إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [090]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة في الجماعة جملة من الأحكام الشرعية التي تخصها، ومن ذلك كراهة الصلاة بين السواري، وأن يكون أولو الأحلام والنهى خلف الإمام للفتح عليه ولسد حاجة الاستخلاف، وأن يكون الإمام محاذياً لوسط الصف، وما يتعلق بصلاة المنفرد خلف الصف، واتخاذ السترة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية العملية التي ينبغي للمسلم معرفتها.

    1.   

    شرح حديث أنس في اتقائهم الصلاة بين السواري

    قال المصنّف رحمه الله تعالى: [ باب الصفوف بين السواري.

    حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن هانئ ، عن عبد الحميد بن محمود أنه قال: صليت مع أنس بن مالك رضي الله عنه يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس : (كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب الصفوف بين السواري ].

    والسواري هي: الأعمدة التي تكون في المسجد، والصف بينها لا يجوز؛ لأنها تقطع الصفوف، لكن إذا كان المسجد قد امتلأ، واستكملت الصفوف بالمصلين، واحتاج الناس إلى أن يصفوا بين السواري فلهم ذلك، لكن لا يصف المرء منفرداً بين العمودين، وإنما يصف اثنان فأكثر؛ حتى لا يكون المصلي وحده منفرداً.

    إذاً: فالصلاة بين السواري لا تسوغ؛ لأنها تقطع الصفوف، ولكنها تجوز عند الحاجة إليها، وذلك عند امتلاء المسجد، واحتياج الناس إلى ذلك كما هو الحال في المسجد الحرام والمسجد النبوي في موسم الحج، حيث يكثر الناس، ويمتلأ المسجد، ويحتاج الناس إلى أن يصفوا بين السواري، فإن ذلك سائغ ولا بأس به.

    وكذلك إذا صلى الإنسان منفرداً متنفلاً، أو مفترضاً منفرداً قد فاتته الصلاة، فإذا صلى بين ساريتين إلى سترة فإنه لا بأس بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في الكعبة بين عمودين، فإذا صلى المنفرد بين عمودين فلا بأس بذلك؛ لأن المحذور هو تقطع الصفوف، والمنفرد ليس له شأن في هذا، ولكن كونه يصلي إلى عمود أو سارية يجعلها سترة له هو الأولى.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الحميد بن محمود أنهم كانوا يدفعون من بين السواري، فإما أن يتقدموا وإما أن يتأخروا.

    قوله: [ فدفعنا إلى السواري ] يعني: عما بين السواري، وقوله: [ فتقدمنا أو تأخرنا ] أي: تقدموا إلى ما قبل السواري، أو تأخروا إلى ما بعد السواري من الصفوف، ولم يمكَّنوا من أن يصفوا بين السواري؛ لأنها تقطع الصفوف، لكن هذا حيث يكون المسجد فيه سعة، ولا يحتاج الناس إلى الصلاة بين السواري.

    ثم روى عن أنس قوله: [ (كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ] يعني: كنا نتقي أن نصف بين السواري، وإنما نصف في الصفوف المتصلة التي لا تكون بين السواري.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في اتقائهم الصلاة بين السواري

    قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ].

    هو الملقب بندار ، البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن ].

    هو ابن مهدي ، البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو ابن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة فقيه، وصف بأنَّه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن هانئ ].

    يحيى بن هانئ ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عبد الحميد بن محمود ].

    عبد الحميد بن محمود صدوق ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أنس ].

    أنس رضي الله عنه هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد يكون الصف طويلاً فيه المائة أو أكثر من ذلك، ولكنه بين السواري، فإذا صف الناس في الصف الطويل المكون من مائة أو مائة وخمسين رجلاً وفي طرفه عمود يقطع، فهل يدخل في الكراهة؟

    الجواب: مادام أن هناك صفوفاً وراء هذين العمودين، وصفوفاً أمامها، فلا ينبغي أن يصف بين العمودين، أو في المكان الذي يقطعه العمودان، وإنما يكون الصف قبلهما أو بعدهما.

    1.   

    شرح حديث: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر.

    حدثنا ابن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر ، عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي [ باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر ] يعني: من الذي يستحب أن يكون وراء الإمام في الصف الذي يلي الإمام، بحيث يكون وراءه مباشرة؟

    والمقصود أنه يكون في هذا المكان ذوو الأحلام والنهى، ومن يكون من البالغين العقلاء، ومن أهل العلم والمعرفة؛ لأنه إذا كان وراء الإمام من كان كذلك فإنه يفتح عليه إذا حصل منه خطأ في القراءة، وكذلك -أيضاً- لو احتيج إلى الاستخلاف فيكون ذلك الذي يليه صالحاً للاستخلاف إذا طرأ على الإمام شيء في صلاته وأراد أن يقدم أحداً مكانه، فإذا كان الذي يليه من ذوي الأحلام والنهى، ومن أصحاب العقول، ومن أصحاب العلم والمعرفة، فإنه يتقدم ويكمل الصلاة، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإنه يتقدم وهو لا يحسن الإمامة، ولا يحسن القراءة، فينبغي أن الذي يليه يكون كبيراً، وعاقلاً، وفاهماً، وعنده علم ومعرفة؛ فإن ذلك فيه عدة فوائد.

