إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [073]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأذان شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة التي يجب الاهتمام بها ومعرفة أحكامها، وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل الأذان والمؤذنين؛ لأن في ذلك رفعاً لذكر الله عز وجل وإعلاماً بوقت الصلوات، كما جاءت أحاديث أخرى في بيان فضل ما يقوله المؤذن، فينبغي للمسلم أن يحرص على ذلك الخير قدر استطاعته.

    1.   

    ما يقول إذا سمع المؤذن

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

    وهناك شخص آخر يقال له: محمد بن سلمة الباهلي ، ولكنه في طبقة شيوخ شيوخ أبي داود ، فإذا جاء محمد بن سلمة في شيوخ أبي داود فهو المرادي المصري ، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه أبو داود بواسطة فهو الباهلي الحراني .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن لهيعة وحيوة وسعيد بن أبي أيوب ].

    ابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري، صدوق، احترقت كتبه فتغير، ورواية عبد الله بن وهب عنه هي من أعدل الروايات، وهو هنا -أيضاً- لم يأت وحده في الرواية، بل جاء مقروناً معه شخصان آخران: حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وسعيد بن أبي أيوب المصري، وهو ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة، فوجوده في الإسناد لا يؤثر؛ لأن العمدة على غيره.

    وابن لهيعة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، والنسائي لم يخرج له، وإنما يذكر النسائي معه غيره ويعبر عنه بقوله: ورجل آخر. فلا يحذفه لأنه موجود في الإسناد، ولكنه يذكره مبهماً؛ لأنه لا يخرج له.

    [ عن كعب بن علقمة ].

    كعب بن علقمة صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عبد الرحمن بن جبير ].

    هو عبد الرحمن بن جبير المصري، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد مسلسل بالمصريين؛ لأن كل الرجال فيه مصريون من أوله إلى آخره.

    شرح حديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يقول إذا سمع المؤذن.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) ].

    أورد الإمام أبو داود رحمه الله تعالى [ باب ما يقول إذا سمع المؤذن ]، يعني: بيان الشيء الذي يقوله الإنسان الذي يسمع النداء، أو ماذا يقول حين يسمع النداء، والمقصود أن الإنسان عندما يسمع المؤذن يؤذن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في (حي على الصلاة حي على الفلاح) فإنه يستثنى من هذا العموم، ويقول بدل (حي على الصلاة حي على الفلاح): لا حول ولا قوة إلا بالله، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي سيأتي.

    وعلى هذا فحديث أبي سعيد الذي أورده أبو داود تحت هذه الترجمة وهو قوله: [ (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) ]، هو باق على عمومه في جميع ألفاظ الأذان، ويستثنى من ذلك الحيعلتان: (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فإن السامع يقول بدلاً من ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله، فيجمع بين الحيعلة والحوقلة، وإنما يأتي بـ(لا حول ولا قوة إلا بالله) فقط كما جاء ذلك مبيناً في حديث عمر الذي سيأتي.

    وعلى هذا فقوله صلى الله عليه وسلم: [ (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) ] خص منه الحيعلتان، فإنه يؤتى بـ(لا حول ولا قوة إلا بالله) عندهما، وذلك أن ألفاظ الأذان كلها ذكر، فالإنسان يذكر الله عز وجل، فإذا قال المؤذن: (الله أكبر الله أكبر) يقول: (الله أكبر الله أكبر)، وهذا ذكر لله، وإذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله)، وإذا قال: (أشهد أن محمداً رسول الله) يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) وإذا قال: (حي على الصلاة) لا يقول: حي على الصلاة؛ لأن قوله: (حي على الصلاة) نداء وطلب من الناس أن يأتوا إلى الصلاة، يعني: هلموا وأقبلوا، فهو ليس ذكراً، وإنما هو دعاء ونداء، وهو الذي يناسب من المؤذن أن يقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح) أي: تعالوا، لكن غيره لا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ لأنه لا ينادي أحداً وإنما يأتي بكلام مثل الذي يقوله المؤذن، ولكن بدلاً من ذلك يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: أن الإتيان للصلاة والتمكن من ذلك لا يكون إلا بحول الله وقوته، ولا حول للإنسان ولا قوة له إلا بالله سبحانه وتعالى، فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فإذا قال: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) يقول كما يقول، وعلى هذا فإن ألفاظ الأذان كلها ذكر، فيقول سامع المؤذن مثل ما يقول المؤذن، إلا جملة: (حي على الصلاة حي على الفلاح) فإنها ليست بذكر وإنما هي دعاء ونداء وهي مناسبة من المؤذن وليست مناسبة من غيره، فغيره لا يقول كما يقول وإنما يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا الحديث خص منه الحيعلتان، فإنه يؤتى بالحوقلة عندهما، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي سيأتي.

