إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [421]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت هذه الشريعة من عند الله كاملة متكاملة محكمة، لم تترك خيراً إلا ودلت الأمة عليه، ولا شراً إلا وحذرت الأمة منه، فجاءت ببيان الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات، ومما جاءت ببيانه أحكام الشرب وبيان آدابه وما يستحب فيه وما يكره.

    1.   

    ما جاء في الشرب قائماً

    شرح حديث (نهى أن يشرب الرجل قائماً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الشرب قائماً.

    حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائماً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان: باب في الشرب قائماً، أي: في حكمه، وهل هو سائغ أو غير سائغ؟ والمعروف من عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يشرب وهو جالس، وشربه وهو قائم حصل منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه بقلة.

    وقد جاء النهي عن الشرب قائماً، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائماً في بعض الأحوال، فمن العلماء من رأى أن هذا النهي الذي جاء عن الشرب عن قيام محمول على كراهة التنزيه، وأن فعله صلى الله عليه وسلم دال على الجواز، وجاء أيضاً ما يدل على ذلك من فعل الصحابة كفعل علي رضي الله عنه الذي سيأتي أنه شرب قائماً وقال: (إن رجالاً يكره أحدهم أن يشرب قائماً وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائماً)، فيكون الجمع بين هذه النصوص هو أن الأصل الشرب عن جلوس وهو الذي ينبغي أن يحرص عليه، وإن شرب الإنسان قائماً في بعض الأحيان لحاجة دعت إلى ذلك فلا بأس به.

    وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائماً)، وذكر الرجل هنا لا مفهوم له، فمثله المرأة، ولكن كما ذكرنا أن الغالب هو الخطاب مع الرجال، وإلا فإن المرأة حكمها حكم الرجل، والأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يفرق بينهما إلا بدليل يفرق بينهما، وعلى هذا فذكر الرجل في قوله: (نهى أن يشرب الرجل) لا مفهوم له؛ فإن المرأة كذلك منهية عن أن تشرب قائمة كما أن الرجل منهي عن أن يشرب قائماً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى أن يشرب الرجل قائماً)

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هشام الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    قتاده بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث (أن علياً شرب قائماً وقال إن رجالاً يكرهون أن يشرب الرجل قائماً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة: (أن علياً رضي الله عنه دعا بماء فشربه وهو قائم ثم قال: إن رجالاً يكره أحدهم أن يفعل هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل مثلما رأيتموني أفعله) ].

    أورد أبو داود حديث علي رضي الله عنه أنه شرب قائماً وقال: (إن رجالاً يكرهون أن يشرب الرجل قائماً وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مثلما رأيتموني أفعل) يعني: أنه شرب قائماً، ولكن كما هو معلوم هذا ليس هو المعتاد من فعله صلى الله عليه وسلم، بل المعتاد من هديه أنه كان يشرب جالساً، وإنما كان شربه قائماً في بعض الأحيان، فيكون الشرب جالساً هو الأصل وهو الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وإن شرب قائماً في بعض الأحيان لحاجة دعت إلى ذلك فلا بأس بذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن علياً شرب قائماً وقال إن رجالاً يكرهون أن يشرب الرجل قائماً...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مسعر بن كدام ].

    مسعر بن كدام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الملك بن ميسرة ].

    عبد الملك بن ميسرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن النزال بن سبرة ].

    النزال بن سبرة ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ أن علياً رضي الله عنه ].

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله عنه وأرضاه.

    حكم الأكل قائماً

    والأكل قائماً إذا كان هناك حاجة تدعو إليه لا بأس به.

    الشرب قائماً ليس من خوارم المروءة

    يقول بعضهم: إذا شرب طالب العلم قائماً فهل هذا يعتبر من خوارم المروءة؟

    والجواب: أنه لا يعتبر من خوارم المروءة، لكن الأولى به أن يفعل ما هو الأفضل وما هو الأولى، وإذا حصل أمر يقتضيه فلا بأس بذلك.

    تقديم تحية المسجد على الشرب قائماً

    إذا دخل الرجل المسجد ولم يصل التحية فلا يشرب قائماً ولا يشرب جالساً، بل يصلي التحية ثم يجلس ويشرب.

    مدى صحة القاعدة التي تقول النهي في باب الآداب يحمل على التنزيه

    هناك قاعدة تقول: النهي في باب الآداب يحمل على التنزيه وليس على التحريم. وهذا ليس على إطلاقه، فلا يقال: إن هذا في كل شيء.

