إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [484]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نهى الشرع الحكيم عن تهييج بعض الأقوام الذين يكون في تهييجهم شراً على الإسلام والمسلمين كالترك والحبشة، فهلاك الكعبة وضياع كنزها يكون على يدي رجل من الحبشة يقال له: ذو السويقتين، وذلك في آخر الزمان. وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الساعة لن تقوم حتى تظهر آيات قبلها، ومن هذه الآيات ما هي مألوفة للبشر كالدجال وعيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج؛ لأن هؤلاء بشر، ومنها ما هو غريب ولا عهد للناس بها، وهناك خلاف بين العلماء في ترتيب وقوع هذه الآيات.

    1.   

    النهي عن تهييج الترك والحبشة

    شرح حديث: (دعوا الحبشة ما ودعوكم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة.

    حدثنا عيسى بن محمد الرملي حدثنا ضمرة عن السيباني عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا التُّرْك ما تركوكم) ].

    قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة، والترك هم: جيل من الناس في الجهة الشرقية، وقد وردت الأحاديث في ذكر صفاتهم وأنهم عراض الوجوه، صغار العيون، دلف الأنوف، وجوههم كأنها المجان المطرقة، وليس المقصود بهم ما اشتهر في هذا الزمان من الأتراك في تركيا، وقد يكون هؤلاء من جملتهم، ولكن المقصود بهم خلق من الناس هذه صفاتهم وهم في الشرق، ويذكرون في بعض التراجم: وهو من الترك، أو: وهو من بلاد الترك.

    والحبشة هم: جيل من الناس في إفريقيا، وهي بلد النجاشي .

    وقوله في الترجمة: تهييج، التهييج: هو الإثارة، وقد نهي عن تهييج الترك والحبشة.

    ثم أورد أبو داود حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم)، والتَّرْك والودع بمعنى واحد، وقد ذكر التَرْك مع التُرك، ومعناه: اتركوهم ما تركوكم، وودع: فعل ماض، ومضارعه يدع، وأمره دع، وهو قليل الاستعمال في الماضي، وأما المضارع والأمر منه فكثير.

    وقد جاء في القرآن والسنة الأمر بقتال الكفار مطلقاً، وهذا الحديث فيه الأمر بتركهم مدة تركهم، أي: اتركوهم ما داموا تاركين لكم، وإذا اعتدوا عليكم فالدفاع أمر مطلوب، قال بعض أهل العلم: إن هذا مخصص للنصوص الدالة على قتال الكفار مطلقاً؛ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم وحقدهم الشديد على المسلمين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (دعوا الحبشة ما ودعوكم...)

    قوله: [ حدثنا عيسى بن محمد الرملي ].

    عيسى بن محمد الرملي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا ضمرة ].

    هو ضمرة بن ربيعة ، وهو صدوق يهم قليلاً، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) وأصحاب السنن.

    [ عن السيباني ].

    هو يحيى بن أبي عمرو ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سكينة ].

    مختلف في صحبته، وقد ذكر الشيخ الألباني أنه روى عنه ثلاثة من التابعين، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].

    هو مبهم غير معين، ومعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم المجهول فيهم في حكم المعلوم، وليسوا كغيرهم يحتاجون إلى معرفة أحوالهم وثقتهم وعدالتهم أو ضعفهم؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم، وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم لا يحتاجون مع ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين؛ ولهذا أشار العلماء إلى أن الشخص إذا كان معروفاً بالصحبة فيكتفي بأن يقال عنه: إنه صحابي، فلا يتكلمون عنه، ولا يبينون شيئاً عن حاله، بل يكفيه شرفاً أن يقال عنه: صحابي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان له منقبة وفضيلة خاصة كأن يكون بدرياً أو من أهل بيعة الرضوان أو أي صفة من الصفات التي فيها زيادة فضل فإنهم يضيفون إلى الصحبة ما يوضح ذلك بأن يقولوا: صحابي شهد بدراً، أو صحابي من أهل بيعة الرضوان، ونحو ذلك، وأما أن يقال عنه: ثقة أو نحو هذا، فهذا لا يوجد، وليس من دأب العلماء المصنفين في الرجال أن يقولوا عن صحابي: ثقة؛ لأن من وثقه الله ورسوله وأثنى عليه الله ورسوله لا يحتاج إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين بعد الثناء العظيم من الله عز وجل ومن رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا لا تضر الجهالة فيهم، فإذا قيل: عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أو عن رجل صحب النبي عليه الصلاة والسلام فإن ذلك كافٍ في الاعتماد على ذلك القول إذا كان الإسناد إليه صحيحاً، وأما من دون الصحابي فجهالته تؤثر، وقد ذكر الخطيب البغدادي في (الكفاية) أن كل راوٍ من رواه الإسناد لابد من معرفة حاله وصفته وعدالته أو ضعفه إلا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك.

