إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [472]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين الفطرة، ومن الفطرة خصال ينبغي على المسلم أداؤها، ومن تلك الخصال: إعفاء اللحية وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظافر، وإعفاء اللحية جاء الأمر به من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يخضبها، فعلى المسلم أن يكون مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أموره.

    1.   

    باب في نتف الشيب

    شرح حديث (لا تنتفوا الشيب...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في نتف الشيب.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان المعنى عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة) وقال في حديث يحيى : (إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة في نتف الشيب، يعني: أنه لا ينتف بل يترك.

    ونتفه يكون عندما يبدأ يخالط السواد، فتؤخذ الشعرة البيضاء فتنتف حتى يبقى أسود ليس معه أبيض، وهذا يكون عند بدايته، رغبة في إبقاء الشعر أسود، وأنه ليس فيه شيب، وليس فيه بياض، فالنتف يكون في مثل هذه الحالات من أجل أن يبقى الشعر الأسود ليس معه بياض، وليس معه شيب.

    وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة)، وفي حديث يحيى : (إلا كتب الله له بها حسنة).

    فقوله: (لا تنتفوا الشيب) بين السبب في ذلك فقال: (ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة) وهذا لفظ أحد الرواة، واللفظ الثاني: (إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة)، فهذا يدل على منع أو تحريم نتف الشيب، وأن الإنسان يبقي شعره ويتركه ولا يتعرض له.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تنتفوا الشيب...)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ].

    مسدد مر ذكره ويحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان المعنى عن ابن عجلان ].

    سفيان بن عينية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و ابن عجلان هو محمد بن عجلان المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    عمرو بن شعيب هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو صدوق أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    وأبوه هو شعيب بن محمد وهو صدوق أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة والأدب المفرد وأصحاب السنن، وهو يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد صح سماعه منه، وليست روايته عن أبيه محمد الذي هو جد عمرو ، فإنه يكون بذلك مرسلاً، وغير متصل.

    ولكن شعيب بن محمد روى عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن عمرو بن العاص صحابي ابن صحابي، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    صبغ الشيب لا يخرجه عن كونه نوراً

    ولا يشترط لكون الشيبة نوراً ألا يصبغها بحمرة أو بحناء، وإنما المقصود أنه قد شاب، والإنسان إذا غير شيبه بما يجوز التغيير به لا يخرج عن كونه قد شاب، فالشيب موجود، ولكنه غيَّر لونه مع بقائه، فتغييره بالحناء والكتم لا يعني أنه لم يحصل؛ لأنه قد وجد، وإنما المحذور هو نتفه، حتى لا يكون له وجود.

    والأصل أن الإنسان لا يتعرض لشعره، سواء حصل التغير والشيب بمرض أو بغير مرض.

    1.   

    باب في الخضاب

    شرح حديث (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الخضاب.

    حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الخضاب.

    والخضاب: هو تغيير الشيب بغير السواد، فالسواد لا يجوز، ويجوز بغيره سواء كان حمرة أو صفرة أو كدرة، -لون بين السواد والحمرة، أو بين السواد والصفرة- المهم أن يكون الشعر الظاهر غير أسود على أي صفة كان، سواء كانت صبغته حمرة أو صفرة أو كدرة، وتكون الكدرة بالكتم وهي بين السواد والحمرة؛ لأنه ليس أحمر خالصاً، ولا أسود خالصاً، وإنما هو بينهما.

    فالحاصل: أن الخضاب جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه بغير السواد، كما سيأتي في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)، أي: لا يصبغون شيبهم وشعرهم الأبيض، سواء كان ذلك للرأس أو للحية.

    وقوله: (فخالفوهم)، يعني: فاصبغوا ولا تكونوا مثلهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة ].

    مسدد وسفيان والزهري مر ذكرهم.

    وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، وأحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثالثة في السابع منهم.

    [ وسليمان بن يسار ].

    سليمان بن يسار ثقة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    حكم تغيير الشيب

    وتغيير الشيب قال بعض العلماء باستحبابه، وبعضهم قال بوجوبه، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه كان يصبغ، ومنهم من لا يصبغ، ولكن السنة جاءت بالصبغ، ولعل الذين لم يصبغوا لم يبلغهم الحديث، أو اعتبروا ذلك ليس على سبيل الوجوب، أو أن بعضهم لم يحصل منه؛ لأنه لم يوجد الشيب الخالص الذي ليس معه سواد، وهذا يمكن أن يكون للإنسان، والشيب يغير إذا كان خالصاً، وإذا كان غير خالص فيمكنه ألا يغير حتى يكون خالصاً، فيمكن أن يكون بعضهم كان كذلك.

