إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [246]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للزواج في الإسلام حرمة عظيمة، وقد عظم الله حق الزوج على زوجته، كما عظم حق الزوجة على زوجها، وأوجب عليه نفقتها وكسوتها، فيجب على كل من الزوجين أن يحفظ حق الآخر كما أمره الله تعالى.

    1.   

    حق الزوج على المرأة

    شرح حديث (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في حق الزوج على المرأة.

    حدثنا عمرو بن عون أخبرنا إسحاق بن يوسف عن شريك عن حصين عن الشعبي عن قيس بن سعد قال: (أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت -يا رسول الله- أحق أن نسجد لك. قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال: قلت: لا. قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق) ].

    أورد الإمام أبو داود هنا [ باب في حق الزوج على المرأة ] يعني حق الزوج على زوجته، ثم ذكر بعد ذلك العكس، أي: حق الزوجة على زوجها.

    وكل من الزوجين له على الآخر حقوق، وقد جاءت السنة ببيان ذلك، وقد بدأ المصنف رحمه الله بحق الزوج على امرأته، وهذا الحق هو أنها تسمع له وتطيع فيما هو له في غير معصية، وتقوم بشئون بيته وتربية أولاده في بيته والقرار في بيته وعدم الخروج إلا بإذنه، وغير ذلك من الأمور التي هي مطلوبة من النساء للرجال.

    وقد بدأ أبو داود رحمه الله بحديث قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما الذي فيه بيان عظيم حق الزوج على زوجته، وأن الأمر عظيم؛ إذ بين صلى الله عليه وسلم أنه لو كان آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمر الزوجة أن تسجد لزوجها، وذلك لعظيم حقه عليها، وهذا يدلنا على عظم حق الزوج على الزوجة، وأن على الزوجة أن تحرص على تأدية ذلك الحق العظيم الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم عظيم شأنه بأنه لو كان آمراً أحداً من البشر أن يسجد لأحد من البشر لأمر الزوجات أن يسجدن لأزواجهن، والسجود لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، ولكن هذا فيه بيان عظيم شأن حق الزوج على زوجته.

    فـقيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما ذكر أنه جاء الحيرة -وهي بلدة من بلاد فارس- فرآهم يسجدون لمرزبان لهم، والمرزبان هو الزعيم والكبير والقائد والمرجع، فلما رأى أن هذا يكون من المخلوقين للمخلوق قال: أحق من يفعل ذلك معه من المخلوقين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بهذا الذي شاهده وبهذا الذي رآه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: [ (أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟)] قال: قلت: لا.

    قال: [ (فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق) ].

    يعني: للرجال على النساء وللأزواج على الزوجات من الحق، أي: من عظيم الحق.

    فذلك الحق عظيم، يدل على عظمه هذا الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر لا يكون؛ أنه لو كان سائغاً لكان الأولى والأحق به الزوج.

    والحديث فيه هذه الجملة التي فيها [ (أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟) ] ولم تأت من غير هذا الطريق، وهذا الطريق فيه شريك بن عبد الله النخعي الكوفي ، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وساء حفظه لما ولي القضاء، فهي مما تفرد به ولم يتابع عليه، فتكون غير صحيحة.

    وأما باقي الحديث فقد جاءت أحاديث أخرى تدل على ما دل عليه.

    وأما ما يفعله بعض الناس الجهلة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوى المحبة والتعظيم فهو غير صحيح وغير جائز.

    والمحبة تكون باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والسير على منهاجه واتباع سنته وعدم الخروج عليها وعدم مخالفتها، والنبي صلى الله عليه وسلم ما جاء عنه شيء يدل على ذلك، فتعظيمه يكون بمحبته واتباعه والسير على منهاجه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، وأن لا يعبد الله إلا وفقاً لما جاء به صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي يجب ويتعين، ولا يجوز تجاوز الحد بأن يصرف للرسول صلى الله عليه وسلم شيء لا يجوز صرفه له، مثل الركوع أو السجود أو الصلاة إلى قبره وما إلى ذلك، فكل ذلك غير سائغ وغير جائز.