    وهذا الحديث صححه الألباني ، وله شواهد.

    1.   

    قتال التُّرْك

    شرح حديث: ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في قتال الترك.

    حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب -يعني: الإسكندراني - عن سهيل -يعني: ابن أبي صالح - عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر) ].

    وقد أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في قتال الترك، يعني: أن المسلمين يقاتلون هؤلاء الترك، وقد أورده المصنف في كتاب الملاحم؛ لأن هذا من جملة ما يكون من الاقتتال بين المسلمين وبين أعدائهم الكفار.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك)، ثم ذكر صفاتهم فقال: (قوماً وجوههم كالمجان المطرقة) يعني: عراض فيها نتوء، والمجن هو الترس الذي يصنع للوقاية من السهام، وسمي المجن مجناً من الجُنّة وهي الوقاية؛ لأن الإنسان يستخدمه ليتقي به وصول السهام إليه أو إلى رأسه أو وجهه.

    وقوله: (المطرقة) قيل: إنه يضاف إلى المجن جلد، فيكون ذلك المجن عريضاً مع وجود الجلود التي يغطيه، والمراد تشبيه نتوء وجناتهم بهذا المجان المطرقة.

    قوله: [ (يلبسون الشعر) ].

    قيل: هي النعال التي فيها الشعر، وكذلك يلبسون الثياب التي من الشعر؛ لأن بلادهم باردة فهم بحاجة إلى استعمال الصوف والشعر من أجل الدفء.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك ...)

    قوله: [ حدثنا قتيبة ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وبغلان قرية من قرى بلْخ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يعقوب يعني: الإسكندراني ].

    هو يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن سهيل ].

    هو سهيل بن أبي صالح وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ورواية البخاري عنه مقرونة.

    [ عن أبيه ].

    هو أبو صالح السمان ، اسمه: ذكوان ولقبه السمان ، ويقال له أيضاً: الزيات ؛ لأنه كان يجلب الزيت والسمن، والسمان نسبة إلى مهنة بيع السمن والزيت، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة حديثاً على الاطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى لا يقاتل المسلمون الترك) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة وابن السرح وغيرهما قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه رواية، -قال ابن السرح : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال- (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، ذلف الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أخرى، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً نعالهم الشعر) يعني: أنهم يتخذون النعال من الجلود وشعرها عليها.

    [ (ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، دلف الأنف) ].

    يعني: أن صفة هؤلاء أن نعالهم الشعر، وهم صغار الأعين، وذلف الأنف، فهؤلاء هم هؤلاء، فقد سبق في الحديث السابق أن وجوههم كالمجان المطرقة، وأن لباسهم الشعر، فقوله: (ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين) ليسوا صنفاً آخر، ولكنه ذكرهم أولاً بتلك الصفة وهي لبس النعال من الشعر، ثم ذكرهم بقوله: (صغار الأعين).

    وقوله: (ذلف الأنف) قيل: فيها غلظ مع انبطاح، فليست بارزة وإنما فيها انبطاح، وهذه غير حسنة في الأنوف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا قتيبة وابن السرح ].

    قتيبة مر ذكره ، وابن السرح هو أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا سفيان ].

    هو ابن عيينة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    مر ذكره.

    قال أحد الشيخين -وهو قتيبة - رواية، أي: أنه لم يذكر صيغة تحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يذكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، وإنما قال: رواية، وهي محتملة لوجوه متعددة، فيحتمل أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.

    ثم ذكر المصنف أن ابن السرح قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال، أي: ذكر الصيغة التي جاءت عن أبي هريرة في تحديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من عناية المحدثين ودقتهم في المحافظة على الألفاظ.

    ومن أمثلة ذلك ما يذكره أبو داود رحمه الله من ذكر الفرق بين التعبير بالنبي والرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا قال أحد الشيوخ في إسناده: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وقال الثاني: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فإنه يبين ذلك، مع أنه لا فرق بين النبي والرسول هنا؛ لأن المقصود به محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث: ( يقاتلكم قوم صغار الأعين )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث: (يقاتلكم قوم صغار الأعين -يعني: الترك-، قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون) أو كما قال ].

    أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث قتال الترك: (تسوقونهم ثلاث مرار) يعني: أن المسلمين يسوقون الترك ثلاث مرار إلى جزيرة العرب، وكل واحدة مستقلة عن الثانية، ثم في الثالثة يصطلمون يعني: يستأصلون، ومعناه: يقضى عليهم.

    ثم قال الراوي: أو كما قال، وهذا يشعر بأن الحديث ليس متحققاً منه بهذه الألفاظ، وإنما هو بالمعنى، ولهذا قال: أو كما قال، وهذه العبارة يؤتى بها عندما يكون الإنسان غير جازم باللفظ، ولكنه يفهم المعنى وأتى بالمعنى.

    وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث بعكس ما ذكر هنا، وهو أن الترك هم الذين يسوقون المسلمين، ولعله هو الأقرب، من جهة أن الترك يأتون من خارج الجزيرة، ويسوقون المسلمين إلى الجزيرة، فاللفظ الذي جاء في مسند الإمام أحمد هو بعكس هذا، وهو الأقرب والأظهر.

    وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا قد وقع، وإن المقصود بهم التتار الذين حصل منهم ما حصل من الفتن والفساد في سنة 656هـ التي حصل فيها سقوط بغداد، وقتل فيها خلق كثير من المسلمين، ومعلوم أن التتار من الترك، وقد جاءوا من الجهة الشرقية، فيحتمل أن التتار هم المعنيون في الحديث، ويحتمل أن يكون شيئاً آخر في آخر الزمان، والله تعالى أعلم.

    وهذه الصفات تنطبق الآن على شعوب الصين واليابان، ويعتبرون من الترك لكونهم من الجهة الشرقية.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( يقاتلكم قوم صغار الأعين )

    قوله: [ حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي ].

    جعفر بن مسافر التنيسي صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا خلاد بن يحيى ].

    خلاد بن يحيى صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي.

    [ حدثنا بشير بن المهاجر ].

    بشير بن المهاجر صدوق لين الحديث، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد الله بن بريدة ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    بريدة رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث ضعفه الألباني ، ولعله بسبب الراوي الذي قيل عنه: لين الحديث.

    1.   

    ذكر البصرة

    شرح حديث: ( ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في ذكر البصرة.

    حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي حدثنا سعيد بن جمهان حدثنا مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين).

    قال ابن يحيى : قال أبو معمر : (وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم، وهم الشهداء) ].

    أورد أبو داود باب في ذكر البصرة، والبصرة المقصود بها هذه المدينة المشهورة التي أسسها عتبة بن غزوان رضي الله عنه ومصّرها وجعلها مصراً من أمصار المسلمين، وذلك في خلافة عمر ، وسميت البصرة لأنها كانت أرضاً فيها حصباء، والأرض الحصبة يقال لها: بصرة بتثليث الباء، ولكن المشهور هو الفتح، والنسبة إليها بَِصري بفتح الباء وكسرها، وقيل: المقصود بها بغداد، ففيها مكان قريب. منها يقال له: البصرة، وبغداد هي التي حصل مجيء التتار إليها، وكل من بغداد والبصرة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما البصرة فقد وجدت في زمن عمر ، وأما بغداد فقد وجدت في زمن العباسيين، وهم الذين أسسوها وجعلوها مقراً للخلافة بعد دمشق في الشام.

    وهذا الحديث إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عما سيكون؛ لأن كلاً من المدينتين سواء كانت هذه أو هذه لم تكن موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة) ]، الغائط هو: المكان المطمئن من الأرض.

    قوله: (يكون عليه جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين) ].

    يعني: تلك المدينة تكون من أمصار المهاجرين، وفي الرواية الأخرى: (المسلمين).

    قوله: [ (فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء) ].

    (بنو قنطوراء) هم الترك، وقد ذكر صفاتهم التي مرت في الأحاديث السابقة.

    قوله: [ (فيتفرق أهلها ثلاث فرق) ].

    يعني: أهل البصرة يتفرقون ثلاث فرق.

    قوله: [ (فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية) ].

    يعني: يذهبون إلى البراري يرعون الغنم والإبل، ويبحثون عن العيش وعن الربح، ويتركون الجهاد ومقاتلة الأعداء.

