إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [423]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما جاء الحث عليه في الشريعة الإسلامية الوليمة عند العرس، وعلى من دعي إلى وليمة أن يجيب الدعوة، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليدع لصاحب الوليمة؛ ففي الاجتماع على الوليمة أنواع من التآزر والترابط والتآخي والتآلف ونحو ذلك.

    1.   

    ما جاء في إجابة الدعوة وحكمها

    شرح حديث (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أول كتاب الأطعمة.

    باب ما جاء في إجابة الدعوة.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) ].

    لما فرغ المصنف رحمه الله من ذكر ما يتعلق بالأشربة وما يحل منها وما يحرم، ثنَّى بذكر الأطعمة، وأورد الترجمة التي هي: [باب ما جاء في إجابة الدعوة ] يعني: إجابة دعوة أخيك المسلم إذا دعاك لطعام، فإن كان طعام وليمة عرس، فمن العلماء من قال بوجوب الإجابة، وإذا كان لغير العرس فيستحب للإنسان أن يجيب الدعوة؛ لما في ذلك من إدخال السرور على الأخ المسلم.

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) ] أي: يجيب الدعوة.

    والوليمة في الغالب تطلق على وليمة العرس؛ وقد تطلق الوليمة على ما هو أعم من ذلك.

    وقوله: [ باب ما جاء في إجابة الدعوة ] يعني: إجابة الداعي لطعام، وهو يشمل وليمة الزواج والنكاح وغيرها من الدعوات الأخرى .

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود رحمه الله.

    وجه تقديم أبي داود كتاب الأشربة على كتاب الأطعمة

    إن قيل: ما وجه تأخير كتاب الأطعمة عن كتاب الأشربة، مع أن الأكل مقدم على الشرب عادة؟

    فالجواب أننا نجد كثيراً في سنن أبي داود أبواباً أو كتباً كان الأنسب أن تكون في مكان آخر، فمثلاً أخر الصوم وجعله بعد النكاح وبعد عدة كتب أخرى، وكان من المناسب أن يأتي به مع العبادات بعد الزكاة وقبل الحج، كما هو المشهور عند العلماء من المحدثين والفقهاء، وكما جاء ذلك مرتباً في حديث جبريل وغيره: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ...) ، فهو يأتي أحياناً بالكتاب في غير المكان المناسب من ناحية الترتيب، ويمكن أن مقصوده من تقديم الأشربة على الأطعمة هو أن الماء لا يستغنى عنه، وهو الذي تكون به الحياة، وجعل الله من الماء كل شيء حي، وقد يستغني الإنسان عن الطعام ولا يستغني عن الماء، فقد يكون هذا هو وجه تقديم الأشربة على الأطعمة.

    شرح حديث: (.... فإن كان مفطراً فليطعم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه، زاد: (فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليدع) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله، بمعناه وفيه زيادة: (فإن كان مفطراً فليطعم) يعني: يأكل.

    قوله: (وإن كان صائماً فليدع) يعني: يدعو لأهل الزواج ولأهل الوليمة، يدعو لهم بالتوفيق، وأن يجمع الله بين الزوجين على خير، فيكون حضوره فيه إدخال السرور وحصول الدعاء.

    ومعنى هذا: أن الأكل ليس بلازم، ولكن الحضور هو الذي أمر به، وإجابة الدعوة هو الذي أمر به، أما الأكل فليس مأموراً به، فيمكن للإنسان أن يحضر وقد لا يشتهي الطعام، وقد يكون صائماً، وقد يكون هناك شيء يجعل الإنسان لا يشتهي الطعام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... فإن كان مفطراً فليطعم)

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا أبو أسامة ].

    هو أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله ].

    هو عبيد الله بن عمر العمري المصغر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع وابن عمر قد مر ذكرهما.

    شرح حديث ( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه ) وترجمة رجال الإسناد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عمر من طريق أخرى وفيه: [ (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه) ] يعني: سواءً كان دعوة زواج أو نحوه، مثل: دعاء العقيقة أو غيرها من الدعوات فليجب، ولكن كما هو معلوم أن وليمة الزواج تختلف عن غيرها.

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع وابن عمر قد مر ذكرهما.

