إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [420]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أحل الله عز وجل الطيبات وحرم الخبائث، فعلى المسلم أن يأكل ما حل وطاب، كما أن عليه أن يجتنب ما خبث وحرم، ومن الطيبات التي أحلها الله عز وجل العسل. ومما يجب على المرء المسلم أن يعلمه أنه لا يجوز له أن يحرم ما أحل الله أو يحلل ما حرم الله؛ فإن ذلك من خصائص الله عز وجل.

    1.   

    باب في شراب العسل

    شرح حديث (أن النبي كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في شراب العسل.

    حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج : عن عطاء أنه سمع عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تخبر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش رضي الله عنها فيشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة رضي الله عنهما أيتنا ما دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهن فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له؛ فنزلت: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1] إلى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:4] لـعائشة وحفصة رضي الله عنهما: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم:3] لقوله: صلى الله عليه وسلم: بل شربت عسلاً) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في شراب العسل، وشرب العسل هو من أنفع الأشياء وأحلاها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلوى والعسل.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش رضي الله عنها وكانت تسقيه عسلاً، فتواصت عائشة مع حفصة رضي الله تعالى عنهما أنه إذا جاء عند واحدة منهما تقول كل واحدة له: إني أجد منك ريح مغافير، فلما جاء عند عائشة قالت له ذلك فقال: بل شربت عسلاً ولن أعود إلى ذلك) أي: إلى شرب العسل الذي كان عند زينب رضي الله تعالى عنها، والمغافير هي: ثمر لنبت يكون فيه حلاوة ولكن فيه رائحة كريهة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الرائحة الطيبة ويكره الروائح الغير حسنة، فلما قالت له ذلك خشي أن يكون هذا الشيء الذي يشربه فيه ريح غير طيبة، وكان يحب الرائحة الطيبة ويكره الروائح الغير طيبة، ولذا قال: (بل شربت عسلاً ولن أعود إلى ذلك) والمغافير هو نوع من الثمر ترعاه النحل ثم يخرج منه العسل، فيكون في ذلك العسل رائحة ذلك الذي رعته، ومن المعلوم أن العسل يختلف باختلاف المراعي، يعني: أن جودته ورداءته وحسن رائحته وعدمها تكون باختلاف المراعي التي ترعاها النحل، فالنبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا العسل الذي شربه من عند زينب من هذا القبيل الذي فيه حلاوة وترعاه وتجرسه النحل ويظهر منه تلك الرائحة التي تكون في تلك الثمرة.

    فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشرب العسل وكان يحب الحلوى والعسل كما سيأتي، وكانت إحدى أم المؤمنين تسقيه شيئاً من العسل، وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة غرن مما قد حصل من زينب فتواصين عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لن يعود فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1]، وهذا هو سبب نزول هذه الآية، وقيل: إن سبب نزولها أيضاً كونه حرم مارية على نفسه وهي سريته وقال: إنه لن يطأها، وبعد ذلك أمره الله عز وجل أن يأتي بكفارة اليمين لما كان قد حلف عليه أو امتنع منه، فيحنث فيما عزم عليه ويحل له ذلك الشيء الذي عزم على الامتناع منه، وقد جاء فيما ذكره أبو داود في هذا الحديث عن عائشة بيان سبب نزول هذه الآية، وجاء أيضاً سبب النزول فيما يتعلق بـمارية القبطية أم ولده إبراهيم .

    قوله: [ (فدخل على إحداهن فقالت له ذلك فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له) ].

    هذا هو وجه التحريم أو الامتناع الذي حصل منه بقوله: (لن أعود له) يعني: شرب العسل، والسبب في ذلك: أنه خشي أن يكون فيه رائحة كريهة من ذلك الثمر الذي رعته النحل.

    وهذا الحديث ورد بصيغة التحريم وورد أنه أقسم أنه لن يعود.

    قوله: (فنزلت لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي [التحريم:1] إلى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:4]) ].

    هذا فيه عتاب لـعائشة وحفصة : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]، فضمير المثنى المراد به عائشة وحفصة فهما اللتان تواصتا على أن تقولا هذا الكلام.

    وفي الحديث الثاني ذكر سودة، فيحتمل أن يكون فيه خطأ أو أن تكون قصة ثانية، فإما هذا وإما هذا.

    وقوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم:3] هو قوله صلى الله عليه وسلم: (بل شربت عسلاً)، هذا هو الحديث الذي أسره.

    والإسرار هنا المراد به: أنه حصل كلام بينه وبينها، يعني: خاص بينه وبينها ولكنه بعد ذلك فشا.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان يمكث عند زينب جحش فيشرب عندها عسلاً)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حجاج بن محمد ].

    حجاج بن محمد الأعور المصيصي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: قال ابن جريج ].

    عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عطاء ].

    عطاء بن أبي رباح المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع عبيد بن عمير ].

    عبيد بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم (ولن أعود له)

    قوله صلى الله عليه وسلم: (ولن أعود له) الذي يبدو أنه للعسل الذي عند زينب وليس للعسل مطلقاً.