    ولهذا أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) ] يعني الكبار البالغين، فالأحلام قيل: المراد بأهلها من بلغوا الحلم، وهم الذين تجاوزوا الصغر وصاروا من المكلفين.

    والنُهى: جمع نُهية، وهي: العقل، وسمي العقل نُهية لأنه ينهى صاحبه عما لا ينبغي، وتأتي الأحلام أيضاً بمعنى العقول، كما في قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور:32].

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: [ (ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ]، يعني أن يلي الإمام من يكونون صالحين للإمامة، ومن يكون عندهم علم ومعرفة ليفتحوا على الإمام إذا حصل منه خطأ في القراءة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهكذا.

    وقوله: [ وكراهية التأخر ]، يعني: التأخر عن إتمام الصفوف الأول، بحيث ينشأ الصف الثاني قبل اكتمال الأول، أو الثالث قبل اكتمال الثاني، وهكذا، فهذا من التأخر.

    تراجم رجال إسناد حديث (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ...)

    قوله: [ حدثنا ابن كثير ].

    هو: محمد بن كثير العبدي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة، مر ذكره.

    [ عن الأعمش ].

    هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمارة بن عمير ].

    هو: ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي معمر ].

    هو: عبد الله بن سخبرة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي مسعود ].

    هو: عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    شرح حديث: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا خالد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وزاد: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق) ].

    أورد أبو داود حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهو مثل الذي قبله: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وفيه زيادة: [ (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) ] أي: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وذلك بعدم تسوية الصفوف، وحصول التقدم والتأخر في الصف، وكذلك التأخر عن الصفوف الأُول.

    وقوله: [ (وإياكم وهيشات الأسواق) ] المقصود به: اللغط والكلام الذي لا قيمة له مما يكون في الأسواق، وكذلك الكلام الذي لا يليق، فإن هذا هو المقصود بهيشات الأسواق، فيمنع ذلك في المساجد؛ لكون الأسواق فيها رفع للأصوات، وفيها اللغط، وفيها الكلام الذي لا ينبغي، وكل هذا مما تنزه وتصان عنه المساجد.

    وكذلك بالنسبة للأسواق، فينبغي على من كان في السوق أن يجتنب الأشياء التي لا قيمة لها، وأن يجتنب الأشياء التي لا تنبغي، والأشياء التي يحاسب عليها الإنسان، فعلى الإنسان أن يصون المسجد عما لا ينبغي، وأن لا يعامل المساجد معاملة الأسواق، وكذلك -أيضاً- ينبغي له أن يبتعد عن اللغط وما لا ينبغي وإن كان في السوق، وأما المسجد فينبغي أن ينزه عما في السوق مما يذم أو يحمد.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)، وذلك أن المساجد محل ذكر الله عز وجل، ومحل الصلاة والعبادة، وأما الأسواق فهي محل اللغط والكلام الذي لا ينبغي، فكانت المساجد أحب البقاع إلى الله عز وجل، والأسواق أبغض البقاع إلى الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)

    قوله: [حدثنا مسدد ].

    هو: مسدد بن مسرهد ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يزيد بن زريع ].

    هو: ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد ].

    هو: ابن مهران الحذاء ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي معشر ].

    هو: زياد بن كليب ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن إبراهيم ].

    هو: ابن يزيد بن قيس النخعي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    هو: ابن قيس بن يزيد النخعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو: ابن مسعود الهذلي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    شرح حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا معاوية بن هشام ، حدثنا سفيان ، عن أسامة بن زيد ، عن عثمان بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة [ (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) ] يعني أن ميامن الصفوف أفضل من مياسرها، وأنها أولى من مياسرها، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن كون الإنسان يصلي في يمين الصف لا شك أنه هو الأولى؛ لعموم الأدلة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعجبه التيمن، واستعمال اليمين، وتقديم اليمين، واختيار اليمين، وهذا في كل ما من شأنه الإكرام، وكل ما كان من الأمور الطيبة، وكذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصون على أن يكونوا في ميامن الصفوف؛ حتى إذا انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته يقابلهم بوجهه صلى الله عليه وسلم.

    فالخلاصة أن الحديث فيه ضعف، ولكن تدل على أفضلية ميامن الصفوف على مياسرها عمومات الأدلة التي تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)

    [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    هو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا معاوية بن هشام ].

    معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في (الأدب المفرد)، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سفيان ، عن أسامة بن زيد ].

    سفيان هو: الثوري مر ذكره، وأسامة بن زيد الليثي صدوق يهم، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عثمان بن عروة ].

    عثمان بن عروة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن عروة ].

    هو: عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي من أوعية السنة وحفظتها، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة، وهذه المرأة الواحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    مقام الصبيان من الصف

    شرح حديث: (ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب مقام الصبيان من الصف.