    طريق أخرى لحديث (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه) وترجمة رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن المصفى حدثنا بقية حدثنا الزبيدي عن نافع بإسناد أيوب ومعناه ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [ حدثنا ابن المصفى ].

    هو محمد بن المصفى وهو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا بقية ].

    هو بقية بن الوليد وهو صدوق يدلس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا الزبيدي ].

    هو محمد بن الوليد الزبيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    شرح حديث (من دعي فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من دعي فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) ].

    أورد أبو داود حديث جابر رضي الله عنه:[ (من دعي فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك)] يعني: أن إجابة الدعوة هي المطلوب، وإذا حضر فليس بلازم أن يأكل؛ وذلك لقوله: (فإن شاء طعم وإن شاء ترك)، وكما عرفنا فيما مضى إن لم يأكل يدعو: (إن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليدع) وهنا إن شاء أكل وإن شاء ترك حتى لو كان مفطراً، فإذا لم يشته الطعام أو أن الطعام كان في وقت غير مناسب له، وعادته ألا يأكل في مثل هذا الوقت، فإنه يحضر ويدعو وليس بلازم أنه يأكل.

    تراجم رجال إسناد حديث (من دعي فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث (من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد قال: حدثنا درست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ (من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله) ].

    يعني: أن عدم إجابة الدعوة فيها معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا في حق من دعي، وأما من لم يدع وجاء من غير دعوة فإنه كما في الحديث: [ (ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً) ] أي: يدخل مثل السارق الذي يدخل بخفية وتستر وعدم بروز وظهور، ثم إنه بعد ذلك يظهر وكأنه ظفر بالشيء الذي يريده، فيكون مثل الذي أغار واكتسب شيئاً وخرج به، ولكن الحديث ضعيف فيه من لا يحتج به، وهو غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا درست بن زياد ].

    درست بن زياد وهو ضعيف، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة .

    [ عن أبان بن طارق ].

    أبان بن طارق وهو مجهول الحال، أخرج له أبو داود .

    [ عن نافع قال: قال عبد الله بن عمر ].

    نافع وعبد الله بن عمر قد مر ذكرهما.

    [ قال أبو داود : أبان بن طارق مجهول ].

    شرح أثر (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (شر الطعام طعام الوليمة) يعني: من شأنه أنه يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء، مع أن الأغنياء ليسوا بحاجة إلى الطعام، والفقراء بحاجة إلى الطعام، فيدعى من لا يحتاج إليه، ويترك من هو بحاجة إليه!

    قوله: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) والمقصود بذلك طعام الوليمة كما عرفنا؛ لأن الوليمة عندما يأتي إطلاقها يراد بها وليمة العرس.

    تراجم رجال إسناد حديث (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب ].

    القعنبي ومالك مر ذكرهما، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    هو عبد الرحمن بن هرمز المدني ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق.

    1.   

    الأسئلة

    وجه الاستدلال بقوله (وإن كان صائماً) في كون الوليمة تكون في النهار

    السؤال: هل قوله: (وإن كان صائماً ...) يدل على أن الوليمة تكون في النهار؟

    الجواب: لا، ليس بلازم، وإنما فيه إشارة إلى أنه إذا جاء الإنسان وكانت الوليمة في النهار فهو إما أن يكون صائماً وإما أن يكون مفطراً، والمهم أن توجد الوليمة، سواء كانت في النهار أو في الليل.

    حكم إجابة الوليمة في الليل مع تأخرها كثيراً

    السؤال: كما هو معلوم أن إجابة دعوة الوليمة واجبة، لكن الآن ربما لا يضعون العشاء إلا في وقت متأخر من الليل فماذا يفعل الإنسان إذا دعي إليها؟

    الجواب: هذا غير مناسب؛ لأنه قد يذهب أكثر الليل أو قسم كبير من الليل، فمثل هذا له أن يعتذر عن الحضور، أو يحضر ليدعو لهم ويرجع قبل أن يأتي الطعام وقبل أن يجتمع الناس.