    الجمع بين النهي عن الشرب قائماً مع شربه صلى الله عليه وسلم قائماً

    إن قال قائل: كيف يحمل النهي على التنزيه مع ما ورد في صحيح مسلم : (من شرب قائماً فليستقئ

    والجواب: هذا الذي فعله الرسول من الشرب قائماً دل على الجواز، وهذا الذي جاء في صحيح مسلم وفي غيره يقال: فيه زجر، يعني: أنه يدل على تأكيد أن يشرب الإنسان من جلوس، لكن إذا حصل أن شرب قائماً لأمر يقتضي ذلك فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وجاء عن علي رضي الله عنه أنه فعله مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الحكمة في النهي عن الشرب قائماً

    قد يقول قائل: هل حكمة النهي عن الشرب قائماً معلومة؟

    والجواب: من العلماء من قال: إنه إذا كان عن جلوس فهو أفضل وفيه فائدة فيما يتعلق بالصحة وفيما يتعلق بالمروءة، ويكون فيه ميزات على كونه يشرب وهو قائم، فبعض العلماء ذكر أنه إذا كان جالساً فإنه يحصل فيه من الفائدة للجسم ومن عدم المضرة عليه ما لا يحصل في حال القيام.

    1.   

    ما جاء في الشرب من في السقاء

    شرح حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الشراب من في السقاء.

    حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء، وعن ركوب الجلالة والمجثمة).

    قال أبو داود : الجلالة التي تأكل العذرة ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب الشرب من في السقاء، يعني: أن يشرب الإنسان من فم السقاء، فلا يصب في إناء ثم يشرب منه، وإنما يشرب من فمه، والأصل الذي لا شك فيه هو أنه يصب في إناء ويشرب منه؛ لأنه إذا صب في الإناء تبين له ما في الإناء ونظافته أو وساخته أو ما فيه من أشياء مستقذرة أو أشياء محذورة؛ أما إذا كان يشرب من في السقاء فقد يكون فيه شيء من القذر والوسخ فيذهب إلى جوفه دون أن يشعر؛ لأنه لا يرى الذي يخرج.

    ثم أيضاً قد يكون فيه تقذير لغيره ممن يحتاج إلى أن يشرب من هذا السقاء، فيكون ذلك سبباً في أن يكرهه ولا يرغب فيه، فالحكمة في ذلك إما الخوف من أن يكون فيه شيء من الوسخ أو شيء من حيوانات الماء مثل العلق وغيره من الأشياء التي تكون في الماء فتذهب إلى جوفه وهو لا يراها.

    والشيء الآخر أنه إذا كان معه من يشاركه في ذلك فإنه قد يكون ذلك سبباً في استقذاره وعدم الشرب منه.

    وأورد المصنف حديث ابن عباس : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء) والسقاء هو القربة، وقيل: إنه يطلق على ما كان صغيراً من الجلود، وما كان كبيراً يقال له: قربة.

    وقوله: (وعن ركوب الجلالة) الجلالة هي الناقة التي تأكل العذرة، والعذرة هي رجيع الإنسان، والرجيع هو المستقذر النجس، فيكون أكلها وركوبها فيه مضرة، أما الأكل فلكون اللحم فيه هذا المأكول الذي هو نجس، فإنه يكون متعلقاً باللحم فترة من الزمان؛ وكذلك بالنسبة للركوب يمكن أن يصل إلى ثيابه أو إلى جسده فمها وفيه هذا الوسخ الذي قد يكون فيه شيء من النجاسة، فيترتب على ذلك مثل هذه الأضرار.

    وقوله: (والمجثمة) هي الحيوان الذي يحبس ثم يتخذ هدفاً، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، يعني: نهى عن اتخاذ الشيء الذي فيه روح هدفاً يرمى إليه ويعمل على إصابته، فالهدف لا يكون من الحيوانات وإنما يكون من الجمادات أو من الأشياء التي لا يترتب عليها مضرة أو إتلاف في غير فائدة ولا مصلحة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة بن دينار البصري ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا قتادة ].

    قتادة مر ذكره.

    [ عن عكرمة ].

