إسلام ويب

سلسلة معركة بدر [2]للشيخ : خالد الراشد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أراد المسلمون العير يوم بدر فأقبل النفير من قريش يريد مواجهة المسلمين واستئصال شأفتهم، لكن النبي القائد أخذ رأي الرجال المقاتلين، ثم انطلق بالجيش إلى بدر للقاء أعداء الله وأعداء عباده المسلمين، فانطلقوا وجلّ اعتمادهم على خالقهم، فذهبوا بعزيمة الرجال، وشجاعة الأبطال، ورباطة جأش الواثق من نصر ذي الجلال.

    1.   

    قدوم جيش المشركين إلى بدر

    سمعنا من أخبار معسكر الكفار، والانشقاق الذي حصل بينهم، فقد بدأ الشقاق والخلاف في الظهور بعد أن رجعت القافلة ونجت، لكنهم أخذوا بمشورة أبي جهل الذي قادهم إلى الهلاك حيث قال: والله لا نرجع حتى نشرب الخمور.

    وستأتي في آخر القصة مقارنة بين قول هؤلاء وقول أولئك، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء المعركة طأطأ رأسه ورفع يديه إلى السماء مخاطباً ربه بالدعاء، وشاكراً له نعمة الانتصار، وأولئك يقولون: سنشرب الخمور، وسننحر الجزور، وستضرب علينا القينات، أليس هذا هو قولهم اليوم أيضاً؟! أليس هذا هو قول معسكر الكفر والشرك في هذه الأيام؟

    بلى والله، فالكفر ملة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، يتغير الناس لكن العلة واحدة، فمعسكر المشركين خرج بطراً ورئاء الناس، ومعسكر المسلمين خرج لنصرة الله ورسوله.

    وفي ظل الأحداث والمستجدات هنا وهناك، بلغ المسلمين خبر إفلات القافلة وأنه لا مجال لإدراك القافلة، ولكن الخبر الأهم: أن قريشاً تحركت بجيش كبير إلى بدر لحماية تلك القافلة، وهي الآن على مشارف بدر، وهذا الخبر أهم من الخبر الأول.

    مكة خرجت بجيش ضخم فيه كل الاستعدادات، واتجهت نحو بدر، فماذا سيصنع جيش المسلمين الصغير؟ المسلمون ما خرجوا لقتال أبداً، فكيف سيتصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع تغير الأحوال والظروف؟

    الصادق على أتم الاستعداد للبذل والعطاء مهما تغيرت الظروف، فلله عبودية في الرخاء، ولله عبودية في الشدة، والكثير منا يحقق عبودية الرخاء، فإذا جاءت الشدة لم يثبت إلا القليل.

    ولذلك كان من سنن الله وحكمته أنه يبتلي الناس حتى يصلحهم، والله أعلم بالشاكرين، وحتى تقام الحجة على فلان وفلان كما قال تعالى (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179]، وما الذي يميز الناس؟ هل الرخاء يميز الناس؟!

    فكلٌ يدعي وصلاً لليلى

    وليلى لا تقر لهم بذاك

    فالمواقف هي التي تربي الرجال، (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21]، ومما لا شك فيه أن ترك جيش الكفر يجوس خلال الديار فيه إهانة للجيش المسلم، فإذا ترك ذلك الجيش يطوف بين القبائل يستعرض قوته العسكرية والاقتصادية، ويعلم الناس أن قافلته قد نجت؛ فسيكون فيه إضعاف لهيبة المسلمين، الذين بدءوا بدورهم في إرسال السرايا هنا وهناك لإظهار قوتهم، فإذا سكتوا عن قوة قريش هناك فمعناه ذهاب هيبة المسلمين.

    ثم في ذلك امتداد لفرض قريش سيطرتها العسكرية والاقتصادية على طول ذلك الطريق، فترك ذلك الجيش في استعراضاته الاستفزازية من مكة إلى بدر دون اشتباك مع جيش المدينة فيه إظهار ضعف المسلمين، فإن الفريق الكافر قد خرج إلى بدر وكذلك الفريق المسلم، فإذا تراجع الفريق المسلم إلى الوراء فسيكون أمراً لا ترضاه النفوس المؤمنة.