    صيغة الدعاء لأهل الوليمة لمن حضرها

    السؤال: قوله: (وإن كان صائماً فليدع)، هل هناك نص معين في الدعاء أو يدعو بما تيسر؟

    الجواب: ليس هناك نص معين في الدعاء لمن حضر الوليمة، ولكن يدعو للزوجين بالدعاء المعروف: (بارك الله لهما، وبارك عليهما، وجمع بينهما في خير) وله أن يدعو لهم بدعاء آخر كأن يقول: جزاكم الله خيراً وما إلى ذلك، والمهم هو الدعاء بالتوفيق في الزواج الذي فعلت الوليمة من أجله.

    حكم إجابة دعوة المبتدع والكافر

    السؤال: قوله: (إذا دعا أحدكم أخاه) ما المقصود بالأخوة هنا؟ وهل تجاب دعوة المبتدع؟ ومن دعي إلى وليمة كافر وهو قريب له أو زميل وفي الوليمة أشياء فيها شرك فهل يأتيها أم يتركها؟

    الجواب: إذا كان فيها محظور شرعي فلا يأتها سواء كانت لمسلم أو لكافر، فالشيء الذي فيه محظور لا يجوز له أن يحضره ولا يجلس مع أهله، ولكن الكلام فيما إذا كان سليماً.

    والأخوة هنا هي الأخوة في الإسلام، وإذا كان الداعي مبتدعاً وكان في إجابته فائدة من ناحية استمالته، وكونها سبباً في هدايته؛ فلا بأس بحضور وليمته، وإن كان لا يترتب على ذلك فائدة فالأولى له ألا يذهب.

    1.   

    استحباب الوليمة عند النكاح

    شرح حديث (ما رأيت رسول الله أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في استحباب الوليمة عند النكاح.

    حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا حماد عن ثابت قال: (ذكر تزويج زينب بنت جحش رضي الله عنها عند أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة)].

    يقول المصنف رحمه الله : [ باب في استحباب الوليمة عند النكاح ] أي: أن وضع وليمة بمناسبة النكاح لإظهار الفرح والسرور، وشكر الله عز وجل على هذه النعمة والفضل الذي هو حصول الزواج من الأمور المستحبة.

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: [ (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب ، أولم بشاة) ]، وزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها أولم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة لكونها حصل تزويجها من الله عز وجل، حيث زوجه إياها من فوق سبع سماوات، وهذا شيء تميزت به عن غيرها، وكانت تفتخر به رضي الله عنها، فتكون هذه الوليمة شكراً لله عز وجل على هذا الزواج، أو أنه حصل اتفاقاً؛ لأنه كان متيسراً في ذلك الوقت فأولم بشاة.

    فالوليمة مستحبة والرسول صلى الله عليه وسلم أولم باللحم وبغير اللحم كما سيأتي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الرحمن بن عوف : (أولم ولو بشاة)

    وهذا الأمر للاستحباب، وليس بواجب على المتزوج أن يعمل وليمة.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما رأيت رسول الله أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها أولم بشاة)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد مر ذكره.

    [ وقتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه هو راوي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا من الأسانيد الرباعية عند أبي داود ، وقتيبة بن سعيد ومسدد شيخا أبي داود فلا يقال: إنه خماسي؛ وذلك لأنهما في طبقة واحدة، ووجودهما كوجود الشخص الواحد من حيث الرتبة ومن حيث الدرجة.

    شرح حديث (أن النبي أولم على صفية بسويق وتمر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حامد بن يحيى حدثنا سفيان حدثنا وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لم على صفية رضي الله عنها بسويق وتمر)].

    أورد المصنف رحمه الله حديث أنس رضي الله عنه[ (أن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم على صفية بسويق وتمر) ]، وجاء: (أنه أو لم بحيس) فيمكن أن يكونا مجتمعين ولم يولم بلحم، وإنما أو لم بسويق، وكذلك جاء أنه حيس مخلوط بسويق وتمر، وهذا فيه أن الوليمة لا يلزم فيها اللحم، بل يمكن أن تكون بغير لحم على حسب ما يتيسر للإنسان.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي أولم على صفية بسويق وتمر)

    قوله: [ حدثنا حامد بن يحيى ].

    حامد بن يحيى ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن عيينة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وائل بن داود ].

    وائل بن داود ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن ابنه بكر بن وائل ].