    والتحريم هنا في قوله: لن أفعل كذا معناه: أنه يمنع نفسه منه ويحرم نفسه منه.

    الراجح من الروايات في تسمية اللاتي تظاهرن على النبي صلى الله عليه وسلم

    نقل صاحب عون المعبود عن القاضي عياض تصحيح الرواية الأولى التي فيها حفصة وعائشة وأنه قال: واعلم أن في هذا الحديث -أي: حديث عائشة من طريق عبيد بن عمير - أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش وفي الحديث الآتي -أي: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - أن شرب العسل كان عند حفصة وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتي تظاهرن عليه، ثم قال القاضي عياض : والصحيح الأول.

    أي: أنه بين حفصة وبين عائشة ؛ لأنها قصة واحدة.

    قال النسائي : إسناد حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج صحيح جيد غاية.

    وقال الأصيلي : حديث حجاج أصح، وهو أولى بظاهر كتاب الله تعالى وأكمل فائدة، يريد قوله تعالى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ [التحريم:4] وهما ثنتان لا ثلاث، وهما: عائشة رضي الله عنها وحفصة رضي الله عنها كما ذكره عمر رضي الله عنه في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد انقلبت الأسماء على الراوي في الرواية الأخرى الذي فيه أن الشرب كان عند حفصة .

    قال القاضي : والصواب أن شرب العسل كان عند زينب ، وذكره القرطبي والنووي ، وقاله الشيخ علاء الدين في لباب التأويل.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، فذكر بعض هذا الخبر.. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن توجد منه الريح، وفي هذا الحديث قالت سودة رضي الله عنها: بل أكلت مغافير، قال: بل شربت عسلاً سقتني حفصة ، فقلت: جرست نحله العرفط، نبت من نبت النحل).

    قال أبو داود : المغافير: مقلة وهي صمغة، وجرست: رعت، والعرفط: نبت من نبت النحل ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى وفيه أن الذي سقته اللبن هي حفصة ، وأنها ليست ممن عني بقوله: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؛ لأنها هي الساقية، ولكن على الرواية الأولى الساقية هي زينب بنت جحش ، فإذا كانت القصة واحدة فالراجح والمحفوظ هو الطريق الأولى التي هي عن عبيد بن عمير عن عائشة وإن كانت القصة متعددة فمحتمل.

    وقوله: (جرست نحله العرفط) ].

    يعني: أكلت؛ لأن الجرس هو: أكل النحل العرفط الذي هو ثمر نبت من نبت النحل، يعني: من الأشياء أو النباتات التي تأكلها النحل, ومعلوم أن العسل الذي يحصل من النحل جودته وحسنه تابع لمرعاه ولرعيه، وهو يختلف باختلاف المراعي، وإذا كان المرعى الذي رعاه فيه رائحة فإن تلك الرائحة تظهر في العسل؛ لأنه مأخوذ منه والعسل نتيجة الرعي.

    [ قال أبو داود : المغافير: مقلة وهي صمغة ].

    يعني: أن المغافير ثمر نبت يقال له: مقلة وهي صمغة، يعني: مثل الصمغ؛ لأنه حلو ولكن له رائحة.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل...)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا أبو أسامة ].

    أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام عن أبيه عن عائشة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبوه عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعائشة قد مر ذكرها.

    التعليق على كلام النسفي في نسبته الزلل إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    جاء في العون عن النسفي أنه قال: وكان هذا زلة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. وهذا كلام غير جيد، والرسول امتنع من هذا الشيء من أجل أنه ذكر له أن فيه رائحة كريهة وهو كان يحب الرائحة الطيبة ويكره الرائحة الكريهة، فعزم على ألا يعود إلى ذلك الشيء الذي شم منه رائحة غير طيبة، وهو عليه الصلاة والسلام كان يحب الطيب ويحب الرائحة الطيبة ويكره الروائح الغير الحسنة.

    قال صاحب العون رحمه الله تعالى: وكذلك الحديث الذي يتعلق بـمارية جاء من طرق صحيحة لكنها ليست في الصحيحين ولكنها ثابتة. أي: أن ما يتعلق بالنسبة لـمارية عند النسائي وعند ابن جرير من طريق صحيحة، وفيها أنه حلف أنه لا يقربها وأنه لا يعود إليها.

    1.   

    باب في النبيذ إذا غلى

    شرح حديث أبي هريرة (علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النبيذ إذا غلى.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثنا زيد بن واقد عن خالد بن عبد الله بن حسين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش، فقال: اضرب بهذا الحائط؛ فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في النبيذ إذا غلى؛ لأنه إذا غلى وقذف بالزبد فمعناه أنه وصل إلى حد الإسكار أو قارب الإسكار، وعلامته أنه يغلي ويقذف بالزبد، وهذا علامة على أنه وصل إلى الحالة السيئة.

