إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [269]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يجوز تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه، ومثله من أراد أن يصوم شهر شعبان كاملاً فله ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصومه، أما من لم يرد أن يصومه كاملاً فلا يصم بعد انتصافه، وفي بعض هذه الأحكام خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    1.   

    ما جاء فيمن يصل شعبان برمضان

    شرح حديث: ( لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين .... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيمن يصل شعبان برمضان.

    حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك الصوم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: [باب فيمن يصل شعبان برمضان] أي: أنه يصوم اليوم الذي قبل رمضان، وهو آخر يوم من شعبان، فيكون شعبان متصلاً برمضان، وإذا كان للإنسان صوم قد اعتاده كصوم يوم الإثنين والخميس ووافق يوم الخميس أو الإثنين آخر يوم من شعبان فإن هذا سائغ ومشروع، وقد جاء ما يدل عليه.

    وأما إذا كان المقصود بالصيام أن يحتاط لرمضان فهذا لا يجوز، وهو الذي ورد فيه النهي في أول الحديث: (لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين) يعني: أن هناك منعاً وهناك جوازاً، فالمنع هو في حق من يريد أن يتخير ذلك اليوم ويصومه احتياطاً لرمضان، والجواز لمن يصومه لكونه موافقاً لعادة اعتادها كصيام يوم الإثنين والخميس.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا صوم رمضان بيوم أو يومين إلا أن يكون صوم يصومه رجل) يعني: إلا أن يوجد صوم يصومه رجل (فليصم ذلك الصوم) يعني: أن يكون ذلك عادة للإنسان، كصيام الإثنين والخميس فإنه يصوم ذلك الصوم.

    إذاً: وصل شعبان برمضان إذا وافق عادة اعتادها الإنسان وهي صيام الإثنين والخميس، أو نذر نذره الإنسان فإنه يصوم ذلك اليوم، وأما إن كان يفعله من أجل رمضان واحتياطاً لرمضان فإن ذلك لا يجوز، وهو الذي دل عليه النهي في أول الحديث، فالحديث فيه نهي وفيه استثناء من النهي.

    ثم إن ذكر الرجل في الحديث لا مفهوم له، فالمرأة إذا كان من عادتها أن تصوم الإثنين والخميس فلها أن تصوم آخر يوم من شعبان، أي أن ذكر الرجل لا يعني أن المرأة بخلاف الرجل في هذا الحكم، فإن الأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا ما جاءت به النصوص الشرعية من تمييز الرجال عن النساء والنساء عن الرجال، فإذا جاء أن النساء يكون لهن كذا ويكون حكمهن كذا والرجال حكمهم كذا، فهذا هو الذي يكون فيه الفرق بين الرجال والنساء، وأما حيث لا يوجد ما يدل على التفريق فإن الأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وذكر الرجال في الأحاديث أو التنصيص عليهم في بعض الأحاديث مع أن الأمر لا يختص بهم إنما هو لأن الخطاب في الغالب يكون مع الرجال، ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء)، فكذلك الحكم إذا كان المتاع عند امرأة قد أفلست.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين ... )

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن أبي كثير ].

    يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    شرح حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن توبة العنبري عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان) ].

    أورد أبو داود حديث أم سلمة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان) وقد جاء في بعض الأحاديث أنه كان يصوم أكثره، وأنه ما كان يستكمل شهراً إلا رمضان، وعلى هذا فما جاء في حديث أم سلمة هذا إنما هو إشارة إلى الغالب، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم شهراً كاملاً إلا رمضان، وغير ذلك ما كان يصومه كاملاً، ولكن بعض الأشهر كان يصوم أكثره مثل شعبان، فإن أكثره وغالبيته كان يصومه صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (وكان يصله برمضان) يعني: أنه كان أحياناً يكون صيامه في نهاية الشهر، فيكون واصلاً له برمضان، وهذا على القول بأنه استكمله، ولكن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم شهراً كاملاً إلا رمضان، وعلى هذا فليس من السنة صيام شعبان كله، بل السنة صيام أكثره.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان ... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جعفر ].

