إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [316]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الجهاد في الإسلام لرحمة الخلق، ولإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولذا ففيه الرحمة والإحسان حتى حال القتال، فلا يجوز التمثيل بالقتلى، ولا يجوز قتل النساء والصبيان، ولا يجوز التحريق بالنار، وفي هذه المسأل استثناءات بينها أهل العلم.

    1.   

    النهي عن المثلة

    شرح حديث: (أعف الناس قتلة أهل الإيمان)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النهي عن المثلة.

    حدثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب قالا: حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن شباك عن إبراهيم عن هني بن نويرة عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أعف الناس قتلة أهل الإيمان) ].

    أورد أبو داود هنا (باب النهي عن المثلة)، والمثلة: هي التمثيل بالقتيل، سواء قبل قتله أو بعد قتله، والتمثيل به بأن تقطع أعضاؤه، فيجدع أنفه وتقطع أذناه وتفقع عينه، أو تقطع يده أو رجله، هذا هو التمثيل بالإنسان، وسواء أكان ذلك قبل أن يقتل أم بعد أن يقتل، وقد جاءت السنة بالنهي عن ذلك، وقد سبق أن مر بنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عندما يؤمر أميراً على جيش يوصيه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم يقول: (اغزوا باسم الله) ويوصيه بوصايا في الحرب فيقول فيها: (لا تغدروا ولا تمثلوا)، فالتمثيل جاء النهي عنه، ولكن إذا كان المقتول أو الذي يراد قتله قد مثل فإنه يمثل به ويعاقب بمثل ما عمل.

    ويدل على ذلك قصة العرنيين الذين مثلوا بالراعي فمثل بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا كان القتل حصل عن طريق التمثيل، فيكون القصاص عن طريق التمثيل أيضاً، فنفس العقوبة التي فعلها تفعل به، إلا أن تكون بأمر محرم فلا يجوز المقابلة به، أما إذا كان قد فعل ذلك فإنه يفعل به مثلما فعل، قال تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].

    ولما أخذ يهودي حلي جارية ثم رض رأسها بين حجرين فعل الرسول صلى الله عليه وسلم به مثلما فعل بالمقتولة، فرض رأسه بين حجرين.

    فالتمثيل ابتداء لا يجوز، ولكن إذا كان على سبيل المقابلة، بأن كان الذين قتلوا وتمكن منهم حصل منهم التمثيل فإنهم يمثل بهم جزاء وفاقاً.

    أورد أبو داود هنا حديث عبد الله بن مسعود : [ (أعف الناس قتلة أهل الإيمان) ].

    يعني أنهم عندما يقتلون يحسنون القتل، وذلك لأنهم ملتزمون بأحكام الإيمان، وأنهم مؤمنون يمتثلون أحكام الإسلام، فهم يحسنون القتل، وقد جاء في الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).

    فقوله: [ (أعف الناس قتلة أهل الإيمان) ] يعني أنهم يحسنون القتل، ولا يحصل منهم التمثيل بمن يقتلونه فيعذبونه عند قتله، وإنما يريحونه بالقتل، فيقتلونه ويستريح بالقتل دون أن يمثلوا به قبل القتل أو بعده، إلا إذا كان على سبيل المجازاة والمقابلة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أعف الناس قتلة أهل الإيمان)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب ].

    محمد بن عيسى مر ذكره، وزياد بن أيوب ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا هشيم ].

    هو هشيم بن بشير الواسطي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا مغيرة ].

    هو مغيرة بن مقسم الضبي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شباك ].

    هو شباك الضبي ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة

    [ عن إبراهيم ].

    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي ، ثقة، أخرج له أصحاب ا لكتب الستة.

    [ عن هني بن نويرة ].

    هني بن نويرة مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن علقمة ]

    هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الهذلي، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث ضعفه الألباني ولعله من أجل ذلك المقبول ولكن حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، يدل على ما دل عليه.

    شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدق وينهانا عن المثلة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن الهياج بن عمران أن عمران أبق له غلام، فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سمرة بن جندب رضي الله عنه فسألته فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة) فأتيت عمران بن حصين فسألته فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن عمران بن حصين وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.

    والمقصود هنا النهي عن المثلة، والمثلة قد عرفناها فيما مضى.

    قوله: [ (أن عمران أبق له غلام فجعل الله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده) ]

    قوله: [ (أبق له غلام) ] يعني: هرب، فأقسم أنه إذا ظفر به فسيقطع يده؛ عقوبة له على هذا الإباق وهذا الشرود، فأرسل من يسأل فأخبر بأن النبي نهى عن المثلة، ومعنى ذلك: لا تقطع يده. لأن ذلك تمثيل، والتمثيل نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وليس فيه حجة على أن إقامة الحدود تمثيل، فإقامة الحدود ليست تمثيلاً، ولكن لو حصل أن إنساناً مثَّل وأقيم عليه الحد بمثل ما فعل فهذه مجازاة له على فعله، وأما إقامة الحدود بكونه يقطع رأسه أو تقطع اليد من أجل السرقة أو تقطع الرجل من أجل السرقة فهذا ليس من التمثيل؛ لأن الذي منع التمثيل هو الذي شرع هذه العقوبة.

    وفي هذا الحديث لما سئل الصحابيان عن مسألة قطع يد العبد أخبرا بالشيء الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل على المطلوب وزيادة، فالمطلوب هو النهي عن التمثيل والثاني الذي ليس بمطلوب في هذه المناسبة هو الحث على الصدقة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    محمد بن المثنى هو أبو موسى العنزي الملقلب بـالزمن ، وهو ثقة، وهو أحد شيوخ رجال الكتب الستة، وكلهم روى عنه بدون واسطة.

    [ حدثنا معاذ بن هشام ].

    هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو صدوق ربما وهم، وحديثه أخرجه رجال الكتب الستة.

    [ حدثني أبي ]

    أبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ]

    هو قتادة بن دعامة السدوسي ، وهو ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ]

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الهياج بن عمران ]

    هو هياج بن عمران بن الفضيل البرجمي مقبول، روى له من رجال الكتب الستة أبو داود فقط.

    قوله: [ فأتيت سمرة بن جندب ]

    هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري ، صحابي روى له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ فأتيت عمران بن الحصين ]

    هو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ، صحابي روى له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    قتل النساء في الحرب

    شرح حديث إنكاره صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان في المغازي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في قتل النساء.

    حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة يعني ابن سعيد قالا: حدثنا الليث عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه: (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل النساء والصبيان) ].

    أورد أبو داود هنا [ باب في قتل النساء ] يعني: في الحرب.

    والنساء لا يقتلن في الحرب إلا أن يقاتلن، فيقتلن لقتالهن، وأما إذا لم يقاتلن فإنهن لا يقتلن ويكن سبياً.

    عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما [ (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان)].

    فالنهي عن قتل النساء هو إذا لم يقاتلن، والصبيان إذا كانوا صغاراً لم يدركوا لا يقتلون، أما من بلغ منهم وحمل السلاح وقاتل فإنه يقتل لمقاتلته، وإلا فإنه لا يجوز قتل النساء ولا قتل الصبيان إذا لم يحصل القتال منهم.

    والمراد بالنهي عن قتلهم كونهم يقصدون ويخصون بالقتل، أما إذا حصل أن السهام أرسلت إلى الكفار وكان معهم نساء فقتلن تبعاً فإنه لا بأس بذلك، أو إذا تترس الكفار بالنساء فإنه لا بأس بالقتل، وإنما المقصود تخصيصهن بالقتل.

    تراجم رجال إسناد حديث إنكاره صلى الله عليه وسلم قتل النساء في المغازي

    قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب ].

    يزيد بن خالد بن موهب ، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة ].

    [ وقتيبة -يعني ابن سعيد - ].