    حدثنا عيسى بن شاذان ، حدثنا عياش الرقام ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا قرة بن خالد ، حدثنا بديل ، حدثنا شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري رضي الله عنه: (ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال: هكذا صلاة، قال عبد الأعلى : لا أحسبه إلا قال: صلاة أمتي ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب مقام الصبيان من الصف ] والمقصود من هذه الترجمة والحديث الذي أورده تحتها أن الصبيان يصفون وراء الرجال، وذلك للحديث الذي أورده أبو داود وفيه كلام، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، ولما جاء عن ابن عباس أنه قال: (ما كنا نعرف انقصاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير) قيل: لأنه كان مع الصبيان، وصف الصبيان يكون متأخراً.

    وكذلك يكون الحكم في الجنائز عندما يكون فيها كبار وصبيان ونساء، فإنه يقدم الكبار، ثم الصبيان، ثم النساء وراءهم، وهكذا بالنسبة للصفوف في الصلاة، فيكون الرجال أولاً ثم الصبيان، ثم النساء وراءهم، وهذا فيما إذا لم يترتب على ذلك مضرة بأن يحصل منهم لعب وتشويش وما إلى ذلك، وإلا فإنهم إذا صفوا وهم مميزون مع الناس فلا بأس بذلك، لكن لا يكونون في الصفوف المتقدمة، ولا يكونون قريبين من الإمام؛ لأن هذا يخالف ما جاء عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).

    وقد أورد الإمام أبو داود رحمه الله حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه قال: [ ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان ] يعني: جعل الرجال يصفون في الصفوف الأول، والغلمان يصفون وراءهم، وقال: [ هكذا صلاة ] من غير إضافة.

    قال عبد الأعلى : [ لا أحسبه إلا قال: صلاة أمتي ].

    وقوله: [ (صلاة أمتي) ] يعني أنهم يصفون بهذه الطريقة: الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء وراءهم إذا كان معهم نساء.

    تراجم رجال إسناد حديث (ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ...)

    قوله: [حدثنا عيسى بن شاذان ].

    عيسى بن شاذان ثقة، أخرج له أبو داود وحده.

    [ حدثنا عياش الرقام ].

    هو عياش بن الوليد الرقام ، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود و النسائي .

    [ حدثنا عبد الأعلى ].

    هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا قرة بن خالد ].

    قرة بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا بديل ].

    هو ابن ميسرة العقيلي ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا شهر بن حوشب ].

    شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، وحديثه أخرجه البخاري في (الأدب المفرد)، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن بن غنم ].

    عبد الرحمن بن غنم قيل: إنه معدود في الصحابة، وقيل: من ثقات التابعين، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن.

    [عن أبي مالك الأشعري ].

    أبو مالك الأشعري رضي الله عنه حديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    وفي سند هذا الحديث شخص متكلم فيه، وهو شهر بن حوشب.

    1.   

    صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول

    شرح حديث: (خير صفوف الرجال أولها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول.

    حدثنا محمد بن الصباح البزاز ، حدثنا خالد وإسماعيل بن زكريا ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب صف النساء، وكراهية التأخر عن الصف الأول ]، يعني: في حق الرجال؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث ذكر كراهية التأخر، والنساء يؤخرن عن الرجال، وصفوفهن تكون مؤخرة عن صفوف الرجال، ولو كانت هناك امرأة واحدة فإنها تصف وحدها، كما جاء في حديث أنس : (صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز خلفنا)، بل إن الرجل إذا صلى ومعه امرأة فإنها تصف وراءه، ولا تصف بجواره؛ لأن صفوف النساء مؤخرة عن صفوف الرجال، ولا يصاف الرجل امرأة، وكذلك المرأة لا تصاف رجلاً، وإنما تصاف المرأة المرأة، أو تكون صفاً وحدها.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة [ (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) ]، فكان خير صفوف الرجال أولها لقربه من الإمام، ولبعده عن النساء، وكان شر صفوف الرجال آخرها لبعده وتأخره عن الإمام، ولقربه من النساء، وكان خير صفوف النساء آخرها لبعده عن الرجال، وكان شرها أولها لقربه من الرجال، فقد تحصل فتنة.

    وكون خير صفوف النساء آخرها هذا فيما إذا كانت الصفوف متصلة، أو أن الرجال ليس بينهم وبين النساء فاصل، لكن إذا وجد مصلى خاص بالنساء، فلا الرجال يرون النساء، ولا النساء يرين الرجال، فإن تقدمهن في الصفوف الأول هو الأولى؛ لأن المحذور قد زال بوجود التميز والانفصال، فالمحذور يكون حيث يرى الرجال النساء والنساء يرين الرجال.

