إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [336]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للإنسان أن يوصي بما له وما عليه، لكي يبرئ ذمته من كل الحقوق المالية، وأجاز الشرع لصاحب المال بأن يوصي لغير وارث بالثلث من ماله، واستثني من كل أحكام الوصية الأنبياء؛ إذ لا أموال لهم تورث.

    1.   

    ما جاء فيما يؤمر به من الوصية

    شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب الوصايا.

    باب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية.

    حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله -يعني ابن عمر - رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ].

    أورد أبو داود كتاب الوصايا، والوصايا: جمع وصية، والوصية هي عهد خاص يكون فيما بعد الموت، هذا هو المقصود بالوصية، أن تكون لشيء متعلق بالموت، أو تابع للموت، أو يأتي بعد الموت سواء كان عتقاً أو ثلثاً أو استخلافاً على شيء؛ لأنه كله يتعلق بما بعد الموت.

    أما ما يكون في الحياة فلا يدخل في الوصية، لأن المقصود والمراد بها شيء يوصى به لكي ينفذ ويعمل به بعد الموت.

    والوصية تطلق على فعل الوصية وعلى الموصى به، يقال: وصية فلان، يعني: هذا الشيء أوصى به فهو موصى به، فيطلق على الفعل وعلى الأمر الموصى به الذي هو موضوع الوصية، والذي عهد به، وهو شيء بعد الموت.

    قوله: [ باب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية].

    أي: أن الوصية عند الحاجة إليها وعند وجود ما يقتضيها تكون مطلوبة، لاسيما إذا كان على الإنسان حقوق فإنه يكتب هذه الحقوق التي عليه، حتى إذا مات عرفت الحقوق التي عليه حتى توفى، ويكتب ما له وما عليه، ولكن المهم أن يكتب ما عليه حتى يتخلص من الديون، ومن حقوق الناس، وحتى تعرف وتقضى عنه بعد موته.

    والعلماء منهم من قال بوجوب الوصية في حق من كان عنده شيء يريد أن يوصي به، ومنهم من قال: إنها ليست للوجوب وإنما هي على الاستحباب وهم الجمهور، ولكن إذا كان الإنسان عليه حقوق فالوصية فيها متعينة؛ لأن هذا من الطرق التي يتوصل به إلى إبراء الذمة، وإلى التخلص من الديون أو الحقوق التي عليه، ويتعين عليه ذلك ويجب لئلا يكون مفرطاً، ثم تضيع تلك الحقوق فيطالبه بها أصحابها في الدار الآخرة في الوقت الذي ليس فيه إلا الحسنات والسيئات، كما جاء في حديث المفلس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم عنده ولا متاع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار)، فالحقوق التي عليه من ديون أو مظالم ولم يتخلص منها فإنه يوصي بها حتى تعرف، وتوصل الحقوق إلى أصحابها لئلا تثبت عليه ويطالب بها في الدار الآخرة.

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) يعني: أن الذي عليه حق لا ينبغي له أن تمر عليه ليلتان إلا وقد كتب وصيته لئلا يفاجئه الموت، وقد ورد في بعض الأحاديث: (ثلاث ليال) ، والمقصود بذلك التقريب، وأنه لا تمضي عليه مدة وجيزة إلا وقد كتب وصيته، قوله: (ليلتين) المقصود من ذلك: أنه عندما يكون في باله أن يوصي فإنه يفكر ويتأمل ويتذكر ما يكون عليه من الحقوق وما يريد أن يوصي به فيوصي به، والمقصود من ذلك: تقليل المدة، وأنه لا يمضي عليه مدة وجيزة إلا وقد كتب وصيته ببيان ما له وما عليه، والمهم بيان ما عليه.

    قوله: (ما حق امرئ مسلم) معلوم أن الحكم هنا عام للرجال والنساء، فليس خاصاً بالرجال دون النساء، ولا بالنساء دون الرجال، وإنما هو عام. والمعنى: ليس من حق المرء المسلم الذي عليه شيء يوصي به أن تمضي عليه ليلتان إلا وقد كتب وصيته.

    ومن شروط الوصية: أنها لابد أن تكون مطابقة للشرع، وليس فيها حيف، أو جور، ولا يضر فيها بالورثة أو بأحد من الورثة.