    كلمة [ يعني ] قالها من دون أبا داود ؛ لأن أبو داود قال: [ قتيبة ] ولكن من دون أبي داود هو الذي قال: [ يعني ] يريد أن يوضح قتيبة، مع أن قتيبة لا يحتاج إلى توضيح؛ لأنه ليس في رجال الكتب الستة من يقال له: قتيبة سوى قتيبة بن سعيد .

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رباعي من رباعيات أبي داود رحمه الله، وأما ذكر الشيخين: قتيبة ويزيد بن خالد بن موهب فإنها في طبقة واحدة؛ لأنهما شيخان لـأبي داود يرويان عن الليث ولا يروي أحدهما من الآخر.

    شرح حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة والعسيف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عمر بن المرقع بن صيفي بن رباح حدثني أبي عن جده رباح بن ربيع رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر علام اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال: ما كانت هذه لتقاتل! قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فبعث رجلاً فقال: قل لـخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً) ].

    أورد أبو داود حديث رباح بن ربيع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض غزواته فرأى الناس مجتمعين على شيء، فأرسل من يأتي بالخبر، وإذا هم قد اجتمعوا على امرأة مقتولة، وكأن هذا شيء يتعجب منه؛ لكونهم اجتمعوا عليها، ومعناه أنه شيء غريب، فقيل: إنهم اجتمعوا على امرأة قتيل. و(قتيل) يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: امرأة قتيل ورجل قتيل.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: [ (ما كانت هذه لتقاتل) ].

    وقوله صلى الله عليه وسلم: [ (ما كانت هذه لتقاتل) ] فيه إشارة إلى أنها إذا قاتلت تقتل؛ لأنه قال: [ (ما كانت هذه لتقاتل) ] فمعناه أن النهي عن قتل النساء لعدم قتالهن، لكن إن وجد منهن القتال فإنهن يقتلن.

    ثم أرسل إلى خالد : [ (لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً) ] والعسيف هو الأجير، قيل: ولعل المقصود الأجير الذي ليس معه سلاح، وإنما هو خادم، فلا يقتل ما دام أنه غير مقاتل، فيصير مثل المرأة، فالمرأة لا تقاتل والعسيف الذي ليس معه سلاح وإنما يأتي للخدمة لا يقتل، ولكنه إذا صار معه سلاح ولو كان أجيراً فإنه يقتل، بل المرأة نفسها إذا كان معها سلاح وقاتلت فإنها تقتل.

    تراجم رجال إسناد حديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة والعسيف

    شرح حديث: (اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم) ].

    أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم) ].

    قوله: [ (اقتلوا شيوخ المشركين) ] يعني المسنين الذين هم أهل الحرب، وليس المقصود الشيوخ الهلكى أو الزمنى أو الفانين الذين بلغوا من الكبر عتياً، ليس المقصود هؤلاء، نعم إذا كانوا من أهل الرأي وأهل الفكر وأهل الخبرة وكان قتلهم من أجل التخلص من رأيهم ومن خبرتهم فهذا لا بأس به.

    قوله: [ (واستبقوا شرخهم) ] يعني الشباب الذين لم يدركوا سن القتال وليسوا من أهل القتال، وأما إذا كانوا مقاتلين فإنهم يقاتلون بقتالهم كما سبق أن عرفنا ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم)

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشيم حدثنا الحجاج ]

    هشيم مر ذكره، وهو يروي عن ثلاثة يقال لكل منهم: الحجاج، والذي روى عن قتادة منهم هو حجاج بن أرطأة ، والآخران ما جاء ذكرهم في الرواية عن قتادة .

    و حجاج بن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن قتادة ].

    مر ذكره.

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن البصري ، وقد مر ذكره.

    [ عن سمرة ].

    سمرة مر ذكره.

    والحديث ضعفه الألباني ، وهو من رواية الحسن عن سمرة ، ومعروف أن رواية الحسن عن سمرة في غير حديث العقيقة غير صحيحة، وفيها ثلاثة أقوال: منهم من قال: هي معتبرة بإطلاق، ومنهم من قال: غير معتبرة بإطلاق، ومنهم من قال: معتبرة في حديث العقيقة دون غيره من الأحاديث، وهذا الحديث هنا غير حديث العقيقة.

