهم لينصحه، ويعود طيبهم فاجرهم لينهاه، ويناصح عالمهم جاهلهم ليثقفه ويعلمه بما أوجبه الله جل وعلا عليه.

    أيها الأحبة! إن هذا الأمر الذي أردنا أن نتحدث عنه وهو: هذه التوجيهات المتعلقة بهذه الصحوة المباركة وما هي إلا شيء من الملاحظات اليسيرة على عدد قليل ونزر يسير من أحبابنا وإخواننا وليس المقصود فئة أو حزباً أو جماعة كما قلت، وليس المقصود أشخاصاً بأعيانهم، وإني أعيذ نفسي وإياكم بالله أن نجعل بين هذا الكلام وبين قلوبنا للشيطان موقفاً أو مكانة أو وسوسة أو سوء ظن، فوالله ما أردنا إلا قصد السبيل والأمر لله جل وعلا.

    أيها الأحبة! موجز الأمر أنها نصيحة لكل من وقع في خطأ مما سنسمع، أو فرط في واجب مما ينبغي أن نتصف به، فعلينا أن نتحلى به وأن نراجع أنفسنا.

    1.   

    توجيه الصحوة إلى سلامة الصدر

    فأول ذلك وأهمه: سلامة الصدر من الحقد والإحن والغل والحسد، وذلك أمر عجيب وغريب!

    ربما وجدت اثنين من الصالحين أو من عامة المسلمين الذين ليس عليهم من سيما الفجور والفساد والمعاصي الشيء الكثير، ولكن ربما سمعت من لسان أحدهم استطالة في عرض أخيه، وغيبة وحسداً وحقداً وسوء ظن وتفسيراً للأمور على غير ظاهرها، وتجييراً للأحوال على ما لا يُراد منها، وبالجملة فإن ذلك من الأمراض الموجودة سواءً في بعضنا أو في غيرنا، المهم أن ذلك مرض ينبغي أن نعالجه وأن ننتبه منه.

    وإن من صوره: الانقباض وعدم الانبساط، وعدم إفشاء السلام، وعدم لين الجانب، وعدم خفض الجناح، وعدم التواضع، وعدم حسن الظن... وأمور كثيرة كلها بسبب عدم سلامة الصدر من الغل والحسد والحقد والبغضاء.

    أيها الأخ الكريم! معاذ الله أن يكون في قلبي وقلبك شيء من الحسد على إخواننا، فالحاسد ليست له قضية، إن كنت في مصيبة رأيته شامتاً، وإن كنت في نعمة رأيته حاسداً، وإن كانت فيك خصلة من خير جحدها وأنكرها وأولها وجيرها، وقال: أراد كذا وقصد كذا وطلب كذا ومراده كذا، وتسلق وتسلط على فؤادك يريد أن يحكم على نياتك وخفياتك التي لا يعلمها إلا الله عز وجل.

    والحاسد إن كانت فيك خصلة شر هتك أستارها ونشرها وتحدث بها ونبأ بها الغادين والرائحين، ولن تجد هذا الذي يحمل الغل أو الحسد لن تجده يوماً من الأيام ناصحاً.

    وإن صفات المؤمنين سلامة صدورهم على إخوانهم، بل وعلى الذين يأتون من بعدهم، قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:9-10] أي: لا تجعل في قلوبنا غلاً وحقداً وحسداً، وإن سلامة الصدور لمن صفات أهل الجنة وما نريد بسعينا في صلاة وصيام وذهاب وإياب وحل وترحال وسفر وضعن وإقامة، إلا وجه الله ورضا الله ثم هذه الجنة التي هي دار النعيم ودار الخلود.

    سلامة صدور أهل الجنة

    أوليس الله جل وعلا قد قال في محكم كتابه في وصف عباده المؤمنين أهل الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: نزعنا من صدورهم كل حسد وبُغض، كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلص المؤمنون من النار حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل وأهدى منه بمسكنه من أحدكم في الدنيا).

    هذه صفات أهل الجنة أن لا غل ولا حقد ولا حسد ولا ضغينة ولا كراهة ولا سوء ظن ولا إحن ولا تباغض في قلوبهم، بل قال جل وعلا: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    دخل عمران بن طلحة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما فرغ علي بن أبي طالب من أصحاب الجمل بعد فتنة فيها ما تعلمونه، وما يسعنا أمامه إلا أن نكف ألسنتنا، وأن نترضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وألا نلغِ بالقول والكلام في عرض أحدٍ من الصحابة الذين اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه وفضلهم بالصحبة، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

    بعد معركة الجمل دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه، فرحب به علي وقال: [ إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] ] انظروا ما أجمل سلامة الصدر بين الصحابة حتى وإن كان ما كان فيما مضى فكلٌ يعرف صدر صاحبه، وكلٌ يعرف سلامة قلب صاحبه.

    ودُخل ذات يوم على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل كأنه الذهب فقال له: يا أبا دجانة، ما بال وجهك يتهلل؟ قال: [والله ما عملت عملاً أوثق عندي من خصلتين اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الخصلة الأخرى: فقد كان قلبي على المسلمين سليماً].

    إن من سمات المسلمين صفاء النفس من الغش والحسد والغدر والضغينة، ثم لماذا الحسد؟ ولماذا الضغينة؟ إن القلوب زجاجات بلورية شفافة لامعة جميلة طاهرة طيبة، فلماذا نقذرها؟ أو نجعلها وسخة بهذه الأضغان والأحقاد وبسوء الظن مما يدفعنا إلى القيل والقال، ومن ثم تتشوه تلك القلوب الصافية وتعود شائبة بعد صفائها، كدرة بعد نقائها، خبيثة بعد طهارتها، سيئة بعد حسنها، فاسدة بعد صلاحها..؟

    الحسد وسوء الطوية من صفات الكفار والمنافقين

    إن الحسد وسوء الطوية على المسلم لمن صفات الكُفار والعياذ بالله، ومن صفات المنافقين أعاذنا الله وإياكم، وذلك أمر قد يجهله كثير من المسلمين، بل قد يجهله بعض الطيبين، تجد رجلاً صواماً أو قواماً أو صالحاً لكنه إذا بدأ الكلام بلسانه في عرض فلان أو علان أو في هيئة أو في شخص أو في كبير أو صغير أو في عالم أو داعية أو في قريب أو بعيد نسي لسانه حتى يلغ في أمور لا قبل لهم بها، ربما تجد هذا الرجل فيه من الصلاح خير كثير، ويتورع عن أمورٍ ربما هي من المشتبهات أو يتركها زهداً وورعاً وربما نسي أنه وقع فيما أجمع علماء الإسلام بل ودلت النصوص على تحريمه وتضافرت الأدلة على المنع منه شرعاً؛ لأنه يغضب الله جل وعلا وهو الغيبة والاستطالة في أعراض المسلمين.

    أقول: إن الحسد والحقد من أخطر الأمور، وإن الغِل والضغينة من صفات الكفار والمنافقين، فقد قال الله جل وعلا: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه [النساء:54] وقال سبحانه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البقرة:109] أي: الكفار لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109] نعم أيها الأحبة، إن الحقد والحسد والبغضاء والضغينة لمن صفات المنافقين، ومن صفات اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن صفات الكفار الذين لا يألون المسلمين خبالاً ويودون عنتهم، وصدق الله حيث قال: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:119-120].

    نعم.. من الذي يرضى أيها الأحبة! أيها الإخوة المؤمنون! أيها الإخوة المسلمون! من الذي يرضى أن يحمل في جنبات نفسه وفي طيات فؤاده وفي شغاف قلبه، من الذي يرضى أن يحمل خصلة هي من خصال الكفار ومن خصال المنافقين فيستطيل بلسانه ويتسلط ببغضه وينتشر بكراهيته وحقده وحسده على بعض إخوانه؟

    وإن من أكثر الذين تراهم -والعياذ بالله- وقوعاً في الحقد والحسد والإحن والبغضاء تجد بعضهم لأن قريبه فاقه في المال أو لأن تربه -أي: واحد من أترابه- فاقه في العلم أو فاقه في منزلة معينة أو في مرتبة معينة أو في مكانة معينة، وما يدريك يا أيها الأخ الكريم أنه ربما فاقك ابتلاءً وربما فاقك استدراجاً، وربما فاقك لأمرٍ يعلمه الله، والله لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    بعض الآثار السيئة للحقد والحسد

    إن الله جل وعلا قد قسّم بين العباد أرزاقهم ومراتبهم وأحسابهم وأنسابهم، وجعل أكرمهم عنده أتقاهم.