    فإذا وجد ما يحجز بينهما فإن النساء يتقدمن في الصفوف الأول، ولا يكن في الصف الآخر، فالمحذور قد زال، والذي يخشى منه -وهو فتنة الرجال بالنساء وفتنة النساء بالرجال- قد زال، فيتقدمن والحالة هذه كما لو صلين جماعة وحدهن، فإن الصفوف المتقدمة من صفوف النساء حيث يصلين وحدهن أولى وخير من الصفوف المتأخرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (خير صفوف الرجال أولها ...)

    قوله: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز ].

    محمد بن الصباح ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد ].

    هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وإسماعيل بن زكريا ].

    هو الخلقاني ، صدوق يخطئ قليلاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهيل بن أبي صالح ].

    سهيل بن أبي صالح صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    وهو أبو صالح ذكوان السمان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا عبد الرزاق ، عن عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار) ].

    هذا الحديث يتعلق بالشق الثاني من الترجمة السابقة، فقد قال: [ باب صفوف النساء، وكراهية التأخر عن الصف الأول ]، يعني: في حق الرجال، وليس في حق النساء؛ لأنّ كراهية التأخر عن الصف الأول إنما هو في حق الرجال، وكذلك في حق النساء إذا صلين وحدهن، فإنهن يتقدمن إلى الصف الأول ولا يتأخرن.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار) ] يعني أنهم يعاقبون، فيكون الجزاء من جنس العمل، حيث تأخروا ولم يقوموا بواجب تسوية الصفوف، وإكمال الصف الأول فالأول، فترتب على ذلك أن يؤخرهم الله في النار، وأن يعاقبهم في النار، فيكون هذا التأخر سبباً في تأخر الثواب عنهم، وفي وقوعهم في النار، وتأخرهم عمَّن يتقدم إلى الجنة، لكن من المعلوم أن كل من دخل النار وهو ليس من الكفار إنه لابد من أن يصل إلى الجنة، ولا يخلد في النار إلا الكفار الذين هم أهلها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول)

    قوله: [حدثنا يحيى بن معين ].

    يحيى بن معين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة بن عمار ].

    عكرمة بن عمار صدوق يغلط، وروايته عن يحيى بن أبي كثير مضطربة، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن يحيى بن أبي كثير ].

    يحيى بن أبي كثير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها.

    وهذا الحديث ضعيف، إلّا أنه وردت أحاديث بمعناه، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).

    وهذا الحديث هو في التأخر عن الصف الأول، وأما التخلف عن الجماعة فقد ورد فيه وعيد شديد ليس هذا مجال ذكره، فالحديث هنا هو عن التأخر عن الصف الأول، فترى الرجل يأتي المسجد ولكنه لا يبالي أين يصف، فيصف كيفما اتفق، والأصل -كما عرفنا- أنه لا ينشأ الصف الثاني إلا بعد اكتمال الصف الأول، ولا ينشأ الصف الثالث إلا بعد اكتمال الثاني، ولا ينشأ الرابع إلا بعد اكتمال الثالث، وهكذا.

    شرح حديث: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من قبلكم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي حدثنا أبو الأشهب ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بعض أصحابه تأخراً فقال: [ (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل) ] يعني أنّ الجزاء من جنس العمل، أي: تأخروا فأخروا عن دخول الجنة، وأخروا في النار، ولكن عرفنا من قبل أن من دخل النار ولم يكن كافراً لابد من أن يخرج منها وأن يدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبداً إلا الكفار الذين هم أهلها، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها.

    تراجم رجال إسناد حديث (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من قبلكم)

    قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو التبوذكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن عبد الله الخزاعي ].

    محمد بن عبد الله الخزاعي ثقة، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا أبو الأشهب ].

    هو جعفر بن حيان العطاردي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نضرة ].

    هو المنذر بن مالك ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو: سعد بن مالك بن سنان ، مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مقام الإمام من الصف

    شرح حديث: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب مقام الإمام من الصف.

    حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن يحيى بن بشير بن خلاد ، عن أمه أنها دخلت على محمد بن كعب القرظي فسمعته يقول: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وسطوا الإمام، وسدوا الخلل) ].

    أورد أبو داود [ باب مقام الإمام من الصف ] أي: أين يقف الإمام من الصف؟ هل يقف في وسطه، أو في طرفه من جهة اليمين، أو من جهة الشمال؟

    والجواب أنه يكون في وسط الصف ولا يكون في الطرف؛ لأنه إذا توسط سمعه من على اليمين ومن على الشمال، وإذا كان في الطرف فإنه لا يسمعه من كان في الجهة المقابلة، وكذلك إذا توسط الإمام فإنه يقتدي به من يكون حوله من جهة اليمين وجهة الشمال، بخلاف ما إذا كان في الطرف فإنه لا يشاهده ولا يراه إلا من كان في ذلك الطرف.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ (وسطوا الإمام، وسدوا الخلل) ].

    قوله: [ (وسطوا الإمام) ] أي: اجعلوه في الوسط عند الاصطفاف.

    وهذا الحديث فيه ضعف؛ إذ فيه مجهولان، لكن معناه صحيح، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يصلي لم يكن يصلي في الطرف، وإنما كان يصلي في الوسط، وكذلك المساجد عندما تبنى فإن محاريبها تكون في وسطها، ولا تكون في أطرافها.