    شرح حديث عائشة في قتل المرأة القرظية مع رجال قومها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يقتل من نسائهم -تعني بني قريظة- إلا امرأة، إنها لعندي تحدث تضحك ظهراً وبطناً ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا. قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته. قالت: فانطلق بها فضربت عنقها، فما أنسى عجباً منها أنها تضحك ظهراً وبطناً وقد علمت أنها تقتل!].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنه لما كان قتل بني قريظة لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة.

    قالت عائشة : [ إنها لعندي تحدث تضحك ظهراً وبطناً ].

    قولها: [ ظهراً وبطناً ] معناه أنها في غاية الارتياح والسرور، ولعله كناية عن شدة ارتياحها وطمأنينتها وعدم حصول الألم والضجر منها، ولعل قولها: [ ظهراً ] معناه أنها من شدة الضحك قد تسقط على ظهرها كما يقال عن الشخص الذي استغرق في الضحك: إنه قد يذهب على قفاه من شدة ضحكه.

    قولها: [ إذ هتف هاتف ] أي: نادى مناد باسمها [ أين فلانة؟ قالت: أنا. قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته ] قيل: إن الحدث الذي أحدثته أنها كانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم.

    فخرجت فقتلت، وكفى الله المسلمين لسانها، وذلك لأنها كانت تسب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    قولها: [ فما أنسى عجباً منها أنها تضحك ظهراً وبطناً وقد علمت أنها تقتل! ].

    معناه أنها في غاية الارتياح والطمأنينة مع كون القتل موجوداً في رجالها، أما علمها بأنها ستقتل فقد تكون فهمت ذلك من كونها أتت بشيء يؤدي بها إلى الهلاك ويكون سبباً في هلاكها، وهو الحدث الذي أحدثته، وهو كونها كانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقولها: [ إنها لعندي تحدث تضحك ] معناه أنها تتكلم وتضحك مع حديثها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قتل المرأة القرظية مع رجال قومها

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة ].

    عبد الله بن محمد النفيلي مر ذكره، ومحمد بن سلمة هو الحراني ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني ، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ].

    محمد بن جعفر بن الزبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    عروة بن الزبير ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث إجازته صلى الله عليه وسلم تبييت المشركين مع ذراريهم ونسائهم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله -يعني ابن عبد الله - عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم أجمعين أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هم منهم) وكان عمرو -يعني ابن دينار - يقول: (هم من آبائهم).

    قال الزهري : ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والولدان ].

    أورد أبو داود حديث الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدار -والدار المقصود بها القبيلة والجماعة من الكفار- يبيتون فيصاب النساء والصبيان، فقال عليه الصلاة والسلام: [ (هم منهم) ].

    والمقصود من ذلك أنهم إذا كانوا غير مقصودين بالقتل ولكن كانوا مجتمعين وفيهم نساء وصبيان فأرسلت السهام فإنها تصيب من تصيب، وليس الصبيان والنساء مقصودين، وإنما يقصد المقاتلة.

    فقوله: [ (هم منهم) ] يعني أنهم تبع للرجال، وما مر من الأحاديث في النهي عن قتل النساء والصبيان المقصود به كونهم يقصدون بالقتل، كون المرأة يراد قتلها والصبي يراد قتله، فهذا هو الذي لا يجوز.

    وأما إذا كانوا مختلطين، أو كان الكفار متترسين بالنساء والصبيان أو بينهم نساء وصبيان وهم يرسلون السهام على الناس والمسلمون يرسلون السهام عليهم فتصيب نساءً أو صبياناً فهذا ليس فيه بأس، ولا مانع من ذلك.

    وذكر أن عمرو بن دينار كان يقول: [ (هم من آبائهم) ].

    ومعناه أن الصبيان حكمهم حكم الآباء فهم تابعون لهم، وإذا حصل قتلهم فليسوا مقصودين.

    قوله: [ قال الزهري : ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والولدان ].