    أيها الأحبة في الله! إن علاقة المسلم بإخوانه علاقة محبة، وعلاقة تفيض بمشاعر إيمانية أخوية ليست تقف عند حدود نفسه أو ذريته أو أقاربه، بل تمتد لتغمر من حوله، وتفيض على الآخرين سلامةً وحباً وأمناً، وتلك هي صفات الأمة المسلمة الذين: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر:10] ولك أن تتخيل نفساً أو نفوساً عمرها الحقد بل خربها، وأفسدها الحسد ماذا تتصور أن يخرج منها؟

    ماذا تتصور أن ينتج من قلوب فرخ فيها الغل والإحن والبغضاء والعداوة؟

    هل ستجد أصحاب هذه النفوس يدعون لإخوانهم بظهر الغيب؟ أم تراهم يحسنون الظن بهم؟ أم تراهم يؤولون أفعالهم على خير وجه يُرضي الله؟ أم تراهم يكفون عن الغيبة عند عرض أعراضهم على الألسنة في المجالس؟ بل ستجد ما يدعو إلى ما هو أعظم من ذلك وأخطر: وهو والعياذ بالله الخصومة والعداوة التي إذا نمت وغارت وتجذرت جذورها وتفرعت أشواكها جعلت الإيمان يتناقص شيئاً فشيئاً، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).

    أيها الأحبة! بل إن هذا الحسد وذلك الغل وتلك البغضاء وتلك الإحن والعداوة، ربما امتدت بأصحابها إلى أن جعلتهم والعياذ بالله يقعون في صغائر، ثم يصرون عليها فتكون من الكبائر، ثم يقعون فيما يُسقط مروءتهم، ثم يلغون فيما يوجب اللعنة، وعلى أية حال فكل عين ساخطة تنظر من زاوية واحدة داكنة، تعمى عن الفضائل، وتضخم الرذائل، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب، وقبول الأقاصيص والروايات التي لا زمام لها ولا خطام، ولا سند صحيح يدعمها من رواية الثقات أو العقلاء.

    بل إن من عواقب ذلك الحقد ونتائج تلك البغضاء الوخيمة أن صاحبها ربما اشتهى وتلذذ وتمنى إيقاد نيران العداوة بين المؤمنين، وذلكم ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، لكن بالتحريش بينهم).

    أيها الأحبة! إن كثيراً من المسلمين لن يعبد صنماً ولن يطوف بقبر ولن يذبح لغير الله، فذلك مما يئس منه الشيطان بهؤلاء المسلمين في جزيرة العرب خاصة، ولكن الشيطان رضي وقنع منهم بما يحرشه لإفساد ذات بينهم، ولما يخرب به قلوب بعضهم على بعض حتى تبدأ النفوس تتطاول في أعراض بعضها، فتزاح وتمحو وتتسلط على حسناتها، فقد يكسب المرء حسنات ثم يخسرها بآلاف السيئات التي ارتكبها، فما ظنكم برجل يُتاجر في الصباح فيربح ألفاً، ويُقامر في المساء فيخسر خمسة آلاف؟! فإن ذلك لا يعد من الرابحين ولا من التجار، بل يعد من الخاسرين الذين تسلطوا على تجارتهم فأهدوها لغيرهم.

    إن النفوس إذا تنافر ودها     مثل الزجاجة كسرها لا يشعب

    احرص على حفظ القلـوب من الأذى     فرجوعها بعد التنافر يصعب

    1.   

    حرص الإسلام على إصلاح ذات البين

    ولما كان الأمر بهذه الخطورة حرص الإسلام في هذا التشريع العظيم الجميل الرائع الذي لو كان من عند غير الله لوجد فيه الاختلاف الكبير، حرص هذا الدين، وحرص الشارع على إصلاح ذات البين، بل وأباح الكذب في إصلاح ذات البين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الكذاب الذي يقول كلمة فينمي خيراً أو ينقل خيراً) أي: أن تُزوِّر شيئاً من الكلام لإصلاح ذات البين بين مسلم ومسلم، بين رجل وزوجته، بين قبيلة وأخرى، بين سيد وآخر، بين موظف ورئيس، بين زميل وآخر، بين جندي وضابط، بين صغير وكبير، بين حاكم ومحكوم، بين عالم وغيره، إن كلمة طيبة لأجل إصلاح ذات البين حتى ولو لم تكن موجودة على أرض الواقع لا تعد من الكذب المحرم، بل يؤجر صاحبها والله جل وعلا يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114].

    عجباً لهذه النجوى التي نُهي عنها: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10].. إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة:9].. لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114] إلا في حالة إصلاح ذات البين ربما يكون في النجوى خير كثير: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114].

    إن الله قد وعد بأجرٍ عظيم على إصلاح ذات البين، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن ضد صلاح ذات البين هو أمر خطير، حالقة الدين، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين -ثم قال- فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) رواه الترمذي والحديث صحيح.

    أيها الأحبة! لماذا تكون هذه المعصية حالقة للدين؟ نعم، لأن أصحابها لا يتشفى أحدهم إلا بالكلام في عرض صاحبه، واستدراج الحديث، والدوران حول المواضيع رويداً رويداً، خطاً خطاً، دائرةً دائرةً، حتى تجد الذي في قلبه مرض يجر الحديث من بعيد لتنصب العبارة ويكون الحديث في نهاية المطاف ليكون في عرض ذلك الذي قد امتلأ قلبه عليه حقداً وحسداً؛ ولأجل ذلك نهى الإسلام عن هذا أيما نهي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).

    إن الإسلام حريص على أن يقطع أبواب الجفاء وأبواب القطيعة وأبواب الغلظة، إن الإسلام حريص أن يكسر هذه الأبواب ويمد الصلات بين المسلمين، وما ذاك إلا لأجل حفاظ قلوبهم على بعض، ولأجل المحافظة على حسناتهم.

    أثر الشحناء في إزالة الحسنات

    وإذا تأملت مزيداً من النصوص وجدتها تصب صباً مباشراً في هذه القضية لتحذرنا من القطيعة، لتحذرنا من العداوة، لتحذرنا من البغضاء، لتحذرنا من التساهل في أعراض بعضنا، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) رواه الإمام مسلم.

    أيها الأحبة! لنكن صرحاء: إن بعضنا ربما وجد في قلبه ليس على فاجر من الفجار، بل على أخٍ من إخوانه الطيبين، والواجب أن نحمل المودة والمحبة لإخواننا الطيبين، وأما إخواننا العصاة، وإخواننا الذين أمعنوا وأسرفوا في الذنوب، فلهم منا جانب ننكره وهو إنكار معاصيهم، وما اجترحته جوارحهم، وما اقترفته أيديهم، ولهم منا جانب المحبة والمودة والشفقة، وجانب الرحمة الذي يدعونا إلى الدنو منهم، ومخاطبتهم باللين، ودعوتهم بالحكمة، ومجادلتهم بالحسنى عسى الله أن يردهم إليه رداً جميلاً، عسى الذي هدانا أن يهديهم، عسى الذي ردنا أن يردهم، عسى الذي منَّ على كثير من إخواننا أن يمن علينا وعليهم بالتوبة.

    أيها الأحبة! إن من شؤم وسوء عاقبة الحسد أن حامل الحقد والغل والحسد لا يزال يتشفى بلسانه في عرض من يحقد عليه، حتى إن ذلك المسكين الحاسد ليأتي على جميع حسناته التي تعب في جمعها ثم يهديها إلى من اغتابه، يشقى بالعمل يجمعه، يُصلي الفجر، يمشي خطوات إلى المسجد، قد يذكر الله، يتصدق، يعمل أعمالاً صالحة، ربما يفعل خيراً كثيراً، ثم بعد ذلك قد يقع في زلة الحقد والحسد والبغضاء، وبذلك يُهدي هذه الحسنات إلى من تكلم في عرضه!

    إن القصاص من الغيبة، والقصاص من النميمة، والقصاص من الغل والحقد والحسد الموجب لذلك كله؛ لن يكون يوم القيامة بأعمال تُعطيها فلاناً، بل سيكون من أعمال قُبلت إذ أن الحساب يوم القيامة لن يكون بالدينار ولا بالدرهم، ولا بالركعة، ولا بالصوم، ولا بالحج الذي لا تدري هل قُبل أم لم يقبل؟ ولكن القصاص سيكون من حسنات مقبولة، يُسدد من دينك ويُقضى غرماؤك بلسانك الذي تسلط على عملك فأحرقها، سوف يُسدد من الحسنات والسيئات، فإن لم يكن ثم حسنات فإن القصاص سيكون من سيئاتهم التي هي حقاً يقيناً سيئات، ثم تُوضع على سيئات هذا، وصدق القائل حيث قال:

    يشاركك المغتاب في حسناتـه     ويعطيك أجري صومه وصلاته

    ويحمل وزراً عنك ظنّ بحملـه     عن النُجب من أبنائه وبناته

    وغير شقي من يبيت عدوه     يعامل عنه الله في غفلاته

    فلا تعجبوا من جاهلٍ ضر نفسه     بإمعانه في نفع بعض عداته

    وأعجب منه عاقل بات ساخطاً     على رجل يُهدي له حسناته

    ويحمل من أوزاره وذنوبه     ويهلك في تخليصه ونجاته

    إن هذا لعجبٌ عجاب أن تجد شخصاً يتسلط كل ليلة ليحمل عنك أوزاراً وذنوباً وآثاماً وخطايا، ما حملها بقرابة ولا بنسب ولا بهدية ولا بصلة، وإنما حملها عنك وتحملها عنك! ويوم القيامة يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يغتابونهم ويتكلمون فيهم، ومن أوزار الذين يضلون بسبب الوقوع في أعراضهم، يتحمل هذا يوم القيامة سيئات الآخرين يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:36] إذ أن لكل امرئ منهم مشغلة وقضية ودويهية وبلية أشغلته عن حاله، عساه أن يتحمل أوزار نفسه، وأن يتحمل سيئات ذاته، ثم تجده يتحمل أوزار الآخرين!