    وأما قوله: [ (سدوا الخلل) ] فقد جاء في أحاديث عديدة، وقد مر بعضها في (باب تسوية الصفوف).

    تراجم رجال إسناد حديث (وسطوا الإمام وسدوا الخلل)

    قوله: [حدثنا جعفر بن مسافر ].

    جعفر بن مسافر صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن أبي فديك ].

    هو: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن بشير بن خلاد ].

    يحيى بن بشير بن خلاد مجهول الحال، أخرج حديثه أبو داود .

    [عن أمه ].

    وهي مجهولة، أخرج حديثها أبو داود .

    [ عن محمد بن كعب ].

    هو القرظي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وقد مر ذكره.

    1.   

    الرجل يصلي وحده خلف الصف

    شرح حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً صلى وحده خلف الصف بالإعادة

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب: الرجل يصلي وحده خلف الصف.

    حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر ، قالا: حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال بن يساف ، عن عمرو بن راشد ، عن وابصة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد) قال سليمان بن حرب : الصلاة ].

    ثم أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي:

    [ باب: الرجل يصلي وحده خلف الصف ] يعني: ما حكم صلاته؟ أي أن ذلك لا يجوز، وصلاته غير صحيحة كما دل عليه هذا الحديث على خلاف بين أهل العلم في ذلك، لكن الحديث الذي أورده أبو داود دال على أن صلاته غير صحيحة؛ لأنه أمره بالإعادة، وما ذلك إلا لعدم إجزاء الصلاة، ولو كانت مجزئة لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.

    وقد اختلف أهل العلم في صلاة المنفرد خلف الصف:

    فمنهم من أجاز ذلك، وقال: إن حديث أبي بكرة الذي سيأتي دال على ذلك؛ لأنه ركع قبل الصف، فما دام أن بعض أجزاء الصلاة وقع وهو منفرد، وصح منه ذلك، فإن صلاته كلها تكون كذلك؛ لأن جزءاً من أجزائها قد اعتُبر مع وقوعه دون الصف، فتكون الصلاة كلها صحيحة ومعتبرة، قالوا: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة إنما هو من أجل الاستحباب، وذلك جمع بينه وبين حديث أبي بكرة .

    وقال بعض أهل العلم: إن صلاته خلف الصف وحده لا تجوز، وإذا فعل ذلك فإن صلاته لا تصح، وعليه أن يعيدها؛ لظاهر الحديث.

    وأما حديث أبي بكرة رضي الله عنه فقالوا: إنه دبّ راكعاً وأدرك الركوع وراء الإمام في الصف، وعلى هذا فلم يحصل شيء مستقل في ركوعه دون الصف، ولكنه فعل ذلك خشية أن تفوته الركعة فركع ودب، فليس فيه ما يدل على أنه حصل الرفع من الركوع قبل أن يصل أبو بكرة رضي الله عنه إلى الصف.

    وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يصلي خلف الصف، إلا إذا كان لا يستطيع أن يصلي إلا بهذه الطريقة، كأن يكون الناس الذين يصلون في هذا المسجد محصورين، وقد حضروا جميعهم، فلم يبق أحد حتى ينتظره، ولو لم يصل مع الجماعة فإنها تفوته، ولم يكن متأخراً عن الجماعة، بل جاء إليها، وإذا تيسر للإنسان أن يدخل ويصلي عن يمين الإمام فإن هذا يكون مناسباً؛ لأنه بذلك يكون صف بجوار الإمام، ولا بأس بذلك عند الحاجة إليه.

    لكن لو كان الإنسان غير مفرط ولا مقصر، وصلى وحده مضطراً إلى ذلك فإن صلاته تصح والحالة هذه، أما إذا كان هناك تقصير أو تفريط، وصلى الإنسان وحده مع إمكانه أن يدخل في الصف فإن صلاته تكون حينئذٍ باطلة، وعليه الإعادة.

    تراجم رجال إسناد حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً صلى وحده خلف الصف بالإعادة

    قوله: [حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحفص بن عمر ].

    وهو النمري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ، مر ذكره.

    [ عن عمرو بن مرة ].

    عمرو بن مرة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هلال بن يساف ].

    هلال بن يساف ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن راشد ].

    هو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن وابصة ].

    وهو: وابصة بن معبد ، صاحب رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    وجاء حديث آخر عن غير وابصة دال على ما دل عليه حديث وابصة .

    1.   

    الرجل يركع دون الصف

    شرح حديث: (زادك الله حرصاً ولا تعد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الرجل يركع دون الصف.

