إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [078]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المشي إلى المساجد من أجل أداء الصلاة في جماعة من فضائل الأعمال، فقد وردت في ذلك أحاديث عدة تبين الأجر العظيم والثواب الجزيل في ذلك؛ لذا على المسلم أن يحافظ على صلاة الجماعة في المسجد؛ ليزداد بذلك أجراً وثواباً.

    1.   

    ما جاء فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها

    شرح حديث: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - عن محمد -يعني: ابن طحلاء - عن محصن بن علي عن عوف بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله جل وعز مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة: باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، يعني: فاتته وصلى الناس قبل أن يصلي، والمراد: أنه يؤجر ويثاب على ذلك؛ لأن إسباغه الوضوء، ثم خروجه من بيته يريد الصلاة لا تخرجه إلا الصلاة يرفع له بكل خطوة يخطوها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فإذا أدرك الناس وصلى معهم حصل ما ذهب إليه، وإن فاتته فإنه على نيته وقصده وحرصه ورغبته، لكن هذا فيما إذا لم يكن ذلك عن تقصير منه وتهاون، بأن يكون حريصاً على الصلاة وإنما حصل أن فاتته، فإنه يؤجر على ذلك؛ لأن ذهاب الإنسان وإيابه كل ذلك يؤجر عليه.

    وأورد في ذلك أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح ووجد الناس قد صلوا) يعني: ذهب؛ لأن (راح) بمعنى السير في الرواح الذي هو المساء، وهو يقابل الغدو، وتأتي بمعنى: ذهب، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه) يعني: من ذهب.

    وقوله: (أعطاه عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) يعني: أن الله يتفضل عليه بنيته وقصده ورغبته وحرصه على الإتيان إلى الصلاة، فالصلاة وإن فاتته وإن سبق بها فإن الله تعالى يثيبه ويأجره على ذلك مثل ما يأجر الذين حضروا، وهذا فيما إذا لم يكن هناك تقصير أو إهمال أو عدم اهتمام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس ..)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ].

    عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا عبد العزيز يعني: ابن محمد ].

    عبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد يعني: ابن طحلاء ].

    محمد بن طحلاء صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن محصن بن علي ].

    محصن بن علي مستور، أخرج حديثه أبو داود والنسائي .

    [ عن عوف بن الحارث ].

    عوف بن الحارث مقبول، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    والحديث وإن كان في إسناده من تكلم فيه إلا أنه جاءت أحاديث أخرى تدل على ما دل عليه، ومنها بعض الأحاديث التي تقدمت في الدرس الماضي؛ فإنها شاهدة له ودالة على ما دل عليه.

    وبالمناسبة القصد الحسن يؤجر الإنسان عليه، ولكن ما اشتهر من أن: (نية المرء خير من عمله) هذا ورد فيه حديث ضعيف: (نية المرء خير من عمله) ولكن كون النية والقصد الحسن يؤجر الإنسان عليه هذا لا شك فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات).

    وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في غزوة تبوك: (إن في المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر) يعني: أنهم معكم بنياتهم وقصدهم وحرصهم ورغبتهم وتأسفهم وتألمهم؛ لكونهم لم يتمكنوا من أن يخرجوا لقلة الظهر، ولعدم قدرتهم على ذلك، فهذا الحديث هو مثل تلك الأحاديث التي فيها أن الإنسان بقصده ورغبته يؤجر على ذلك، وكذلك بالإضافة إلى ذلك في هذا الحديث ذهابه وخطواته واستعداده بالتوضؤ وإحسان الوضوء يأجره الله تعالى مثل أجر من صلى.

    1.   

    ما جاء في خروج النساء إلى المسجد

    شرح حديث أبي هريرة: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات) ].

    أورد أبو داود رحمه الله باب خروج النساء إلى المسجد، يعني: حكمه، وهل يخرجن أو لا يخرجن؟ وهل يؤذن لهن أو لا يؤذن لهن؟

    والحكم: هو أنه يؤذن لهن بالشروط التي لا بد منها، وهي: أن يكن -كما جاء في هذا الحديث- تفلات، يعني: ليس معهن رائحة طيبة، وإنما يذهبن بهيئتهن التي كن عليها دون تطيب وتجمل، فلا يخرجن متجملات، ولا يخرجن متطيبات، ولا يحصل بهن فتنة، ومن الشروط أن يؤمن عليهن في خروجهن من أن ينالهن أذى أو يتسببن في إيذاء الناس أو يؤذيهن أحد من الناس.