    قوله: [ (وفرقه يأخذون لأنفسهم وكفروا) ].

    أي: يقبلون الأمان من بني قنطوراء.

    قوله: [ (وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلون، وهم الشهداء) ].

    يعني: يجعلون ذراريهم وراءهم ويقاتلون بأنفسهم حتى يحموا ذراريهم، وهؤلاء هم الشهداء، يعني: من قتل منهم فهو شهيد.

    والأتراك الموجودين الآن في تركيا اشتهروا بهذه النسبة (أتراك)، والنسبة إليهم تركي، وليسوا هم المقصودين في هذه الأحاديث، فالمقصود الأتراك الذين في الجهات الشرقية، وقد يكون هؤلاء الذين في تركيا أصلهم منهم، فيكونون قد جاءوا من الجهة الشرقية واستقروا في هذا المكان.

    وقد حصل الاقتتال بين المسلمين والتتار في سنة 656هـ، وقد يحصل أيضاً في آخر الزمان.

    وبصرى الشام هي غير البصرة، فبصرى هي من الشام، وأما البصرة فهي من العراق.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة... )

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ].

    هو محمد بن يحيى بن فارس الدهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ].

    عبد الصمد بن عبد الوارث صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبي ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سعيد بن جمهان ].

    سعيد بن جمهان صدوق له أفراد، أخرج له أصحاب السنن.

    [ حدثنا مسلم بن أبي بكرة ].

    مسلم بن أبي بكرة صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ سمعت أبي ].

    هو أبو بكرة نفيع بن الحارث الصحابي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: ( يا أنس! إن الناس يمصرون أمصاراً، وإن مصراً منها يقال له البصرة )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن الصباح حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا موسى الحناط لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا أنس ! إن الناس يمصرون أمصاراً، وإن مصراً منها يقال له: البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا أنس ! إن الناس يمصرون أمصاراً) يعني: أنهم ينشئونها وتكون أمصاراً، وهي جمع مصر، وهو محل سكنى ومدن وقرى، وأما مصر الذي هي علم على البلاد المعروفة، فيقال لها: مصر، وأما هذه فيقال لها: أمصار والمفرد مصر، وقوله: (يمصرون) يعني: يجعلونها بلاداً، وتكون أمصاراً.

    قوله: [ (وإن مصراً منها يقال له: البصرة أو البصيرة) ].

    يعني: مكبر ومصغر.

    قوله: [ (فإن أنت مررت بها، أو دخلتها فإياك وسباخها، وكلاءها وسوقها، وباب أمرائها)].

    السباخ هي: الأماكن التي تكون فيها ملوحة ولا تمسك الماء، والكلاء على وزن كتاب، والمقصود بذلك ما كان على شاطئ النهر، وهو الموضع التي تربط فيه السفن.

    قوله: [ (وسوقها) ].

    يعني مكان البيع والشراء فيها.

    قوله: [ (وباب أمرائها) ].

    يعني: لا يتبع الأمراء ولا يكون معهم، وذلك إشارة إلى ما عندهم من الظلم والجور.

    قوله: [ (وعليك بضواحيها) ].

    يعني: أطرافها، وقيل: المقصود من ذلك العزلة، فالإنسان لا يكون مع أهلها وإنما يكون في ضواحيها في عزلة، كأن يكون في البراري التي حولها.

    قوله: [ (فإنه يكون خسف وقذف ورجف) ].

    الخسف هو سقوط أو هبوط شيء في الأرض، فيدخل من كان على ظهرها في بطنها؛ بسبب ذلك الخسف والهبوط.

    والقذف قيل: المقصود به قذف بالحجارة أو نحوها تأتي من السماء.

    والرجف: هو الزلزلة شديدة.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( يا أنس! إن الناس يمصرون أمصاراً، وإن مصراً منها يقال لها: البصرة )

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن الصباح ].

    عبد الله بن الصباح ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد ].

    عبد العزيز بن عبد الصمد ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا موسى الحناط ].

    موسى الحناط ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ عن موسى بن أنس ].

    موسى بن أنس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: ( إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين فإذا رجل، فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ قلنا: نعم، قال: من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العشار ركعتين أو أربعاً ويقول: هذه لـأبي هريرة ؛ سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم).

    قال أبو داود : هذا المسجد مما يلي النهر ].

    قوله: [ انطلقنا حاجين، فإذا رجل ].

    هذا الرحل هو أبو هريرة .

    قوله: [ فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ قلنا: نعم، قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعاً ويقول: هذه لـأبي هريرة ].