    بكر بن وائل صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، ومنه رواية الآباء عن الأبناء، والمشايخ عن التلاميذ، وهو على خلاف الأصل، والأصل أن الأبناء يأخذون عن الآباء، والتلاميذ يأخذون عن المشايخ، وقد يوجد العكس بأن يكون الشيخ يأخذ عن تلميذه والأب عن ابنه، فيكون من قبيل النوع المعروف عند المحدثين: رواية الأكابر عن الأصاغر، وفائدة معرفته ألا يظن القلب في الإسناد؛ لأن الأصل أن الابن هو الذي يروي عن الأب، والتلميذ هو الذي يروي عن الشيخ.

    [ عن الزهري عن أنس ].

    الزهري وأنس قد مر ذكرهما.

    1.   

    حكم تكرار الوليمة

    شرح حديث (الوليمة أول يوم حق والثاني معروف واليوم الثالث سمعة ورياءَ )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كم تستحب الوليمة.

    حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عفان بن مسلم حدثنا همام حدثنا قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل أعور من ثقيف، كان يقال له معروفاً -أي: يثنى عليه خيراً- إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان رضي الله عنه فلا أدري ما اسمه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء) قال قتادة : وحدثني رجل: أن سعيد بن المسيب دعي أول يوم فأجاب، ودعي اليوم الثاني فأجاب، ودعي اليوم الثالث فلم يجب، وقال: أهل سمعة ورياء ].

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في كم تستحب الوليمة ].

    يعني: أنها تكون مرة أو أكثر من مرة، والمعروف أنها تكون مرة واحدة، وهل تكون أكثر من ذلك؟ جاء في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك.

    وهذا الحديث الذي معنا فيه شخص لا يحتج به من حيث قبول روايته، والأصل في ولائم الزواج أن يكون فيها التيسير وفيها التخفيف، وألا يكون فيها التكلف، لاسيما مثل ما يحصل في هذا الزمان من كثرة الأطعمة والتكلف فيها، وكونه لا يستفاد منها، فالاقتصاد وعدم التكلف هو الذي ينبغي وهو الذي يليق، وأما تكرار الولائم في مناسبة الزواج، وكذلك فيما يتعلق بالتوسع في الوليمة حتى تزيد عن قدر الحاجة ثم لا يستفاد من ذلك؛ فهذه من الأمور التي لا ينبغي للناس أن يتعاطوها، بل عليهم أن يحذروها، والزواج يراد فيه التسهيل والتيسير، ومن التسهيل والتيسير عدم التكلف في الزواج، وعدم المغالاة في المهور.

    أورد أبو داود حديث رجل يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل أن يكون غير صحابي.

    قوله: [ عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل أعور من ثقيف كان يقال له معروفاً - أي: يثنى عليه خيراً -، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه ].

    يعني: زهير بن عثمان قيل: إنه صحابي، فإن كان صحابياً فيكون الحديث متصلاً وإن كان غير صحابي فيكون زيادة في التوهين والتضعيف؛ لضعف رجل في أثناء الإسناد هو سببه، حتى وإن كان صحابياً فالضعف حاصل بذاك الضعيف.

    قوله: [ (الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف واليوم الثالث سمعة ورياء) ] يعني: أنها في اليوم الأول لازمة، واليوم الثاني إحسان وفضل، واليوم الثالث أهلها أهل رياء وسمعة.

    تراجم رجال إسناد حديث (الوليمة أول يوم حق والثاني معروف واليوم الثالث سمعة ورياء)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى العنزي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عفان بن مسلم ].

    هو عفان بن مسلم الصفار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    همام بن يحيى العوذي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عثمان الثقفي ].

    عبد الله بن عثمان الثقفي مجهول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    والضعف في هذا الشخص الذي هو عبد الله بن عثمان الثقفي ، وهو يروي عن رجل من ثقيف، ويحتمل أن يكون هو زهير بن عثمان ويحتمل أن يكون صحابياً وأن يكون غيره، فإن كان صحابياً فلا إشكال، وإن كان غير صحابي فيكون فيه علتان.

    [ إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان ]

    زهير بن عثمان صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي ، له حديث الوليمة.