    فالحكم في هذا أنه يؤذن لهن كما جاءت بذلك الأحاديث، ولكن بالشروط المعتبرة التي منها ما جاء في الحديث الأول من هذه الأحاديث: (ولكن ليخرجن وهن تفلات) يعني: ليس معهن رائحة طيبة، وإنما يخرجن بروائحهن المعتادة التي ليس فيها التطيب، وإنما يخرجن بهيئتهن بدون تجمل وتطيب، فالمقصود بالتفلة: أنها غير متطيبة، فتخرج بالرائحة التي هي عليها دون أن تتطيب.

    وأيضاً يجب ألا تختلط مع الرجال، وألا تزاحم الناس؛ ولهذا جاء أنه كان لهن باب يدخلن إلى المسجد منه بحيث لا يدخلن مع الرجال ولا يدخل الرجال معهن، يعني: أنهن كن يعتزلن الرجال ويتميزن عنهم ولا يخالطنهم.

    فإذاً: الحكم هو أنه يؤذن لهن كما جاءت بذلك النصوص، لكن بالشروط والقيود التي دلت عليها النصوص.

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تفلات).

    وقوله: (لا تمنعوا) هذا خطاب للأولياء: الأزواج وغير الأزواج، فإذا كانت المرأة مزوجة فوليها زوجها، وإذا كانت غير مزوجة فوليها أبوها ومن يليه ممن هو من أوليائها أو هو المسئول عنها، فالخطاب للرجال الذين هم الأزواج أو غيرهم من الأولياء الذين يتولون أمور النساء.

    ثم لما نهى الرجال عن منع النساء من الذهاب إلى المساجد وجه الخطاب للنساء بأن يخرجن بالهيئة التي ينبغي أن يخرجن عليها، وهي أن يكن تفلات فقال: (وليخرجن وهن تفلات) يعني: لا يمنعن ولهن الخروج، لكن بشرط: أن يكن تفلات.

    وقوله: (لا تمنعوا إماء الله) الإماء: جمع أمة، والمراد النساء.

    وقوله: (لا تمعنوا إماء الله مساجد الله) استدل به بعض أهل العلم على أن المرأة لا تمنع من الحج والعمرة؛ لأن المسجد الحرام داخل تحت قوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ولكن لا شك أن هذا بالنسبة للفرض المتعين الذي هو العمرة والحج في العمر مرة واحدة، فهذا أمر واجب على المرأة وليس للإنسان أن يمنعها، وأما كثرة الذهاب، وكونها كلما أرادت الحج والعمرة لا تمنع، ويستدل لذلك بعموم الحديث فهذا فيه إشكال؛ لأن هذا يترتب عليه سفر، ويترتب عليه كونها تغيب عنه مدة طويلة، ولكن كونها تذهب إلى المسجد وترجع، وتصلي وترجع هذا أمره سهل، لكن كونها كلما أرادت أن تسافر إلى العمرة أو تسافر إلى الحج أنها لا تمنع، فنعم لا تمنع من الفرض، ولكن بالنسبة للنفل فهذا يرجع إلى الزوج ويرى ما فيه المصلحة؛ لأن هذا شيء يتعلق بسفر، ويتعلق بتفويت مصالح وفوائد له، وكذلك أيضاً قد يترتب على ذلك إخلال بأمور لا بد منها كالغيبة عن الأولاد.. وما إلى ذلك.

    فالحديث واضح في أن ذلك في غير سفر، لكن بالنسبة للحج الواجب والعمرة الواجبة فليس له أن يمنعها.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو ابن سلمة بن دينار البصري ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن عمرو ].

    محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    شرح حديث ابن عمر: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ..)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) وهو مثل اللفظ المتقدم إلا أن فيه زيادة: (وليخرجن وهن تفلات).

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد هو ابن زيد بن درهم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب ].

    أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث رواة إسناده كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب حدثني حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن) أرشد عليه الصلاة والسلام إلى أن بيوتهن خير لهن، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن، وأفضل من صلاتهن في المساجد، ولكن إذا طلبن المساجد يؤذن لهن بشرط أن يخرجن وهن تفلات، يعني: غير متجملات ولا متطيبات، ولا مختلطات بالرجال.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ما هو الأفضل والأكمل، وإلى ما هو الأخير لهن بعد أن أرشد إلى النهي عن منعهن، وأنه يؤذن لهن، ولكن مع ذلك بين أن بيوتهن خير لهن، ولكن إن طلبن الذهاب إلى المسجد فإنه يؤذن لهن.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    يزيد بن هارون الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا العوام بن حوشب ].

    العوام بن حوشب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني حبيب بن أبي ثابت ].

    حبيب بن أبي ثابت ثقة كثير التدليس والإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    ابن عمر قد مر ذكره.

    وهذا الإسناد كالذي قبله رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة، إلا عثمان بن أبي شيبة لم يخرج له الترمذي .

    شرح حديث: (ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل) فقال ابن له: والله! لا نأذن لهن فيتخذنه دغلاً، والله! لا نأذن لهن، قال: فسبه وغضب، وقال: أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ائذنوا لهن)وتقول: لا نأذن لهن؟! ].

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ائذنوا للنساء إلى المساجد في الليل)، وهذا مثل الذي قبله، إلا أن فيه التقييد بالليل، والأحاديث التي تقدمت مطلقة وعامة تشمل الليل والنهار، لكن هذا الذي فيه ذكر الليل يكون فيه إشارة إلى الستر، ولكن الأحاديث التي مضت مطلقة وتشمل الليل والنهار، ولا بأس بالإذن لهن، ولكن خروجهن والإذن لهن بالليل يكون أولى؛ لأنه يكون فيه ستر سواءً كان في العشاء أو الفجر، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنهن كن يخرجن وهن متلفعات بمروطهن في صلاة الفجر ما يعرفهن أحد من الغلس.

    قوله: ( فقال ابن لـابن عمر ) قيل: إنه بلال وقيل: واقد .

    قوله: (والله! لا نأذن لهن فيتخذنه دغلاً) يعني: ريبة أو وسيلة إلى الوقوع في أمر محرم، فغضب عليه عبد الله بن عمر وسبه وقال له: (أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ائذنوا للنساء) وتقول: والله! لا نأذن لهن ؟!) وجاء في بعض الروايات أنه ما كلمه حتى مات، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وإن كان هذا محفوظاً فلعل أحدهما مات بعد وقت وجيز من الحادثة أو من الواقعة التي جرت بينهما.

    وفي هذا دليل على الحث على اتباع السنن والتحذير من مخالفتها، والإنكار الشديد على من يحصل منه المخالفة للسنن ومعارضة الأحاديث، وكذلك أيضاً فيه تأديب الرجل لولده ولو كان كبيراً، وكذلك الهجر حيث يكون فيه مصلحة لاسيما إذا كان من الوالد أو ممن له شأن ومنزلة فإنه يكون في ذلك فائدة ومصلحة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ].

    عثمان بن أبي شيبة مر ذكره، وجرير هو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وأبو معاوية ].

    أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مجاهد ].

    مجاهد بن جبر المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    ابن عمر قد مر ذكره.

    1.   

    باب التشديد في ذلك

    شرح أثر عائشة: (لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المسجد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التشديد في ذلك.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل) قال يحيى : فقلت لـعمرة : أمنعه نساء إسرائيل؟ قالت: نعم. ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: باب التشديد في ذلك، يعني: فيما يتعلق بذهاب النساء إلى المساجد، ومعلوم أنه لا بد من الاحتياط في ذهاب النساء إلى المساجد، وأن يكن ملتزمات بآداب الإسلام، وأن يخرجن بالهيئة التي هي ليس فيها رائحة طيبة ولا لباس حسن، وألا يخالطن الرجال، وأن يكون دخول النساء من باب واحد.. وما إلى ذلك من الأمور التي جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتصاف النساء بها وهن خارجات إلى المسجد، لكن إذا حصل خروج عن هذه الآداب وعدم التزام بهذه الآداب فعند ذلك يسوغ المنع، وفي ذلك يكون التشديد في مسألة النساء وعدم تركهن يقدمن على شيء يحصل بسببه مضرة عليهن وعلى غيرهن.