    حدثنا حميد بن مسعدة ، أن يزيد بن زريع حدثهم حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن زياد الأعلم ، حدثنا الحسن أن أبا بكرة رضي الله عنه حدث أنه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع، قال: فركعت دون الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تعد) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب: الرجل يركع دون الصف ]، يعني: ما حكم ذلك؟ هل ذلك سائغ أم غير سائغ؟ والذي دل عليه الحديث الذي أورده أبو داود أن الإنسان لا يفعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا بكرة رضي الله عنه، ولكنه قال: [ (ولا تعد) ] يعني: لا تعد إلى مثل هذا، فدل هذا على أن الإنسان يمشي وعليه السكينة حتى يصل إلى الصف ثم يركع، فما أدركه صلاه، وما لم يدركه فإنه يتمه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فلا يأت الإنسان وهو يسعى، وإنما يأتي ماشياً، ويستمر ماشياً حتى يصل إلى الصف، فإن ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فإنه يكون قد أدرك الركعة، وإلا فإنه يقضي ما فاته بعد سلام الإمام.

    وأورد المصنف حديث: أبي بكرة قال: دخلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع، فركعت دون الصف، فقال عليه الصلاة والسلام: [ (زادك الله حرصاً ولا تعد) ].

    تراجم رجال إسناد حديث (زادك الله حرصاً ولا تعد)

    قوله: [ حدثنا حميد بن مسعدة ].

    حميد بن مسعدة صدوق، أخرج حديثه مسلم ، وأصحاب السنن.

    [ أن يزيد بن زريع حدثهم].

    يزيد بن زرع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن أبي عروبة ].

    سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زياد الأعلم ].

    هو زياد بن حسان الأعلم ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بكرة ].

    هو نفيع بن الحارث ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث: (زادك الله حرصاً ولا تعد) وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أخبرنا زياد الأعلم ، عن الحسن أن أبا بكرة رضي الله عنه جاء ورسول الله راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: (أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال: أبو بكرة : أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد).

    قال أبو داود : زياد الأعلم : زياد بن فلان بن قرة ، وهو ابن خالة يونس بن عبيد ].

    أورد أبو داود حديث.

    أبي بكرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    قد مر ذكره.

    [ حدثنا حماد ، عن زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ].

    حماد هو ابن سلمة ، ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ].

    قد مر ذكرهم.

    قوله: [ قال أبو داود : زياد الأعلم : زياد بن فلان بن قرة ، وهو ابن خالة يونس بن عبيد ].

    في (التقريب): زياد بن حسان بن قرة . فما أدري كيف جاءت كلمة (فلان) هذه، وهل المراد أنه أبهم اسمه وذكر جده؟ إذ قد يذكر الشخص إذا كان غير معروف وكان الذي بعده معروفاً فيقال: (ابن فلان) أي: بدلاً من أن يسميه يأتي بكلمة (فلان)، وكملة (وفلان) يؤتى بها لكل أحد، فيقال: (فلان بن فلان) وهي كناية عن الشخص الذي يبهم اسمه.

    1.   

    تفريع أبواب السترة

    شرح حديث: (إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تفريع أبواب السترة.

    باب ما يستر المصلي:

    حدثنا محمد بن كثير العبدي ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر بين يديك) ].

    يقول المصنّف رحمه الله: [ تفريع أبواب السترة ].

    أي: سترة المصلي التي يتخذها أمامه سترة له، و(أل) في السترة عوض عن المضاف إليه، أي: سترة المصلي، وهي تكون شيئاً شاخصاً أمام المصلي كعمود ثابت، أو عصا يغرزها في الأرض، أو أي شيء بارز يجعله أمامه؛ ليكون سترة يمنع المرور بين يدي المصلي، وأما المرور وراءه فيجوز.

    ثم قال المصنّف رحمه الله: [ باب ما يستر المصلي ] يعني: ممَّ تكون السترة؟ أو من أي شيء تكون السترة؟ أو بماذا تكون السترة؟

    والمقصود أن السترة تكون بأي شيء شاخص، أو بأي شيء بارز يلفت نظر من يريد أن يمر، فإذا رآه عرف أن هذه سترة تمنع من المرور بين يدي المصلي.

    فإذا أراد أحد أن يمرّ بين السترة وبين المصلي فإنه يرده ويمنعه كما جاء في الحديث.

    والسترة إما أن تكون عموداً، أو جداراً، وهذه من الأشياء الثابتة المستقرة، أو تكون من الأشياء المتحركة أو المتنقلة، كالحجر الكبير، أو العصا التي تغرز، أو الدابة ونحوها، فكل هذا تصلح أن تكون سترة.

    وقد أورد أبو داود حديث طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر بين يديك) ].

    ومؤخرة الرحل: هي العود الذي يستند إليه الراكب عندما يوضع الرحل فوق البعير، فيكون وراء محل الراكب عود مرتفع قليلاً أقل من الذراع يستند إليه الراكب، فالسترة مثل مؤخرة الرحل، فيقول: [ (إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر بين يديك) ].

    والمقصود بقوله: [ (إذا جعلت بين يديك) ] يعني: أمامك، (فلا يضرك من مر بين يديك) أي: من وراء السترة، وليس المقصود أنه يمر بينه وبين السترة؛ لأن السترة إنما جعلت من أجل أن لا يمر أحد بينه وبينها.