    فإما حياة تسر الصديق

    وإما ممات يغيظ العدى

    ولو تراجعوا أيضاً فقد تقول قريش وهي بجيشها وقادتها: ما دام أنهم تراجعوا فلماذا لا نهاجمهم في عقر دارهم؟ فلن يلبث المسلمون قليلاً إلا والمشركون على أسوار المدينة، وفي هذا إذلال للقوة المسلمة.

    ثم تغيرت الموازين بأمر من الله سبحانه وتعالى.

    فالمؤمنون يتربون بالمواقف، والذي يتحكم بالمواقف هو الله جل في علاه، يقلب الموازين، ويغير الأمور، وله مقاليد السماوات والأرض.

    يا إخوان! لقد استمرت الشيوعية سبعين سنة، وما كان أحد يظن أن الشيوعية ستسقط، فمن الذي أسقطها؟ إنهم الرجال على جبال أفغانستان، فقد كان المعسكر الصليبي يخاف أن يتجرأ على الشيوعية؛ ولذلك لم يسقطها الصليبيون، بل أسقطها أبطال الإسلام، أسقطها الشباب بتضحياتهم، وبدمائهم، ثم قطف الصليبيون الثمرة وتآمروا على المسلمين بعد أن حصل ما حصل.

    ولذلك لما تغيرت الظروف والأحوال اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتلك التغيرات، وكانت رغبة النبي صلى الله عليه وسلم قوية جداً في ملاقاة الجيش الكافر، لكنه لم يكن يريد أن يلزم الرجال بما لا طاقة لهم به.

    1.   

    وأمرهم شورى بينهم

    ثم هو صلى الله عليه وسلم ما أخرجهم للقاء الكفار، بل أخرجهم لملاقاة القافلة التي يبلغ عدد جمالها ألفاً، ويحرسها أربعون رجلاً، فأخرج قوة تناسب ذلك الموقف، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فالأمر مقدور عليه؛ ولذا لم يحرض المؤمنين في المدينة على الخروج أبداً ولم يلزم أحداً بذلك، بل ترك الأمر اختيارياً لمن أراد أن يخرج، وبالرغم من أنه نبي مرسل يأتيه الوحي من السماء والقائد الأعلى، فقد كان يستطيع أن يفصل في الموضوع برأيه، لكنها حرية الإسلام في إبداء الرأي، وسبحان الله! ما أسهل حقوق الإنسان في أي مكان؟ فأسهل حقوقه أن يبدي رأيه، وهذا الحق محروم منه العالم الإسلامي، فلا يستطيع الإنسان فيه أن يقول ما يريد، حتى إننا وصلنا إلى درجة أننا لو تكلمنا فيما بيننا يقال أحدنا: اسكت فللجدران آذان!

    وأقول: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، فبالرغم من أنه نبي مرسل وهو القائد الأعلى لكنه لم يفصل في الأمر؛ لأن الله قال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].

    واليوم تتخذ قرارات لا ندري عنها شيئاً، وهي قرارات تتعلق بمصير أمة! قرارات تتخذ والأمة لا تدري من يتخذ هذه القرارات!

    والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينفرد بالرأي ولا بالقرار، بل سارع إلى عقد مجلس عسكري كما يسمى في هذه الأيام، والمقصد منه تبادل الرأي مع قادة الجيش، فقد تغيرت الظروف، فالموقف الذي وقفه المسلمون كان خطيراً جداً.

    إذا:ً tلا عجب يوم أن صدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـعمر : (يا عمر ! وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر اطلاعة، وقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟)؛ وذلك لشدة الموقف الذي وقفوه، فهي أول مواجهة بين المعسكرين، وقد سماه الله يوم الفرقان؛ فهو يوم فرق الله فيه بين عقيدة الكفر وعقيدة الإيمان، ويومها تعلم المسلمون كيفية استمداد أسباب النصر من السماء.