    محبة الخير للناس

    أيها الأحبة! ما الذي يحجبنا عن حب الخير للناس؟ ما الذي يمنعنا أن نحب للآخرين ما نحب لأنفسنا، وذلك من تمام الإيمان، حيث قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بن مالك : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يُحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم .

    أيها الأحبة! إن من تمام وصدق وصميم الإيمان أن نتمنى لإخواننا ما نتمناه لأنفسنا، أن نحب لهم ما نحب لأنفسنا، وتلكم والله معالم ضائعة، إن كثيراً عادوا وكثيراً اهتدوا وكثيراً تابوا، وكثيراً آبوا، لكن كثيراً حتى الآن لم تغتسل قلوبهم ولم تتنظف ولم تسلم ولم تطهر من هذه الذنوب والمعاصي، ناهيك عما حملوا ألواناً من المعاصي مع هذا الغل وذلك الحقد والحسد.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نتباغض، ونهانا عن كل سببٍ يدعو إلى البغضاء كالحسد والتناجش فيما بيننا، فقال: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ..) وقال في حديثٍ آخر: (وكونوا عباد الله إخواناً).

    صلة إفشاء السلام بسلامة القلب

    لقد دلنا النبي صلى الله عليه وسلم على ما يعمق المودة في نفوس بعضنا تجاه بعض، ألا وهو الابتسامة، والطلاقة والبشاشة، وإفشاء السلام، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) أخرجه مسلم .

    أقول: هذا مما يدل على إفشاء السلام والبداءة به من مظاهر المحبة والمودة، بل ومن الإصرار على تثبيت هذه المحبة بين المسلمين، وذلك أمر يتعوده الإنسان من نفسه:

    لكل امرئ من دهره ما تعودا     وعادة سيف الدولة الطعن في العدا

    عود نفسك على البشاشة، ستجد نفسك تحملها حتى في أحلك الأمور، وعود نفسك على إفشاء السلام، ستجد نفسك مسلماً على العامل والكبير والصغير، والرئيس والمرءوس، والعظيم والصعلوك، والأمير والوزير والفقير، عود نفسك على أن تلتفت لإخوانك بعين الرضا وعين التواضع وعين المحبة، ستجد أنك تمنحهم أشياء كثيرة.

    إننا لا نملك مليارات ولو ملكناها ما وسعنا الناس بأموالنا: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم).

    إن الشخص لو أراد أن يكسب جمعاً كهذا بأمواله لما استطاع أن يرضيهم بماله، لو أراد أن يرضيهم بهبات لما كان عنده ما يكفي لهبتهم وإعطائهم الجوائز والصلة، ولكنه يستطيع أن يُسخطهم جميعاً بكلام بذيء ساخط، ويستطيع أن يُرضيهم وأن يكسب محبتهم ومودتهم بكلمة ونصيحة وبشاشة ودعاء لهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلناً.

    وبمناسبة الحديث عن السلام، والانبساط وصلة ذلك بسلامة القلب أيها الأحبة يقول ابن عمر :

    بني إن البر شيء هين     وجه طليق وكلام لين

    صور من البر وحسن الخلق ونقائض ذلك

    إن البر ليس تفتيتاً للصخور.. إن البر ليس حملاً للجبال أو نقلاً لها.. إن البر ليس نقلاً للمياه إلى أعلى الجبال.. إن البر ليس تقسيماً للأموال، وإنما هو طلاقة في الوجوه وكلام لين، روى الترمذي، عن عبد الله بن المبارك أنه وصف حُسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى.

    وقال جرير : [ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي]. بل إن بعض الناس لا تجده متبسماً أمام الآخرين، بل تجده يسخط ويغضب وينـزعج ويقول: فلان أمره عجيب! كلما قدمت عليه تبسم في وجهي، فأي صلة بيني وبينه؟ وأي علاقة بيني وبينه؟ في كل حال إذا رأيته رأيته متبسماً!! أي أن بعض الناس لا يُحرم على نفسه البشاشة بل تجده يُنكرها حتى على من يُقابله بها والعياذ بالله، بل إن بعضهم إذا تبسمت في وجهه قال: متى المعرفة؟ وبعضهم إذا أطلقت أو لنت في الكلام معه قال: يبدو أنك طولتها أكثر من اللازم! وأنت لا تقصد إلا التحبب والتودد إليه فسبحان الله!

    إن هذه الأخلاق لهبات وصلات ومنازل ودرجات، فمن نالها نال خيراً كثيراً، وحسبكم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم لا يفطر، ودرجة القائم لا يفتر) وقال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق).

    إن الناس مهما كثرت صلاتهم، فهي لهم يوم القيامة، لن يعطونا منها شيئاً، وجزاهم الله خيراً وأكثر من أمثالهم وتقبل منهم، وما أجمل سعيهم! وما أطيب صلاتهم وركوعهم وسجودهم! لكنهم لن يُعطونا من صلاتهم شيئاً، وما أجمل صيامهم! وإن عبادتهم لمما يرحم به الله الأمة، ولكنهم لن يعطونا من عبادتهم شيئاً، الذي يتعلق بنا تعلقاً مباشراً من أعمالهم ألا وهو -مع حبنا لهذا الخير الذي يعملونه- طلاقة الوجه .. البشاشة .. حسن الخلق .. لين الجانب .. التواضع .. المودة .. المحبة .. الإقبال بالوجه على الوجه عند اللقاء والسلام.

    أذكر ذات يوم أني دخلت دائرة من الدوائر الشرعية، فقابلت رجلاً توسمت فيه خيراً فبدأته بالسلام وحييته به ومددت كفي مصافحاً له فإذا به -سامحه الله وجمعني به وإياكم في الجنة- يقابلني بوجه مكفهر، مقطب الجبين، ويسلم سلاماً رخواً ميتاً بارداً فتركته حتى خرج من تلك الدائرة، ثم أدركته قبل أن يبتعد عنها كثيراً، فقلت له: يا فلان .. هل تعرفني؟ قال: لا. قلت: وما يضيرك أنك لا تعرفني؟ -أردت بقولي: هل تعرفني أي: هل سبق بيني وبينك عداوة؟ هل بيني وبينك شيء من المواقف التي تدعو إلى عدم الانبساط وعدم البشاشة؟- قال: لا أعرفك. قلت: إذاً لم يحصل بيني وبينك موقف كرهتني فيه أو كرهتك فيه؟ قال: لا. قلت: يا أخي الكريم لماذا لا تحسن أخلاقك؟ لماذا لا تنبسط؟ لماذا لا تتبسم؟ لماذا لا تمد يدك مد الرجال عند المصافحة؟ لماذا لا تضع عينك في عين من أقبل عليك محبة وهشاً وبشاً به؟ أما أن تجد من الناس مَنْ إذا سلَّم عليك يده في اليمين ووجهه في السقف، أو يُعطيك يداً ويده الأخرى يصلح به شيئاً من حذائه، والرابع يُسلم عليك ولا يلتفت لك بأي حال من الأحوال.

    إن عدم التفات هذا إلى حُسن الخلق لن يضيرك ولن يضيرني لكنه سيضيره هو، إنه يحرم نفسه خيراً كثيراً، وبوسع العبد إذا خرج من بيته أن يعود بحسنات أمثال حسناته في صلاته وصيامه، وأمثال حسناته في صدقاته وذلك بحسن خلقه ولين جانبه وتواضعه، ومحبة الخير لإخوانه المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) رواه الإمام مسلم.

    وروى الخرائطي عن أبي عون الأنصاري قال: [ما تكلم الناس بكلمة شديدة إلا وإلى جنبها كلمة هي ألين منها تجزئ عنها] أي: أن الواحد مهما شدد في العبارة فإن بوسعه أن يختار من مفردات اللغة ومن جُملها ما يُفضي إلى تحقيق المقصود، وما يفضي إلى المرغوب دون الحاجة إلى الكلمة الشديدة، وكل أمر من الأمور لك أن تُعبر عنه بكلمة طيبة، ولك أن تعبر عنه بمعنىً مقبول:

    تقول هذا مجاج النحل تـمدحه     وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير

    ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما     والحق قد يعتريه سوء تعبير

    في زخرف القول تزيين لباطله     والحق قد يعتريه سوء تعبير

    العسل إن تشأ قلت: ذا قيئ الزنابير، وإن تشأ قلت: هذا شهد النحل أو تقول فيه وصفاً جميلاً، ومن الذين يعتنون بحسن الخلق؟ من تراهم ينتقون العبارة الجميلة، يُقال: إن هارون الرشيد قال ذات يوم لأحد أبنائه وفي يده سواك: ما جمع هذا يا ولدي؟ فقال أحدهم: محاسنك يا أمير المؤمنين. وقال للآخر: ما جمع هذه يا ولدي؟

    قال: جمعها كِعاب الأسنة.