    و أبو هريرة رضي الله عنه يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائماً فتحين أن يأتي له بنبيذ يفطر عليه صلى الله عليه وسلم، ولما أتى به إذا هو ينش، يعني: كأنه يغلي وحصل له علامة التخمر أو ظهر منه التخمر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: (اضرب بهذا الحائط) يعني: أنه يسكبه في حائط ويتخلص منه، وقال: (إن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر)؛ لأن الخمر محرم لا يجوز شربه، فدل هذا الحديث أن غليانه وقذفه بالزبد علامة الإسكار.

    قوله: [ (علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء) ].

    الدباء هو المذكور في حديث وفد عبد القيس الذي فيه النهي عن الدباء والحنتم والمقير والمزفت والنقير، وقد ذكرنا فيما مضى أنه جاء تحريم كما الانتباذ في هذه الأوعية في أول الأمر ثم بعد ذلك نسخ التحريم كما في حديث بريدة بن الحصيب عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً)، فهذا الدباء من الأشياء الغليظة التي قد يحصل تغير ما داخلها ولا يظهر على الغلاف من خارجه، بخلاف السقاء فإنه إذا وجد تغير في الداخل ظهر على الخارج، وتبين تغيره على سطحه من الخارج.

    قوله: [ (ثم أتيته به فإذا هو ينش) ].

    يعني: أنه عندما وصل إليه تبين أنه ينش، يعني أن فيه علامة الإسكار فقال: (اضرب به هذا الحائط؛ فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) يعني: الخمر، وذكر الإيمان بالله واليوم الآخر يأتي كثيراً في القرآن والحديث؛ وذلك أن الإيمان بالله عز وجل هو أصل الأصول؛ لأن أصول الإيمان ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويأتي في كثير من الأحاديث الجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله هو أصل الأصول وكل إيمان بغيره فهو تابع للإيمان به، ومن لا يؤمن به لا يؤمن بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل، فهو مثل شهادة (أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) بالنسبة لأركان الإسلام، فالإيمان بالله هو أصل لأصول الإيمان الأخرى الباقية التي هي: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كما أن الشهادتين أصل لأركان الإسلام الخمسة، فكل عمل لم يكن مبنياً على الشهادتين فإنه لا عبرة به، وكل إيمان لا يكون مبنياً على الإيمان بالله فإنه لا عبرة به، فيأتي الإيمان بالله لأن الإيمان بالله هو الأصل، والإيمان باليوم الآخر يؤتى به لأن فيه التنبيه على يوم الحساب، وأن على الإنسان أن يستعد ويتهيأ لذلك اليوم، فإذا كان المقام مقام ترغيب فهو حث على ذلك العمل، وإن كان المقام مقام ترهيب فهو تحذير من ذلك العمل، وهنا المقام مقام ترهيب؛ لأنه قال: (شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر)، وهذا تحذير وترهيب من هذا النبيذ الذي وصل إلى حد الغليان.

    ومثل هذا فيما يتعلق بالتحذير والترهيب قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)؛ لأن هذا من باب الترهيب من السفر بدون محرم، وفي باب الإثبات قال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) وهذا ترغيب، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وهذا ترغيب، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وها ترهيب، وهكذا.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم...)

    قوله: [ حدثنا هشام بن عمار ].

    هشام بن عمار صدوق، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا صدقة بن خالد ].

    صدقة بن خالد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا زيد بن واقد ].

    زيد بن واقد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن خالد بن عبد الله بن حسين ].

    خالد بن عبد الله بن حسين مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم (هذا شراب من لا يؤمن بالله...)

    قوله: (هذا شراب من لا يؤمن بالله) لا يدل على الكفر، وإنما نفى الإيمان الكامل أو الإيمان الواجب، وليس النفي لأصل الإيمان، وإن أريد به أنه حكاية عن الكفار الذين هذا شرابهم وأنهم يشربون وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ذلك فهذا واضح، ولكن المسلم إذا شربه لا يقال: إنه كافر، وإنما يقال: إنه عاصٍ مرتكب كبيرة من أعظم الكبائر، فإن أريد به أن هذا شراب الكفار فهو على بابه، فهم كفار غير مؤمنين، وإن أريد به التحذير منه وأن من يفعله ليس عنده الإيمان فالمراد نفي الإيمان الواجب الذي يحصل معه الامتناع والارتداع والابتعاد عن ذلك الشيء الذي هو محرم.

    والحاصل: أنه إذا أريد به المؤمن أو المؤمنون أو المسلمون فإنه لا يكون كفراً، إلا مع الاستحلال، فالاستحلال يكون كفراً مخرجاً من الملة.

    وهذا الحديث فيه مقبول، ولكن من ناحية تحريم النبيذ الذي وصل إلى حد الإسكار ففيه أحاديث كثيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام).

    وقول أبي هريرة : (تحينت فطره بنبيذ صنعته) أبو هريرة رضي الله عنه لم يرد أنه يأتي بشيء مسكر، ولكنه لما وصل به إذا فيه هذا الوصف، فهو لم يأت به على أساس أنه أتى بشيء مسكر، ولكنه أتى به على أساس أنه سليم ثم تبين أنه غير سليم لوجود هذه العلامة.