    فالجيش المسلم ما خرج للقتال، بل لأخذ قافلة فيها أربعون رجلاً وألف بعير، وبالإمكان السيطرة عليهم في أقل من ساعة، لكن الوضع تغير الآن، فبين لقادة الجيش أنهم خرجوا لأخذ العير، وهم الآن أمام النفير، فقد خرجتم تريدون القافلة، والآن أنتم أمام جيش لا يعلم به إلا الله!

    فمنذ أن بزغ نور الإسلام في الجزيرة لم تخرج القبائل ألف رجل مدججين بالسلاح عندهم كاملي عدة الحرب، ثم هناك دوافع تدفع المشركين للخروج، منها: حماية أموالهم، ثم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام والمسلمين، فليست العدة والعتاد من يحركهم فقط، بل يحركهم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام وأهله، ولا يحرك معسكر الباطل اليوم إلا الحقد على المسلمين.

    يا إخوان! في الفلوجة يقتلون الأطفال والنساء، فما ذنبهم وهم لم يحملوا السلاح أبداً؟ فكثير من الصحفيين وممن شاهدوا المعركة هناك يقولون: إن إصابات الأطفال والنساء في رءوسهم! رصاصات القناصة تقتنص الأطفال والنساء، فلو قصفوا قصفاً عشوائياً لقلنا: يموت الصغير ويموت الكبير، لكنهم يتعمدون الصغار والنساء!

    وقد طالبوا بهدنة؛ لأن معسكر الإسلام هناك أراهم أن المقاومة على أشدها، والرجال هناك لم يطالبوا بهدنة ولا بوقف قتال، بل قالوا: أعطونا وقتاً لإخراج الأطفال والنساء ثم اجعلوا المعركة بيننا وبينكم، يخرج الأطفال والنساء فقط ثم سترون كيف ستكون المعركة!

    وهكذا معسكر الإسلام في كل حين في الاستفادة من مثل هذه الدروس، فحين بدءوا الحصار حول الفلوجة، أجرى صحفي لقاءً مع أحد عامة أهل الفلوجة، يقول له: ماذا أعددتم لهذا الحصار؟ قال: أعددنا لهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله! من أين استمدوا هذا الاستعداد؟! أليس من هذه الأسطر؟ أليس من دلك الماضي الذي نستمد منه القوة في كل حين وفي كل زمان.

    أبناء الإسلام عندهم أتم الاستعداد للدفاع عن دينهم، حتى عصاة المسلمين، فهم يملكون في قلوبهم من الغيرة على الإسلام ما يكفي للدفاع عن الأعراض، فماذا لو فتحت لهم الأبواب؟!

    قال الله: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:5-6]، لكن هناك وعد رباني وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ لكن النفوس البشرية وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7] لكن ليحق الله الحق، ويبطل الباطل، قال سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأنفال:42] يعني القافلة، أنت هنا وهم هناك، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ [الأنفال:42] لكنها المواعيد الربانية، وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42].

    روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: (إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة من الشام، فهل لكم أن نخرج إليها عسى الله أن ينفلكموها) قلنا: بلى، فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تغيرت الظروف: (ما ترون في قتال قوم؟)قلنا: لا والله ما لنا طاقة لقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم كررها عليهم: (ما ترون في قتال قوم) فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو : والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، لكنا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.

    يقول أبو أيوب : فتمنينا معشر الأنصار أننا قلنا مثل هذه المقولة، ووالله لو قلناها لكان أحب إلينا من كل مال الدنيا، قال: فأنزل الله: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5].

    وهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين؛ لأنهم كرهوا القتال، لكن الله قال: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ، نعم أحبتي! فالتطورات المفاجئة المتسارعة جعلت الموقف خطيراً جداً، ولا يلامون على مثل هذا رضي الله عنهم، فهم أرادوا العير كما قال الله: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ هذا ما أرادوه، وهذا ما خرجوا من أجله، لكنهم علموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النفير، لكنها النفوس البشرية، ولقد قام رجال بدر بعمل خيالي في ذلك اليوم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر : (ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم؟) رواه الشيخان.

    1.   

    موقف المهاجرين من القتال في بدر

    ذكرت لكم أن الموقف تغير فجأة، فبدل العير وجدوا أنفسهم أمام النفير، ولم يرد القائد الأعلى أن ينفرد بالقرار، فعقد المجلس العسكري الاستشاري، وفي بداية المجلس وقبل أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقف قادة المهاجرين يبدون الاستعداد للقتال بعزم وبتصميم وإصرار، تكلم أبو بكر فأجاد، وتكلم عمر فأجاد، وقال المقداد : امض لما أراك الله فنحن معك، ووالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد ما تأخر منا رجل واحد، ويقال: إن برك الغماد: هو آخر مكان في المعمورة، وهذا الكلام يبين مدى الاستعداد والتصميم، ولذلك لا عجب أن يقول الله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ثم زكى الله الأنصار فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    بل وزكى الله كل من سار على طريقهم فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    وأقول: إن كانوا هم قد استطاعوا نصره الله ورسوله فنحن أيضاً نستطيع، وإذا هم فعلوا فنحن أيضاً نستطيع أن نفعل، أليس المعتقد واحداً؟ أليس المعبود واحداً؟ أليس النهر واحداً؟ بلى، لكنهم صدقوا، فالمطلوب منا أن نصدق مع الله.

    كن كالصحابة في زهد وفي ورع

    القوم هم ما لهم في الأرض أشباه

    عباد ليل إذا جنَّ الظلام بهم

    كم عابد دمعه في الخد أجراه

    وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم

    هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

    فيا رب ابعث لنا من مثلهم نفراً يجددون لنا مجداً أضعناه

    فإذا أقمنا العبودية بالليل كما أقاموها سنستطيع أن نكون فرساناً بالنهار، ووالله! لو صدقنا لفتحت الأبواب، ولن يستطيع أحد أن يغلقها، والله! لو صدقنا لفتحت لنا أبواب الجنان، لكننا نحتاج إلى صدق وعزيمة وتصميم وإصرار كما كانوا.

    1.   

    موقف الأنصار من القتال في بدر

    تقدم ذكر موقف المهاجرين والذين كانوا أقل من ثلث الجيش، فقد كانوا نحو ثلاث وثمانين رجلاً تقريباً، والنبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن المهاجرين ما خرجوا من ديارهم وتركوا أموالهم إلا وعندهم أتم الاستعداد ليعطوا ويبذلوا من أجل نصرة دينهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعرف من هذه المجلس موقف الأنصار، فإن ثقل المعركة سيقع على كواهلهم، فقد كانوا أكثر من مائتين وأربعين رجلاً.

    ثم هم في بيعة العقبة -التي تسمى بيعة الحرب- بايعوا على النصرة داخل المدينة، وهم الآن خارج المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يلزمهم بشيء لم يتفق معهم عليه؛ ولذلك أعاد نفس الكلام بعد أن تكلم المهاجرون وقال: (أشيروا علي أيها الناس؟).

    فتكلم سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه حامل لواء كتيبة الأنصار في ذلك اليوم، وسيد الأوس والخزرج الذي اهتز له عرش الرحمن عند وفاته.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات سعد بن معاذ : (لقد نزل إلى الأرض سبعون ألف ملك يشيعون سعداً ما نزلوا إلى الأرض من قبل) لماذا يا إخوان؟! لأن الأرض تحبهم وكذلك أهل السماء، لماذا سخرت لهم البحار والجبال والأنهار؟ لأنهم سخروا الحياة لله، قال سعد : كأنك تعنينا يا رسول الله؟ قال: (أجل)، فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأنصار المسبقة بدون تردد، وأعلن التصميم الصادق على ملاقاة جيش العدو مهما كانت النتائج، فقال مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك العهود والمواثيق، فامض بنا لما أردت يا رسول الله! فصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وعاد من شئت، وقارب من شئت -وانظر إلى عقيدة البراء والولاء في حياتهم- وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، ووالله للذي أخذته أحب إلينا مما تركت، والذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا البحر لخضناه أمامك ما تخلف منا رجل واحد، ووالله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها ما تخلف منا رجل واحد، فامض لما أمرك الله، وما نكره أن تلقى بنا عدوك غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