    تراجم رجال إسناد حديث (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد ...)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا إسحاق بن يوسف ].

    هو إسحاق بن يوسف الأزرق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي ، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وساء حفظه لما ولي القضاء، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن حصين ].

    هو حصين بن عبد الرحمن ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الشعبي ].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قيس بن سعد ].

    هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومما يذكر عن قيس هذا رضي الله عنه أنه كان من أطول الرجال، وذكر الحافظ في الفتح أن رجلاً من الروم قال: إنه طويل وإنه يريد أن يطاول غيره، فقالوا لـقيس رضي الله تعالى عنه في ذلك فأعطاهم سراويله ليلبسه ذلك الرومي، فلما لبسه صار أسفله في الأرض وأعلاه على أنفه.

    شرح حديث (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه بيان وجوب إجابة المرأة لزوجها إذا دعاها لحاجته إليها، وأن عليها أن تستجيب ولو كانت مشتغلة بعمل من الأعمال المهمة، فإن لم تجبه وبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح، وهذا يدلنا على عظم هذا الذنب؛ لأنه يلعن عليه، فدل ذلك على عظمه وعلى خطورته، وأن من حق الزوج على الزوجة أن تجيبه إذا دعاها لحاجته إليها، ولو كانت في حاجة مهمة فإنها تستجيب له وتلبي طلبه، وهذا يدلنا على عظم شأن حق الزوج على زوجته.

    قوله: [ (فلم تأته) ] يعني: لم تجبه إلى طلبه [ (فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة) ] أي أن هذه الزوجة الممتنعة التي لم تلب الطلب لزوجها فبات وهو غضبان عليها فإن الملائكة تلعنها حتى تصبح.

    وقوله: [ (فبات غضبان) ] قيد اللعن بهذا، أي: أما إذا لم يغضب عليها وإنما عذرها وتركها على ما هي عليه وما وجد منه غضب فإنها لا تستحق اللعن.

    وإذا كانت المرأة حائضاً وكان بحاجة إلى الاستمتاع بها في غير الفرج فإن عليها أن تجيبه.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عمرو الرازي ].

    محمد بن عمرو الرازي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حازم ].

    هو سلمان الأشجعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    حق المرأة على زوجها

    شرح حديث (ما حق زوجة أحدنا عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في حق المرأة على زوجها.

    حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد أخبرنا أبو قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت -أو: اكتسبت- ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت).

    قال أبو داود : ولا تقبح: أن تقول: قبحك الله ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [ باب في حق المرأة على زوجها ] وهي عكس الترجمة السابقة في حق الزوج على المرأة، فهنا حق المرأة على الزوج.

    وحق المرأة على الزوج أنه يطعمها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف، هذا هو حق الزوجة على زوجها.

    وأورد أبو داود حديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: [ ما حق زوجة أحدنا عليه ].

    وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على معرفة الأحكام والواجبات عليهم حتى يقوموا بتأديتها وحتى يقوموا بما هو مطلوب منهم فيها؛ لأنه سأل عما يجب للزوجات على الأزواج، حتى يقوم الأزواج بتأدية ذلك الحق الذي عليهم. وهذا يدل على ما كانوا عليه من الحرص على معرفة ما هو واجب عليهم وما هو مطلوب منهم حتى يؤدوه ويقوموا بإيصاله إلى من يستحقه.

    فبين له عليه الصلاة والسلام فقال: [ (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت -أو: اكتسبت- ولا تضرب الوجه) ] يعني: إذا ضرب الضرب السائغ الذي هو مأذون له فيه فإنه لا يضرب الوجه، وذلك لأن الوجه فيه العينان وفيه الأنف وفيه الأذنان وفيه الفم واللسان، فيترتب على ذلك تعطيل شيء من هذه المنافع إذا حصل التعدي على المرأة بالضرب في وجهها.

