إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [375]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحلف لا يكون إلا باسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته، والأمانة ليست اسماً من أسماء الله عز وجل ولا صفة من صفاته، لذا لا يجوز الحلف بها، وقد جاء الوعيد الشديد فيمن حلف بالأمانة أو بملة غير الإسلام، ويكون الوعيد أشد إذا كانت اليمين على كذب، ولا حنث على من قرن اليمين بمشيئة الله تعالى.

    1.   

    ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام

    شرح حديث ( من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام.

    حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أخبره أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه) ].

    قوله: [ باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام ] كأن يقول: هو يهودي أو هو نصراني إن حصل كذا أو كذا أو إن فعل كذا وكذا، هذا معنى قوله: بملة غير الإسلام وقوله: (بالبراءة) أي: أنه بريء من الإسلام.

    وقد أورد أبو داود حديث ثابت بن الضحاك وهو ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذباً فهو كما قال) وهذا فيه زجر وفيه وعيد شديد، وليس معنى ذلك أنه يكون كافراً، ولكنه تلفظ بكلام خبيث وقبيح، فهو آثم وإثمه شديد، وسواء كان كاذباً أو صادقاً كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا؛ لأن التلفظ بهذا الكلام لا يجوز لا بكونه صادقاً ولا كاذباً، فكون الإنسان يكذب ويتلفظ بمثل هذا فهو سوء إلى سوء وشر إلى شر، فإذا تلفظ بهذا التلفظ الخبيث ومع ذلك كذب فيكون قد جمع بين خصلتين ذميمتين: كذب ولفظ سيء، وإذا كان صادقاً فإن الصدق محمود ولكن اللفظ مذموم.

    فقوله: (من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذباً فهو كما قال) معناه: كأن يقول: هو يهودي أو هو نصراني إن فعل كذا وكذا أو إن حصل كذا وكذا.

    وقوله: (كاذباً) معناه: أنه أتى بهذا الكلام ليؤكده وهو كذب ليس بصحيح، ولكن حتى لو كان صحيحاً فإن الأمر خطير كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا.

    وقوله: (ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) هذا فيه أن الجزاء من جنس العمل، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة جاء وحديدته بيده يجأ بها نفسه -أي: يقتل بها نفسه- ومن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم)، أي: أنه يعذب بالشيء الذي قتل نفسه به في الآخرة، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على نفسه وألا يعرضها للتهلكة، كما قال الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، فنفس الإنسان ليست ملكاً له يتصرف فيها كيف يشاء، وإنما يتصرف في حدود ما هو مأذون له وما هو مشروع له، وقد حرم عليه أن يقتل نفسه، فإذا أقدم على قتل نفسه فإنه يكون بذلك مرتكباً أمراً خطيراً وهو مستحق للعقوبة، ويعذب بالشيء الذي قتل نفسه به، فإن قتل نفسه بحديدة فإنه يوم القيامة يجأ نفسه بتلك الحديدة، وإن قتلها بسم فإنه يتحسى ذلك السم، وإن قتل نفسه برميه نفسه من جبل فإنه يعاقب بمثل ذلك يوم القيامة.

    وقوله: (وليس على رجل نذر فيما لا يملكه) أي: أن الإنسان ينذر بالشيء الذي يملكه، أما شيء لا يملكه كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعبد فلان حر، فليس له ذلك؛ لأنه لا يملكه، فالإنسان لا ينذر إلا في الشيء الذي يملكه، ولا يكون النذر إلا في طاعة، أما شيء لا يملكه الإنسان فليس له أن ينذر به.

    والنذر أيضاً غير مستحب، فالإنسان لا ينبغي له أن ينذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) وذلك أن الناذر يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي أصوم مثلاً شهراً، أو أتصدق بكذا، أو أعتق كذا، فإذا شفى الله المريض فإنه قد يتألم ويتأثر، وهذه الصدقة التي ألزم نفسه بها قد يؤديها وهو كاره ويبحث عن مخرج ليتخلص؛ لأنه لا يريد أن يخرج هذه الصدقة باطمئنان وارتياح، وإنما خرجت منه بكره، فهو قال: إن حصل كذا فعلي كذا، ولما حصل الأمر الذي ذكره كره أن يفعل الأمر الذي نذره؛ لأنه يتعلق بماله أو يتعلق بصحته وصيامه، فتجده يبحث عن المخارج، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (وإنما يستخرج به من البخيل) فهو يلزم نفسه وقد كان في عافية قبل أن يلزم نفسه، فالنذر غير مرغب فيه، ولكنه إذا نذر فيلزمه الوفاء، والإنسان يمدح على وفائه، كما قال الله عز وجل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] أي: أنهم بعد أن ينذروا يوفون، ولكن لا ينبغي النذر، فالإنسان إذا أراد أن يتصدق، فيتصدق بدون أن يعلق صدقته بشيء وبدون أن يعلقها على شيء، وإنما يخرجها لله من أول وهلة، أما كونه يلزم نفسه إن حصل شيء ثم إذا حصل ذلك الشيء كرهت نفسه أن يخرج الشيء الذي نذره، ويبحث عن المخارج والتخلص، فهذا لا ينبغي.