    لم يقل: مساويك، خشية أن يكون الجمع فيه عبارة تدل بلفظ لا يليق أمام أمير المؤمنين أو أمام والدهم.

    أحاديث نبوية في حسن الخلق

    إن عناية الإنسان بمنطقه وعناية الإنسان بلفظه متحرياً بذلك حُسن الخلق مما يرفعه درجةً عند الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً).

    وروى أبو نعيم في الحلية، عن حماد بن زيد قال: [ما رأيت رجلاً أشد تبسماً في وجوه الرجال من أيوب ].

    وفي الحديث المتفق على صحته، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الإسلام خير؟ قال: أن تُطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه.

    ذلك من خير الإسلام أن تبدأ بالسلام وتُعلن السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف.

    وبالمناسبة أيها الأحبة! فإن وقوع بعض المسلمين في معصية لا يمنع من سنية بدئهم بالسلام، فتجد المسلم إذا قابل رجلاً حالقاً لحيته، قال: لا أبدأه بالسلام فهذا (حليق)! وبعضهم إذا رأى رجلاً مدخناً قال: أعوذ بالله، أبدأ بالسلام على رجل يدخن فلا أبدأه، وذلك من الجهل بالدين.

    إن من واجبك أن تبش وتهش وتنبسط إليه وتبدأه بالسلام، وتسأله عن صحته، وإن كنت منكراً لما ترى من حلق لحيته أو مجاهرته بدخانه، فإنك بهذا تنصحه نصيحة طيبة فتنال الأجرين، لا يفوتك أجر البدء بالسلام وتنال أجر حُسن الخلق، والبسط وحُسن الصلة مع المسلمين، وأجر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وفي معنى الحديث السابق قال النووي رحمه الله: ومعنى تُقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف أي: تُسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من الناس.

    هذا في زمان النووي يقول: كما يفعله كثير من الناس الذين يخصون بالسلام من يعرفون، فما بالك بهذا الزمان؟ ما بالك بنا؟ بل لقد ضيعنا كلمة (السلام) حتى أن بعضنا يدخل على القوم، فيقول: كيف الحال؟ كيف الصحة؟ أهلاً بكم، صباح الفل، صباح الورد، صباح الياسمين، صباح القشطة، صباح كذا وصباح كذا! ونسي أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..! بل إن بعضهم بالهاتف: السلام عليكم، أهلاً بفلان.. كيف الحال؟ تردد عليه مرتين أو ثلاثاً حتى لا يفوته أجر رد السلام، وهذه من الأمور التي تعود كثير منا عليها حتى فاته كثير من الأجر، ما الذي يمنع؟

    صحبت ذات مرة شخصاً من إخواننا في سفر فعجبت من كثرة إفشائه السلام على الناس، ما التفت يمنة فوجد عاملاً أو كبيراً أو صغيراً إلا وألقى عليه السلام، فقلت له: أراك تكثر السلام! قال: هل كنت مشغولاً معك في حديث حتى أقطعه بهذا؟ هل تراني أقرأ؟ هل تراني أصلي؟ بدلاً من أن أقلب عيناي في الجدران والحيطان والرخام والمباني والعمائر والغادين والسيارات والرائحات والشكمانات وغير ذلك بدلاً من هذا كله أقول: السلام عليكم، ففي كل تسليمة أجر عظيم، وما ظنك لو عددنا كم مررنا على شخصٍ سلمنا عليه لوجدنا أننا في نهاية المطاف قد جمعنا مئات الحسنات بمجرد إفشاء السلام.

    وقال ابن حجر في معنى السلام: أي لا تخص به أحداً تكبراً ولا تصنعاً بل تعظيماً لشعار الإسلام ومراعاةً لأخوة المسلمين. وفي الحديث الذي له حكم الرفع ورواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن ابن مسعود أنه مر برجل فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فرد عليه، ثم قال: [إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة].

    وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة: استفتاح للمخاطبة وللتأنيس ليكون المسلمون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش، وربما سبب صدود المتهاجرين أو يشبه صدود المتهاجرين الذي نهى الله عنه.

    لقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطيعة الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم) رواه الإمام أحمد في مسنده.

    حاجتنا إلى قضايا السلوك والأخلاق

    نعم أيها الأحبة! هذه من الأشياء التي ظهرت وانتشرت بين المسلمين، وكما أننا بحاجة إلى أن نفقه قضايا كثيرة.. قضايا إعلامية، وقضايا سياسية، وقضايا تربوية، وقضايا تعليمية، وقضايا اجتماعية؛ فنحن بأمس الحاجة إلى أن نتعلم هذه القضايا وهي قضايا المعاملة وقضايا السلوك.

    إن عبداً من عباد الله يوم القيامة لن يضره إن جهل ما هي أبعاد اتفاقية غزة أو أريحا، على أيٍّ كان تحليلها أو تفسيرها، وليس هذا مقام بيان قول الإسلام فيها، إن عبداً من عباد الله لن يضيره يوم القيامة إذا جهل كثيراً من القضايا السياسية والاقتصادية والإعلامية، لكن سينفعه عند الله إن كان ممن يفشون السلام، سينفعه عند الله إن كان ممن ينبسطون بالبشاشة أمام إخوانهم، سينفعه عند الله إن كان ممن سلمت صدورهم من الغل والحسد والإحن والعداوات والبغضاء.

    1.   

    بطلان الافتخار بالأنساب أمام التقوى

    ثم إن سلامة الصدور لمن دلائل الألفة والمحبة التي هي نعمة عظيمة امتن الله بها على المسلمين، كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103] بل يمن الله جل وعلا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيقول له: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:62-63].

    إن هذه الألفة والمودة وسلامة الصدر لمن أعظم النعم، وما ظنكم لو أن كلاًّ منا ركب رأسه وركب نعرته وركب عصبيته وركب جاهليته، وركب أسرته وقبيلته ومفاخره وأموره الجاهلية، لأصبحنا أعداءً متباغضين متناحرين، لكن نعمة الله جمعت شملنا، وألفت قلوبنا، ووحدت صفوفنا، ووالله إن من يفتخر بنسبه لأحقر عند الله من الجعلان والجنادب والهوام والتراب.

    إن عبداً من عباد الله في أدغال أفريقيا من المتقين ليساوي آلاف الآلف في وسط نجد أو في شمالها أو غربها أو جنوبها إن كانوا من العصاة، وإن عجوزاً مؤمنة من أهل نجد لتساوي أهل الأرض إن كانوا عصاة: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] بعض الناس فيه خساسة ودناءة، وفيه فجور وعصبية وجاهلية، يتزي ويفتخر بأصله ونسبه: أنا نجدي، أنا حجازي، أنا شمالي، أنا يماني، أنا غربي، أنا مدني، أنا كذا، أنا كذا.. والله ما قلت بقول فيه عصبية بجاهلية إلا قلنا لك: خسئت وخبت وخسرت.

    أبي الإسلام لا أب لي سـواه     إذا افتخروا بقيس أو تميم

    نماذج ممن رفعتهم التقوى

    الذي نفتخر به هو الذي جعل بلال الحبشي، يُسْمع صوت نعليه في الجنة.

    الذي نفتخر به هو الدين الذي جعل أبا لهب ذا الوجه الأحمر الملتهب من شدة بياضه يقال فيه: سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ [المسد:3].

    الذي نفتخر به ذلك الدين الذي قال لـصهيب : (ربح البيع أبا يحيى).

    الذي نفتخر به الذي نقل سلمان الفارسي من الفرس إلى آل البيت، فقال صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا آل البيت) إن من افتخر فخراً مجرداً عن العمل الصالح، فهو خسيس دنيء، وإننا لنقولها ولا كرامة ولا مودة ولا مكانة لمن افتخر بنسب جاهلي، وتباً لمن يفتخر بعظمٍ نخر، الذين يفتخرون بالعصبيات، وبالأنساب، الذين يصنفون الناس: هذا شمال وهذا جنوب وهذا غرب وهذا نجد وهذا وسط وهذا يمين وهذا يسار .. بماذا تصنفون الناس؟ بالعيون التي تُخرج القذى؟ بالأنوف المليئة بالمخاط؟ بالأجواف المليئة بالبول والبراز؟ بالأفواه المليئة بالبخر؟ بالآباط المليئة بالوسخ؟ بماذا يفتخر الناس حينما يصنفون بهذه العصبيات، إنما الفخر فخر من أطاع الله وعبد الله وسجد لله وصلى لله، والكرامة والله هي كرامة التقوى، ومن تمسك بغيرها ومن دعا بدعوى الجاهلية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) أي: قولوها له صريحة حينما يفتخر بهذه العصبيات الجاهلية التي لا مكانة لها.