    وأما عن وجوب الإشهاد فيها، فالذي يبدو أنه ليس بلازم؛ لأنه لو كتبها بخطه وكان خطه معروفاً فإن ذلك يكون كافياً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا يحيى بن سعيد ].

    مسدد مر ذكره، ويحيى بن سعيد مر ذكره.

    [ عن عبيد الله ].

    هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر وهو ثقة؛ أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني نافع ].

    نافع مولى ابن عمر وهو ثقة؛ أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله - يعني: ابن عمر - ].

    عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتنفيذ لما يروي، ومن هذا أنه ما مضى عليه ليلتان إلا ووصيته عنده، وهذا يدل على سرعة مبادرته إلى تطبيق ما جاء به من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    من أحكام الوصية

    ما تقدم إذا كان يريد أن يوصي من ماله لأحد من الناس غير الورثة أو لوجوه البر أو ما إلى ذلك، وأما إذا أراد ألا يوصي ويجعل المال كله للورثة فله ذلك.

    والوصية -كما سبق- عند الجمهور مستحبة وليست واجبة، فإن أوصى فقد أتى بأمر مستحب، وإن لم يوص فلا شيء عليه.

    وله أن يوصي بشيء من ماله من أجل أن يصرف في وجوه البر، وله ألا يوصي، وإن أوصى به فلا شك أن هذا مستحب له؛ لأنه يعود عليه بالأجر، وإن تركه لأولاده إن كانوا بحاجة إليه لأنهم كثيرون والمال قليل فيتركه لهم، ولكل امرئ ما نوى، وقد تكون المصلحة بالوصية، وقد تكون المصلحة في غيرها، على حسب الورثة وحاجتهم، وضعف الورثة وقوتهم؛ لأن الورثة قد يكونون أغنياء كلهم فيوصي والإيصاء طيب، أو يكونون فقراء أو ضعافاً أو صغاراً فإذا ترك الوصية وجعل المال لهم فلكل امرئ ما نوى.

    أما عن صيغة الوصية فالمشهور عند سلف هذه الأمة أنهم كانوا يبدءون الوصية بعبارة أو بجملة وهي: (هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وأن الساعة حق، والجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصي بني بأن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، وأوصيهم بما أوصى به إبراهيم ويعقوب بنيه أن لا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، جاءت هذه الصيغة وذكرها الشيخ الألباني في إرواء الغليل، وقال: إنها صحيحة أو حسنة، وإن ذلك ثابت عن بعض السلف أنهم كانوا يفتتحون وصاياهم بهذه الجملة.

    شرح حديث: (ما ترك رسول الله ديناراً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً، ولا درهماً، ولا بعيراً، ولا شاة، ولا أوصى بشيء) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك بعيراً ولا شاة ولا درهماً.

    يعني: ما ترك مالاً يورث عنه، ويحتاج إلى أن يوصى به، وأن يكون لأحد دون أحد، لأنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فهو ما ترك شيئاً من المال يوصى به، وأما كونه أوصى بوصايا غير المال فهذا موجود، وكان مما أوصى به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، ما جاء عن علي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) ، قال علي رضي الله عنه: وهؤلاء الكلمات هن آخر شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن علياً رضي الله عنه ما سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعه يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، فهذا مما أوصى به في مرض موته وعند وفاته صلى الله عليه وسلم، وقول عائشة : (ولا أوصى بشيء) يعني: مما يتعلق بالمال؛ لأنه جاء عنه: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يكن عنده شيء يوصي به فإن الوصية لا حاجة لها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما ترك رسول الله ديناراً ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ومحمد بن العلاء ].

    مسدد مر ذكره، ومحمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا أبو معاوية ].

    أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي وائل ].

    أبو وائل هو شقيق بن سلمة وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مسروق ].

    مسروق بن الأجدع وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    مصارف أموال الأنبياء بعد موتهم

    قولها رضي الله عنها: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً، ولا درهماً، ولا بعيراً، ولا شاة) لا يعارض ما كان له صلى الله عليه وسلم من أراض في خيبر وفدك، فالمقصود: أنه ما ترك شيئاً يورث يحتاج إلى أن يوصى به، وما كان له من أموال إنما ينتقل أمرها إلى الخليفة، فهو من يصرفها في الأمور التي كان يصرفها فيها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته بمعنى: أنه ينفق على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته؛ ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وذلك في قصة طلب الإرث، فذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، ثم قال: إنما يأكل آل محمد من هذا المال.