    فهذه قصة بين يدي الحديث.

    قوله: [ سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم) ].

    هذا فيه عظيم شأن هؤلاء الذين يبعثون من هذا المسجد، ولكن هذا الحديث ضعيف، وفيه نكارة من جهة طلب الصلاة وإهداء ثوابها لـأبي هريرة ، فهذا غير معروف عن السلف، ولم يثبت في الأحاديث شيء يدل عليه وخاصة فيما يتعلق بالصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء )

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى العنزي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم ].

    إبراهيم بن صالح بن درهم فيه ضعف، أخرج له أبو داود .

    [ عن أبيه ].

    وثقه ابن معين ، وأخرج له أبو داود .

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.

    وهذا الإسناد رباعي، وهو ضعيف.

    1.   

    النهي عن تهييج الحبشة

    شرح حديث ( اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن تهييج الحبشة .

    حدثنا القاسم بن أحمد البغدادي حدثنا أبو عامر عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

    رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتركوا الحبشة ما تركوكم) وهذا مطابق لما تقدم في الحديث الأول: (اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم) ، فالودع والتَّرْك معناهما واحد.

    قوله: [ (اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) ] هذا إخبار عن شدة بأسهم، ففي آخر الزمان يكون هذا الرجل منهم، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو السويقتين ، وهو تثنية ساق بتصغير الساق، وهذا يدل على أن الساق مؤنثة؛ لأن التاء دخلت عليها في حال التصغير، وقد جاء في الحديث أن هذا الرجل يهدم الكعبة ويقلعها حجراً حجراً.

    تراجم رجال إسناد حديث ( اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين ... )

    قوله: [ حدثنا القاسم بن أحمد البغدادي ].

    القاسم بن أحمد البغدادي مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا أبو عامر ].

    هو عبد الملك بن عمرو ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زهير بن محمد ].

    زهير بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن موسى بن جبير ].

    موسى بن جبير مستور، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ].

    اسمه أسعد ، قيل: له رؤية، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهو صحابي بن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث ضعيف؛ فيه راو مستور وآخر مقبول، ولكن له شاهد فيما يتعلق بذكر ذي السويقتين من الحبشة في الصحيحين.

    وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: حَرَمًا آمِنًا [القصص:57]؛ حيث يستثنى منه هذه الصورة في آخر الزمان.

    1.   

    أمارات القيامة

    شرح حديث: ( إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: أمارات القيامة.

    حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل عن أبي حيان التيمي عن أبي زرعة قال: (جاء نفر إلى مروان بالمدينة فسمعوه يحدث في الآيات أن أولها الدجال، قال: فانصرفت إلى عبد الله بن عمرو فحدثته فقال عبد الله : لم يقل شيئاً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، أو الدابة على الناس ضحىً، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها).

    قال عبد الله -وكان يقرأ الكتب-: وأظن أولهما خروجاً طلوع الشمس من مغربها ].

    أورد أبو داود باب: أمارات الساعة، أي: العلامات القوية التي إذا جاءت فإن الساعة تكون على وشك القيام، وللساعة علامات كثيرة، فمنها ما هي قريبة من قيامها، ومنها ما هي بعيدة من قيامها ولكنها دليل على قربها، والعلامات التي هي قريبة منها هي العلامات الكبرى، والتي دونها يقال لها: العلامات الصغرى، ومنها ما مضى ومنها ما سيأتي.

    قوله: (فسمعوه يحدث في الآيات أن أولها الدجال) أي: آيات قيام الساعة، والآية هي العلامة، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فقال: لم يقل شيئاً، يعني: لم يقل شيئاً يعتد به، أو يعول عليه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، أو الدابة على الناس ضحى، فأيتهما خرجت فإن الأخرى على أثرها) أي: أنها قريبة منها، وقد شك هنا في أيتهما أول هذه أو هذه، ولكن آية واحدة منهما تأتي فإن الأخرى على أثرها، والذي يظهر من كلام عبد الله بن عمرو وقوله: أول الآيات، أن المقصود بها الآيات التي هي غريبة ولا عهد للناس بها، وأما الدجال، وعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ويأجوج ومأجوج، فهي آيات مألوفة؛ لأن هؤلاء بشر، وأما الشيء الغريب الذي يكون خارجاً عن مألوفهم فهو خروج الشمس من مغربها، وكذلك الدابة التي لا عهد للناس بها تكلمهم، ويحصل منها ما جاء في الكتاب والسنة.