    لقد وقف عطاء بن أبي رباح الذي هو إمام المناسك في زمنه، يقف الناس طوابير، خلف بعضهم كل ينتظر دوره في السؤال، وعطاء كان عبداً مملوكاً أعتقته سيدته، كان لا يرى إلا بعين واحدة، كان مفلفل الشعر، أسود اللون، كأنه غراب بين الناس، ثم لما جاء الخليفة يسأل قالوا: دونك الناس أيها الخليفة -أي: امسك في (الطابور) حتى يصلك (الطابور) وتصل عطاء بن أبي رباح - فوقف الخليفة وسأل عطاء بن أبي رباح فالتفت إلى أولاده، وقال: أي بني! اطلبوا العلم فقد جثا الخلفاء بركبهم عند العلماء.. هكذا يكون الدين هو الذي يرفع الدرجات ويرفع المنازل.

    نقاء النفس من أسباب دخول الجنة

    إن نقاء النفس أيها الأحباب! لمن أسباب دخول الجنة كما في الحديث الذي رُوي في مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا يوماً جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة. قال: فطلع رجل من أهل الأنصار تنطف لحيته من الوضوء، قد علق نعليه في يده الشمال، فسلم، فلما كان من الغد قال صلى الله عليه وسلم: يخرج عليكم من هذه الثنية أو من هذا الفج رجل من أهل الجنة؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبع الرجلَ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقال لذلك الرجل: إني لاحيت أبي -أي: كان بيني وبين أبي شيء من الملاحاة- فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تئويني إليك حتى تمضي ثلاث ليالٍ فعلت؟ قال: نعم. قال أنس رضي الله عنه فكان عبد الله بن عمرو يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار -أي: انقلب وتقلب على فراشه- ذكر الله عز وجل، وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر. فقال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً) صاحبه ثلاث ليال وثلاثة أيام يريد أن يرى منه كثرة صلاة وكثرة صيام وكثرة أعمال، قال: (فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن أحقر عمله، قلت: يا عبد الله.. لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت ثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بذلك فلم أرك تعمل).

    وانظر إلى الصحابة كيف يتنافسون في العمل، وكيف يتبع بعضهم بعضاً ليتأسى ويقتدي وينتفع ويهتدي، بمن هو خير منه في العمل، أو بمن سبقه ببشارة من النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فاقتدي بذلك، فما رأيتك تعمل عملاً كثيراً، فما الذي بلغ بك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال: هو ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خيرٍ أعطاه الله إياه، قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق..) وفي سند هذا الحديث مقال.

    سوء الظن مدعاة للحقد

    أيها الأحبة! إن مما يدفع بعض الناس ومما يجرهم والعياذ بالله إلى الأحقاد والإحن والغل؛ سوء الظن، وسوء الظن أمر منهي عنه، لقد عرفت كثيراً من الناس لو تناجى اثنان في مجلس لقال: نعم، إنهما يتناجيان فيّ، إنهما يتكلمان عني، يتكلمان في سيرتي، إنهما يحللان شخصيتي، إنهما يريدان أن يزنا شخصيتي. فتجد بعض الناس لو التفت يمنة ويسرة قال: نعم، الآن يتكلمان فيّ.

    بعض الناس مسكين عنده ضعف ووسوسة واهتزاز شخصية لدرجة أنه لو دخل على حوش غنم، فالتفت تيس إلى عنـز قال: تكلموا فيّ ..! من سوء اهتزاز شخصيته أمام نفسه فعلاً، لا يُطيق أن يلتفت اثنان إلى بعضهما، ولو أن بعضهم فجأة أو خطأً حدق البصر فيه لحظة ثم عاد لقال: نعم، أراد أن يتأكد هل هو الذي يُتكلم فيه أنا أم الذي بجواري، أي: أنك تجده -والعياذ بالله- مسيئاً للظن، وقد نهى الله جل وعلا عن هذا، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ولماذا نسيء الظن بالآخرين سواءً في كلامهم أو في قولهم أو خطبهم أو مقالاتهم أو كتبهم أو مجالسهم أو مواقفهم؟

    لماذا لا نحملهم على أحسن محمل؟ أوليس الأصل في كل مسلم براءة عرضه وسلامة جانبه؟ أوليس الأصل فيه البراءة، والشك طارئ والمعصية والخطيئة طارئة.

    إذاً.. لماذا ندع الأمر الأصلي الثابت بيقين لأمرٍ حادث بشك، والقاعدة الفقهية تقول: اليقين لا يزول بالشك؟ وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).

    نعم.. إن كثيراً من الناس يحلل حساباته ويخلص بتقاريره واستنتاجاته بناءً على الظنون وبناءً على أشياء لا صحة لها إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النجم:28].

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [إن أناساً يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته من شيء، الله يحاسبه على سريرته، ومن أظهر لنا شراً لم نأمنه ولم نصدقه، ولو ادعى وقال: إن سريرته حسنة].

    وإن حسن الظن لمن حقوق الأخوة التي هي من مناقب السلف الصالح، فهذا الشافعي رضي الله عنه يروي أحد تلامذته وهو الربيع بن سليمان قال: دخلت على الشافعي ذات يوم وهو مريض، فقلت له: قوى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. فقال الربيع : والله ما أردت إلا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير. أي: من حُسن ظن الشافعي بتلميذه أو بمن حوله. قال: لو تكلمت فيّ كلاماً بلغ حتى درجة الشتيمة، لن أسيء بك الظن، وإني لأقول: إنك ما أردت وما قصدت إلا الخير.

    وعلى ذلك فينبغي أن يُحمل كلام الإخوان وكلام الخلان والأصحاب والأحباب والإخوة وكلام عامة المسلمين فيما بينهم أن يحمل على خير محمل.

    1.   

    فقه الستر على المسلمين

    أيها الأحبة! كذلك من التوجيهات المهمة المتعلقة بجيل الصحوة المبارك، بل وبعامة إخواننا المسلمين: مسألة الستر، الستر على المسلمين والأخذ بأيدي الذين يقترفون الإثم، الأخذ بأيديهم إلى الله جل وعلا، لينيبوا إليه سبحانه عله أن يقبل توبتهم بدلاً من هتكهم وتتبع عوراتهم وكشف مساوئهم وإعانة الشيطان عليهم.

    قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب.. وهذا الكلام لا تنزعجوا منه فسوف يأتي فيه تفصيل.

    روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان.

    إن الستر على المسلمين لمن الأمور المرغوبة، ومن الأمور المحبوبة، بل إن الدين شرع لنا ذلك، وستأتي من النصوص ما تعجبون من أن الإسلام لا يتشوف إلى فضح الناس، الدين لا يشتاق إلى هتك أستارهم، الشريعة لا تتمنى فضح عورات الناس، الدين لا يتمنى التشويش والتشهير بالناس إطلاقاً.

    حدث أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم.

    وحدث أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه.. لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في قعر بيته) رواه أبو داود .

    أيها الأحبة! إن من المسلمين من يستره الله ثم هو بعد ذلك يهتك ستر الله عليه، المقترف العاصي المذنب المخطئ الذي وقع في معصية مطالب قبل غيره أن يستر على نفسه، إذا كان الإسلام يأمرنا أن نستر على العاصي، فإن العاصي هو مأمور أن يستر على نفسه، وليس بمأمور أن يفضح نفسه أو يتكلم.

    إن من الناس من يظن أن التوبة لا تتم إلا بالصلاة في مسجد من المساجد عند شيخ من المشايخ وبين يديه، يقف ذلك الشاب الذي يريد الالتزام مطرقاً باكياً دامعاً حزيناً، فيقول: يا شيخ.. اسمع: إني مذنب وإني أريد التوبة، أولاً: فعلت كذا، ثانياً: سرقت كذا. ثالثاً: اختلست كذا، رابعاً: عملت هكذا.. ليس هذا من الدين في شيء، ليس عندنا قسس ولا رهبان ولا كاردنلات ولا زعامات بابوية أو طقوس كنسية يأتي المذنب ليعترف بين يدي أصحابها، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] الأمر بين العبد وبين ربه لا يحتاج إلى واسطة سواءً في التوبة أو في الاستغفار أو في السلامة أو في الرجوع عن الذنب والخطيئة، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي سمعه أبو هريرة من فهمه صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان.. عملت البارحة كذا، وقد بات يستره ربه، ثم يصبح يكشف ستر الله عليه) متفق عليه.

    ستر الله في الدنيا والآخرة

    ستر العصاة عند الصحابة

    وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستر الله على عبدٍ في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم.