    ولاحظوا الفرق بين خروج هذا الجيش وخروج ذلك الجيش، فهذا يقول لله وللرسول: سمعاً وطاعة وبذلاً من أجل الدين، وأولئك يقولون: نشرب الخمور، وننحر الجزور، ونسمع الأغاني والألحان حتى تهابنا العرب كما قال الله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47]، ماذا يريدون اليوم؟ هل يريدون تحرير الشعوب كما يقولون؟! إذاً: لماذا يقتل الأطفال والنساء إن كان مقصدهم تحرير الشعوب وتحرير الأمم.

    فسر بنا على بركة الله، فتهلل وجهه صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يتهلل وهو يرى أثر الإيمان، وأثر القرآن، وأثر الثقة بنصر الله جل في علاه؟!

    وكانت آخر ابتسامة أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في صلاة الفجر، في يوم الإثنين، في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كشف الستار من بيت عائشة فإذا المسلمون في صلاة الفجر صفوف متراصون، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاهم آخر ابتسامة في ذلك اليوم.

    يقول الصحابة: حين رأيناه ظننا أنه سيخرج للصلاة معنا، وما رأينا وجهه أجمل من تلك اللحظة التي تبسم فيها، تبسم؛ لأن الأمة على الجادة، لأن الأمة تصلي الفجر، ولأن الأمة ما اتصفت بالنفاق، بل صفت أقدامها أمام الله جل في علاه، فكيف لا يتبسم إذاً؟!

    وهنا تهلل وجهه في ذلك اليوم حين رأى استعداد هؤلاء وهؤلاء لملاقاة الكفار مهما كانت النتائج، ومهما كانت الآثار، تغيرت الظروف لكن الرجال ما تغيروا!

    تغيرت الظروف لأنهم خرجوا يريدون العير، فإذا بهم أمام النفير، فإذا استعدادهم الذي أبدوه للقتال كان أعظم من استعدادهم للخروج للقافلة: امض لما أراد الله، فوالله ما يتخلف منا رجل واحد، ويوم أمرهم للخروج إلى القافلة تخلف من تخلف، لأنهم لم يخرجوا للدنيا، ويوم أن صارت المواجهة قتالاً وتغيرت الظروف والأحوال لم يتغير الرجال، فلماذا تغير رجال اليوم؟! لماذا تخلف الأبطال اليوم؟!

    ولقد صدق من قال: إذا أردنا النصر فلنصلي الفجر، فحتى ننتصر على الأعداء لا بد أن نربي الأبناء، وحتى ننتصر على الآخرين فلا بد أن ننتصر على أنفسنا أولاً، ننتصر على شهواتنا، ننتصر على رغباتنا، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، لا بد أن نقر ونعترف بذنوبنا وتقصيرنا.

    تقول للناس اليوم: توبوا، فيقولون: لماذا نتوب؟ والمنكرات في حياتهم في كل مكان، لكنهم لا يريدون الاعتراف بالذنب، والذي لا يعترف بالذنب لن يتوب، ولا بد أن نقر ونعترف أيضاً أن ما يحدث للمسلمين من مصائب هو بسبب تقصيرنا نحن، فإخواننا يقتلون صغاراً وكباراً ونحن نجلس أمام الشاشات نلهو ونلعب!