    شرح حديث (...غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (أتي بـأبي قحافة رضي الله عنه يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (أتي بـأبي قحافة -وهو والد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم- ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً).

    والثغامة: نبت أبيض يشبه به الشيب.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا وجنبوه السواد).

    يعني: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد، فدل هذا على تغيير الشيب، لكن بغير السواد، وذلك أن السواد فيه تدليس، وفيه إيهام بأن الإنسان شاب وهو ليس بشاب.

    تراجم رجال إسناد حديث (...غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وأحمد بن سعيد الهمداني ].

    أحمد بن سعيد الهمداني صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ قالا: حدثنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: أخبرني ابن جريج ].

    عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ].

    أبو الزبير وجابر قد مر ذكرهما.

    وأبو قحافة هو والد أبي بكر رضي الله عنه، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكرم الله أبا بكر بأن أسلم أبواه وأولاده، فظفر بحصول الإسلام لأصوله وفروعه.

    وأبو قحافة اسمه عثمان ، وأبو بكر اسمه عبد الله ، وقد اشتهر رضي الله عنه بكنيته، فلا يكاد يعرف باسمه، وأبوه كذلك اشتهر بكنيته، فلا يكاد يعرف باسمه، وأبو بكر بن أبي قحافة هو عبد الله بن عثمان التيمي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأبو بكر كنية له، وليس له ولد اسمه بكر، وكذلك عمر رضي الله عنه كنيته أبو حفص وليس له ولد اسمه حفص، فأحياناً تحصل الكنى وتشتهر دون أن يكون هناك ولد يسمى به، وقد يكون سبب ذلك أنه يكنى بكنية وهو صغير، ثم لا يسمي أحداً من أولاده بهذا الاسم الذي تكنى به، واشتهر به، فتبقى تلك الكنية التي نشأت معه من حال صغره، وتستمر معه في حال كبره، وإن لم يكن له ولد بهذا الاسم.

    شرح حديث (إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم) ].

    أورد أبو داود حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم)، والحناء معروف، والكتم: هو نبت لونه بين الحمرة والسواد.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد الجريري ].

    سعيد بن إياس الجريري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن بريدة ].

    عبد الله بن بريدة بن الحصيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الأسود الديلي ].

    أبو الأسود الديلي هو ظالم بن عمرو ، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي ذر ].

    أبو ذر هو جندب بن جنادة رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حكم استخدام الأصباغ الحديثة في تغيير الشيب

    واستخدام الأصباغ الحديثة في تغيير الشيب غير الحناء والكتم ليس به بأس إذا لم تكن سواداً، ولا تغطي الشعر، وإنما تغير لونه؛ لأن التغطية إذا حصلت لا يصل إليه الماء، ولكن إذا كانت لا تغطيه وإنما تغير لونه فلا بأس بها.

    حكم استخدام الكتم وحده

    واستخدام الكتم وحده قد يظهر من بعيد كأنه أسود خالص، ولكن الذي يظهر أنه لا بأس به، فيستخدم الحناء وحده أو الكتم وحده، أو يجمع بينهما، كل ذلك سائغ.

    شرح حديث أبي رمثة (انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا عبيد الله -يعني: ابن إياد - قال: حدثنا إياد عن أبي رمثة رضي الله عنه: قال: (انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء، وعليه بردان أخضران) ].

    أورد أبو داود حديث أبي رمثة رضي الله عنه قال: (انطلقت مع أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء -يعني: بها صبغ بالحناء- وعليه بردان أخضران) يعني: هذا وصف للباسه، ووصف لشعره، وأنه كان قد صبغ شعره بالحناء.

    وقوله: [ (فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء) ].

    يحتمل أن يكون المقصود به اللحية، ويحتمل أن يكون المقصود به الرأس.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي رمثة (انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبيد الله يعني: ابن إياد ].

    عبيد الله بن إياد صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ قال: حدثنا إياد ].

    إياد بن لقيط ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أبي رمثة ].

    أبو رمثة رضي الله عنه صحابي، وحديثه أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي .

    شرح حديث أبي رمثة (انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة...) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت ابن أبجر عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة رضي الله عنه في هذا الخبر قال: (فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك فإني رجل طبيب قال: الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيها أنه قال: (أرني هذا الذي في ظهرك؛ فإني رجل طبيب. فقال: الله الطبيب)، يعني: أن الله تعالى هو الشافي، وهو المعافي، وهو الذي يشفي الأمراض.

    ثم قال له: (بل أنت رجل رفيق)، ولا أدري ما المقصود بكلمة (رفيق)، هل هو نسبة إلى الرفق، أو إلى المرافقة أو غير ذلك؟

    ثم قال له: (طبيبها الذي خلقها) يعني: أن الله تعالى هو الذي بيده شفاء كل مرض؛ لأنه هو خالق الداء والدواء، وكل شيء هو من خلق الله عز وجل، ومن إيجاده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

    وقوله: (الله الطبيب) الذي يبدو أن هذا الاسم مما يطلق على الله عز وجل، لكن لا يقال: إن من أسماء الله الطبيب، كما لا يقال: من أسماء الله المسعر.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي رمثة (انطلقت مع أبي نحو النبي...) من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن إدريس ].

    ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت ابن أبجر ].

    ابن أبجر هو عبد الملك بن سعيد بن حيان وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة ].

    إياد بن لقيط وأبو رمثة قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم... وكان قد لطخ لحيته بالحناء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأبي فقال لرجل أو لأبي: من هذا؟ قال: ابني، قال: لا تجن عليه؛ وكان قد لطخ لحيته بالحناء) ].

    محل الشاهد هو قوله: وكان قد لطخ لحيته بالحناء، وهنا قال: (لحيته)، وهناك قال: (وفرة)، وهذا يبين أن المقصود بالوفرة: اللحية، وقد يكون المقصود الرأس، وأن يكون حصل هذا وهذا، وعبر في بعض الروايات بالوفرة عن الرأس، وعبر في بعضها عن اللحية، وقد تكون الصيغتان واللفظان يرجعان إلى اللحية.

    قوله: (لا تجن عليه) قيل: إن المراد بذلك أنك لا تذنب ذنباً يلحق ابنك مذمته، أو يؤخذ به، وهذا يعني أنهم كانوا يؤاخذون الوالد بالولد، أو الولد بالوالد، فيكون الإنسان إذا أحسن إلى نفسه فقد أحسن إلى غيره، وإذا حصل منه ذنب فقد ينتقل الضرر منه إلى غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم... وكان قد لطخ لحيته بالحناء)

    قوله: [ حدثنا ابن بشار ].

    ابن بشار هو محمد بن بشار الملقب بندار البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن ].

    عبد الرحمن بن مهدي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة ].

    إياد بن لقيط وأبو رمثة قد مر ذكرهما.

    شرح حديث أنس (أنه سئل عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لم يخضب...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لم يخضب، ولكن قد خضب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: إنه لم يخضب، ولكن خضب أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.

    وهذا يخالف ما تقدم من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم خضب، وأنه كان عليه الحناء في لحيته أو وفرته، وقيل في الجمع بينهما: إن أنساً نافٍ وغيره مثبت، والمثبت مقدم على النافي.

    وقيل: إنه يحتمل أنه لم يحصل منه أن يشيب شعره كله حتى يحتاج إلى أن يصبغ.

    وقوله: (وأبو بكر وعمر كانا يصبغان) يعني: أنهما احتاجا إلى ذلك؛ لكونه حصل البياض في شعرهما بكثرة، أو أن شعرهما صار أبيض فحصل منهما التغيير.

    الحاصل: أن هذا فيه نفي، والذي تقدم فيه إثبات، والإثبات مقدم على النفي، ويحتمل أنه لم يحصل منه، أو أنه لم يكن يبلغ إلى حد أن شعره كان أبيض يحتاج إلى أن يغيره، كما احتاج أبو بكر وعمر إلى تغييره؛ لأن شعرهما تغير إلى البياض، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما شاب منه إلا شعرات قليلة، وأكثر شعره كان أسود والذي ابيض منه قليل، فلعل أنساً رضي الله عنه لم يطلع على ذلك الشيب لقلته، وغيره اطلع عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس (أنه سئل عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لم يخضب...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبيد ].

    محمد بن عبيد بن حساب الغبري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا حماد ].

    حماد هو ابن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت عن أنس ].

    ثابت بن أسلم البناني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وأنس رضي الله عنه قد مر ذكره.