    عكرمة مولى ابن عباس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم الشرب من فم القارورة الشفافة

    النهي عن الشرب من في السقاء هو في الذي يشرب منه أو يستخدمه أكثر من واحد، وأما بعض المشروبات التي تكون في قارورة فيشربها الشخص وحده فهذه ليس فيها بأس، وهي في الغالب سليمة ونظيفة، وأيضاً هي غالباً شفافة يرى ما في داخلها؛ ولو كان فيها شيء من الأجسام التي تحذر ويخشى منها أو شيء من الوسخ فإنه قد يتبين من الداخل، فإذا كان الإنسان يشرب القارورة وحده فهذا ليس فيه بأس؛ لأنه يشرب منها ولا يقذر الشراب على أحد ما دامت خاصة به.

    وقد ذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار عن بعض العلماء أنه لو كان هذا السقاء شفافاً بحيث يعرف ما بداخله فلا بأس أن يشرب منه، وذلك لأنه يأمن خروج شيء من الحيوانات عليه.

    ولكن يبقى موضوع المشاركة وكون بعض الناس قد يحتاج إلى أن يشرب منه فيستقذره بسبب شرب غيره منه، وهذا ليس مثله القدح الذي يشرب منه؛ لأن القدح يكون واسعاً، وقد يشرب الإنسان من جهة لم يحصل منها ملامسة شفتي الشارب الأول، لكن السقاء يكون فمه ضيقاً، وغالباً أنه يكون مع أسفله الذي يجيء الماء معه، فيكون مكان الشرب واحداً، فكونه تتوارد عليه الشفاه يجعل بعض الناس إذا سبقه أحد إلى هذا لا يعجبه ذلك.

    حكم الشرب من فم الصنبور ونحوه

    وأما الشرب من الحنفية أو الصنبور أو البرادات الكبيرة فليس من هذا القبيل؛ لأن المحذور في الغالب غير موجوداً في الصنابير؛ لأن الماء فيها يكون غالباً نظيفاً؛ لكن إذا كانت الصنابير فيها وسخ ويخرج منها أشياء قذرة فليس للإنسان أن يشرب منها، وفي الغالب أنها إذا كانت كذلك يصب في يده ويشرب ويتبين له، ولا يضع فمه في الصنبور؛ لأن الصنبور نازل إلى تحت، وهو في الغالب يضع يده ويشرب.

    حكم الدجاج والنعامة التي تأكل من عذرتها

    الدجاجة والنعامة قد تأكل من عذرتها، ولا يضر هذا؛ لأن ما يؤكل لحمه روثه طاهر، فمثل الإبل والبقر والغنم روثها طاهر ليس بنجس.

    1.   

    ما جاء في اختناث الأسقية

    شرح حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اختناث الأسقية)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في اختناث الأسقية.

    حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري أنه سمع عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اختناث الأسقية) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في اختناث الأسقية.

    واختناث الأسقية هو: أن يثنى طرفها مثل كفت الكم بحيث ترجع أطرافه إلى وراء فيكون الذي ثني من خارج السقاء، هذا هو اختناث الأسقية؛ فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ قيل: الحكمة في ذلك أنه يكون سبباً في الإنتان.

    ومن ناحية الشرب هو مثل الشرب من فم السقاء، فالنتيجة واحدة من ناحية الشرب، ولكن هذه الهيئة أيضاً يترتب عليها شيء آخر وهو أن يصير لها رائحة مع طول المكث وطول المدة.

    والمقصود من ثنيه بهذه الطريقة أنه يصير أسهل للشرب، ولا يتدفق عليه بقوة؛ خاصة إذا كان في طرف الجلد خشونة.

    أما الشرب من فم السقاء فقد جاء النهي عنه باختناث أو بعدم اختناث.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اختناث الأسقية)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد مر ذكره.

    [ حدثنا سفيان عن الزهري ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع عبيد الله بن عبد الله ].

    عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد الخدري ].

    أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن عمر عن عيسى بن عبد الله رجل من الأنصار عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد فقال: اخنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها) ].

    هذا الحديث عكس الذي قبله، فهذا معناه: أنه يثني فم القربة ويشرب من فيها، فهو يخالف ما قبله؛ فبعض العلماء قال: إن هذا يدل على الجواز، وإن ذاك يدل على المنع، فيحمل هذا على الجواز وذاك يحمل على التنزيه.

    ومنهم من قال: إن هذا ضعيف؛ فإذاً: ذاك باقٍ على النهي الذي جاء فيه؛ وأيضاً كما هو معلوم أن من جملة الآداب في الشرب عدم الشرب من فم السقاء لما فيه من أمور يخشى منها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد...)

    قوله: [ حدثنا نصر بن علي ].

    نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الأعلى ].

    عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن عمر ].

    عبد الله بن عمر العمري ضعيف، أخرج له مسلم مقروناً وأصحاب السنن، وفي بعض النسخ عبيد الله بن عمر المصغر وهو ثقة.

    [ عن عيسى بن عبد الله رجل من الأنصار ].

    عيسى بن عبد الله مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن أبيه ].

    أبوه عبد الله بن أنيس وهو صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي .

    وإذا كان الذي في السند هو عبيد الله المصغر فالحمل في الحديث على شيخه الذي هو مقبول، وإن كان عبد الله المكبر ففيه علتان، ولكن عبد الله أضعف من المقبول.

    1.   

    الشرب من ثلمة القدح

    شرح حديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الشرب من ثلمة القدح.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب) ].

    أورد أبو داود باب النهي عن الشرب من ثلمة القدح، وثلمة القدح هي الكسر الذي يكون في أحد جوانبه من أعلاه الذي توضع عليه الشفاه للشرب؛ فإذا انكسر تحصل فيه ثلمة في بعض الجوانب ولم يبق على هيئته المستقيمة بحيث يكون أعلاه متساوياً ومستقيماً، فإذا حصل فيه ثلمة -وهي كسرة سقطت منه- يصير فيه هذا العيب وهذا النقص.

    وأورد أبو داود حديث أبي سعيد : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح) وقيل في تعليل ذلك: إن الإنسان إذا شرب من الثلمة لا يسلم من كون الماء ينساب ويخرج؛ لأن الشفاه لا تمسك في الثلمة مثلما تمسك في الجوانب، فقد يخرج شيء من تحت الشفة ويتساقط على ثوب الإنسان وعلى لحية الإنسان.

    وأيضاً قيل: إنه لا يحصل تنظيفها كما يحصل تنظيف الباقي فتجتمع فيها الأوساخ.

    ويمكن أيضاً أن يقال: إنه قد يكون فيها شيء حاد فيجرح الإنسان، بخلاف فوهة القدح المستوية، فليس فيها شيء حاد، فالحاصل: أن النهي عن الشرب من الثلمة هو لما يترتب عليه من شر، فالذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يحصل فيه عدة أمور محذورة.

    قوله: (وأن ينفخ في الشراب) يعني: أنه لا ينفخ في الشراب لا سيما إذا كان الشراب مشتركاً، فكون الإنسان ينفخ فيه يقذره على غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عبد الله بن وهب ].

    عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني قرة بن عبد الرحمن ].

    قرة بن عبد الرحمن صدوق له مناكير، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري ].

    هؤلاء قد مر ذكرهم.

    حكم الشرب من فنجان القهوة والشاي

    فنجان القهوة والشاي إذا كان فيه كسر خفيف في حوافه يدخل في هذا النهي، والإنسان لا يشرب من الثلمة، بل يشرب من الجهة الثانية ولا يتخير هذا المكان المنثلم.

    حكم النفخ في الشراب

    النفخ في الشراب جاء النهي عنه في هذا الحديث؛ ولعل الحكمة في ذلك: أن فيه تقذيراً له إذا كان مع النافخ أحد يشاركه؛ وإذا كان الشراب يخص الإنسان مثل كأس الشاي واحتاج إلى النفخ فيه ليبرده فلعله لا بأس بذلك إن شاء الله؛ لأنه ليس فيه تقذير، ثم أيضاً النافخ هو الذي سيشرب هذا الشيء؛ لأنه خاص به.

    وأما النفخ في الطعام فإذا كان من الطعام المشترك فليس لأحد أن ينفخ فيه، واللقمة قد يتسامح فيها، لكن كما هو معلوم أن الفم يتحمل من الحرارة ما لا تتحمله اليد، ولهذا إذا كان عند الإنسان فنجان فيه قهوة لا يستطيع أن يغمس إصبعه فيه، لكنه قد يصبه في فمه ولا يحس به كما تحس الأصبع.

    1.   

    الشرب في آنية الذهب والفضة

    شرح حديث: (نهى عن الحرير والديباج...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الشرب في آنية الذهب والفضة.

    حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال: (كان حذيفة رضي الله عنه بالمدائن فاستسقى، فأتاه دهقان بإناء من فضة فرماه به، وقال: إني لم أرمه به إلا أني قد نهيته فلم ينته؛ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير والديباج، وعن الشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب الشرب في آنية الذهب والفضة، أي: أن ذلك لا يجوز، وأنه حرام، وذلك في حق الرجال والنساء، فالنساء يجوز لهن التجمل بالذهب، والرجال لا يجوز لهم التجمل به، والكل لا يجوز لهم الشرب بآنية الذهب والفضة.