    معناه أنه نهى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان على سبيل الاستقلال، وأما أن ترسل السهام فتصيب من تصيب من الرجال أو النساء والصبيان فهذا لا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث إجازته صلى الله عليه وسلم تبييت المشركين مع ذراريهم ونسائهم

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح المصري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله -يعني ابن عبد الله - ].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ عن الصعب بن جثامة ].

    الصعب بن جثامة رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ وكان عمرو - يعني ابن دينار - يقول ].

    عمرو بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    حكم حرق ذي الروح بالنار

    شرح حديث أمره صلى الله عليه وسلم سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهية حرق العدو بالنار.

    حدثنا سعيد بن منصور حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد حدثني محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره على سرية، قال: فخرجت فيها وقال: (إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار. فوليت فناداني، فرجعت إليه فقال: إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار) ].

    أورد الإمام أبو داود باباً في كراهية حرق العدو بالنار.

    أي أنه لا يعذب أو يقتل أحد بإحراقه بالنار بأن تؤجج نار فيقذف فيها، أي أن ذلك لا يجوز، وإنما يقتل بالسيف أو بأي وسيلة من الوسائل التي يكون بها إزهاق روحه بدون هذه الطريقة التي هي التحريق بالنار.

    وقد أورد أبو داود رحمة الله تعالى عليه حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في سرية وأمره عليها وأنه قال: [ (إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار)] فلما ولى ناداه وقال له: [ (إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار) ] فدل هذا على أن التحريق بالنار لا يجوز، اللهم إلا إذا كان على سبيل القصاص، بأن يكون حرق غيره فيحرق هو.

    وقد سبق أن مر في المثلة أنه لا يمثل الإنسان، ولكنه إذا قتل بالتمثيل فإنه يجازى بمثل ما فعل ويعامل بمثل ما عامل غيره به.

    إذاً: التحريق بالنار لا يجوز، وإنما يجوز في حق من قتل بالتحريق فإنه يقتل بالتحريق جزاءً وفاقاً.

    وقوله: [ باب في كراهية حرق العدو ] الكراهة يراد بها هنا التحريم، وقد يحصل أنه في الحرب تقذف القنابل والصواريخ التي تشتعل ناراً، وهنا يقال: إذا لم يجد المجاهدون وسيلة إلا قذف مثل ذلك فإن اشتعالها ناراً بالعدو قد يحصل وقد لا يحصل، وليس هو مثل تأجيج النار ثم بعد ذلك قذفهم فيها.

    تراجم رجال إسناد حديث أمره صلى الله عليه وسلم سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ].

    مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزناد ].

    هو عبد الله بن ذكوان المدني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني محمد بن حمزة الأسلمي ].

    محمد بن حمزة الأسلمي مقبول، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبيه ].

    هو حمزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي .

    شرح حديث أمره صلى الله عليه وسلم سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك من طريق أخرى وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يزيد بن خالد وقتيبة أن الليث بن سعد حدثهم عن بكير عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعث فقال: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً) فذكر معناه ].

    أورد المصنف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم في بعث فقال: [ (إن وجدتم فلاناً وفلان) فذكر معناه ].

    أي أنه يحرق بالنار، ثم بعد ذلك قال: (اقتلوه؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار). وهذا يشهد للحديث السابق الذي فيه من هو مقبول، وهو محمد بن حمزة الأسلمي .

    قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد ].

    هو يزيد بن خالد الدمشقي ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وقتيبة ].

    هو قتيبة بن سعيد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن الليث بن سعد حدثهم ]

    هو الليث بن سعد المصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بكير ].

    هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سليمان بن يسار ].

    سليمان بن يسار ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث إنكاره صلى الله عليه وسلم إحراق قرية نمل وفجع حمرة بولدها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد - قالغير أبي صالح : عن الحسن بن سعد - عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى حمرة -هي طائر- تفرش جناحها وترفرف في الأرض؛ لأنها قد فجعت بأخذ فرخيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)] ثم رأى قرية نمل قد أحرقت فقال: [ (من أحرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) ].