    أورد أبو داود رحمه الله أثر عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل) يعني: من الذهاب إلى المساجد، وقول عائشة رضي الله تعالى هذا سببه: أنها رأت من بعض النساء شيئاً من ذلك، ولا يعني أن كل النساء يكن كذلك.

    وهذا الذي قالته عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها محمول على من لهن حق المنع، أما من تخرج وهي تفلة ومحتشمة ومتأدبة وملتزمة بأحكام الإسلام فهذه هي التي جاء الإذن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول ما أذن لكل امرأة؛ ولهذا قال: (وليخرجن وهن تفلات) ولم يقل: النساء يخرجن كيف كن.

    فـعائشة رضي الله عنها وأرضاها رأت جانب الخلل الذي حصل من بعضهن فقالت: لو حصل كذا، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم شريعته مستمرة ودائمة، وأحكام هذه الشريعة دائمة مستمرة، ولكن بالتفصيل المعروف: فمن هي أهل للخروج تخرج، ومن ليست أهلاً للخروج تمنع؛ لأنها غير ملتزمة.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلق ولم يمنع، ولكن جاء عنه تشريع وجاء عنه حكم فيه تفصيل، وهو الإذن في حق من تستحق الإذن، والمنع في حق من تستحق المنع.

    و عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ما قالته مبني في حق من تستحق المنع، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنها تمنع، وذلك لوجود القيد الذي يدل على ذلك حيث قال: (وليخرجن وهن تفلات) فإذا خرجن متطيبات متجملات يفتن الناس، فعند ذلك يحصل منعهن.

    وقوله: (قال يحيى : فقلت لـعمرة : أمنعه نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم).

    يحيى هو ابن سعيد الأنصاري وعمرة : هي لـعمرة بنت عبد الرحمن .

    وهذا الكلام مبني على أنه من عمرة وهي تابعية، ولكن الأثر جاء عن عائشة : (لمنعنه كما منعت نساء بني إسرائيل) ولكن يحيى بن سعيد سأل عمرة فقالت: نعم، وهي لم تقله من عندها، وإنما قالته عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    تراجم رجال إسناد أثر عائشة: (لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المسجد ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب مر ذكره.

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه والإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن سعيد ].

    يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ثقة من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرة بنت عبد الرحمن ].

    عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية ثقة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.

    [ أن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي من أوعية السنة وحفظتها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم ستة رجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة الواحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    شرح حديث: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن المثنى أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: حدثنا همام عن قتادة عن مورق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وقد سبق أن مر حديث: (وبيوتهن خير لهن) وهذا الحديث فيه تفصيل: أنه كلما كانت المرأة أستر وأبعد عن الظهور والبروز كان أفضل لها، يقول عليه الصلاة والسلام: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها) والكلام كله يتعلق بالبيت، وأنه كلما كان أبعد وأخفى وأستر للمرأة فإنه يكون أفضل.

    قوله: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها) والمراد بالحجرة: المكان الذي يحتجر حول البيت يعني: مثل الصحن أو المكان الفاضي، ولكنه داخل السور وتحت البنيان، وفيه يعني: أنه مكان مكشوف، ولكنه ليس داخل البيت، فصلاتها في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، يعني: إذا كان البيت له حوش ومكان مكشوف فصلاتها في داخل البنيان أحسن من صلاتها داخل السور في الحوش أو في المكان المكشوف المحتجر الذي هو تابع للبيت ومن جملته.

    فهذا هو المقصود بالحجرة، وليس المقصود بها الغرفة التي هي داخل البيت، وإنما المقصود: المحتجر الذي يكون في البيت تدخل منه وتشرع عليه الأبواب.

    قوله: (وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) المخدع: هو البيت الصغير أو المكان الذي يكون في أقصى البيت والذي يتخذ لحفظ الأشياء، ويميز على غيره بكونه يكون في مكان بعيد من الباب، وهذا معناه: أن المرأة كلما كانت أبعد في بيتها كان أفضل من بروزها، ومعنى هذا أن كل هذه الأمور أحسن من صلاتها في المسجد، يعني: إذا كانت هذه الأمور في داخل البيت وبعضها أولى من بعض فإن ذلك يدل على أن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد؛ فلهذا قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن) ثم يكون التفصيل في البيت: كلما كانت أبعد كانت أستر، وكلما كانت بعيدة عن الأنظار كان ذلك أفضل لها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ...)