    تراجم رجال إسناد حديث ( من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال ... )

    قوله: [ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ].

    أبو توبة الربيع بن نافع ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا معاوية بن سلام ].

    معاوية بن سلام ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن أبي كثير ].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني أبو قلابة ].

    هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن ثابت بن الضحاك أخبره ].

    ثابت بن الضحاك رضي الله عنه صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث ( من حلف فقال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين -يعني ابن واقد- حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) ]

    هذا يدل على خطورة مثل هذا الكلام؛ سواء كان صادقاً أو كاذباً، وأنه سواء إن كذب أو صدق، ولكنه إن كذب ينضاف إلى إثم القول الشنيع والقول السيئ إثم الكذب، وإذا كان صادقاً فإتيانه بهذا اللفظ السيئ مضرة عليه؛ لأن اللفظ نفسه شنيع وقبيح ولا يجوز للإنسان أن يأتي به.

    فمن حلف بذلك فهو آثم على كل حال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (فإن كان كاذباً فهو كما قال) وذلك مثل أن يقول: هو يهودي أو نصراني.

    (وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) أي: لن يبقى على ما كان عليه قبل أن يقول هذه المقالة؛ لأن هذه الكلمة خبيثة يعاقب على قولها ولو كان صادقاً.

    تراجم رجال إسناد حديث ( من حلف فقال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال ... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، وهو الإمام ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زيد بن الحباب ].

    زيد بن الحباب صدوق أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا حسين يعني ابن واقد ].

    حسين بن واقد ثقة له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه ].

    عبد الله بن بريدة وأبوه قد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    خطورة الحلف بملة غير الإسلام

    السؤال: ألا يكون قوله: (فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) أمارة على خروجه من الإسلام وكفره بحلفه بملة غير ملة الإسلام، وأن حلفه بالبراءة من الإسلام يقضي بكفره الأكبر وإن لم يرد حقيقة البراءة؟

    الجواب: الذي يبدو أن هذا إنما هو زجر، وهو مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه) فالذي قالها لا يكون كافراً بمجرد أنه قالها لإنسان غير كافر، وإنما المعنى: أنه يعود عليه مغبة ذلك وإثمه.

    وإذا حلف بذلك كاذباً فإنه يكون أشد مما لو كان صادقاً، ومعلوم أن كونه يقول هذا الكلام ويكذب أسوأ وأعظم من كونه يقول ذلك ويصدق؛ لأنه جمع بين خصلتين ذميمتين: الأولى: أنه تكلم بكلام قبيح، والثانية: أنه كذب، وأما هذا فتكلم بكلام صحيح وصدق.

    والذي يصرف الحديث عن ظاهره يقول: إن هذا من جنس أحاديث الوعيد التي فيها التهديد والتخويف، مثل الحديث الذي ذكرنا: (من قال لأخيه: يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه) .

    حكم العمليات الاستشهادية

    السؤال: في قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) تأتي أسئلة منها: ما هو الموقف الصحيح تجاه ما نسمعه مما يسمى بالعمليات الاستشهادية أو الانتحارية في مقابلة الكفار: هل يثنى على هذه الأعمال أم أننا نحذر منها؟ فإن بعض الناس يقول: إن الذي يفجر نفسه مع مجموعة من الكفار يكون شهيداً، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: الله تعالى يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29] ومعلوم أن من فعل ذلك فإنه قاتل لنفسه، فقتال الكفار مأذون فيه، ولكن كون الإنسان يقتل نفسه غير مأذون فيه، فقتلهم يكون بغير قتل النفس، وأما أن يقتلهم بقتل نفسه فإن ذلك غير سائغ، وهذا لا يقال له: استشهاد، وإنما يقال له: انتحار وقتل نفس.