    عمار بن ياسر من الصحابة يفهم هذا المعنى فهماً عظيماً، فتراه ذات يوم قد أخذ بسارق من اللصوص ثم يدعه ويقول: [أستره لعل الله أن يسترني].

    وقال أبو بكر الصديق: [لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستر به عليه]. وكان يقول: [ولو رأيت رجلاً على حدٍ من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري].

    وأشرف ابن مسعود على داره بـالكوفة فإذا هي قد غصت بالناس، عبد الله بن مسعود لما أشرف على داره وجد الناس قد ملئوا الدار في رحباتها وجنباتها ومن حولها، فقال ابن مسعود: [من جاء يستفتينا فليجلس نفتيه إن شاء الله، ومن جاء يخاصم فليقعد حتى نقضي بينه وبين خصمه إن شاء الله، ومن جاء يريد أن يُطلعنا على عورة قد سترها الله عليه فليستتر بستر الله وليقبل عافيته، وليسرر توبته إلى الذي يملك مغفرتها، فإنا لا نملك مغفرتها ولكن نقيم عليه حدها ونمسك عليه بعارها].

    وهذه امرأة تقول لـعائشة: إن رجلاً أخذ بساقها وهي محرمة، فقالت: حجراً حجراً حجراً، وأعرضت بوجهها وقالت بكفها، ثم قالت عائشة : [يا نساء المؤمنين.. إذا أذنبت إحداكن ذنباً فلا تخبرن به الناس، ولتستغفر الله، ولتتب إليه فإن العباد يعيرون ولا يغيرون، والله يغير ولا يعير].

    تقسيم العصاة إلى مستور ومفضوح

    قال ابن رجب في تفصيل الكلام الذي مضى حتى لا يظن بعض الإخوة أن هذه دعوة لترك الفساد والمنكرات، وتهوين شأن أهل الحسبة والهيئات، والتثريب عليهم فيما يفعلون من الإمساك بالعصاة- يقول ابن رجب في تفصيل هذه المسألة: واعلم أن الناس على ضربين:

    أحدها: من كان مستوراً لا يُعرف بالمعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز له هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهو الذي فيه النصوص، ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً وأقر لم يُفسر ولم يُستفسر منه، بل يُؤمر بأن يرجع فوراً ويستر على نفسه.

    وأما الثاني: فمن كان مشهوراً بالمعاصي، مُعلناً بها، داعياً إليها، لا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له في هذا، فذاك الفاجر المعلن وليس له ريبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره.

    أيها الأحبة! ينبغي أن نفرق فمن الناس من يقع في زلته الأولى أو خطيئته أو مشكلته التي وافقت أنها وقعت في يد أو في علم أو في اطلاع واحد من أهل الخير، الواجب حينئذٍ إذا لم يُعرف عن الرجل أنه من أهل الفساد ولا من أهل المعاصي ولا من الدعاة إلى الشر ولا من الدعاة إلى الخطيئة؛ فالواجب زجره بالموعظة، وتوبيخه بالنصيحة، والقول البليغ في حقه لعله يرتدع وينـزجر ويُخوف، ثم بعد ذلك يُستر عليه حتى لا نتفاخر بأن كثيراً من المسلمين وقعوا في المعاصي، أو حتى لا يفشو أن هذا المجتمع قد بلغ به الفساد حتى فيمن يُظن بهم الخير.

    أما من كان داعية إلى المعصية، مروجاً لها، ناقلاً لها، مزيناً لها، كما يفعله بعض العصاة، تجده يعصي ويهتك ستر الله عليه ويجاهر ويأتي بالصور من الخارج، ويقول: هذه صورة مع الراقصة، وهذه صورة مع فلانة، وهذه صورة شرب، وهذه صورة منكر، وكنا في كذا، وفعلنا يوم كذا وكذ وكذا وطربنا وشربنا ورقصنا وسافرنا ورأينا وفعلنا وسهرنا و..و.. الخ ثم يحض على المعصية ويدعو إليها، فذاك لا ينبغي تركه إذ أنه سوسة نخرة وسرطان في بدن الأمة فلابد من بتره وقطعه، إن لم تُفد فيه المواعظ والنصائح.

    قال الإمام مالك: "من لم يعرف منه أذىً للناس وإنما كانت منه الزلة فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرف بشر واشتهر به، أو فساد وعرف به فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحد" حكاه ابن المنذر وغيره.

    وقد ذكر النووي : أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به، أي: قد تكون في الرجل أمور من الفسق، فأمور جاهر بها وأمور سترها، فالأمور التي هي من الفسق التي سترها لا يجوز أن يعير بها جهاراً، والأمور التي من الفسق جاهر بها يعير أو يؤخذ بها جهاراً، وهذا من تمام الفقه والعلم.

    وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه المعترفون بأنفسهم، يأتيه ماعز، فيقول: يا رسول الله، زنيت فيدفعه ويقول: (لعلك قبلت، فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك فاخذت فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك كذا ثم يقول: انظروا بصاحبكم هل تشمون منه خمراً، أتعرفون عنه جنوناً؟) إن الإسلام لا يتشوف إلى هتك الأستار.

    بعض الناس يظن أن هذا الدين يتعطش لقطع الرقاب وقطع الأيدي، وأن الدين يتعطش لبطح الناس عند المساجد وجلدهم، وأن الدين يتعطش لفضح الناس أمام الملأ والمجامع، لا، ليس هذا من مقاصد الشريعة، بل إن من مقاصد التشريع الستر على الناس إلا من كان فاجراً ساعياً بالفساد بين المؤمنين فذاك رجل ينبغي أن يبعد وأن ينتبه لفسقه وشره.

    وإني أسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل هذه الكلمات حجة لنا لا حجة علينا.

    ويا أيها الأحبة! أقولها مراراً: إن هذه الصحوة خاصة، والمسلمين عامة بحاجة إلى تربية في السلوك، إننا بحاجة إلى حُسن الخلق، إننا بحاجة إلى حُسن المعاملة، إن الأزمة أزمة معاملة والأزمة أزمة أخلاق، والمصيبة مصيبة أن كثيراً منا قد تعلم شيئاً كثيراً ولكن يجهل كثيراً من الخلق وحسن المعاملة.

    1.   

    الأسئلة

    ضوابط في التعامل مع الوالدين

    السؤال: فضيلة الشيخ سعد ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله أني أحبكم في الله، فضيلة الشيخ إني سلفي العقيدة، ولكن والدي ووالدتي يقعون في البدع ويحثوني عليها، وعلى الابتداع، وقد تعبت معهم في النصيحة حتى أن والدي ووالدتي يغضبان عليّ كثيراً لأنني سلفي، فماذا تنصحونني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يا أخي الكريم! أسأل الله أن يحبك كما أحببتنا فيه، وإن من المصيبة أن يجد الإنسان من والديه وأقاربه أو جماعته من يصرون بإمعان وعناد على بعض البدع والأخطاء والضلالات.

    أما من الوالدين فإن الله جل وعلا يقول: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] بمعنى: أن أخطاءهم وبدعهم التي يقعون فيها لا تمنع من برهم، بل لا تسقط وجوب البر بهم، فواجبك أخي الكريم أن تأخذهم بالحسنى وباللين، وأن تسألهم حينما يدعوانك إلى بدعة من البدع أن تقول: ماذا تبتغون من هذه البدعة؟ يقولون: نريد الأجر والمثوبة. فتقول لهم: من الذي قال: إن فيها أجراً ومثوبة؟

    فيقولون: إما أن ذلك عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم. فتقول: ولكن هذا لم يرد عن الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ذلك مما ورد إما في الحديث الموضوع أو المكذوب أو في استنباط بعض الذين يستحسنون بعقولهم من الدين، وإنما الدين توقيف وعبادة واتباع وليس ابتداع، وإذا كنتم تريدون الأجر فعليكم بما كان عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأن تأخذهم باليُسر واللين والحكمة والموعظة الحسنة، لا تقل: يا أمي.. أنا سلفي وأنتي مجرمة، ويا أبي.. أنا سلفي وأنت كذا.. لا، إنما تأخذهم بالحسنى واللين، وداوم، بعض الناس يقول: نصحت فما استجيب لي. وإذا سألته كم مرة نصحت؟ قال: مرتين ونصف! يا أخي الكريم.. إذا كان أمر والديك يهمك بعناية واهتمام شديد، فإنك لن تألو جهداً في أن تصل إلى قلبيهما والتأثير عليهما بكل وسيلة من وسائل البر والهداية واللطف والكلمة الطيبة عسى الله أن يمنّ عليهم بالهداية، وإذا لم تتحقق الهداية المرجوة، فإن الله جل وعلا قد قال لنبيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] النبي كان يحب أن يموت أبو طالب على الإسلام، لكن أبا طالب مات مشركاً، خلافاً لما تزعمه بعض طوائف الضلال الذين ألفوا كتاباً وأسموه " أسنى المطالب في إسلام أبي طالب " ويدَّعون أنه من المسلمين.