    قوله: [ حدثنا ابن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى العنزي أبو موسى البصري الملقب الزمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ أن عمرو بن عاصم حدثهم ] .

    عمرو بن عاصم صدوق في حفظه شيء، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    همام بن يحيى العوذي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مورق ] .

    مورق العجلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الأحوص ] .

    هو عوف بن مالك ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله ] .

    عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (لو تركنا هذا الباب للنساء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.

    قال أبو داود : رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع قال: قال عمر . وهذا أصح ] .

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) هذا يفيد بأن النساء لا يختلطن مع الرجال إذا ذهبن إلى المسجد، وأنهن يدخلن من باب يخصهن أو أبواب تخصهن، وهذا من الاحتياط والتشديد في خروج النساء، وأنهن إذا خرجن يخرجن بهذه الهيئة وهذا الوصف الذي هو الابتعاد عن الرجال وعن مخالطتهم حتى في الدخول إلى المسجد، بل وإذا دخلن المسجد يبتعدن عن الرجال كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) فهن يبتعدن عن الرجال، وكلما كانت المرأة أبعد عن الرجال كان أفضل وأعظم أجراً لها، وكان ذلك الصف الذي تكون فيه خير الصفوف إذا كان هو أبعد الصفوف عن الرجال.

    قوله: (قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات).

    يعني: لالتزامه وامتثاله لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    قوله: [ قال أبو داود : رواه إسماعيل عن أيوب عن نافع قال: قال عمر . وهذا أصح ] .

    يعني: أن الحديث جاء من طريق أخرى عن نافع يرويه عن عمر موقوفاً عليه، فهذا يكون فيه انقطاع؛ لأن نافعاً لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه، ولكن الحديث الأول صحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لو تركنا هذا الباب للنساء)

    قوله: [ حدثنا أبو معمر ].

    هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الوارث ] .

    عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أيوب ] .

    أيوب بن أبي تميمة السختياني مر ذكره.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع وابن عمر مر ذكرهما.

    قوله: [ قال أبو داود : رواه إسماعيل بن إبراهيم ].

    إسماعيل بن إبراهيم بن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب عن نافع قال: قال عمر ].

    أيوب ونافع قد مر ذكرهما، وعمر هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة فرضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    باب السعي إلى الصلاة

    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب السعي إلى الصلاة.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).

    قال أبو داود : وكذا قال الزبيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري : (وما فاتكم فأتموا)، وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: (فاقضوا) وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وجعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: (فأتموا) وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو قتادة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم كلهم قالوا: (فأتموا) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة باب السعي إلى الصلاة، والسعي: هو بمعنى الذهاب، وهذا أمر مطلوب، ويأتي بمعنى الجري والعدو والإسراع، وهذا هو الذي جاء ما يدل على منعه والنهي عنه، ومما جاء بمعنى الذهاب قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وليس المقصود أنهم يسعون أي: يذهبون ويجرون، وإنما معناه: أنهم يتركون البيع والشراء، ويتجهون إلى الصلاة، يتركون الاشتغال بالتجارة الدنيوية، ويتجهون إلى التجارة الأخروية.

    والسعي يأتي بمعنى العدو، وهذا هو الذي ترجم له أبو داود وأورد الأحاديث التي فيها النهي عن الذهاب إليها سعياً، والأمر بالذهاب إليها مشياً بدون سعي.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).

    قوله: (إذا أقيمت الصلاة) هنا عبر بالإقامة؛ لأن هذا هو الذي قد يقتضي السعي، أو قد يجعل بعض الناس يتجه إلى السعي من أجل أن يدرك الصلاة؛ لأن الصلاة قد قامت وهو يريد أن يدرك الركعة، أو يريد أن يدرك ما يدرك من الصلاة، فيقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون) والسعي هنا هو ضد المشي؛ لأن المشي معناه: المشي بتؤدة، والسعي: جري وعدو وركض، وهذه الهيئة منع منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون) فالمقصود هنا: الإتيان إليها مشياً بهدوء وسكينة ووقار وعدم إسراع.

    قوله: (فما أدركتم فصلوا) أي: الذي تدركونه منها صلوه مع الإمام.