    1.   

    ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله

    شرح حديث: (الثلث والثلث كثير)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (مرض مرضاً -قال ابن أبي خلف : بمكة. ثم اتفقا- أشفى فيه، فعاده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا، قال: فبالشطر؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أُجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، قلت: يا رسول الله! أتخلف عن هجرتي؟ قال: إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن مات بمكة) ].

    أورد أبو داود : [ باب فيما لا يجوز للموصي في ماله ].

    أي: ما لا يجوز للموصى أن يوصي به في ماله، والمراد بيان الشيء الذي لا يجوز أن يفعله من يريد أن يوصي بشيء من ماله أو بماله، وذلك أنه لا يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن الوصية بأكثر من الثلث ليست جائزة، وكذلك لا يوصي للوارث لا من الثلث ولا من غير الثلث، فالمقصود من ذلك: بيان الشيء الذي لا يجوز للإنسان أن يوصي به في ماله.

    أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان مرض بمكة مرضاًً شديداً أشفى فيه وأشرف على الموت، واشتد مرضه، وقوله: [ أشفى فيه ] كناية عن شدة مرضه، وأنه خشي أن يموت به، ولهذا قال: [ إن لي مالاً كثيراً ولا يرثني إلا ابنتي ] يعني: لا يرثه بالفرض، وليس معنى ذلك أنه ليس له عصبة فإنه من بني زهرة من قريش، وله أقارب وله عصبة، ولكن في ذلك الوقت ليس له إلا ابنتين، ومعلوم أنه رضي الله عنه عاش ومكث مدة طويلة، وحصل على يديه خير كثير، وفتحت فتوحات على يديه، وكان على إمرة الجيش في القادسية وغير ذلك من الفتوحات التي حصلت على يديه رضي الله عنه وأرضاه، فقد عُمَّر وانتفع به أقوام دخلوا في هذا الدين، وتضرر به آخرون قتلوا وهم كفار في إمارته وفي قيادته لبعض الجيوش في خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    (أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا، قال: فبالشطر -أي النصف-؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير) معناه: أنه ليس الثلث بقليل؛ لأنه يريد أن يوصي بشيء كثير، فهو لما انتهى إلى الثلث قال: (والثلث كثير) يعني: هذا الذي أذن له في أن يوصي به كثير وليس بقليل.

    وهذا يدل على أن الإنسان عندما يوصي بشيء من ماله لا يجوز له الزيادة عن الثلث، وهذا هو الذي أراده المصنف من قوله: [ ما لا يجوز للموصي في ماله ] بمعنى: أنه لا يجوز له أن يزيد عن الثلث، وإن نقص عن الثلث لا بأس، لكن الذي لا يجوز هو الزيادة على الثلث.

    قوله: (إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) .

    بين فيه صلى الله عليه وسلم الحكمة من كون الإنسان لا تزيد وصيته عن الثلث إلى الثلثين أو النصف أو ما فوق الثلث، قال: (إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) يعني: كونك تجعل عندهم شيئاً يغنيهم -سواء كان الذي يرث بالفرض وهما ابنتاه، أو الذي يرث بالتعصيب وهم قرابته الذين يعصبونه- خير من أن تذرهم عالة على غيرهم فقراء، والعائل هو الفقير، قال الله: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8] يعني: فقيراً فأغناه الله عز وجل، إنك أن تذرهم أغنياء بما تخلفه لهم من المال خيراً من أن تذرهم عالة يسألون الناس بأكفهم، ويمدون أيديهم للناس يستجدون لحاجتهم، ووجود مال لهم يغنيهم عن السؤال خير لك.