    نداء من البوسنة

    قبل هذا السؤال أخي الكريم ! نداء جميل وطيب من إخواننا في مكتب الهيئة العليا، مفاده: أن إخواننا غير خافٍ عليكم ما يمر بهم في هذه الأيام من تسلط أعدائهم الكروات وأعدائهم الصرب وما هم فيه من مشقة في أحوالهم سواءً في مساكنهم أو في البرد الذي يمر بهم، أو مرض أطفالهم، أو موت عجائزهم وشيوخهم وكبارهم، لذا نهيب بإخواننا أن يتبرعوا لوجه الله جل وعلا، وكل في ظل صدقته يوم القيامة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] فأعينوا إخوانكم.

    وإني أبشركم -أيها الأحبة- أن الوضع منذ أشهر وليس منذ أسابيع قد تحول لصالح المسلمين في البوسنة والهرسك، وخذها قاعدة: إذا رأيت المفاوضات الدبلوماسية في أوروبا نشطة ومتحركة ومتتابعة لحل أزمة البوسنة والهرسك؛ فاعلم أن المسلمين في تقدم، إذا كان الكفار يذبحون في المسلمين تجد أن هذه المفاوضات تمشي مشي السلحفاة؛ أما إذا كانت الكفة لصالح المسلمين، فإن المفاوضات تمشي عجالاً، على الأقل يكسبون وقف إطلاق النار .. وهذا الكلام أنقله بما عرفت من كثير من المسئولين في حكومة البوسنة ، ومنذ قرابة أسبوع جاءني أحد الشباب من أكثر من مدينة من سراييفو ومن جراشتا ومن زنيتسا ومن مستار ومن زرنيك ومن غيرها ويقول: إن الأوضاع لصالح المسلمين، إلا أن المسلمين في هذه المرحلة يركزون أولاً على القضاء على الكروات.. لماذا؟ لأن الكروات متداخلون مع المسلمين في كل شارع وسكة وطريق ومحل، وهؤلاء الكروات هم الذين دائماً ينقضون العهد ويدلون الصرب على المسلمين ويحددون المواقع، وهم شوكة في حلوق المسلمين في كل مكان؛ لأجل ذلك كانت الاستراتيجية الجديدة: القضاء على الكروات أولاً ثم تصفية الصرب ثانياً.

    ولذلك المعارك الآن بنسبة كبيرة جداً لا تقارن بين الكروات والمسلمين أكثر منها بين المسلمين والصرب.

    الأمر الآخر: أن كثيراً من الصرب ولله الحمد والمنة -وهذه بشارة- صاروا يبيعون الأسلحة ويبيعون الذخيرة، عندك مال أعطه الثقات أو اذهب أنت بنفسك معهم فهم مستعدون أن يجعلوك تقابل قائداً صربياً يبيعك دبابة ويبيعك ذخيرة ويبيعك أسلحة ويبيعك ناقلات، بل إن بعض قوات الأمم المتحدة يبيعون الوقود، بل قال بعضهم لأحد ضباط الأمم المتحدة: أما تخشى أن يعلم رؤساؤك بك؟ قال: إذا علموا فذلك ما كنت أبغي؛ لأني بعت لكم معاشر المسلمين من الوقود الشيء الكثير بأموال أتمنى أن أُفصل بسببه من الخدمة فأستمتع بالأموال التي جمعت..!

    أكثر ما عندهم أن يعطوا عقوبة أو سجن أيام أو أشهر ثم يعود ليستمتع بالأموال التي جمعها، قال: وبقائي في المعركة خطأ، ولذلك إذا رأيتم الأعداء يبيعون السلاح ويتاجرون بأسلحتهم فاعلموا أن واقع المسلمين في خير، خاصة بعد تلك المحاولة الناجحة التي قادها عدد من الشباب العرب المسلمين، واستطاعوا أن يختطفوا نائب القائد الكرواتي في ليلة ليلاء، كما ذهب محمد بن مسلمة وجر كعب بن الأشرف من معصمه واستنزله من عُصم منـزله، وأخذوا ذلك القائد ودخلوا به أسيراً، وأبلغوا قوات الأمم المتحدة، فجاءت الأمم المتحدة تفاوض على إخراجه قالوا: لا نسلمه لكم إلا رأساً على طبق إن لم تخرجوا لنا إخواننا الأسرى من العرب وغير العرب، وفعلاً تمت عملية المبادلة وسجلت بالفيديو وثائقياً ورأيتها بعيني.

    بعد تلك الحادثة أصبح كل مجموعة من الشباب يشتهون أعمالاً ومغامرات جميلة، الذي يذهب ويسرق له (نقيباً)، والذي يسرق له (ملازماً أول)، والذي يخطف له (ضابطاً) فقط، وآخر يذهب ويخطف (عريفاً) أو (جندياً) فيقولون: لم تأت بشيء، احضر واحداً محترماً! فالحاصل أن إخوانكم بحمد الله في تقدم.

    وأيضاً يقول أحد المسئولين في الحكومة البوسنية: قتلى الصرب من العسكريين أكثر من قتلانا العسكريين المسلمين، وقتلى المسلمين المدنيين أكثر من قتلى الصرب المدنيين.. لماذا؟ لأن الصرب في المعارك يموت منهم الكثير والمسلمون لا يضربون على مواقع مدنية آمنة، لكن الصرب يضربون المدينة ضرباً بالصواريخ وبالطائرات حتى تكون خراباً يباباً ثم يتجولون في الأسواق ويقولون: انتصرنا.. هذا ليس انتصار! مدينة تُضرب بالطائرات والمدافع الثقيلة سبعة أيام أو عشرة أيام ثم يدخلها الصرب يرفعون السلاح وهي مدينة فارغة! هذا كالذي قال: أنا قتلت ذلك الضابط. قال: لماذا لم تقطع رأسه؟ قال: وجدت رأسه مقطوعاً. فليست شجاعة أن يفتخروا أو يعدوها شجاعة في الانتصار على مدن فارغة خالية ليس فيها من الجنود أحد، والخلاصة وما وصلنا إليه أن تتبرعوا والصناديق عند الأبواب جزاكم الله خيراً.

    حكم هجر القرآن خشية النسيان

    السؤال: إن كثيراً من الشباب يقول: أنا لا أريد أن أحفظ شيئاً من القرآن مخافة أن أنساه، وقد يكون الشباب في سيارة فعندما يريد أحدهم أن يشغل جهاز التسجيل على القرآن يقول الآخر: نشغله على الأناشيد لأن القرآن لن ننصت له فما هي نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟

    الجواب: أولاً: يا أخي الكريم! هذه ملاحظة في بعض الأسئلة: "السماحة" لمن بلغ هذه الدرجة وهو سماحة الشيخ عبد العزير بن عبد الله بن باز أو من كبار العلماء كالشيخ ابن عثيمين متع الله بهم على طاعته، أما شأني وشأنك فقل: يا أخي، وعسانا أن نبلغ درجات الأخوة، كلمة "الشيخ" أيضاً كبيرة و"فضيلة" و"صاحب الفضيلة هذه كلها كبيرة، فيا أخي الكريم ينبغي أن نعرف قدر بعضنا ببعض، ووالله لو مدحتني أو مدحتك كل منا أدرى بذنوبه وبعيوبه بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14].

    أما ما يقوله البعض أنه يُعرض عن القرآن مخافة أن ينساه، نقول: أنت احرص على حفظه واحرص على مراجعته، وإذا تفلت منك شيء فإنك على قدر جهدك تؤجر بإذن الله جل وعلا ولن تكون من الآثمين، إنما الذي يأثم من يُعرض عن القرآن ويقبل على غيره -والعياذ بالله- مع إمكانه أن ينال من القرآن خيراً عظيماً: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61] نشتري لهو الحديث ونعرض عن القرآن، ونقول: إننا لو نسينا القرآن لأثمنا، ذلك من الفهم المنكوس المعوج!

    وقول الآخر: نسمع الأناشيد حتى لا نأثم في الانشغال عنها، نقول: اسمع القرآن وأنصت له يا أخي، وإذا بدا لك حديث فلو أوقفت المسجل وتحدثت مع من بجوارك وعدت إلى ذلك، ومن عود نفسه على شيء نفعه بإذن الله

    وإن كلام الله أوثق شافع     وأغنى غنى واهباً متفضلا..

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي     كقبض على جمر فتنجو من البلاء

    ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت     سحائبها بالدمع ديماً وهطلا

    ولكنها عن قسوة القلب قحطها     فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا

    نعم .. ننصت للقيل والقال والكلام الزائد والناقص وقلّ إنصاتنا عن كلام الله، (ولكنها عن قسوة القلب قحطها) لو كانت القلوب لينة، ولو كانت المذاقات سليمة، لما ابتغت عن كتاب الله بديلاً، فنسأل الله أن يحبب إلينا وإليكم كلامه وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.