    قوله: (وما فاتكم فأتموا) والذي سبقتم به أتموه بعد انتهاء الإمام.

    أورد أبو داود الروايات الكثيرة، والأحاديث المتعددة التي أشار إليها عن عدد من الصحابة، وكذلك روايات عدد كبير من العلماء يروون بلفظ: (وما فاتكم فأتموا)، ومن هذه الرواية التي عليها أكثر الرواة استدل بعض العلماء على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه المسبوق بعد فراغ إمامه هو آخر صلاته.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو آخر صلاته، وما يقضيه بعد سلام إمامه هو أول صلاته، وثمرة الخلاف هو: أنه على القول بأن ما أدركه يكون أول صلاته فبعدما يفرغ مع الإمام ويصلي ما فاته بعد ذلك لا يجهر بالقراءة على اعتبار أن الذي سبق به يكون هو الأول، وعلى هذا القول إذا كان بقي عليه ركعتان في الصلاة الرباعية كالعشاء -وهي جهرية- فإنه عندما يقوم يقضي الركعتين الفائتتين لا يجهر؛ لأن ما يقضيه هو آخر صلاته وليس أول صلاته؛لقوله: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).

    فقوله: (فأتموا) معناه: أن ما يتمه هو آخر الصلاة؛ لأن الذي أدركه أولاً هو أولها، والإتمام يكون للشيء الذي له أول، وهذا معناه: أنه بدأ بأوله ثم يأتي بآخره ليتمه، فالأول أول، والآخر آخر، وإن كان آخر الصلاة هو بالنسبة للإمام فهو أول الصلاة بالنسبة للمسبوق، فالركعتان الأخيرتان من الصلاة الرباعية هي آخر الصلاة للإمام وهي أول الصلاة للمسبوق.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه المسبوق هو أول صلاته، ويستدلون على ذلك بما جاء في بعض الروايات: (اقضوا) أي: يقضون ما سبقوا به، والذي سبقوا به هو أول الصلاة، فيأتون بالذي سبقوا به بعد سلام الإمام وهو أول صلاتهم، والذي أدركوه مع الإمام هو آخر صلاتهم.

    وإذا كانت الصلاة جهرية فيجهر بالقراءة؛ لأن هذا يعتبر أول صلاته على هذا القول، لكن أكثر الروايات على: (أتموا) وهي أرجح من رواية: (فاقضوا) ولكن يمكن أن تحمل رواية: (اقضوا) على ما يوافق رواية: (أتموا)؛ لأن (قضى) تأتي على معانٍ كثيرة، فتأتي بمعنى: التمام، وتأتي بمعنى: الفراغ من الشيء، وتأتي بمعنى: قضاء الشيء الذي فات، والحديث مخرجه واحد، ولكنه جاء بهذين اللفظين، فيمكن أن تحمل: (اقضوا) على ما يوافق (أتموا)، وأن المقصود من ذلك الإتمام الفراغ من الصلاة مع الإمام، ومعنى الفراغ من الصلاة: أن الذي يأتي به بعد ذلك هو ما يكون به من إنهاء صلاته، وليس المقصود من ذلك أن الشيء الذي سُبق به يقضيه، فالقضاء يأتي بمعنى فعل الشيء أصلاً، ويأتي بمعنى الفراغ، ويأتي بمعنى قضاء الفائت، وما دام أن الروايات الكثيرة كلها بلفظ: (أتموا) فيمكن أن تفسر كلمة: (اقضوا) بما يوافق: (أتموا) وعلى هذا لا يكون بين الروايتين اختلاف، ويكون القول الذي تدل عليه الأدلة هو: أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه المسبوق بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، ومما يدل على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته أن هذا هو المتصل بتكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإحرام إنما تكون في أول الصلاة ولا تكون في آخرها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عنبسة ].

    عنبسة بن خالد الأيلي صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ أخبرني يونس ].

    يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قد مر ذكره.

    وأبو هريرة قد مر ذكره.

    وعلى هذا فالإسناد فيه تابعيان من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين: أحدهما متفق على عده في الفقهاء السبعة وهو سعيد بن المسيب ، والثاني مختلف في عده في الفقهاء السبعة وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن .

    وقوله: [ قال: أبو داود كذا قال: الزبيدي ].