    (وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت بها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك) معناه: أن الإنسان حتى في الأمور التي للنفس فيها حظوظ إذا احتسب الأجر عند الله عز وجل فإنه يؤجر على ذلك، بل الأمور الواجبة على الإنسان من النفقات الواجبة من الناس من يحتسب الأجر ويرجو الثواب، ومنهم من يكون غافلاً عن ذلك ولا يفكر، ومن الناس من يمنع الحق الواجب عليه، ولا يخرج إلا عن طريق القاضي أو السلطان، مثل هذا لا يحصل أجراً على النفقة التي ألزم بها من جهة السلطان وهو غير منشرح الصدر لها، والإنسان الذي يؤدي ما هو واجب عليه، وما هو متعلق بحظ نفسه حتى مع أهله وزوجته فإنه يكون مأجوراً على ذلك.

    (قلت: يا رسول الله! أتخلف عن هجرتي؟ قال: إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة).

    قال رضي الله عنه:[ أتخلف عن هجرتي؟ ]؛ لأنه كان من المهاجرين، والمهاجرون تركوا أوطانهم لله عز وجل، فهم لا يحبون أن يموتوا في البلد الذي هاجروا منه، وإنما يحبون أن يموتوا في البلد الذي هاجروا إليه، فقال: [ أتخلف عن هجرتي؟ ]، فهو يخشى أن يموت بمكة فيكون مات في البلد الذي هاجر منه، ويحب أن يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولهذا جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال في سفر: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل وفاتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم)، فهو يريد أن يموت في مكان هجرته، وفي الدار التي هاجر إليها، وقد تحقق ذلك؛ فحصلت له الشهادة، وحصل أن مات في دار هجرته مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكرمه الله بالدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوار أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكانوا يكرهون أن يموتوا في الدار التي هاجروا منها وهي مكة.

    وهذا عام في كل الذين تركوا أوطانهم، أما في ذلك الزمن فلا هجرة بعد فتح مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، ولكن الإنسان إذا هاجر من بلد كافر إلى بلد مسلم فلا شك أن كونه يموت في دار هجرته أحسن من كونه يموت في البلد الذي هاجر منه.

    (إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة).

    أخبر صلى الله عليه وسلم أنه إن يخلف ويعيش بعده؛ فإن زيادة عمره يحصل بها زيادة أجر وزيادة ثواب وزيادة عمل، فيحصل رفعة وثواباً عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان إذا وفق لأن يطول عمره ويحسن عمله فإن ذلك من الخير له، وكونه يطول عمره ويحسن عمله فعلى مر الأيام والسنين يعمل أعمالاً صالحة يؤجر عليها ويثاب.

    قوله: (لعلك أن تخلف) يعني: تعيش (فينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون) ، وكان أشفى على الموت في ذلك المرض، وقد وقع ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عاش مدة طويلة، وانتفع به أناس وتضرر به أناس، فأناس دخلوا في الدين الإسلامي على يديه وبقيادة الجيوش التي ذهبت في الجهاد في سبيل الله، ومنهم من مات على الكفر على أيدي المجاهدين في سبيل الله الذين هو على رأسهم؛ فتضرر به أناس وانتفع به أناس كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، فقد أخبر عن أمر يقع وقد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

    [ (ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم) ].

    يعني: كونهم يبقون على ما صاروا عليه من الهجرة، وأن يموتوا في دار هجرتهم، وألا يعودوا إلى البلد الذي هاجروا منه، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الحج يأمر الناس بأن يقيموا ثلاثة أيام ثم ينصرفوا عن دار هجرتهم التي هاجروا منها، إلى الدار التي هاجروا إليها وهي المدينة .

    (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم) يعني: أنهم يبقون على هجرتهم وأن يموتوا في غير البلد الذي هاجروا منه حتى تتحقق لهم الهجرة.

    ثم بعد ذلك قال: (لكن البائس سعد بن خولة) .

    سعد بن خولة من المهاجرين، قيل: إنه لم يهاجر ومات بمكة، وقيل: إنه هاجر ورجع إلى مكة ومات بها فلم يحصل أن مات في الدار التي هاجر إليها.

    ثم قال راوي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص أو الزهري : [ يرثي له ] ؛ لأنه ما حصل له كالذي حصل لغيره من أنه يموت في الدار التي هاجر إليها، بل مات في الدار التي هاجر منها، ومعناه: أنه فاته ما حصل لغيره ممن كملت هجرته ومات في دار هجرته فكان أقل منه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الثلث والثلث كثير )

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف ].

    عثمان بن أبي شيبة مر ذكره، وابن أبي خلف هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا سفيان عن الزهري ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن سعد ].