    فإذا جعل الإنسان بين يديه مثل مؤخرة الرحل فلا يضره من مر بين يديه، أي: بعد السترة، فتكون السترة هي الحد الفاصل الذي لا يمكن لأحد أن يمر بينه وبينها، ومن مر من ورائها فله ذلك.

    ويكفي في ارتفاع السترة أن يكون ربع متر أو أقل من ذلك، فمؤخرة الرحل أقل من الذراع.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل ...)

    قوله: [حدثنا محمد بن كثير العبدي ].

    محمد بن كثير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسرائيل ].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    هو ابن حرب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن.

    [ عن موسى بن طلحة ].

    موسى بن طلحة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه طلحة بن عبيد الله ].

    هو أبيه: طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد، فقال عليه الصلاة والسلام: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيده بن الجراح في الجنة) فهؤلاء عشرة أشخاص سردهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، وبشرهم بالجنة.

    وقيل لهم: العشرة لإنهم سُردوا في حديث واحد، وليس لإن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة مختصة بهؤلاء العشرة ومقصورة عليهم، بل هناك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من شهد له بالجنة سواهم، كـثابت بن قيس بن شماس ، وعكاشة بن محصن ، والحسن والحسين وفاطمة .. وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاءت أحاديث تشهد لكل واحد من هؤلاء بالجنة، وكذلك غيرهم ممن ثبتت شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة، ولكن اشتهر هؤلاء بلقب العشرة؛ لأنهم سردوا في حديث واحد، وبشروا بالجنة.

    و طلحة بن عبيد الله الذي معنا في هذا الإسناد رضي الله تعالى عنه وأرضاه هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر: (آخرة الرحل ذراع فما فوقه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء أنه قال: آخرة الرحل ذراع فما فوقه ].

    أورد أبو داود إسناداً إلى عطاء بن أبي رباح، فهو مقطوع؛ لأن المتن الذي ينتهي إلى من دون الصحابي يقال له: مقطوع، والمتن الذي ينتهي إلى الصحابي يقال له: موقوف، والمتن الذي ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: مرفوع.

    وهذا المتن من قول عطاء بن أبي رباح، فهو مقطوع، قال: [ آخرة الرحل ذراع فما فوقه ]، قلت: وقد تكون أقل من ذراع، والمقصود وجود شيء شاخص وبارز يشاهده ويعاينه المارة، فيعلمون أنه سترة أمام هذا الذي يصلي، فيبتعدون عن المرور بينه وبينها.

    والسترة -كما هو معلوم- يتخذها الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلا يتخذها؛ لأن سترة الإمام سترة للمأمومين.

    تراجم رجال إسناد أثر: (آخرة الرحل ذراع فما فوقه)

    قوله: [حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو ابن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عطاء ].

    هو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا ابن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله عنها: [ (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد أخذ حربة) ] وهي العصا التي في آخرها حديدة، فتغرز في الأرض ليتخذها الإنسان سترة، وهذا يبين لنا أن السترة قد تكون غليظة وسميكة، وقد تكون خفيفة ودقيقة، فإن العصا دقيقة، ومؤخرة الرحل أسمك منها وأمتن، وأسمك من ذلك عمود السارية التي يقوم عليها بناء المسجد مثلاً، فكل ذلك يقال له: سترة، واتخاذ العنزة أو الحربة يدل على أن أي شيء شاخص ولو كان خفيفاً ودقيقاً يحصل به المقصود؛ لأن المقصود هو تنبيه من يريد أن يمر إلى أن هذه سترة، فعليه أن لا يمرّ بين المصلي وبينها، وإنما يمر من ورائها إذا أراد أن يمر.

    وكذلك إذا لم يكن هناك سترة فعلى الإنسان أن يترك مقدار ثلاثة أذرع من قدم المصلي، وليمشِ من وراء ذلك؛ لأن المصلي إذا لم يتخذ سترة فإنه لا يملك ما أمامه من الفضاء، فيجوز للمار أن يمرّ إذا ترك مقدار ثلاثة أذرع من قدمه.

    قوله: [ (كان إذا خرج يوم العيد يأمر بالحربة فتوضع بين يديه) ] يعني: تغرز في الأرض، [ (فيصلي إليها والناس وراءه) ] أي أن الإمام هو الذي يتخذ السترة، وأما المأمومون فلا يتخذون سترة؛ لأن سترة الإمام سترة للمأمومين، ولا بأس بالمرور بين الصفوف، ولكن لا ينبغي أن يمر بينها إلا لحاجة، كأن يريد أن يذهب إلى فرجة، أو يصل صفاً، وأما إذا لم يكن هناك حاجة فلا يمر؛ لأن هذا فيه تشويش على المصلين، فالسترة إنما هي للإمام، وليست للمأمومين، وكذلك يتخذ السترة -أيضاً- المصلي المنفرد، وأما المأموم فإنه لا سترة له تخصه، بل سترة الإمام هي سترة له.