    أيتها المسلمة! لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر لـعمر : هيا بنا نزور أم أيمن ، واسمعي بارك الله فيك! إلى الهم الذي تحمله المؤمنة الصادقة، لما جاءها أبو بكر وعمر قالا لها: يا أم أيمن ! أما تدرين أن ما عند الله خيراً لرسوله؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكنني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فالمرأة تحمل قضية وهماً،فأين هو همي وهمك؟! وماذا هو همك أنت اليوم؟! قال الناظم في ذلك:

    يا أم أيمن قد بكيت وإننا

    نلهو ونمجن دون معرفة الأدب

    لم تبصري وضع الحديث ولا الكذب

    لم تشهدي بعض المعازف والطرب

    لم تشهدي شرب الخمور ولا الزنا

    لم تلحظي ما قد أتانا من عطب

    لم تشهدي فرق الضلالة والهوى

    لولا مماتك لرأيت من العجب

    لم تشهدي فعل العدو وصحبهم

    ها نحن نجثو من يهود على الركب

    واحر قلبي من تمزق أمتي

    أضحت أمورك أمتي! مثل اللعب

    تالله ما عرف البكاء سراتنا

    ومع التباكي لا وشائج أو نسب

    بكت لانقطاع الوحي أما يبكيك ما يحدث هنا وهناك؟ أما يبكيك انتهاك الأعراض، وإراقة الدماء؟ فقد أصبحت دماؤنا أرخص الدماء على وجه الأرض، فهل هذا بذنوبهم أم بذنوبنا؟ وهل هو بتقصيرهم أم بتقصيرنا؟

    ما تبسم صلاح الدين قط، ناهيك عن أن يضحك، فلما قيل له في ذلك قال: كيف أتبسم والأقصى في أيدي الصليبيين؟!

    ها هو الأقصى يلوك جراحه

    والمسلمون جموعهم آحاد

    يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا

    أو ما لنا سعد ولا مقداد

    ولما طلب عمرو من عمر المدد أرسل له أربعة فقط، قال له: أرسلت لك أربعة من الرجال، الرجل منهم بألف!

    وأرسل المقداد يوماً إلى أبي عبيدة في الشام وقال له: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (جيش فيه المقداد لا يهزم بإذن الله) .

    هذا واحد يا إخوان! ونحن ليس عندنا أحد مثل هؤلاء، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، فلا نريد عواطف أو دموعاً، بل نريد عملاً وامتثالاً لأوامر الله، نريد أن نصدق في أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ونريد أن نصدق في توحيد صفوفنا لمواجهة الأعداء.

    1.   

    إصدار الأوامر النبوية في الانطلاق إلى القتال

    وبعد أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم استعداد هؤلاء وهؤلاء قال: (سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) فتحرك الجيش تحفه رحمة الرحمن الرحيم.

    إذاً: فأمة الإسلام في أمس الحاجة إلى مراجعة الحسابات، فهذه الابتلاءات التي تنزل من هنا وهناك سببها: الذنوب والمعاصي، بذنبي أنا وأنت، ولا نقول: بذنب فلان أو فلان، أتريد أن تنصر الإسلام؟ إذاً فانصره في نفسك أولاً، فإن لم تكن معهم فلا تكن ضدهم فيؤتى الإسلام من قبلك أنت، ولا تكن سبباً في إضعاف المسلمين أو سبباً في إنزال العقوبة على المسلمين، أليست العقوبة إذا حلت تحل على هذا وذاك؟!

    فالله لا يريد منا الصلاح فقط، بل يريد منا أن نكون المصلحين، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117].

    فما أكثر الأخبار عن الفساد في الأسواق، بل توجد الآن ثياب نسائية مكتوب عليها: أكاديمية (ستار)! وجعل البعض شعارها: تعرف علي بسرعة، وأنت في قلبي، وكذا! عبارات تدعو إلى الرذيلة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، فمن رأى منكم هذه الثياب فلا يسكتنّ عنها حتى تبرأ الذمة أمام الله جل في علاه.

    هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3038691335

    عدد مرات الحفظ

    729136906