    وهذا السند من الرباعيات، وهي من أعلى الأسانيد عند أبي داود رحمه الله.

    1.   

    ما جاء في خضاب الصفرة

    شرح حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في خضاب الصفرة.

    حدثنا عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان قال: حدثنا عمرو بن محمد حدثنا ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران)، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك ].

    أورد أبو داود باب ما جاء في خضاب الصفرة، يعني: الخضاب بشيء لونه أصفر، ومعلوم أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد) يدل على التغيير بأي لون غير السواد، لقوله: (غيروا هذا وجنبوه السواد) وهذا معناه: أنه يغير بكل شيء غير السواد، فالصفرة والحمرة وغيرها يمكن أن يغير بها، ولكن الممنوع منه هو اللون الأسود الذي يشعر بأن صاحبه لا يزال شاباً.

    وأورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس النعال السبتية) والسبتية: هي النعال من الجلد المدبوغ الذي أزيل شعره.

    قال: (ويصفر لحيته بالورس والزعفران) يعني: يغيرها، وقد مر أن الزعفران لا يستعمله الإنسان وأنه قد جاء النهي عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مخالف لما تقدم من الأحاديث، ولا أدري ما وجه الجمع بينها، ويبعد كونه حصل منه؛ لأن الشيب إنما كان في آخر أيامه وليس في أول الأمر، فلا أدري ما وجه ما جاء في هذا الحديث من جهة تغييره بالزعفران، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التزعفر، وأن الإنسان لا يتطيب بزعفران، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الطيب ويرغب فيه، فالمخالفة بينه وبين ما تقدم واضحة، ولا أدري ما وجه الجمع بين هذا الحديث وبين ما تقدم من الأحاديث المانعة.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته...)

    قوله: [ حدثنا عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان ].

    عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ قال: حدثنا عمرو بن محمد ].

    عمرو بن محمد العنقزي ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا ابن أبي رواد ].

    عبد العزيز بن أبي رواد صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع وابن عمر قد مر ذكرهما.

    حكم استعمال الرجل للزعفران

    ولا يمكن أن يقال: إن النهي إنما هو عن الزعفران وحده، فإذا جمع بين الزعفران والورس كما هنا زال النهي؛ لأن الزعفران لا يجوز استعماله لا وحده ولا مع غيره.

    يقول صاحب العون: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال، وهو دليل لـأبي حنيفة والشافعي ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه وبدنه، ولهما أحاديث أخر صحيحة، ومذهب المالكية أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن، دون الثوب، ودليلهم حديث أبي موسى المتقدم؛ فإن مفهومه أن ماعدا الجسد لا يتناوله الوعيد.

    فإن قلت: قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه تزوج امرأة، وفي روية: (عليه ردع زعفران)، فهذا الحديث يدل على جواز التزعفر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف ، فكيف التوفيق؟ قلت: أشار البخاري إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوج وأحاديث النهي لغيره.

    وأيضاً قد يكون مما علق به من امرأته؛ لأن النساء تستعمل هذا الطيب الذي هو الزعفران؛ لأنه ممنوع منه الرجال دون النساء، فيمكن أن يكون علق به شيء من امرأته، ولم يكن متطيباً به.

    هذا ما ذكره الحافظ ورجحه النووي ، وأما البخاري فإنه ترجم عليه بقوله: (باب الصفرة للمتزوج).

    شرح حديث (مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب...)

    تراجم رجال إسناد حديث (مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا إسحاق بن منصور ].

    إسحاق بن منصور السلولي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهناك إسحاق بن منصور في طبقة متأخرة، وهذا في طبقة متقدمة، والذي في الطبقة المتقدمة هو إسحاق بن منصور السلولي ، وأما ذاك فهو إسحاق بن منصور الكوسج ، فهما متفقان في الأسماء، وأسماء الآباء، ولكنهما مختلفان في الطبقات فـالسلولي متقدم على الكوسج .

    [ حدثنا محمد بن طلحة ].

    محمد بن طلحة صدوق له أوهام، أخرج أصحاب الكتب الستة إلا النسائي فأخرج له في مسند علي .

    [ عن حميد بن وهب ].

    حميد بن وهب لين الحديث، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن ابن طاوس عن طاوس عن ابن عباس ].

    عبد الله بن طاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبوه طاوس بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما صحابي وقد مر ذكره.

    والحديث آفته وعلته حميد بن وهب .

    شرح حديث (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في خضاب السواد.