    ثم إن الوجه لا يضرب في جميع الأحوال، وذلك في حق الرجال وحق النساء، والحديث هو في معاملة الرجال للنساء، ولكنه يشمل غير النساء، كما في تأديب الأولاد ونحو ذلك، فيتقى الوجه لما يخشى أن يترتب على ضربه من تعطيل المنافع التي فيه.

    وعليه فإنه يقال للاعبي الملاكمة: لا تضربوا الوجوه، فالنهي عام يشمل كل الأحوال، ومنها الأمور الرياضية.

    وقد جاء في الحديث تعليل ذلك بأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وهذا الحديث اختلف في تفسيره على أقوال، منها أن الضمير يرجع إلى الله، وأن المقصود منه أنه متكلم سميع بصير، وإن كان ما يضاف إلى الله عز وجل يختلف عما يضاف إلى المخلوقين.

    وقيل: إن الضمير يرجع إلى آدم، وهو أنه خلق أول ما خلق على هيئته التي هو عليها طوله ستون ذراعاً، ولم يكن خلق على هيئة صغيرة وكبر شيئاً فشيئاً كما تنمو ذريته، وإنما خلق أول ما خلق وطوله ستون ذراعاً، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والمشهور عند علماء أهل السنة وعند أهل الحديث أن الضمير يرجع إلى الله، وأن الله عز وجل يوصف بأن له صورة، ولكن تلك الصورة هي على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والله تعالى لا يشابه المخلوقين في صفاتهم، والمخلوقون لا يشابهون الله عز وجل في صفاته، بل صفات الباري تليق بكماله وجلاله، وصفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم، والصورة هي الصفة.

    [ ولا تقبح ] أي: بأن يخاطبها بما هو قبيح وبما هو غير لائق، ومن ذلك أن يقول: قبحك الله. فإن التقبيح يدخل فيه (قبحك الله) ويدخل فيه كل وصف لا يليق ولو كان غير لفظ التقبيح.

    قوله: [ (ولا تهجر إلا في البيت) ].

    يعني: عندما يهجر الإنسان امرأته الهجر المشروع الذي يسوغ له فإنه لا يهجر إلا في البيت، وليس معنى ذلك أنه يهجر البيت فلا يأتي إليها في البيت، وإنما المعنى أنه يكون معها ولكنه يهجرها في المضجع، فلا يجامعها تأديباً لها إذا كان الأمر يقتضي ذلك.

    وقوله: [ (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) ] ليس معناه أنه لا يطعمها إلا إذا طعم، ولا يلبسها إلا إذا لبس هو، بل المراد أنه كما يطعم نفسه ويلبس نفسه فإنه يطعمها ويكسوها، وليس بلازم أنه لا يكون ذلك إلا عندما يفعله هو، وإنما يقدم لها الشيء المطلوب منه الواجب لها عليه.

    ومعلوم أنه غالباً ما يأكل أهل البيت في وقت واحد، فليس المعنى أنه لابد من أن يكون هذا مع هذا.

    فالمهم أن يحصل لها الطعام وتقدم لها النفقة وتقدم لها الكسوة، أو تعطى النقود التي تشتري بها ما تحتاج إليه من الكسوة، فالمهم أن يكسوها ويطعمها.

    وحد ذلك هو المعروف، فالنفقة بالمعروف، وكل بحسبه، كما قال الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    والنفقة حق واجب على الزوج لزوجته حضر أو غاب، فإذا لم يجد الزوج في وقت فأنفقت المرأة على نفسها أو اقترضت لتنفق على نفسها فإن الزوج يلزم بدفع ما اقترضته أو ما أنفقته على نفسها.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما حق زوجة أحدنا عليه)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة ، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا أبو قزعة الباهلي ].

    هو سويد بن حجير ، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن حكيم بن معاوية ].