    وهذا محل الشاهد، فلا يعذب الإنسان ولا الحيوان بالنار، لا يعذب بالنار إلا رب النار.

    فمحل الشاهد من الترجمة الجملة الأخيرة، وأما الجملة الأولى المتعلقة بالحمرة فهي لا تتعلق بالترجمة، ولكنها تدل على أن الطائر والحيوان لا يفجع بولده، لاسيما إذا كان صغيراً، فيترك، وإن أخذ فإنه يرجع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإرجاع ولديها إليها، أي: ولدي الحمرة.

    تراجم رجال إسناد إنكاره صلى الله عليه وسلم إحراق قرية نمل وفجع حمرة بولدها

    قوله: [ حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى ].

    أبو صالح محبوب بن موسى صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ أخبرنا أبو إسحاق الفزاري ].

    هو إبراهيم بن محمد بن الحارث ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي إسحاق الشيباني ].

    هو سليمان بن أبي سليمان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن سعد ].

    هو الحسن بن سعد ، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ قال غير أبي صالح : عن الحسن بن سعد ].

    يعني أن غير أبي صالح -وهم شيوخ لم يذكرهم -نسبوه فقالوا: الحسن بن سعد . وأما رواية أبي صالح التي أوردها فإنه ليس فيها إلا ابن سعد فأراد أبو داود أن يبين من هو ابن سعد هذا فقال: إن غير أبي صالح -أي: الذين يحدثون بهذا الحديث ولم يذكرهم- نسبوه، فالذين حصلت منهم التسمية هم غير أبي صالح الذي جاء في الإسناد.

    [ عن عبد الرحمن بن عبد الله ].

    هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبه كان يُكنَّى أبوه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.

    [ عن أبيه ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    كراء الدابة على النصف أو السهم

    شرح حديث طلب واثلة بن الأسقع حمله في غزوة تبوك مقابل سهمه فيها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم.

    حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النضر حدثنا محمد بن شعيب أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عمرو بن عبد الله أنه حدثه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أنه قال: (نادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه. فنادى شيخ من الأنصار فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله تعالى. قال: فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات. ثم قال: سقهن مقبلات. فقال: ما أرى قلائصك إلا كراماً. قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك. قال: خذ قلائصك -يا ابن أخي- فغير سهمك أردنا) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم]أي: كراء الدابة على النصف مما يحصل باستعمالها، وذلك بأن يكريها على أن يحتطب عليها وله نصف الحطب، أو أن يستعملها للكراء ونقل الناس عليها وتأجيرها وله النصف مما يحصل من كرائها، ولا بأس بذلك ما دام أنها نسبة معينة ومعلومة؛ لأنه إن حصلت فائدة فهما مشتركان فيها، وهي مثل المضاربة التي أجمع المسلمون على جوازها بأن يدفع الإنسان مالاً لعامل والعامل يعمل، وإن حصل ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، إما نصف ونصف، أو ثلث وثلثان، أو ربع وثلاثة أرباع، على حسب النسبة.

    وكذلك المزارعة والمساقاة -أيضاً- هي من هذا القبيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع، فهذا مثله، وهو شبيه به ولا بأس به؛ لأنها مشاركة، فهذا منه المركوب وهذا منه العمل، وإذا حصل ربح وفائدة فإنها تقسم بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، فيكون للعامل مقابل عمله، ويكون لصاحب الدابة مقابل استخدام دابته، وإذا حصلت خسارة فعلى العامل تعبه وعلى صاحب الدابة تعب دابته.