    حدثنا أبو توبة حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في خضاب بالسواد، والخضاب سبق أن ذكرنا أنه يكون بغير السواد، وقد مر الحديث في قصة أبي قحافة ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا بشيء وجنبوه السواد)، وهذا فيه الأمر بتجنب السواد عند الخضاب.

    أورد أبو داود هنا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون أناس في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة)، وهذا فيه ترهيب من الخضاب بالسواد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا سيكون، وذم الذين يكونون كذلك، وذكر أنهم متوعدون بهذا الوعيد، وهذا دليل على تحريم الخضاب بالسواد.

    وقوله: (كحواصل الحمام) حواصل الحمام سود، يعني: أن شكل الذي يفعلونه في شعرهم كشأن السواد الذي يكون على حواصلها، والحواصل هي مكان اجتماع الطعام فيها، فإنه في الغالب يكون أسود.

    وقوله: (لا يريحون رائحة الجنة) يعني: لا يجدون ريحها.

    تراجم رجال إسناد حديث (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد...)

    قوله: [ حدثنا أبو توبة ].

    أبو توبة الربيع بن نافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا عبيد الله].

    عبيد الله هو ابن عمرو الرقي ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الكريم الجزري ].

    عبد الكريم الجزري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم الخضاب بالسواد

    ذكر بعض أهل العلم حالات يستثنى فيها تحريم الخضاب بالسواد، منها: في حال الجهاد؛ لأن في ذلك إظهار القوة للأعداء، ويكون من جملة الخدعة في الحرب، فمن غير شيبه بالسواد يظهر أمام الكفار بمظهر القوة، ومظهر الجلد، فيكون في ذلك مصلحة، وهذا من قبيل المكيدة في الحرب، ومعلوم أن اتخاذ ما يغيظ الأعداء ويرهبهم بإظهار القوة والجلد؛ لا بأس به، ولا مانع منه، وقد جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما قدموا مكة في عمرة القضية في السنة السابعة، كان الكفار قد جلسوا أمام الكعبة من جهة الحجر، وقالوا: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه إذا كانوا بين الركنين أن يروحوا على أنفسهم ويمشون، وفي غير هذا الموضع حيث لا تكون الكعبة حاجزة بينهم وبين الكفار يرملون، فيظهرون الجلد، ويظهرون أنهم بخلاف الذي قاله الكفار من كونهم قد وهنتهم حمى يثرب، وهذا الذي عمله الرسول صلى الله عليه وسلم من أمرهم بأن يسرعوا فيه خدعة، وفيه إغاظة للعدو، وهكذا من غير الشيب بالسواد من أجل إغاظة العدو، ومن أجل النكاية به، ومن باب الخدعة في الحرب، فلا بأس به.

    وكذلك يستدل بما جاء من جواز الخيلاء في الحرب، كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه مشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا).

    أجاب بعضهم عن هذا الحديث: بأنه في أشراط الساعة، فلا يلزم منه التحريم، لاسيما وأن الخضاب بالسواد حصل من بعض الصحابة، كما ذكره ابن الجوزي ، والجواب: لعله لم يبلغهم الحديث، وكونه من أشراط الساعة ومما يكون في آخر الزمان لا يدل على كونه سائغاً، ولكنه إخبار من الصادق المصدوق عن أمر سيكون، ولا يعني الإخبار بالشيء أنه سيكون أنه سائغ؛ لأن نفس الحديث جاء فيه الوعيد.

    1.   

    باب ما جاء في الانتفاع بالعاج

    شرح حديث (...يا ثوبان! اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الانتفاع بالعاج.

    حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة ، وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة رضي الله عنها، فقدم من غزاة له وقد علقت مسحاً أو ستراً على بابها، وحلت الحسن والحسين رضي الله عنهما قلبين من فضة، فقدم فلم يدخل، فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكت الستر وفككت القلبين عن الصبيين، وقطعته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان، فأخذه منهما وقال: يا ثوبان ! اذهب بهذا إلى آل فلان -أهل بيت بالمدينة- إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان ! اشتر لـفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب ما جاء في الانتفاع بالعاج، والعاج: قيل إن المراد به ما يتخذ من عظم الفيل، أو من سمك يكون في البحر، يتخذ للتزين، هذا هو المقصود، وفيما يتعلق بالسمك، وما يؤخذ منه ليس فيه إشكال، وإنما الإشكال والخلاف في الذي يكون من الفيل، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بأنه سائغ، وقال: إن العظم ليس كاللحم حتى يكون ممنوعاً منه، وإنه لا تحل فيه الحياة، كما تحل في اللحم، ومنهم من قال: إن العظم كاللحم وإنه لا يستعمل شيء من الحيوان المحرم الذي لا يحل أكله؛ لأن مذكاه كميتته، ولا فرق بين كونه مذكى أو كونه مات حتف أنفه.