    حكم من قتل نفسه بشرب الدخان

    السؤال: الذي يشرب الدخان ويكون سبباً في موته هل يعتبر قاتلاً لنفسه ويعذب به يوم القيامة في النار أم لا؟

    الجواب: هذا محتمل؛ لأنه إذا كان قتل نفسه بالدخان أو بأي شيء فإنه يعذب به؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) عام.

    1.   

    حكم الرجل يحلف ألا يتأدم

    شرح حديث ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة فقال هذه إدام هذه )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يحلف ألا يتأدم.

    حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن العلاء عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع تمرة على كسرة فقال: هذه إدام هذه) ].

    قوله: [ باب الرجل يحلف ألا يتأدم ]، أي: أنه إذا حلف ألا يستعمل إداماً ثم استعمل إداماً، فيكون قد حلف فتلزمه الكفارة، لكن ما هو الإدام؟ لم يورد أبو داود حديثاً فيه حلف على ألا يأتدم، وإنما فيه تسمية التمر بأنه إدام، ومعنى ذلك: أنه إذا أضاف التمر إلى الخبز الذي هو الطعام فإنه يعتبر إداماً له، والمشهور: أن الإدام هو مثل الزيت والسمن، واللحم، ونحو ذلك، ولكن ذكر هنا أن التمر يؤتدم به سواء كان مخلوطاً مع الطعام أو متميزاً عنه ما دام أنه يؤتدم به، فالحديث ليس فيه ذكر حلف وإنما فيه ذكر تسمية التمر أنه إدام.

    والحديث غير صحيح؛ لأن في إسناده من اتهم بالوضع فهو غير ثابت، ولكن إذا حلف الإنسان ألا يأتدم وكان حلفه على قضية معينة فله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، فإذا حلف على ألا يأكل إداماً فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، والحديث هنا ليس فيه شيء فيه حلف، ولكن فيه تسمية التمر إداماً، وهو غير صحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة فقال هذه إدام هذه )

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    هو محمد بن عيسى الطباع ، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا يحيى بن العلاء ].

    يحيى بن العلاء متهم بالوضع، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة .

    [ عن محمد بن يحيى بن حبان ].

    محمد بن يحيى بن حبان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يوسف بن عبد الله بن سلام ].

    يوسف بن عبد الله بن سلام صحابي صغير أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    طريق أخرى لحديث (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة فقال هذه إدام هذه) وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي عن محمد بن أبي يحيى عن يزيد الأعور عن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما مثله ].

    يعني: أنه وضع تمرة على كسرة فقال: (هذه إدام هذه).

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عمر بن حفص ].

    هو عمر بن حفص بن غياث وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن أبي يحيى ].

    محمد بن أبي يحيى صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ عن يزيد الأعور ].

    يزيد الأعور مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل .

    [ عن يوسف بن عبد الله بن سلام ].

    يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قد مر ذكره.

    1.   

    الاستثناء في اليمين

    شرح حديث ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الاستثناء في اليمين.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى) ].

    قوله: [ باب الاستثناء في اليمين ]، الاستثناء في اليمين هو أن يقول: والله! إن شاء الله، أي: أنه يضيف ذلك إلى مشيئة الله؛ لأنه إذا قال: إن شاء الله فإن الأمر واسع، ولا يعتبر حانثاً؛ لأن الذي يقع هو الذي شاءه الله إما هذا وإما هذا، فإذا قال الإنسان في حلفه: والله إن شاء الله لأفعلن كذا وكذا ولم يفعل، فليس عليه كفارة ولا يعتبر حانثاً؛ لأنه أضاف ذلك إلى مشيئة الله.

    وقوله: (من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى) أي: أنه يقول: إن شاء الله بعد اليمين بشرط أن يكون متصلاً، لا أن يكون بين الحلف والاستثناء مدة، وإنما إذا كان متصلاً بأن قال: والله! ثم قال بعدها: إن شاء الله، فهذا هو الاستثناء الصحيح، ولا يضر إذا كان الفصل للتنفس أو السعال أو العطاس أو شيء منعه من الاستثناء فإنه يعتبر متصلاً، أما كونه يحلف ثم بعد مدة يقول: إن شاء الله، فهذا لا ينفع؛ لأن الاستثناء لا بد أن يكون متصلاً، ولا مانع أن يلقن الاستثناء بأن يقول: والله! فيقال له: قل: إن شاء الله، فقال إن شاء الله، فإذا لقن فلا بأس، كما جاء في قصة سليمان بن داود حين قال: (والله! لأطوفن الليلة على تسعين امرأة. فقيل له: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله ...) الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و أحمد لا يروي عن الثوري ؛ لأن الثوري متقدم الوفاة؛ فقد توفي سنة (161هـ) والإمام أحمد توفي سنة (241هـ).