    [ قال قتادة : وحدثني رجل: أن سعيد بن المسيب دعي أول يوم فأجاب، ودعي اليوم الثاني فأجاب، ودعي اليوم الثالث فلم يجب وقال: أهل سمعة ورياء ].

    يعني: مثل ما جاء في هذا الحديث، اليوم الأول حق، والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء.

    و سعيد بن المسيب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    أثر ابن المسيب أنه دعي اليوم الثالث فلم يجب وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب بهذه القصة قال: فدعي اليوم الثالث فلم يجب وحصب الرسول ].

    أورد المصنف طريقاً عن سعيد بن المسيب فيه: أنه لم يجب في اليوم الثالث بل حصب الرسول ورماه بالحصباء.

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة عن سعيد بن المسيب ].

    قتادة وسعيد بن المسيب قد مر ذكرهما.

    وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في البلوغ أن هذا الحديث له شاهد عند الترمذي عن ابن مسعود ، وقال: رجال إسناده رجال الصحيح، لكن لاشك أن عدم التكلف هو الذي ينبغي.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إقامة الوليمة مرة في دار الزوج ومرة في دار الزوجة

    السؤال: هل تجوز الوليمة مرة في دار الزوج، ومرة في دار الزوجة؟

    الجواب: الذي ينبغي أن تكون مرة واحدة في أي مكان، في دار هذا أو في دار هذا.

    حكم إقامة الوليمة يوم العرس واليوم الرابع واليوم السابع

    السؤال: في بلادنا تكون وليمة النكاح على ثلاث مراحل: يوم العرس واليوم الرابع واليوم السابع فما الحكم؟

    الجواب: الجواب كما سبق، الذي ينبغي أن تكون مرة واحدة، وأن يترك التكلف.

    حكم تكرار الوليمة مع اختلاف المدعوين لها

    السؤال: إذا اختلف المدعوون بأن يعمل في اليوم الأول وليمة ثم يدعو أناساً، ويعمل في اليوم الثاني وليمة أخرى ويدعو أناساً آخرين غير الأولين، فهل هذا جائز؟

    الجواب: كونها تصير مرة واحدة ويجمع الذين يريد أن يدعوهم هو الذي ينبغي.

    حكم ذكر الرجل بما فيه من العاهة

    السؤال: قوله في الحديث: (عن رجل أعور) هل فيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة؟

    الجواب: إذا كان للتعريف وليس للتعيير فلا بأس، مثل: الأعرج والأعمش.

    1.   

    الإطعام عند القدوم من السفر

    شرح حديث (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزوراً أو بقرة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإطعام عند القدوم من السفر.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن شعبة عن محارب بن دثار عن جابر رضي الله عنه قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزوراً أو بقرة) ].

    يقو المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الإطعام عند القدوم من السفر] يعني: كون المرء يصنع طعاماً ويدعو الناس إليه عند القدوم من السفر جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما جاء في هذا الحديث: (أنه لما قدم المدينة ذبح جزوراً أو بقرة) يعني: على الشك إما هذا وإما هذا، وهذا يدل على جواز مثل ذلك، وأن الإنسان إذا قدم من سفر له أن يذبح شيئاً شكراً لله عز وجل على كونه وصل سالماً، ومن أجل أن يلتقي بالناس ويحصل اللقاء بينه وبينهم ويأكلون من طعامه، ولكن لا يصح أن يتكلف الناس بحيث إنهم كلما حصل سفر فعلوا ذلك؛ لأنه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك في كل سفراته، وأنه كلما قدم من سفر فعل ذلك، ولكن هذا الفعل يدل على الجواز وعلى أن ذلك سائغ، لكن لا يقال: إنه مستحب ومن لم يفعل ذلك فقد ترك أمراً مستحباً.

    قوله: [ عن جابر رضي الله عنه قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزوراً أو بقرة) ].

    لا أدري متى كان هذه القدوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم المدينة مهاجراً، ثم بعد ذلك كان يخرج مجاهداً أو حاجاً أو معتمراً، ثم يقدم المدينة، وهذه المرة لا ندري هي في أي قدمة قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزوراً أو بقرة)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محارب بن دثار ].

    محارب بن دثار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله وقد مر ذكره.