    قوله: [ (وكان يفعل ذلك في السفر) ] يعني أنه يأخذ العنزة فيغرزها أمامه ويصلي إليها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فكان يفعل ذلك في العيد لأنه يخرج إلى الفضاء، وكذلك في السفر حيث يصلي في فضاء، فتتخذ العصا بين يديه، ويصلي إليها صلى الله عليه وسلم، وأما في الحضر فإنه يصلي إلى جدار، أو إلى عمود، أو إلى شيء شاخص في المساجد أو البيوت.

    قوله: [ فمن هنا اتخذها الأمراء ] يعني أنهم اتخذوها لصلاة العيد، ويحتمل هذا أنهم اتخذوا حربته صلى الله عليه وسلم، أو أنهم كانوا يتخذون أيّ حربة.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه)

    قوله: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا ابن نمير ].

    ابن نمير هو عبد الله بن نمير ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله ].

    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل المشهور، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: ابن عمر وابن عمرو وابن عباس وابن الزبير ، وهو -أيضاً- أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    المكثرون في رواية الأثر

    أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كـالخدري

    وجابر وزوجة النبي

    شرح حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء الظهر والعصر وبين يديه عنزة...

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر خلف العنزة المرأة والحمار) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في بطحاء مكة الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وكان يصلي إلى عنزة، وهي: العصا التي في رأسها حديدة.

    قوله: [ يمر خلف العنزة المرأة والحمار ] يعني أن ذلك لا يؤثر، فمرور المار من وراء السترة -سواءٌ أكان امرأة، أم حماراً، أم كلباً، أم غير ذلك لا يؤثر في الصلاة شيئاً.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر وبين يديه عنزة

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عون بن أبي جحيفة ].

    عون بن أبي جحيفة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو: أبو جحيفة ، وهو: وهب بن عبد الله السوائي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا من الأسانيد الرباعية التي هي أعلى ما يكون عند أبي داود ، فبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، وهذا أعلى ما يكون عنده، ومثله مسلم والنسائي ، فهؤلاء الثلاثة ليس عندهم أعلى من الرباعيات، وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، بين البخاري وبين رسول الله صلى عليه وسلم فيها ثلاثة أشخاص: صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، ومعنى هذا أن شيخ البخاري يكون من أتباع التابعين في الأحاديث الثلاثيات، وأما الترمذي فعنده حديث واحد ثلاثي، وأما ابن ماجة فعنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف.

    1.   

    الأسئلة

    حكم جذب المنفرد خلف الصف امرأ من الصف ليصلي بجانبه

    السؤال: قال النووي في (مجموعه): إذا لم يجد الداخل فرجة ولا سعة فالصحيح أنه يستحب أن يجذب إلى نفسه واحداً من الصف، ويستحب للمجذوب مساعدته. فما صحة هذا القول؟

    الجواب: ورد في هذا حديث ضعيف، وهو حديث الاجترار، ولكنه حديث ضعيف لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا استطاع أن يصف بجوار الإمام فلاشك في أنه أولى.

    حكم من صلى منفرداً خلف الصف ثم صف بجواره آخرون

    السؤال: من ركع وحده خلف الصف ورفع ثم تلاحق به المأمومون بعد ذلك فما حكم ركعته؟

    الجواب: مقتضى الحديث السابق أنها لا تعتبر صلاته؛ لأنه أمره بالإعادة، فقد يكون من القياس أن الجزء الذي فعله وحده كما لو فعل الصلاة كاملة كذلك، أي أنه يقضي ما صلاه منفرداً.

    فالقياس على مسألة ما لو صلى الصلاة كلها منفرداً فيعيد أنه إذا حصل شيء منها يعامل معاملة الكل، فمعنى هذا أنه يقضي هذا الذي فعله وحده.

    ولا يقال: إن أبا بكرة لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة ما صلاه قبل الصف منفرداً، فإنا نقول: ليس هناك شيء يبين أنه ما أدرك الإمام وهو راكع، فقد مشى ودب وهو راكع، ودخل في الصف، فليس هناك شيء يفيد بإنه أتى بالركوع قبل أن يصل، وأنه وصل إلى الصف وقد قام الإمام، ولو كان الأمر كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تعد)، يعني أنه لا يجوز ذلك الفعل، لكنه أقره في هذه المرة، بمعنى أنه لا يفعله مرة ثانية، والنهي هنا للتحريم.

    والمعروف في هذا اللفظ والذي ضبطه العلماء أنه: (لا تَعُد) من العود، وقال بعضهم: إنه (لا تَعْدُ) من العَدْو، وقال بعضهم: (لا تُعِد) من الإعادة، لكن المشهور والمعروف هو الأول.

    ولو كان المقصود الإعادة لما احتاج إلى أن يقول إلى أن يقول: (لا تعد)، وإنما يقول له: (أعد) إذا كان الأمر يتطلب ذلك، لكن قوله: [ (زادك الله حرصاً) ] معناه أنك أديت ما عليك، لكن لا تكرر هذا الفعل مرّة أخرى.