    فاتخاذ ذلك من السمك كما قال بعض أهل العلم: لا إشكال فيه، واتخاذه من الحيوان الذي هو الفيل فيه إشكال وخلاف بين أهل العلم.

    وقد أورد أبو داود حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يسافر يكون آخر من يفارقه ابنته فاطمة رضي الله عنها، وإذا قدم تكون أول من يلقاه، وأنه جاء إليها وقد علقت ستراً على الباب، وجعلت قلبين من فضة على الحسن والحسين ، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رجع؛ فظنت أنه فعل ذلك من أجل الستر، فهتكته، وقيل: إن هذا الستر لعله كان زينة، أو أنه كان فيه صور وتماثيل.

    وأما الستر إذا كان لحاجة على الباب وعلى الفرجة فإن ذلك لا بأس به، ولا مانع منه، فهتكت الستر وقطعت القلبين، وجعلته بأيديهما، فذهبا وهما يبكيان لكونه قطع ذلك الذي كان لهما، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذه منهما وأعطاه ثوبان وقال: أعطه لجماعة من الناس، وقال: إنه لا يحل أن يرى أهل بيته أو أقربائه عجلت لهم طبيباتهم في حياتهم الدنيا، وأمر ثوبان بأن يشتري لـفاطمة فقال (اشتر لـفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج) ومحل الشاهد هو قوله: (سوارين من عاج)، يعني: أنهما قد عملا من العاج الذي هو إما عظام تكون في بعض السمك -يعني: في ظهرها- أو أنه العظم الذي يكون في الفيل.

    وأما العصب فقد قال أبو موسى المديني في المجموع المغيث: العاج: عظم ظهر السلحفاة البحرية، ثم قال عن العصْب: بالتسكين، أو العصَب، يحتمل عندي أن الرواية إنما هي العصَب بفتح الصاد، وهو: أطناب مفاصل الحيوانات.

    يعني: العصب الذي يربط المفاصل.

    قال: [ ثم ذكر لي بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز، يكون أبيض ويتخذ منها غير الخرز أيضاً كنصاب السكين وغيره.

    والقلبان هما: سوران أو عقدان من فضة كانا معلقين عليهما للتجمل.

    وقوله: (وقد علقت مسحاً أو ستراً على بابها). هذا هو الذي هتكته، وهذا التعليق يحتمل أن يكون من أجل الزينة، وأن فيه شيئاً من التزين، أو أنه كان فيه صور تماثيل، فيكون الإنكار من أجله لا من أجل اتخاذ شيء يستر، فإنه يتخذ عندما يكون هناك حاجة إلى وضع شيء على الباب من أجل أن يحجب الرؤية عمن يكون في الداخل، ومن يكون في الخارج، وفي نفس الوقت يدخل معه الهواء الذي لا يكون مع إغلاق الباب.

    والحديث ليس بصحيح، بل ضعيف؛ لأن فيه رجلين متكلماً فيهما، والتعليل الذي جاء في الحديث أنه أحب ألا يكون حصل لأهل بيته تعجيل الطيبات في هذه الحياة الدنيا، ولهذا أرسله إلى أهل البيت من أجل أن يستفيدوا منه، وغيرهما بسوارين من عاج هو لأن كونه من عظام السمك غير كونه من الفضة، وهذا أهون من هذا وأخف من هذا.

    تراجم رجال إسناد حديث (...يا ثوبان! اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عبد الوارث بن سعيد ].

    عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن جحادة ].

    محمد بن جحادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد الشامي ].

    حميد الشامي مجهول، أخرج له أبو داود وابن ماجة في التفسير.

    [ عن سليمان المنبهي ].

    سليمان المنبهي مجهول، أخرج له أبو داود وابن ماجة في التفسير.

    [ عن ثوبان ].

    ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن. والحديث فيه مجهولان.

    1.   