    من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المحادثة والسماع والمزاح

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه فتاة تبلغ من العمر عشرين سنة، ولقد رزقها الله بشاب صالح ولله الحمد، وسؤالها هو: إن زوجها -هداه الله- دائم الذكر لا يفتر عن ذكر الله حتى مع والديه، في أي محل وفي أي مكان، ولا يدع لها مجالاً في التحدث معه، بل يقول: اذكري الله، وإذا ركبت السيارة يذكرني بالله، وإذا أردت أن أتحدث معه قال لها: يا امرأة اتقي الله ودعكِ من الدنيا. ولا يحدثها محادثة الزوج مع زوجته فهل من نصيحة جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: والله نقول لأخينا هذا: أسأل الله أن يجعلنا وإياك وزوجتك والسامعين والسامعات من الذاكرين الله والذاكرات، ونقول: إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الصحابة ذكراً ومع ذلك كان يمازح صحابته، ويحدث صحابته، ويكلم عائشة ويؤانس زوجاته، ويتحدث معهم، ويداعب الصبيان ويلاعبهم ويحملهم ويسلم عليهم.

    فما أظنك وما أخالك يا أخي ستكون أبلغ وأكمل هدياً وسمتاً من نبيك صلى الله عليه وسلم؟! تقول عائشة : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في حاجة أهله، يخصف نعله، ويحلب شاته، وإذا دُعي أو أقيمت الصلاة قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه).

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمازح الصحابة ويتحدث معهم، كان يستمع الشعر، وقال ذات يوم لـأبي بكر الصديق : يا أبا بكر .. هل معك من شعر أمية من شيء؟

    قال: نعم. قال: هيه -أي: أسمعني- فأسمعه بيتاً.

    ثم قال: هيه! فأسمعه ثانياً، فقال: هيه! فأسمعه ثالثاً، حتى أسمعه مائة بيت، فقال صلى الله عليه وسلم: (كاد أمية أن يُسلم، أسلم شعره وكفر قلبه) وكان صلى الله عليه وسلم يسمع الشعر، ولما جاءه كعب بن زهير يغنيه قصيدة غزلية في المسجد:

    بانت سعاد فقلبي اليوم متبـول     متيم إثرها لم يفد مكبول

    وما سعاد غداة البين إذ رحلوا     إلا أغن غضيض الطرف مكحول

    أتى بقصيدة كلها غزلية، فما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اذكر الله اذكر الله لا تسمعنا، اذكر الله اذكر الله، بل سمع القصيدة حتى بلغ قوله:

    نبئت أن رسول الله أوعـدني     والعفو عند رسول الله مأمول

    إلى أن قال:

    وقال كل خليل كنت آمله     لا ألهينك إني عنك مشغول

    قصيدة جميلة واستمع لها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم ربما تمثل شيئاً من الشعر فلا يستطيع، كان في غزوة بدر وهو من الشجعان الكارين على أعداء الله في الجهاد في سبيله، يلتفت وبجواره أبو بكر الصديق فيقول صلى الله عليه وسلم: ونفلق هاماً.. ويقف لا يعرف بقية البيت، فيقول أبو بكر :

    ونفلق هاماً من رجال أعـزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

    وذات يوم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمثل بشعر العباس بن مرداس السلمي الذي صفته الحقيقة:

    أتجعل نهبي ونهب العبيد     بين عيينة والأقرع

    وما كان حصن ولا حابس     يفوقان عباس في مجمع

    فالنبي يريد أن يتمثل بهذا فيقول:

    أتجعل نهبي ونهب العبيد     بين عيينة والأقرع

    فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أشهد أنك لرسول الله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] أي: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً شعرياً كاملاً على حله بكماله وتمامه، وذلك لأن الله قال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69].

    فيا أخي الكريم! هذا رسول الله يسمع الشعر ويقول جزءً أو شطراً من البيت، ويحدث أصحابه، ويؤانس أهله، ويسلم على الصبيان ويداعب الصغار وما قال: إني مشغول عن هذا كله.

    فأسأل الله لي ولك مزيداً من الذكر، ولكن اعط زوجتك حقها، فإن لأهلك عليك حقاً، وإلا يُوشك أن تنفر منك هذه الزوجة، ثم الله يعينك على المشروع الخيري لمساعدة المتزوجين متى سيصل دورك!

    الحياء لا يأتي إلا بخير

    السؤال: شيخنا الفاضل! غفر الله لك، إني أحبك في الله، وسؤالي: إني إذا سلمت على بعض الناس أنزل رأسي في الأرض حياءً منه، فهل هذا من سوء الخلق؟

    الجواب: الحياء لا يأتي إلا بخير، بعض الناس تجد عنده حياءً لدرجة أنه لا يستطيع أن يلقي بعينه في عين من حدثه، إذا كان هذا من باب الحياء، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يُكثر على صاحبه في الحياء، فقال: (دعه، لا تكثر عليه، إن الحياء لا يأتي إلا بخير).

    فلا والله ما في العيش خير     ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

    يعيش المرء ما استحيا بخير     ويبقى العود ما بقي اللحاء

    فالحياء كله خير، ومن الناس وأنا أعرف أناساً فعلاً فيهم خجل عجيب وعجيب جداً، وكان صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، كان صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- من أشد الناس حياءً، والله يا إخواني نحن ربما أهمتنا سير بعض المتأخرين والمتقدمين، ولكننا نجهل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نحن بأمس الحاجة إلى أن نقرأ دقائق تفاصيل سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنك والله إذا قرأت سيرته لتشعر أنك تعيش معه وتعيش بجواره، وتنظر إلى عذوبة لفظه وطيب أخلاقه ولين معشره وحلاوة كلامه صلى الله عليه وسلم، يقول أنس بن مالك : [خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما نهرني ولا كهرني، وما قال لي فيما فعلت: لمَ فعلت؟ وما لم أفعل: لم لم تفعل؟] وكان يقول: (يا أنيس) يداعبه ويلاطفه بالكلام الطيب صلى الله عليه وسلم.

    فالحياء كله خير ولكن كان صلى الله عليه وسلم أشد الرجال وأقوى الرجال وأشجع الرجال وأغير الرجال إذا انتهكت محارم الله جل وعلا، بعض الناس يعد من الحياء أن يترك قوماً لا يشهدون الصلاة، يقول: تركتهم حياءً منهم، ويجد أناساً على منكر فيتعداهم ويقول: استحيت أن أنصحهم، ويجد آخرين يقترفون المعصية ويتركهم ويقول: حياءً منهم.. لا، ليس هذا من الحياء ألبتة.

    ضوابط في التعامل مع العصاة

    السؤال: أنا إنسان بيني وبين أشخاص غير ملتزمين بالدين خصومة، فهل أرجع لهم وأصالحهم؟

    الجواب: والله يا أخي الحبيب هناك فرق بين الخصومة والمجالسة، نحن حينما نقول: أن يكون الواحد طيب البشر لين الجانب يخفض الجانب لإخوانه حتى للعصاة من باب تحبيب قلوبهم إليه ودعوتهم بالحسنى لا يعني ذلك أن يجالسهم مجالسة المتلذذ المتأنس بمعاصيهم ومنكراتهم، أقوام يعصون الله جل وعلا تمر عليهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وابتسامة طيبة، وكيف حالكم، وكيف أولادكم؟ يا إخواني.. أوما تعلمون أن الله حرم هذا؟ يا أحبابي! أوما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، يا أحبابي أوما تخشون الله جل وعلا، إن الله متعكم بكلام طيب، فإن بعض الناس بمجرد أن يرى نصيحة ينتهي عن المنكرات.

    لا يا أخي الكريم! حين تجد مثل هؤلاء فتخالطهم من باب دعوتهم إلى الله جل وعلا، أما مخالطتهم والأنس بهم، تتعشى معهم وتسهر معهم، وذهاب وإياب، أصبحت هذه مجالسة ومخاللة، اتخذتهم أخلاء، وتلك خطورة عظيمة والعياذ بالله.

    انتبه لنفسك وفرق بين هذا وهذا، فرق بين المقابلة والمعاشرة، المعاشرة والمصاحبة شيء، والمقابلة باللين والحسنى شيء آخر، فأصحابك هؤلاء إن أردت أن ترجع إليهم مرة أخرى من باب النصيحة، وتعود معك بطالب علم أو بشريط أو بكتاب، أو إخوة يعينون على نصحهم فيا حبذا، وأنت أدرى بنفسك، لئن كان جسمك بالبنزين مبللاً فلا ترجع إلى مواقع يتطاير منها الشرر، فربما انفجر الحريق في بدنك، وإن كنت تعلم أن المعاصي جفت من بدنك تماماً وأنك بعد الآن عندك حصانة وسلامة من الاحتراق بإذن الله، قوي في إيمانك وفي نصيحتك فلا بأس أن تغدو إليهم وعليهم وتنصحهم، ولكل مقام مقال، وصاحب المقام هو الذي يفسر ما يحتاج إليه المقام من عبارة وتصرف.