    يعني: أنه قال في روايته عن الزهري مثل ما قال يونس بن يزيد الأيلي والرواية التي من طريق يونس بن يزيد الأيلي هي بلفظ: (وما فاتكم فأتموا) فكثيرون رووا عن الزهري مثل ما روى يونس بن يزيد الأيلي بلفظ: (أتموا) ومنهم الزبيدي وهو محمد بن الوليد الحمصي الزبيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ وابن أبي ذئب ].

    محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ وإبراهيم بن سعد ].

    إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ ومعمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ وشعيب بن أبي حمزة ].

    شعيب بن أبي حمزة الحمصي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن الزهري: (وما فاتكم فأتموا) ].

    يعني: أن كل هؤلاء رووه عن الزهري كما رواه عنه يونس بن يزيد بلفظ: (أتموا) فهذا يدل على أن ما قد يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته.

    [ وقال: ابن عيينة عن الزهري وحده: (فاقضوا)].

    يعني: أن ابن عيينة انفرد بروايته عن الزهري بلفظ: (فاقضوا)، ويمكن أن تحمل على ما يوافق لفظ (أتموا).

    [ وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وجعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة : (فأتموا) ].

    أورد المصنف الحديث عن أبي هريرة من طريقين، وكلاهما بلفظ: (أتموا) يعني: مثل الذي جاء عن الزهري ، وهذه طرق غير طرق الزهري ، فالأولى عن الزهري ، وكل الذين رووا عن الزهري متفقون على (أتموا) إلا ابن عيينة فإنه قال: (اقضوا)، وأيضاً جاء من طرق أخرى ليست من طريق الزهري عن أبي هريرة بلفظ: (أتموا).

    قوله: [ وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة ].

    محمد بن عمرو هو ابن علقمة الذي مر ذكره، وأبو سلمة مر ذكره .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة مر ذكره.

    [ وجعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة ].

    جعفر بن ربيعة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ] .

    عبد الرحمن بن هرمز المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو قتادة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم كلهم قالوا: (فأتموا) ].

    يعني: أنه جاءت أحاديث عن ثلاثة من الصحابة غير أبي هريرة وهم ابن مسعود وأبو قتادة وأنس ، فهؤلاء أيضاً يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: (فأتموا)، فهذه شواهد لحديث أبي هريرة .

    شرح حديث (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم).

    قال أبو داود : وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة : (وليقض) وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة ، وأبو ذر روي عنه: (فأتموا واقضوا) واختلف فيه ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة من طريق أخرى، ولكنه بلفظ: (فاقضوا) وقد ذكرنا أن ذلك يحمل على ما يوافق: (أتموا) وأن هذا هو الأولى، وهو الذي فيه الجمع بين الروايات.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم ...)

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ] .

    شعبة بن الحجاج البصري ثم الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.

    طرق أخرى لحديث: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم ...) وتراجم رجال أسانيدها

    [ قال أبو داود : وكذا قال: ابن سيرين عن أبي هريرة : (ليقض) ].

    يعني: أن رواية ابن سيرين مثل رواية أبي سلمة إلا أنها بلفظ: (وليقض) بدل (واقضوا) وهي مثلها في المعنى، وكذلك في اللفظ، إلا أن تلك بلفظ الأمر، وهذه بلفظ الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر.

    وابن سيرين هو محمد بن سيرين المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة ].

    هو نفيع الصائغ ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، روى عن أبي هريرة أيضاً مثل ما روى ابن سيرين ، ومثل ما روى أبو سلمة بلفظ القضاء.

    [ وأبو ذر روي عنه: (فأتموا) و(اقضوا) واختلف فيه ].

    أي: أن أبا ذر رضي الله عنه جاء عنه بلفظ: (أتموا) وجاء عنه بلفظ: (اقضوا) واختلف في حديث أبي ذر ، فجاء عنه: (اقضوا) وجاء عنه: (أتموا).