    الأسئلة

    حكم القلائد المتخذة من العظام

    السؤال: يوجد في الأسواق قلائد من عظام، فما حكم استعمالها؟ وهل يلزم التحري أن تكون من عظام حيوانات مباحة؟

    الجواب: إذا كانت من حيوانات مباحة فليس فيها إشكال، أي: أنها إذا كانت من حيوانات مباحة فهي سائغة، وأما إذا لم يعرف حالها فالتورع ألا يقدم على شيء إلا ببينة.

    حكم التزعفر

    السؤال: قال ابن بطال وابن التين: إن النهي عن التزعفر مخصوص بالجسد، ومحمول على الكراهة فما صحة ذلك؟

    الجواب: هذا ليس بواضح، والأحاديث التي مرت فيها الوعيد، فلا يصح أن يقال: إنها محمولة على الكراهة.

    حكم الزعفران للمحرم وغير المحرم

    السؤال: مما ينهى عنه المحرم أنه لا يلبس من الثياب شيئاً مسه الورس أو الزعفران، ومفهوم الحديث أنه مباح لغير المحرم فما توجيهكم؟

    الجواب: ليس مباحاً؛ لأن الأحاديث التي جاءت عامة وليست خاصة بالحج، ولهذا سبق أن مر أن الراوي قال: (وهم محرمون؟ قال: لا، القوم مقيمون).

    حكم تغيير الشيب إذا لم يعم اللحية أو الرأس

    السؤال: النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير الشيب، والشيب ما كان عاماً لجميع لحيته، فهل هذا يدل على استحباب تغيير الشيب ولا يشترط أن يعم جميع اللحية والرأس؟

    الجواب: نعم، لا يشترط أن يعم الشيب جميع اللحية، لكن بعض أهل العلم قال: الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يغير شيبه، وإنما كان تغير بعض شعراته من أثر كثرة الطيب الذي كان يجري على لحيته، فمن آثار كثرة تطيبه صلى الله عليه وسلم تغيرت تلك الشعرات القليلة من شعر لحيته صلى الله عليه وسلم.

    حكم إعلان وفاة الميت

    السؤال: بعد البسملة والحمد لله: نحن أئمة مساجد من أهل السنة في حضرموت بالجمهورية اليمنية، اختلفنا اختلافاً كبيراً في إعلان وفاة ميت من أهل البلد في مكبر الصوت عقب الصلاة، وهو إعلان مجرد عن المدح والثناء، ويقال فيه: توفي فلان بن فلان، والصلاة عليه في مسجد كذا في البلدة الفلانية، وهو أمر لم نعهده في غير البلاد الحضرمية، فمن قائل: إنه لا يجوز؛ لأنه من النعي، ومنهم من قال: بل هو جائز لإعلام الناس بالوفاة وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم وفاة النجاشي وغيره، ومنهم من قال: الإعلان جائز في أهل البلد الذي فيه الميت من باب تجهيزه والصلاة عليه، ولا يجوز في غير بلده، فيشبه أن يكون النعي المذموم، ومنهم من قال: بل يجوز الإعلان ولو خارج بلدته ما دام يمكن الوصول للصلاة عليه، ومنهم من قال: يجوز وإن لم يستطع الوصول إليه، والصلاة عليه،وللعلم يا شيخ! نحن نحب تأليف قلوب الناس، وهم حديثو عهد بسنة لا يحبون الاختلاف، ومسجد يعلن ومسجد لا يعلن، ومنهم من قال: إن الصلاة إذا أعلنت في مسجد لأهل البدع ممن يدعون غير الله، فلا يجوز الإعلان عن الصلاة عندهم، وإذا أعلنت عند أهل السنة فيعلن عنها، فأفتونا مأجورين.

    الجواب: الإعلان مطلقاً بأن كل ميت يعلن عنه في المساجد بأنه توفي هذا غير صحيح، ومعلوم أن الجنائز يصلى عليها في مساجد معينة، فالإمام لا يعلن بمكبر الصوت، إنما يخبر الناس بأي وسيلة: أن في المسجد الفلاني جنازة، ولا يحتاج أن يسمى شخصاً، وإنما يقول: في المسجد الفلاني جنازة ويركب سيارته ويذهب يصلي مع الناس؛ لأنه في نفس الوقت، وأولئك أيضاً يكون من عادتهم أن يتأخروا قليلاً، فهذا يبدو أنه لا بأس به؛ لأن فيه تكثيراً للمصلين، وتكثير الشفعاء للميت.