    وقد أورد أبو داود حديث حذيفة رضي الله عنه أنه لما كان على المدائن استسقى، يعني: طلب من يسقيه ماءً ليشرب، فجاء دهقان بإناء من فضة، فرماه به حذيفة.

    ثم اعتذر حذيفة عن كونه رماه فقال: إني لم أرمه به إلا أني قد نهيته فلم ينته، وهذا يفيد بأن من حصل منه تكرار المخالفة يغلظ عليه بالقول ويعامل بما لا يعامل الذي حصل منه الخطأ في الابتداء، فهو رماه به منكراً صنيعه، وقد سبق له أن منعه من ذلك فلم يمتنع، فاعتذر حذيفة رضي الله عنه بذلك ثم قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والديباج) ]، والديباج هو نوع من الحرير، فالحرير عام والديباج خاص؛ لأنه نوع من أنواع الحرير.

    وقوله: [ (وعن الشرب في آنية الذهب والفضة) ].

    هذا محل الشاهد، وعلل ذلك فقال: (هي لهم في الدنيا) أي: للكفار (ولنا في الآخرة) وليس معنى ذلك أنها مباحة ومحللة لهم في الشريعة، بل هي محرمة في الشريعة على كل أحد، فلا يقال: إن هذا فيه دليل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة وإن لهم أن يشربوا فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (هي لهم) لم يقل: إنها حلال لهم، وإنما هذا إخبار بالواقع وأنهم يستعملونها في الدنيا؛ لأنهم لا يحرمون ما حرم الله.

    وهي لنا في الآخرة؛ لأننا نتركها في الدنيا من أجل امتثال ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذا تكون لنا آنية في الدار الآخرة.

    إذاً: قوله: (هي لهم في الدنيا) ليس معناه أنها حلال لهم، وإنما هذا بيان للواقع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى عن الحرير والديباج...)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر النمري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن حجاج الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحكم ].

    الحكم بن عتيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي ليلى ].

    عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: كان حذيفة ].

    حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    باب في الكرع

    شرح حديث (إن كان عندك ماء في شن وإلا كرعنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الكرع.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد حدثني فليح عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم ورجل من أصحابه على رجل من الأنصار وهو يحول الماء في حائطه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شن وإلا كرعنا؟ قال: بل عندي ماء بات في شن) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الكرع، والكرع هو الشرب من الحوض أو من الماء الكثير أو من الماء الجاري أو من الساقية التي تمشي أو من بركة كبيرة بدون إناء، وذلك بأن يضع فمه في الماء ويشرب.

    وأورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ومعه رجل من أصحابه على رجل من الأنصار وكان يحول ماءه، يعني: أنه كان يعدله من جهة إلى جهة حتى يعم الشرب من نخلة إلى نخلة ومن حوض إلى حوض، فإذا امتلأ ذلك الحوض أغلقه ثم جعل ماء الساقية يذهب إلى حوض آخر أو إلى نخلة أخرى وقال: (إن كان عندك ماء في شن وإلا كرعنا) يعني: شربنا من الماء الجاري؛ فقال: بل عندي.

    وقوله: (إن كان عندك شن) يعني: فائتنا به، أو فإننا نريده، والشن هو القربة، وفي الغالب أنها تكون قديمة، والمقصود من ذلك أن الماء يكون بارداً إذا كان في شن، وإن لم يكن فإنهم يشربون ويكرعون من هذا الماء الجاري؛ هذا هو معنى الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن كان عندك ماء في شن وإلا كرعنا)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا يونس بن محمد ].

    يونس بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني فليح ].

    فليح صدوق كثير الأوهام والخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن الحارث ].

    سعيد بن الحارث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر بن عبد الله ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في الساقي متى يشرب

    شرح حديث (ساقي القوم آخرهم شرباً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الساقي متى يشرب؟

    حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن أبي المختار عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ساقي القوم آخرهم شرباً) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في الساقي متى يشرب؟ أي: أن الذي يسقي الناس هل يشرب أولهم أو وسطهم أو آخرهم؟

    والسنة جاءت بأنه يكون الآخر، ولا يشرب في الأول؛ لأن الشرب في الأول يكون فيه استئثار، وفيه أيضاً شيء من عدم الأدب والخلق الكريم، فالساقي يكون هو الآخر ولا يكون هو الأول، ولهذا جاء الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ساقي القوم آخرهم شرباً).

    وجاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة أنه قال: (إن ساقي القوم آخرهم شرباً).

    فالحاصل: أن الساقي لا يشرب في الأول ولا في الوسط، وإنما يشرب في النهاية، وهذا فيه الأدب، وفيه عدم الاستئثار وعدم الشره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ساقي القوم آخرهم شرباً)

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي المختار ].

    أبو المختار هو سفيان بن المختار، كنيته توافق اسم أبيه، وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن عبد الله بن أبي أوفى ].

    عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (الأيمن فالأيمن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا لا علاقة له بهذا الباب الذي هو باب في الساقي متى يشرب؟ لأنه ليس فيه شيء يتعلق بالآخر.

    وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء فشرب منه وأعطى الذي بجواره من اليمين وهو أعرابي، وكان عن يساره أبو بكر وقال: (الأيمن فالأيمن). أي: أن الذي يشرب من الماء أو اللبن يدفعه إلى من كان عن يمينه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شرب أعطاه الذي عن يمينه وقال: (الأيمن فالأيمن).

    وهذا يدل على أن الأيمن أولى ولو كان أقل رتبة من الذي يكون عن الشمال؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وكان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان عن يمينه أعرابي، فأعطاه للأعرابي وقال: (الأيمن فالأيمن). فدل هذا على أن الأحق بدفع الماء أو غيره مما يشرب بعد الشارب من كان عن يمينه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الأيمن فالأيمن)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    وهذا الحديث فيه رواية الزهري -وهو من صغار التابعين- عن أنس بن مالك وهو من صغار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    جواز إعطاء من على اليسار إذا أذن من على اليمين بذلك

    قوله: (الأيمن فالأيمن) قاعدة عامة، وإذا كان في المجلس أناس فيهم شخص له منزلة ومكانة وغيره تابع له، فإنه يبدأ به ثم يعطى بعد ذلك من كان على يمين ذلك الشخص، مثلما كانوا يأتون بالشيء ويعطونه للنبي صلى الله عليه وسلم ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه لمن كان على يمينه.

    وعلى كل إذا قدم بعضهم بعضاً في الشرب أو الكلام أو في الأكل وقال الذي على اليمين: أعطه لفلان؛ يعطى له ولا إشكال.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن وكان يعطي الأيمن فالأيمن؛ لأن الأيمن هو صاحب الحق، لكن إذا أذن الشخص الذي له الحق أو أعطى هذا الحق لغيره فإن له ذلك.

    شرح حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس ثلاثاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن أبي عصام عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس ثلاثاً وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ) ].

    أورد أبو داود حديث أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس ثلاثاً وقال: إنه أهنأ وأمرأ وأبرأ). والمقصود: أنه يتنفس ثلاثاً خارج الإناء، ولا يتنفس في الإناء، ولكنه يشربه في ثلاثة أنفاس ولا يشربه في نفس واحد أو نفسين، وإنما يجعله في ثلاثة أنفاس بحيث يشرب ثم ينحي الإناء عن فمه ثم يعيده فيشرب الثانية ثم يعيده فيشرب الثالثة، هذا هو المقصود بكونه إذا شرب تنفس ثلاثاً، أي: أن شربه يكون في ثلاثة أنفاس وليس في نفس واحد، وتلك الأنفاس إنما تكون خارج الإناء، فينحيه عن فمه ثم يعود إليه وهكذا.

    فكان صلى الله عليه وسلم إذا شرب تنفس ثلاثاً وقال: (إنه أهنأ وأمرأ وأبرأ) يعني: أن هذه الصفات الموجودة فيه يكون فيها هناءة وفيها نفع وفيها مراءة بحيث يكون الشرب سهلاً في استعماله وفي فائدته وأبرأ من حصول ضرر أو حصول شيء غير محمود، وذلك إذا حصل بهذه الطريقة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس ثلاثاً...)

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام ].

    هشام هو هشام الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عصام ].

    أبو عصام مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه قد مر ذكره.

    وهذا الإسناد والذي قبله رباعيان، وهكذا الذي قبلهما، وعلى هذا فإن أحاديث هذا الباب الثلاثة كلها رباعية، وهي من أعلى الأسانيد عند أبي داود .