    إذاً: فالأولية التي جاءت في حديث عبد الله بن عمرو هي أولية بالنسبة للآيات الغريبة التي لا عهد للناس بنوعها وجنسها، وأما الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعيسى عليه الصلاة والسلام، والمهدي ، فهؤلاء كلهم بشر من بني آدم، ويعرفون من جنس ما يعرفه الناس، وأما خروج الشمس من مغربها، وخروج الدابة فهذا شيء غير مألوف، وليس من جنس ما يشاهدون.

    ومعلوم أن الدجال وعيسى بن مريم والمهدي يكونون في زمن واحد، فقد جاء في الحديث: أن عيسى يصلي وراء المهدي ، ثم بعد ذلك يذهب إلى الدجال ويقتله بباب لدّ، ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج بعد قتل الدجال.

    قوله: [ قال عبد الله : وكان يقرأ الكتب ].

    يعني أن عبد الله كان يقرأ من كتب بني إسرائيل؛ ولهذا قالوا عنه: إنه إذا جاء عنه شيء من الأخبار ولم يسندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكون لها حكم الرفع، فالصحابي إذا حدث وأخبر بشيء ليس للرأي فيه مجال، وهو من الأمور التي لا تقال بالرأي، ولم يكن معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإنه يكون له حكم الرفع، وإن كان معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات فلا يكون له حكم الرفع؛ لأنه يحتمل أن يكون من هذا القبيل وليس مما تحمله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها... )

    قوله: [ حدثنا مؤمل بن هشام ].

    مؤمل بن هشام ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا إسماعيل ].

    هو إسماعيل بن إبراهيم بن علية ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حيان التيمي ].

    هو يحيى بن سعيد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي زرعة ].

    هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    شرح حديث: ( لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد وهناد المعنى، قال: مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا فرات القزاز عن عامر بن واثلة رضي الله عنه -وقال هناد : عن أبي الطفيل - عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: (كنا قعوداً نتحدث في ظل غرفة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكرنا الساعة، فارتفعت أصواتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى بن مريم، والدخان، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر) ].

    أورد أبو داود حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أنهم قال: كنا في ظل حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم نتذاكر الساعة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنها لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها...) وهذا الترتيب في الحديث ليس هو الترتيب الفعلي، وقد بدأ بقوله: (طلوع الشمس من مغربها)، وهي ليست أول شيء من هذه العشرة ولكنها -كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو - أول الآيات الغريبة العجيبة التي ليست مما يألفه الناس.

    قوله: [ (وخروج الدابة) ].

    وهي التي جاء ذكرها في القرآن: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82].

    قوله: [ (وخروج يأجوج ومأجوج) ].

    وخروجهم يكون بعد خروج الدجال في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام.

    قوله: [ (والدجال وعيسى بن مريم) ].

    عيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء.

    قوله: [ (والدخان) ].

    وهي علامة من العلامات.

    قوله: [ (وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب) ].

    الخسف هو هبوط في الأرض، فيدخل من على ظهرها في جوفها؛ بسبب هذا الهبوط الذي حصل.

    قوله: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن من قعر عدن) ].

    هي مدينة معروفة في اليمن، وهذه هي العلامة العاشرة.

    قوله: [ (تسوق الناس إلى المحشر) ].

    أي: إلى الشام، وهو المكان الذي يجتمع فيه الناس في نهاية الدنيا، وهي أرض المحشر في الدنيا.

    تراجم رجال إسناد حديث ( لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات... )

    قوله: [ حدثنا مسدد وهناد ].

    مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ، وهناد بن السري ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قال مسدد : حدثنا أبو الأحوص ].

    هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا فرات القزاز ].

    فرات القزاز ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن واثلة ].

    عامر بن واثلة أبو الطفيل صحابي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ وقال هناد : عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد ].

    أي: أن شيخ أبي داود الثاني وهو هناد عبر عن أبي الطفيل بكنيته، وأما مسدد فعبر عنه باسمه، فقال: عامر بن واثلة .

    [ عن حذيفة بن أسيد ].