    وأما أن يعلن عن كل ميت، وأنه يحتاج الناس إلى أن يسافروا أو يذهبوا من بلد إلى بلد، فهذا ليس له وجه، لكن بالنسبة للبلد يبدو أنه لا بأس به، فكون الإمام يقول: إن المسجد الفلاني فيه جنازة يصلى عليها، وبعد الصلاة يذهبون ويدركون تلك الجنازة ويصلون عليها، هذا يبدو أنه لا بأس به؛ لأنه ليس نعياً، وإنما هو تنبيه إلى المشاركة في تحصيل هذا الأجر، من الصلاة عليه، ومن اتباع جنازته، فالذي يبدو أن مثل هذا لا بأس به، وأما قضية الإعلان عن كل ميت في كل مسجد، أو أنه يحتاج إلى أن يسافر، وتحبس الجنائز من أجل أن يحضر الناس لكل ميت؛ فهذا لا وجه له.

    حكم العمل في محل يباع فيه أشياء عليها صور

    السؤال: رجل يعمل في محل، ويباع في هذا المحل أشياء عليها صور، فما الذي على هذا العامل؟

    الجواب: هذه الصور مما ابتلي به الناس، وبعض المعلبات عليها صور، فمثل هذا مما عمت به البلوى، فلا بأس ببيعها.

    حكم القيام للجنازة

    السؤال: ورد حديث فيه الأمر بالقيام للجنازة إذا مرت فما صحته؟

    الجواب: هذا الحديث ثابت؛ ولكن فيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: إنه منسوخ، ومنهم من قال: إنه باقٍ غير منسوخ، والأحاديث في ذلك صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم القيام لقول القائل الصلاة على الميت

    السؤال: عندما نسمع في المسجد: "الصلاة على الميت" فهل نقوم عند سماع هذه الكلمة؟

    الجواب: أنت تقوم للصلاة على الجنازة، ولا تقوم من أجل أن الميت مر؛ لأن القيام هو من أجل مرور الميت، وأما هذا فمن أجل الصلاة، فقول القائل: الصلاة على الميت، معناه: قوموا للصلاة عليه، وتنبيه إلى أنه يوجد ميت أو أموات، المطلوب أن يصلى عليهم وأن يقوم الناس للصلاة عليهم، فهذا غير القيام الذي جاء في الحديث عند مرور الجنازة، وأنه إذا مرت يقوم الإنسان.

    كيفية دعاء القنوت قبل الركوع

    السؤال: ما هي طريقة دعاء القنوت قبل الركوع في صلاة الوتر، هل يقرأ الفاتحة وسورة ثم يدعو أو بعد أن يقرأ الفاتحة والسورة يكبر ثم يدعو ثم بعده يكبر فيهوي للركوع؟

    الجواب: الإنسان إذا قنت قبل الركوع فإنه يقنت بعد القراءة، ثم يكبر للركوع، والقنوت ليس له تكبير.

    الورع في التجارة

    السؤال: أعمل بمكتبة اشترى مني حاج ودفع لي مبلغ مائتي ريال، وعندما رددت له الباقي قال: إني أعطيتك مائة ريال فقط، وصمم على ذلك، فماذا أعمل أنا في المائة الريال، وقد شككت في ذلك؟

    الجواب: إذا كنت متحققاً بأنك أخذت منه مائة زائدة، فتصدق بها عنه.

    حكم إقامة الحد على سرقة الابن من الأب أو العكس

    السؤال: إذا سرق الابن من الأب أو العكس فهل يحد؟

    الجواب: لا؛ لأن هذا فيه شبهة.

    والعكس من باب أولى، فالأب يأخذ من مال ابنه ولا يحتاج إلى سرقة، ولكن الولد يمكن أن يسرق، وأما الأب فيأخذ بدون حاجة إلى سرقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك).

    حكم زواج الرجل ببنت من زنى بها

    السؤال: لو زنى رجل بامرأة، فهل يجوز له أن يتزوج بنتها؟

    الجواب: الذي يبدو أنه يجوز؛ لأن الحرام لا يحرم الحلال.

    حكم إعطاء العامل أجراً أكثر مما يتقاضاه ليترك العمل

    السؤال: إذا عرضت أجراً أكثر لرجل يعمل عند رجل آخر، فهل يدخل ذلك في بيع الرجل على بيع أخيه؟

    الجواب: نعم، يدخل فيه؛ لأن كون هذا الإنسان باقياً عند رجل ثم يأتي إنسان ويقول: أنا أعطيك زيادة، فمعنى هذا أنه لن يستقر عامل عند أحد.