    وكذلك لو أن إنساناً أعطى سيارته لإنسان يشتغل عليها بالأجرة فما حصل من نقود في مقابل التأجير لهذه السيارة فإنه يكون لهذا النصف ولهذا النصف، أو لهذا الثلث ولهذا الثلثان، كل ذلك لا بأس به؛ لأن هذا من جنس المضاربة، ومن جنس المساقاة والمزارعة، فلا بأس بذلك، ولكن الذي لا يجوز هو أن يقول: إن لي من الناتج -مثلاً- ألف ريال أو مائة ريال. ويحدد بمقدار معين. فهذا لا يجوز اشتراطه؛ لأنه قد لا يحصل من العمل إلا هذا المقدار فيظفر به أحدهما، ويكون الآخر حينئذٍ ما حصل فائدة وما حصل شيئاً.

    ولكن إذا كان العمل على النسبة مما يحصل فإن هذا لا بأس به، فإن حصل شيء قليل قسم بينهما على النسبة، وإن حصل شيء كثير قسم بينهما على النسبة، ولا بأس بمثل هذه المعاملة، وفيها خلاف بين أهل العلم، ولكن القول الصحيح الجواز؛ لأنها شبيهة بالمضاربة وشبيهة بالمساقاة والمزارعة.

    وأورد أبو داود هنا حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى في غزوة تبوك للخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام استنفر الناس، ولم يبق إلا من هو معذور أو منافق، أو من كان غير معذور ولكن مرت عليه الأيام دون أن يخرج، والسبب الأخير هو الذي حصل لـكعب بن مالك وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم، وهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وليس لهم أعذار وليسوا بالمنافقين، وقد تاب الله عليهم وأنزل فيهم آية تتلى في كتاب الله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118] أي: وقد تاب على الثلاثة الذين خلفوا.

    فلما نادى رسول الله بغزوة تبوك لم يكن مع واثلة رضي الله تعالى عنه مركوب، فكان يتردد على قومه ويقول: [ من يحمل رجلاً له سهمه؟ ].

    يعني: ويكون له سهمه.

    فمثل هذه المعاملة لا بأس بها إذا كان السهم معلوم النسبة، كأن يكون الذي يحصله ثلاثة أسهم فسهم لشخص وسهمان لشخص، أو يقسم على النصف، فلا بأس بمثل هذه المعاملة.

    قوله: [ فنادى شيخ من الأنصار فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة؟ ].

    المراد بحمله عقبة أنه لا يركب دائماً، وإنما يركب بالتعاقب، فيركب مسافة ثم يأتي آخر ويركب مكانه، أي: يتعاقبون على البعير.

    قوله: [ وطعامه معنا ].

    يعني: يأكل معنا.

    فلما حصل له قلائص -وهي سهمه الذي حصله- جاء ليعطيهن ذلك الأنصاري، فقال: [ سقهن مدبرات، ثم قال: سقهن مقبلات ] يريد أن يعرف جودتهن وحسنهن من ضدهما، فقال: [ ما أراهن إلا كريمات ] فقال واثلة : هن السهم الذي جرى بيني وبينك الاتفاق عليه، فقال: [ خذ قلائصك ] والقلائص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، قال: [ خذ قلائصك - يا ابن أخي- فغير سهمك أردنا ] يعني: ما أردنا سهمك الذي تحصله، ولكن أردنا أن نشاركك في الأجر في كوننا حملناك وساعدناك، ولم يأخذ السهم الذي حصله من القلائص.

    والحديث ضعيف، ولكن ما ترجم به المصنف هو صحيح، وهو شبيه بالمضاربة والمزارعة والمساقاة، ولكن إذا اشترط أحدهما شيئاً يخصه من الثمرة والريع دون الآخر، بحيث يقول: لي كذا والباقي يكون بيننا. أو: الباقي لك فإن هذا ليس بصحيح؛ لأنه قد لا يحصل إلا هذا المقدار الذي اشترطه أحدهما، فيكون أحدهما لم يحصل شيئاً والآخر أخذ ما حصل.

    وقوله: [ فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ].

    الحقيبة قيل: هي ما يكون وراء القتب والرحل، ومعناه أنها شيء متصل بالرحل، إما شيء محشو، أو بشيء يكون تحت الرحل، فالمهم أنه شيء مرتفع جعله على الأرض وجلس عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث طلب واثلة بن الأسقع حمله في غزوة مقابل سهمه فيها