    محمد بن جعفر الملقب غندر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن توبة العنبري ].

    توبة العنبري ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن محمد بن إبراهيم ].

    محمد بن إبراهيم التيمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة عن أم سلمة ].

    أبو سلمة قد مر ذكره، وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    كراهية وصل شعبان برمضان

    شرح حديث: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية ذلك.

    حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد قال: قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه، ثم قال: اللهم إن هذا يحدث عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، فقال العلاء اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ].

    أورد أبو داود باب كراهية ذلك، يعني: كراهية وصل شعبان برمضان، وأنه يصوم شيئاً من شعبان متصلاً برمضان.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) وهذا المقصود منه: أن الإنسان لا يتعمد أن يكون صيامه في آخر الشهر، ولا يصوم من أول الشهر، ولكنه يتعمد أن يصوم آخر الشهر حتى يكون متصلاً بالشهر، وأما إذا صام من أول الشهر فإن له أن يصوم بعد نصف شعبان، ولكن كونه يتعمد أنه لا يصوم إلا بعد نصف شعبان فهذا هو الذي جاء فيه النهي، ولعل ذلك لما فيه من الاحتياط لرمضان، بحيث إن الإنسان يصوم ويواصل إلى نهاية الشهر، أو أن المقصود من ذلك أن الإنسان إذا لم يصم من أول الشهر فإنه لا يصوم من وسط الشهر، حتى يكون بذلك مستعداً للصيام، وعنده شيء من الاستجمام من أجل صيام رمضان.

    وعلى هذا فالحديث يدل على النهي عن الصيام في آخر الشهر، ولكن المقصود منه تعمد أن يصوم آخره، وأما إذا كان قد صام نصفه الأول وأضاف إليه شيئاً كثيراً من النصف الثاني فهذا لا بأس به؛ لأن هذا هو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إنه كان يصوم أكثر شهر شعبان.

    وقوله: (قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه) يعني: أقامه من المجلس، ولعل ذلك لحاجة أن يتكلم معه، ثم قال: (اللهم إن العلاء يحدث عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف رمضان فلا تصوموا)، فقال العلاء : اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك) يعني: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا انتصف شهر شعبان فلا تصوموا).

    تراجم رجال إسناد حديث: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد العزيز بن محمد ].

    عبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء ].

    عباد بن كثير متروك، والعلاء بن عبد الرحمن الحرقي الجهني صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [قال: إن هذا يحدث عن أبيه ].

    أبوه عبد الرحمن ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    و عباد بن كثير متروك، ولكن الرواية هي عن العلاء مباشرة؛ لأنه قال: (اللهم إن أبي حدثني) وكان هذا الذي ذكر عن عباد أنه قال ما قال هو الذي سمع العلاء يحدث عن أبيه، فصار وجود عباد بن كثير لا علاقة له بالإسناد، ولا يؤثر في الإسناد شيئاً.

    طرق أخرى لحديث: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) وتراجم رجال أسانيدها

    [ قال أبو داود : رواه الثوري ، وشبل بن العلاء ، وأبو عميس ، وزهير بن محمد ، عن العلاء . ].

    ذكر المصنف طرقاً أخرى للحديث فقال: رواه الثوري وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وشبل بن العلاء ].

    شبل بن العلاء لم نجد له ترجمة في التهذيب والتقريب، وكأنه ليس من رجال أصحاب الكتب الستة، ولكنه هنا عند أبي داود في المعلقات، وأصحاب المؤلفات الذين ألفوا في الرجال لا يذكرون من كان في المعلقات، إلا أن يكون له رواية عن بقية أصحاب الكتب الستة غير أبي داود عن طريق الاتصال وليس في التعليق، فإنهم يذكرون ذلك، وهذا له ترجمة في لسان الميزان.