    حكيم بن معاوية صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    هو معاوية بن حيدة ، صحابي أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    شرح حديث (نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا بهز بن حكيم حدثني أبي عن جدي رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! نساؤنا! ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: ائت حرثك أنى شئت، وأطعمها إذا طعمت واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب) قال أبو داود : روى شعبة (تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت) ].

    أورد أبو داود حديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [ نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر ] يعني: كيف يكون الاستمتاع بهن؟

    فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الاستمتاع يكون في محل الحرث، وهو الفرج على أي حال وفي أي اتجاه، سواء كان من أمامها أم من ورائها، فالمهم أن يكون في محل الحرث، كما قال الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] فبين صلى الله عليه وسلم أن الاستمتاع والانتفاع إنما يكون في محله، ولكنه ليس مقيداً بجهة معينة، بل على أي جهة وعلى أي حال ما دام أنه في الفرج.

    قوله: [ (وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا كتسيت، ولا تقبح الوجه، ولا تضرب) ].

    هذا مثل الذي قبله، فليس للرجل أن يضرب امرأته، وإذا احتاج إلى الضرب فإنه يضربها ضرباً غير مبرح، وذلك هو الذي جاء فيه الإذن بقوله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34].

    وقوله: [ قال أبو داود : روى شعبة (تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) ].

    هذه طريق ثانية للحديث، وفيها مثل ما في قبلها.

    تراجم رجال إسناد حديث (نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر)

    قوله: [ حدثنا ابن بشار ].

    هو محمد بن بشار ، الملقب بـبندار ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا بهز بن حكيم ].

    بهز بن حكيم صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ حدثني أبي عن جدي ].

    أبوه وجده قد مر ذكرهما، والحديث من رواية من روى عن أبيه عن جده.

    شرح حديث (أطعموهن مما تأكلون)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني أحمد بن يوسف المهلبي النيسابوري حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين حدثنا سفيان بن حسين عن داود الوراق عن سعيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية القشيري رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقلت: (ما تقول في نسائنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن، ولا تقبحوهن) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله فيه ذكر الكسوة والإطعام والنهي عن الضرب وعن التقبيح.

    ولكن -كما عرفنا- جاء في القرآن ما يدل على جواز الضرب، ولكن هذا الضرب إنما يكون على وجه لا يلحق ضرراً بالمرأة المضروبة، وإنما يحصل به المقصود ولا يحصل معه ضرر يعود عليها في جسمها بالعيب أو بالضرر.

    تراجم رجال إسناد حديث (أطعموهن مما تأكلون)

    قوله: [ أخبرني أحمد بن يوسف المهلبي النيسابوري ].

    أحمد بن يوسف المهلبي النيسابوري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين ].

    عمر بن عبد الله بن رزين صدوق له غرائب، أخرج له مسلم وأبو داود.

    [ حدثنا سفيان بن حسين ].

    سفيان بن حسين وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن داود الوراق ].

    داود الوراق مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن سعيد ].

    هو سعيد بن حكيم ، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    والرواية هنا فيها ثلاثة أوجه كما ذكر في عون المعبود، وجه أن سعيداً يروي عن أبيه عن جده، ووجه أنه يروي عن أخيه بهز عن أبيه عن جده، ووجه أن الرواية إنما هي عن بهز مباشرة عن أبيه عن جده.

    وهذه الرواية هي مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وكلتا الروايتين أصحابهما صدوقون، وعليه فإذا صح السند إلى بهز وعمرو فإن الحديث يكون حسناً. على أن المنذري قد ذكر أن نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مختلف فيها.

    1.   

    ضرب النساء

    شرح حديث (فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في ضرب النساء.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع) قال حماد : يعني: النكاح ].

    أورد أبو داود : [ باب في ضرب النساء ] وضرب النساء جاء به القرآن، ولكنه على وجه لا يكون مؤثراً ولا يكون مبرحاً، وإنما يحصل به التأديب من غير مضرة، ولو أمكن أن يصار في التأديب إلى غير الضرب وأن تحصل معالجة الأمر بدونه فلا شك في أن ذلك أولى، ولكن إذا احتيج إليه فليكن على وجه لا يؤثر ولا يلحق ضرراً بالمرأة المضروبة.