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ( من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى ومسدد وهذا حديثه قالا: حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف فاستثنى) أي: قال: إن شاء الله (فإن شاء رجع)أي: رجع عن اليمين، (وإن شاء ترك غير حنث).

    أي: لا يعتبر ذلك حنثاً ولا يعتبر حالفاً، سواء فعل أو لم يفعل.

    تراجم رجال إسناد حديث ( من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث )

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ومسدد ].

    محمد بن عيسى ومسدد مر ذكرهما.

    [ وهذا حديثه ].

    أي: حديث مسدد الذي هو الشيخ الثاني.

    [ قالا: حدثنا عبد الوارث ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ].

    أيوب ونافع وابن عمر قد مر ذكرهم.

    1.   

    الأسئلة

    صيغة الحلف بالأمانة

    السؤال: ما هي صيغة الحلف بالأمانة؟ وهل قول الرجل: بأمانة -يعني: بصدق- فيها شيء؟

    الجواب: صيغتها: أن يقول: بالأمانة مثل قوله: بالله أو والله، هذه هي صيغة الحلف بالأمانة.

    وأما إذا قال الرجل لآخر: بأمانة، ومقصوده: أني أأمنك، أو أنك تصدقني فيما تقول وأن هذا شيء أنت مؤتمن عليه، ولم يرد صيغة الحلف؛ فهذا لا شيء فيه، لكن كونه يحلف ويقول: بالأمانة أو والأمانة فهو مثلما يقول: والله وبالله.

    الحكم على حديث عائشة في تفسير لغو اليمين

    السؤال: حديث عائشة في تفسير لغو اليمين الذين رووه مرفوعاً هم دون من رووه موقوفاً، ألا يمكن أن يكون رفعه خطأً من بعض الرواة وأن الصواب مع من وقف؟

    الجواب: كل منهما صحيح؛ لأن الرفع زيادة ثقة، فهي مقبولة، ولا تنافي بينهما؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت.

    حكم الحلف في المعاريض من دون طلب

    السؤال: هل تجوز اليمين في المعاريض دون طلب اليمين ؟

    الجواب: استعمال اليمين من غير حاجة لا ينبغي، والإنسان يحرص على ألا يستعمل اليمين، ولا يعود نفسه على كثرة الحلف، لا سيما إذا لم يطلب منه، أما إذا طلب منه اليمين وكان الطالب محقاً فهذا يتعين عليه.

    التعريض بعدم وجود مال لمن عرف بعدم الوفاء

    السؤال: جاءني شخص يريد أن يستقرض مني مبلغاً، وأنا أعرف أنه لن يرده، فقلت معرضاً: إنه لا يوجد عندي هذا المبلغ في البيت، مع أن المبلغ موجود في البنك، فهل تعريضي هذا صحيح؟

    الجواب: تعريضك صحيح؛ لأنك تعرف أنه لن يرده، وأنت تريد أن تتخلص منه.

    حكم الاستثناء في الوعد

    السؤال: ما حكم قول الإنسان عند الوعد: إن شاء الله، حتى يسلم إن لم يف؟

    الجواب: على الإنسان أن يحرص على أن يفي بوعده إذا وعد، وإذا أضاف إليه (إن شاء الله) فيمكن أن يكون ذلك من باب الجزم والتحقيق والتأكيد وليس التعليق، أي: أن الإنسان عندما يقول: إن شاء الله ليس معناه: أنه إن شاء وفى بالوعد وإن شاء لم يف، بل على الإنسان أن يفي بالوعد.

    دخول قاتل نفسه تحت المشيئة وحكم الصلاة عليه

    السؤال: من قتل نفسه هل هو داخل تحت المشيئة؟ وما حكم الصلاة عليه؟

    الجواب: لا شك أنه داخل تحت المشيئة؛ لأن كل من لم يكن كافراً فهو تحت المشيئة، وإنما الذي لا يدخل تحت المشيئة هو الشرك؛ لقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فالشرك هو الذي لا يغفر، ولا يدخل تحت المشيئة؛ لأن الله شاء أن يعذب المشرك في النار أبد الآباد، لا يخرج منها أبداً، وأما من فعل ما دون الشرك فهو تحت المشيئة إن شاء عفا الله عنه ولم يعذبه، وإن شاء عذبه، ولكن إذا عذبه لا يخلده في النار، بل يخرجه منها ويدخله الجنة، فكل من مات غير مشرك ودخل النار فإنه لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، وقد لا يدخل النار إذا تجاوز الله وعفا عنه.