    عامر بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    ومما يلاحظ أن عامر بن سعد هو ابن لـسعد ، وهو يقول: [ ليس يرثني إلا ابنتي ]، وهذا كان فيما بعد، أما حين أشفى على الموت فلم يكن عنده إلا ابنتين، ولكنه بعد ذلك عاش وولد له.

    1.   

    الأسئلة

    إثم الذين يطعنون في الصحابة

    السؤال: من يطعنون في سعد رضي الله عنه هل لهم حظ من قوله صلى الله عليه وسلم: (ويضر بك آخرون)؟

    الجواب: لا شك أن لهم نصيباً من هذا، ومعلوم أن هذا لا يختص بـسعد بل كل من تكلم في الصحابة فإنه يضر نفسه ويجني عليها، كما قال الحافظ ابن حجر لما جاء عند حديث المصراة في فتح الباري، وكان بعض أتباع الأئمة الذين لا يقولون بمقتضى حديث المصراة الذي رواه أبو هريرة قالوا عنه: وأبو هريرة ليس كـعبد الله بن مسعود في الفقه، وكأنه يغمز له بأنه ليس صاحب فقه كـابن مسعود ، قال الحافظ ابن حجر : وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه، ومجرد تصوره كاف عن الحاجة إلى بيان فساده.

    ولا شك أن كل من يقع في أعراض آحاد المسلمين فإنه قد جنى على نفسه وضر نفسه؛ لأن الوقوع في سلف هذه الأمة وفي خير هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين نقلوا الكتاب والسنة لا شك أنه من أعظم الجناية من الإنسان على نفسه؛ لأنه يتكلم في خيار الناس، وفي سادات هذه الأمة الذين هم خيرها وأفضلها، ولم يأت أحد بعدهم مثلهم؛ لأن الله تعالى أكرمهم في هذه الحياة الدنيا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الله نبيه للرسالة، واختار له أصحاباً يجاهدون معه، ويتلقون الكتاب والسنة عنه، ويؤدونهما إلى الناس من بعدهم، فهم الواسطة بين الناس وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وما عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، ومن لم يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الصحابة فإنه لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له بالرسول صلى الله عليه وسلم، وصلته بالرسول مبتورة مقطوعة؛ لأن الخير والحق والهدى ما وصل إلى الناس إلا عن طريق الصحابة، والله عز وجل اختاره للرسالة، واختار أصحابة لتحمل الرسالة وتلقيها عنه.

    ولهذا قال أبو زرعة الرازي : إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق؛ وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -أي: الذين يتكلمون في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم- يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالقاضي إذا جاء عنده شهود يشهدون فالمدعى عليه قدح في الشهود، فهذا الذي شهد به لا يعتبر؛ لأن الشاهد ردت شهادته، ولهذا يقول أبو زرعة : وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فليست القضية قضية أن من تكلم في سعد تضرر، بل من تكلم في آحاد من المسلمين فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يضر نفسه.

    حكم المراثي

    السؤال: يقول صاحب العون: [ يرثي له ] من رثيت الميت مرثية إذا عددت محاسنه، ورثأت بالهمزة لغة فيه، فإن قيل: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي) كما رواه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم ، فكيف يفعله؟ فالجواب: أن المرثية المنهي عنها ما فيه مدح الميت وذكر محاسنه الباعث على تهييج الحزن وتجديد اللوعة، أو فعلها مع الاجتماع لها، أو على الإكثار منها دون ما عدا ذلك، فما رأيكم؟

    الجواب: الظاهر أن الحديث ليس من هذا القبيل؛ لأنه قال: [ يرثي له ]، وما قال: يرثيه، يعني: يتأسف عليه، ويحزن؛ لأنه ما حصل له الذي حصل لغيره، فهذا هو معنى [ يرثي له ]؛ لأن يرثي له غير كونه يرثيه، فهو هنا يحزن أو يتأسف على الشيء الذي فاته من الخير، فهو بمثابة الفقير الذي فاته الغنى، فيكون هذا فاته ثواب تمام الهجرة.

    (والمراد هنا توجعه عليه السلام وتحزنه على سعد ؛ لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها لا مدح الميت لتهييج الحزن، كذا ذكره القسطلاني ).