    حذيفة بن أسيد صحابي، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث: ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني حدثنا محمد بن الفضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها فذاك حين: (لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها)؛ لأنهم رأوا شيئاً خرج عن المعتاد، بخلاف خروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج المهدي، ونزول عيسى بن مريم، فهذا الزمن يوجد فيه المسلمون والكفار، وأما إذا خرجت الشمس من مغربها فإن الناس سيعلمون بالحقيقة، فهم قد رأوا هذا الشيء الخارج عن المألوف، وهي من العلامات السماوية التي في السماء العلوية؛ فعند ذلك يؤمن الناس، وحينئذ في هذه الحالة لا ينفع الإيمان، ومثلها قبل نهاية الدنيا إذا بلغت الروح الحلقوم، ففي ذلك الوقت أيضاً لا تنفع التوبة ولا ينفع الإيمان كما حصل لفرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال: أسلمت!

    تراجم رجال إسناد حديث: ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ].

    هو أحمد بن أبي شعيب الحراني أحمد بن عبد الله وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا محمد بن الفضيل ].

    محمد بن الفضيل بن غزوان ، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمارة ].

    هو عمارة بن القعقاع ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي زرعة ].

    قد مر ذكره.

    [ عن أبي هريرة ]

    قد مر ذكره.

    1.   

    حسر الفرات عن كنز

    شرح حديث: ( يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في حسر الفرات عن كنز.

    حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثني عقبة بن خالد السكوني حدثنا عبيد الله عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً) ].

    قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب حسر الفرات عن كنز، يعني: انكشافه بحيث يظهر كنز فيه، وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة مرفوعاً: (يوشك أن يحسر الفرات عن كنز، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً)، وقد جاء في بعض الروايات: (جبل من ذهب) وهذا يدل على كثرته، وسمي كنزاً باعتبار أنه قد اندفن، ثم يظهر بعد ذلك فيؤمه الناس ويقتتلون عليه، وهذا من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور المستقبلة، ولا بد أن تقع طبقاً لما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يقع حتى الآن ولكنه لابد أن يقع، وما يظنه بعض المعاصرين من أن هذا الكنز هو البترول فهذا غير صحيح؛ لأن البترول ليس بذهب، وإن كان الناس في هذا الزمان يقولون عنه: الذهب الأسود، لنفاسته، ولأنه يأتي بالذهب، إلا أنه لا يقال له: ذهب؛ لأن الذهب شيء جامد أصفر، والبترول سائل، وليس بذهب، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كنز، وأن الفرات يحسر عنه، وأن الناس يقتتلون عليه، فيهلك تسعة وتسعون في المائة، وينجو واحد في المائة، ويكون عند الناس في ذلك الوقت شدة وحرص على الدنيا، فهم يعلمون بأن نسبة الهلاك تسعة وتسعون، ونسبة النجاة واحد في المائة، ومع ذلك يقدم أحدهم ويقول: لعلي أن أكون أنا الواحد في المائة! وهذا يدل على شدة الحرص على الدنيا في ذلك الوقت، ومعلوم أن هذا لم يقع، ولكنه لا بد أن يقع؛ لأن ما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام لا بد من وقوعه، وأما بترول العراق فإنه ما حصل اقتتال عليه، وما حصل أن الناس أموه ليأخذوه فهلك منهم تسعة وتسعون في المائة ونجا واحد في المائة، فلم يحصل شيء من هذا، فهذه الأدلة تدل على بطلان هذا القول الفاسد، وهو قول من قال: إن المقصود به بترول العراق!

    وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من حضره ألا يأخذ منه شيئاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب... )

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي ].

    عبد الله بن سعيد الكندي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عقبة بن خالد السكوني ].

    عقبة بن خالد السكوني صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبيد الله ].

    هو عبيد الله العمري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خبيب بن عبد الرحمن ].

    خبيب بن عبد الرحمن ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حفص بن عاصم ].

    حفص بن عاصم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً.

    شرح حديث: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثني عقبة -يعني ابن خالد - قال: حدثني عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، إلا أنه قال: (يحسر عن جبل من ذهب) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهي مثل ما تقدم إلا أنه قال: (يحسر الفرات عن جبل من ذهب)، وهناك قال: (عن كنز) ولا تنافي بينهما، فهو كنز من ذهب، وهو جبل، ووصفه بأنه جبل يدل على كثرته.

    وقد يكون على شكل جبل في هيئته، لكنه ليس جبلاً مثل الجبال الكبيرة؛ لأنه ينحسر عنه الفرات، فلعله يكون كوماً كبيراً من ذهب يشبه الجبل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثني عقبة -يعني: ابن خالد - حدثني عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج ].

    أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المدني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.