    وأما الصلاة فيصلى عليه، ولكن ينبغي أن يتخلف عن الصلاة عليه بعض من لهم شأن ومنزلة؛ حتى يكون في ذلك ردع وزجر لغيره، لكن لا تترك الصلاة عليه نهائياً.

    حال حديث (من حلف واستثنى لم يحنث ولو بعد عام)

    السؤال: ما مدى صحة حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من حلف واستثنى لم يحنث ولو بعد عام)

    الجواب: لا أعتقد أنه يصح عن ابن عباس ؛ لأن كونه يستثني بعد عام معناه: أن كل يمين يمكن أن يتخلص من كفارتها عند الحنث، ولن تبقى هناك يمين مكفرة أبداً، فما دام أنه بعد مدة طويلة يقول: إن شاء الله إذاً: كيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ...) وفيه شيء يخلص منها وهي كلمة: إن شاء الله؟! فهذا الحديث لا أدري عن صحته، ولا أعتقد أنه يصح عن ابن عباس .

    النذر لا يغير من قضاء الله

    السؤال: هل يغير النذر من قضاء الله شيئاً؟

    الجواب: النذر لا يغير من قضاء الله، بل الذي قضاه الله وقدره يقع، سواء نذر أو لم ينذر، فإذا شفى الله عز وجل مريضهم فإن هذا شيء قد كتبه الله، وإذا لم يشفه فهو مقدر أيضاً، فالقضاء والقدر قد كتب في اللوح المحفوظ، فلا يغيره نذر الإنسان، وإنما الذي قضاه الله عز وجل وقدره واقع، فإن كان في قضاء الله وقدره أنه يشفي مريض الناذر شفي، وإن كان في قدر الله أن مريضه يموت مات.

    حكم الرجوع في النذر

    السؤال: من نذر أن يصوم ثلاثة أيام كلما عصى الله ولم يستطع فهل يمكنه الرجوع في النذر؟ وما هي الكفارة؟

    الجواب: إذا كثرت عليه وصارت كثرتها تؤثر عليه بأن يصير ذلك مثل صيام الدهر فكفارته كفارة يمين، لكن على الإنسان أن يلتزم بالشيء الذي التزمه من أول وهلة، لا أن يهمل حتى تتجمع عليه أشهر ثم يذهب يبحث عن مخرج.

    حكم خروج الطالب من فصله إلى فصل آخر

    السؤال: هل يجوز للطالب أن يخرج من فصله إلى فصل آخر غير فصله لحضور مجلس أحسن من الحصة في فصله؟

    الجواب: ليس له ذلك؛ لأن المسئولين رتبوا هذه الفصول، وأتوا بالمدرس ليدرس في هذا المكان الطلاب الذين خصص لهم هذا الدرس، وكلف المدرس بأن يحضر، فعليهم أن يلتزموا بالحضور، وليس لهم أن يذهبوا إلى مكان آخر؛ لأن هذا هو المطلوب منهم، وهذا هو الشيء الذي بني عليه تنظيم الدراسة، فليس الإنسان مخيراً فيها، ولو كل واحد فعل هذا لبقي المدرس بدون طلاب.

    حكم ارتداء العروس للفستان الأبيض المخرز بخرز سكري

    السؤال: هل يجوز للعروس أن ترتدي الفستان الأبيض المخرز بخرز سكري ليلة العرس؟

    الجواب: الابتعاد عن الأشياء المستوردة وتقليد الأعداء والكفار بما كان من عاداتهم ومن أفعالهم هو المطلوب.

    الفرق بين من حكم بغير من أنزل الله مستحلاً وغير مستحل

    السؤال: هل هناك فرق بين من حكم بغير ما أنزل الله في مسألة واحدة وبين من وضع قوانين تخالف شرع الله عز وجل يرجع إليها؟

    الجواب: إذا حكم في مسألة واحدة مستحلاً ذلك ومعتقداً أن هذا حلال فهو كافر، وكذلك إذا حكم في مسائل كثيرة وهو مستحل لذلك فهو كافر، وإن كان وضع هذه النظم معتقداً أن الشريعة لا تصلح وأن النظم هذه هي التي تصلح فهذا كفر، أما إذا كان يعتقد أنه مخطئ وآثم، وأن عمله غير صحيح، فهذا كفر دون كفر، ولا فرق بين مسألة ومائة مسألة.