    كتابا لسان الميزان وميزان الاعتدال

    وبالمناسبة لسان الميزان هذا كتاب يعتبر إضافة إلى الكتب التي ألفت في رجال الكتب الستة، بمعنى: أن الذين يوجدون في لسان الميزان لا يوجدون في كتاب تهذيب الكمال والكتب التي تفرعت عنه، وهذا يعني أن فيه إضافة رجال إلى رجال، فرجل من رجال الكتب الستة لا يبحث عنه في لسان الميزان؛ لأن الذين في لسان الميزان كلهم خارجون عن رجال الكتب الستة، وعلى هذا فإذا كان الإنسان عنده تهذيب التهذيب أو تهذيب الكمال، وعنده لسان الميزان فيعلم أنه لا تكرر أو ازدواجية فيما بينهما بحيث إنه يأتي هنا ويأتي هنا، بل من كان من رجال أصحاب الكتب الستة فإنه يكون موجوداً في تهذيب الكمال وما تفرع عنه، وما لم يكن من رجال الكتب الستة فإنه يكون في لسان الميزان، وأما الميزان ففيه من رجال الكتب الستة، وفيه من غيرهم؛ لأن الذهبي رحمه الله في الميزان ذكر رجالاً ثقات ليدافع عنهم، ولينكر على من قدح فيهم، فمقصوده من إيرادهم هو الدفاع عنهم والذب عنهم، والإنكار على من ذكرهم في كتب الضعفاء أو قدح فيهم لأمر من الأمور التي لا يستحق أن يقدح بها.

    وله عبارات شديدة على من ينتقد أو يتكلم في بعض الرواة، فمن عباراته الشديدة أنه لما جاء عند ترجمة عبد الرحمن بن أبي حاتم ، وهو حافظ ابن حافظ وإمام ابن إمام، وهو صاحب الجرح والتعديل، وله كتاب الرد على الجهمية -ولكن لا نعلم له وجوداً- وكان الحافظ ابن حجر ينقل عنه في فتح الباري، وهو فاضل ومحدث وإمام، ومع هذا أورده الذهبي في كتاب الميزان من أجل أن أبا الفضل السليماني ذكره في كتاب الضعفاء، فقال: أورده أبو الفضل السليماني في الضعفاء فبئس ما صنع! يعني: من أن عبد الرحمن بن أبي حاتم يستحق أن يذكر في الضعفاء، وما ذكروا عنه شيئاً إلا أنه ممن يقول بتفضيل علي على عثمان ، وهذه مسألة لا يبدع من يقول بها.

    أي أن مسألة التفضيل بين علي وعثمان لا يبدع بما، وإن كان المشهور الذي استقر عليه أهل السنة أن عثمان مقدم على علي ، كما جاء عن ابن عمر أنه قال: (كنا نخير والرسول صلى الله عليه وسلم حي فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ) ولكن جاء عن بعض أهل السنة مثل عبد الرحمن بن أبي حاتم ، وعبد الرزاق ، وابن جرير ، والأعمش ، وعدد قليل من العلماء أنهم يفضلون علياً على عثمان.

    هذا فيما يتعلق بالفضل، وأما بالنسبة للخلافة فلا يقدحون في خلافة عثمان ، ولا يرون أن علياً مقدم على عثمان ، ولهذا قال بعض أهل العلم: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأنهم قدموا عثمان ، وهو الأحق بالخلافة، ورأيهم هو الذي يجب أن يتابع، ولكن من ناحية الفضل قد يولى المفضول مع وجود الفاضل، فالشيء الذي تكلم في عبد الرحمن بن أبي حاتم من أجله هو تقديم علي على عثمان ، وهذه لا تؤثر ولا يبدع من قال بها، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية، وإنما يبدع من يرى أنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على اتفاق الصحابة، ومخالفة للصحابة، والصحابة هم أدرى وهم أعلم وهم الذين يعول على كلامهم بذلك رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وكذلك عندما ترجم لـعلي بن المديني ، فإنه ذكر عن العقيلي أنه ذكره في الضعفاء، وتكلم فيه واشتد في الكلام عليه، ودافع عن ابن المديني وقال: إن البخاري يقول: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني ، ثم يقول: أما لك عقل يا عقيلي ! تتكلم في علي بن المديني ؟! وعلي بن المديني هو الإمام الذي يقول فيه الإمام البخاري كذا وكذا، وذكر عبارات قوية في دفاعه عنه.