    وأورد أبو داود حديث أبي حرة عن عمه رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع) ].

    وقوله: [ قال حماد : يعني النكاح ].

    أي أن الهجر في المضجع هو أن لا يجامعها، فينام معها في الفراش لكن لا يجامعها، والحديث يتعلق بالهجر ولا يتعلق بالضرب، ولكن سيأتي ما يتعلق بالضرب.

    تراجم رجال إسناد حديث (فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد عن علي بن زيد ].

    موسى بن إسماعيل وحماد مر ذكرهما وعلي بن زيد هو ابن جدعان ، وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي حرة الرقاشي ].

    قيل: اسمه حنيفة . وقيل: حكيم . ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ عن عمه ].

    قيل: اسمه حذيم بن حنيفة . وقيل: عمر بن حمزة . وهو صحابي له حديث واحد.

    شرح حديث (لا تضربوا إماء الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن أبي خلف وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله -قال ابن السرح : عبيد الله بن عبد الله - عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ذئرن النساء على أزواجهن. فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم) ].

    أورد أبو داود حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (لا تضربوا إماء الله) ] فهذا نهي عن الضرب، فجاء عمر رضي الله عنه وقال: [ (ذئرن النساء على أزواجهن) ] ومعناه أنهن تجرأن عليهم وحصل منهن تطاول يحتجن معه إلى التأديب.

    (فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في ضربهن) وهذا يدل على أن الترخيص جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في القرآن وَاضْرِبُوهُنَّ .

    وفي قوله: [ ذأرن النساء ] جمع بين الضمير والاسم الظاهر، وهي اللغة التي يسمونها (لغة أكلوني البراغيث) وقد جاء بها القرآن والحديث، وذلك في قول الله عز وجل: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواَ [الأنبياء:3] وفي الحديث (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) فهي لغة من اللغات.

    قوله: [ فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن ].

    معناه أنه بعد ما حصل الترخيص حصل الضرب، فجاء النساء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون أزواجهن لحصول الضرب منهم، فقال صلى الله عليه وسلم في حق ضاربي زوجاتهم: [ (ليس أولئك بخياركم) ] يعني الذين يضربون النساء.

    فالضرب وإن كان مرخصاً فيه إلا أنه لا ينبغي أن يصار إليه إلا للضرورة، وليس المعنى أنه حين وجدت الرخصة يتهاون بالضرب ويحصل إيذاؤهن بالضرب، وإنما يصار إلى الضرب عند الضرورة إليه، كالكي بالنسبة للعلاج لا يصار إليه إلا عند الضرورة وعند الحاجة.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تضربوا إماء الله)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن أبي خلف وأحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ قالا: حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن عيينة المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عبد الله ].

    هو عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ قال ابن السرح : عبيد الله بن عبد الله ].

    عبيد الله هو أخو عبد الله ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب ].

    إياس بن عبد الله بن أبي ذباب مختلف في صحبته، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    شرح حديث (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته) ].

    أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته) ] يعني أن له هذا الحق وأنه لا يعترض عليه، وقد يكون المعنى أنه لا يسأل عن الأسباب، إذ قد يكون الإفصاح عنها فيه حرج عليه. ولكن الحديث غير ثابت؛ لأن فيه عبد الله المسلي ، وهو مقبول، فالحديث غير صحيح، والضرب لا يصار إليه إلا عند الضرورة ومع حصوله يكون خفيفاً وسهلاً وغير مبرح.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    هو زهير بن حرب أبو خيثمة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].

    عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو عوانة ].

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن داود بن عبد الله الأودي ].

    داود بن عبد الله الأودي ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن المسلي ].

    عبد الرحمن المسلي مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن الأشعث بن قيس ].

    الأشعث بن قيس رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمر بن الخطاب ].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.