    سبب اعتذار إبراهيم عليه السلام عن مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة

    السؤال: الكذبات التي قالها إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم من باب المعاريض، فلماذا يعتذر بهذه الكذبات عن مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة؟

    الجواب: لأن الأنبياء كما هو معلوم هم أفضل الناس وأعلى الناس، والشيء وإن كان ليس على حقيقته، ولكنهم يرون ذلك عظيماً وإن كان يسوغ لهم فعله، وأنه من باب المعاريض، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو خليل الرحمن الذي اتخذه الله خليلاً، وهذا من كماله وتواضعه لله عز وجل.

    وقت قول الإنسان بعد المؤذن وأنا أشهد أن محمداً رسول الله ...

    السؤال: متى يقول الإنسان إذا سمع المؤذن: وأنا أشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؟

    الجواب: عند شهادة أن محمداً رسول الله.

    بيان أن الأولى ترك المعاريض الموهمة

    السؤال: قول بعض السلف: إنه أصبح يكره الحق، ويحب الفتنة، ويصلي بغير وضوء. والمقصود: الموت والأولاد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذه تعتبر من المعاريض؟ وهل يجوز حكاية مثل هذه الأقوال؟

    الجواب: مثل هذه الأشياء بعد توضيحها وبيانها يتبين أن صاحبها ليس كما يتبادر إلى السامع، ولكن كون الإنسان يبتعد عن مثل ذلك ويعود نفسه السلامة من مثل هذا الكلام لا شك أنه خير.

    كيفية معاملة الرجل لزوجته التي لا تستجيب لفراشه

    السؤال: لدي زوجة وإذا طلبتها للفراش لا تأتي ولو خوفتها، فماذا يجب علي؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم بين الوعيد الشديد في حق من كان هذا حالها، فإذا كان يمكنه الاستفادة منها وإلا فإنه يسرحها ويتخلص منها.

    متى يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم

    السؤال: قول: الصلاة خير من النوم هل يقال في الأذان الأول أو الثاني؟

    الجواب: يقال في الأذان الذي عند دخول الوقت؛ لأن هذا هو الوقت الذي ليس للناس أن يناموا فيه، وأما الأذان الأول فهو كما جاء في الحديث أنه لأجل أن يوقض النائم ويرجع القائم، وقد قال بعض أهل العلم: إن المقصود بالأذان الأول: الأذان الثاني بالنسبة للإقامة، فإنه أول بالنسبة للإقامة، ولهذا جاء أن الأذان الذي أتى به عثمان بن عفان رضي الله عنه قالوا له: الأذان الثالث، أي: الثالث بالنسبة للإقامة والأذان الذي عند صعود الخطيب على المنبر، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة) أي: الأذان والإقامة.

    حكم زيادة الثقة

    السؤال: ما رأيكم في قول من يقول: إن المتقدمين يكادون أن يجمعوا على أن زيادة الثقة لا تقبل؟

    الجواب: زيادة الثقة كالحديث المستقل، ومعلوم أن من الرواة من يحدث بما حفظ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والزيادة في الحديث كرواية حديث مستقل، فلو أنه روى حديثاً مستقلاً قُبل منه، فكذلك إذا روى وحفظ أكثر مما حفظه غيره فإنه يقبل، والزيادة من الثقة مقبولة معروفة، لكن كونه بهذا الوصف الذي ذكره أن المتقدمين يكادون يجمعون، وأن الأكثرية على أن زيادة الثقة لا تقبل، هذا لا أعتقد أنه صحيح.

    حكم سب الدين

    السؤال: من سب الدين ولم يرد بذلك الخروج من الدين، فهل حكمه مثل حكم من قال عن نفسه: إنه بريء من هذا الدين؟

    الجواب: الذي يسب الله عز وجل أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم أو يسب دين الإسلام ظاهره الكفر، وليس مثل من قال هذا الكلام الذي يقوله عند الغضب: إنه يهودي أو نصراني، فكونه يسب الله عز وجل الذي هو رب العالمين وخالق لكل شيء هذا كفر، وكذلك إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام الذي رسالته أعظم منة امتن الله تعالى بها على المسلمين، ولهذا كانت محبته أعظم من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، فالذي يبدو أن هذا ليس مثل هذا. والله أعلم.