    أما ابن حجر رحمة الله عليه فاصطلاحه في كتاب اللسان أن كل رجل له ذكر في الكتب الستة لا يتعرض له، واللسان كما هو معلوم زمنه متأخر، يعني: أنه يذكر تراجم رواة إلى زمانه وإلى قريب من زمانه، فيذكر رجالاً من القرن السادس والسابع، ولهذا يمكن البحث عن الرجال المتأخرين في مثل اللسان، وفي مثل الميزان، ولا يبحث عنهم في تهذيب الكمال؛ لأن تهذيب الكمال خاص برجال الكتب الستة، وآخر أصحاب الكتب الستة موتاً هو النسائي ؛ إذ توفي سنة (303هـ)، فالرجال الذين في سنن النسائي لعل آخرهم يكون موته في أوائل القرن الرابع، أو منتصف القرن الرابع، وبعد ذلك لا يبحث عن الرجل في مثل هذه الكتب، ولكن يبحث عنه في اللسان وفي الميزان، وإذا ما وجد للرجل ترجمة في التهذيب وغيره فيمكن أن يبحث عنه في اللسان.

    تابع تراجم رجال إسناد طرق حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)

    قوله: [ وأبو عميس ].

    أبو عميس هو عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وزهير بن محمد ].

    زهير بن محمد ثقة، ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وما دام أنه خرج له أصحاب الكتب الستة فهو لا يكون ضعيفاً، وإنما معناه: أنه قدح فيه، ولكن لا يعني ذلك أنه يكون ضعيفاً؛ لأنه خرج له أصحاب الكتب الستة ومنهم البخاري ومسلم .

    [ عن العلاء ].

    العلاء مر ذكره.

    إعلال عبد الرحمن بن مهدي لحديث: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )

    [ قال أبو داود : كان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لـأحمد : لمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.

    قال أبو داود : وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه ].

    أورد أبو داود قوله: (وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لـأحمد : لمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه).

    ثم قال أبو داود : (قال أحمد : ولم يكن عبد الرحمن يحدث به). يعني: لم يكن يحدث عبد الرحمن بن مهدي بهذا الحديث، قال: (لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم يصل شعبان برمضان)، وهذا فيه أن شعبان لا يوصل برمضان؛ لأنه قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموه)، فهو عنده يخالف ذلك، لكن كما ذكرنا أنه يوفق بين هذا وبين الأحاديث التي وردت في الوصل، بأنه يجوز فيما إذا كان للإنسان عادة أو نذر، أما أن يتعمد أنه يصوم يوم الشك، أو اليوم الذي قبله فهذا جاء النهي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هناك وصل وعدم وصل، وصل في أمر جاء ما يدل عليه، ومنع من الوصل في أمر جاء ما يدل عليه.

    وقوله: (لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه) يعني: خلاف ما جاء في هذا الحديث أنه يصل.

    (قال أبو داود : وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه) يعني: أنه ما جاء إلا من رواية العلاء عن أبيه، ولكن رواية العلاء عن أبيه يحتج بها ويعول عليها، والأحاديث يمكن أن يجمع بينها على اعتبار أن الإنسان لا يصوم إلا في آخر شعبان من أجل رمضان، وأما إذا كان صيامه من أجل عادة واتصل بشهر رمضان فهذا جاء في السنة ما يدل عليه.