    وأبو ذر هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإخبار عن الله عز وجل بأنه عاقل أو ذكي ونحو ذلك

    السؤال: من المعلوم أن الله جل وعلا لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن مجال الإخبار أوسع، فهل يخبر عن الله جل وعلا بأنه ذكي أو عاقل أو لبيب كذا؟

    الجواب: لا، لا يجوز أن يؤتى بأي وصف أو بأي شيء يضاف إلى الناس ثم يضاف إلى الله عز وجل، ويقال: إنه على ما يليق به، والإخبار هو مثل أن يقال: نوه الله بكذا، أو أشاد الله بكذا، أو أثنى الله على كذا، ونحو ذلك، أما أن تؤخذ الأوصاف الحسنة التي يتصف بها الناس، ثم تضاف إلى الله عز وجل ويخبر بها عنه -حتى ولو قيل: إنها على ما يليق به- فلا يصلح أن يعبر بمثل هذه العبارات، وإنما يسكت عنها.

    حكم قول: علماء العقيدة

    السؤال: من المعلوم أن جانب العقيدة جانب مهم، فما حكم من يقول في أثناء التدريس وسرد الأقوال: قال علماء العقيدة أو علماء العقيدة يقولون كذا؟

    الجواب: التعبير باللفظ العام هذا ليس بواضح، إلا إذا كان المقصود به علماء السلف، ويكون ذلك من الشيء الذي هو معروف من عقيدة السلف، ومن الأمور المتفق عليها والتي لا يختلف فيها السلف، فمثل هذا يصح أن يقال: إن هذه عقيدة السلف، وإن السلف اتفقوا على كذا، هذا لا بأس به، وأما إذا قال: قال علماء العقيدة، أو علماء العقيدة يقولون، فهذا الإطلاق لا يصح؛ لأن هناك عقائد ضالة، وعقائد سليمة، فكلمة (علماء العقيدة) هذه فيها ما فيها، فكل يعتقد عقيدة ويقال: إنه عالم في عقيدته، لكن ليس كل عقيدة حق، بل العقيدة الحقة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما سوى ذلك فهو من محدثات الأمور، كما قال صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).

    حكم الحج من غير تصريح بالحج من ولاة الأمر

    السؤال: هل يجوز أن يحج الرجل دون تصريح للسفر إلى الحج، ويحتج بأن الحجاج يحتاجون إلى من يعلمهم أمور دينهم، وخاصة إذا كان من طلبة العلم؟

    الجواب: لا ينبغي للإنسان أن يخالف التعليمات التي تصدر من ولاة الأمور، والتي يرون فيها المصلحة في ضبط الحجاج، ولكنه إذا كان فيه نفع فيمكن أن يتقدم إلى الجهة المسئولة بالطريقة التي يمكنه أن يتقدم بها من أجل أن يسمحوا له من أجل هذه المهمة.

    حكم منع الرجل المرأة من الذهاب إلى المسجد لصلاة التراويح

    السؤال: هل يجوز للرجل أن يمنع المرأة من الذهاب إلى المساجد لصلاة التراويح؟

    الجواب: الحديث عام، ولا يتعلق بتراويح ولا بغير تراويح، فيمكن لها أن تخرج للتراويح وأن تخرج للجماعة، ويمكن أن تخرج لتصلي فيه ركعتين في الضحى، ومطلق التراويح هي كغيرها، فلا تمنع النساء من الذهاب إلى المساجد، لا للتراويح ولا لغير ذلك .

    بيان الأولى للمرأة التي أدت فريضة الحج

    السؤال: المرأة إذا أدت فريضة الحج هل الأفضل لها أن تبقى مع أبنائها أم تذهب لأداء الحج مرة أخرى؟

    الجواب: بقاؤها مع أبنائها حيث يكونون بحاجة إليها لا شك أنه أولى.

    تفضيل صلاة النافلة في البيت على صلاتها في المسجد

    السؤال: هل صلاة المرأة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد النبوي؟

    الجواب: نعم, فإذا كانت قادرة على الصلاة في المسجد النبوي ولكنها تركت ذلك من أجل أن تحصل الأفضل فإنها تحصل على ذلك، والرجل لو جاء وصلى ثم ذهب وصلى النافلة في بيته مع قدرته على الصلاة في المسجد النبوي فإنه يحصل أكثر من الصلاة في المسجد النبوي، والنبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل؛ لأنه كان يصلي في بيته النافلة ثم يخرج وتقام الصلاة، ثم إذا صلى انصرف إلى بيته وصلى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه الراتبة في البيت، وهو في المسجد النبوي الذي قال فيه: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) وقال عليه الصلاة والسلام : (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة) .