    وإذا قال: (الصلاة خير من النوم) يقول: الصلاة خير من النوم، مثل ما يقول المؤذن؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: [ (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول) ] فيدخل تحته أن كل الألفاظ التي يقولها المؤذن يقولها الإنسان، سواء في الإقامة أو في الأذان، حتى الإقامة يقول الإنسان فيها مثل ما يقول المؤذن، فيقول: (قد قامت الصلاة) حين يقول المؤذن: (قد قامت الصلاة)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: [ (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) ]، ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء في نص خاص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو: (حي على الصلاة حي على الفلاح).

    وما جاء عن بعض أهل العلم أنه يقول: (صدقت وبررت) عند قوله: (الصلاة خير من النوم) ليس عليه دليل، وإنما الدليل هو عموم قوله صلى الله عليه وسلم: [ (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) ] ولا يستثنى من ذلك إلا: (حي على الصلاة حي على الفلاح) فيقال عند كل منهما: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    شرح حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وحيوة وسعيد بن أبي أيوب عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله عز وجل لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ] يعني: إذا سمعتم المؤذن ينادي بالأذان فقولوا مثل ما يقول، وهذا مثل حديث أبي سعيد : (إذا سمعتم النداء -أي: الأذان- فقولوا مثل ما يقول المؤذن) وهنا قال: [ (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ]، ويستثنى من ذلك -كما ذكرنا- قوله: (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فإنه يقال عندها: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وما عد ذلك فإنه يقال كما يقول المؤذن، سواءٌ أكان في الإقامة أم في الأذان في جميع الألفاظ، لعموم حديث أبي سعيد وحديث عبد الله بن عمرو .

    وقوله: [ (ثم صلوا علي) ] يعني: قولوا مثل ما يقول المؤذن وبعد ذلك صلوا علي يعني: إذا انتهيتم من المتابعة وقلتم: (لا إله إلا الله) بعد ذلك صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين دعاء له وطلب من الله أن يصلي عليه، وصلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وذكره في الملأ الأعلى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ثم بين عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، أي: أن الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صلى الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم مرة يجازيه الله تعالى بأن يصلي عليه عشر مرات، والحسنة بعشرة أمثالها، والجزاء من جنس العمل.

    وقوله: [ (ثم سلوا الله لي الوسيلة) ] بين عليه الصلاة والسلام الوسيلة وأنها منزلة خاصة في الجنة لا تتكرر ولا تتعدد، وإنما هي لعبد من عباد الله، ولا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، ويرجو أن يكون هو ذلك العبد، فالوسيلة منزلة خاصة في الجنة، وهي التي تسال للرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: [ (وأرجو أن أكون أنا هو) ] يعني: أرجو أن أكون أنا ذلك العبد الذي تكون له الوسيلة وهي المنزلة المتميزة الخاصة التي تكون في الجنة.

    وقوله: [ (فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) ] يعني: من سأل الله لي الوسيلة بعد الأذان ودعا بهذا الدعاء بعد الأذان فإن هذا من أسباب كون فاعل ذلك وقائل ذلك ينال شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سأل الله الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيحصل له نصيب من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم متابعة المؤذن

    والأمر بمتابعة المؤذن بعض أهل العلم قال عنه: إنه للوجوب. وبعضهم قال: إنه ليس للوجوب. ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع مؤذناً فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله)، أثنى عليه، ولما قال: (لا إله إلا الله) قال: (خرج من النار) قالوا: فهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردد هذه الألفاظ.

    والذين قالوا بالوجوب قالوا: إنه ليس فيه ما يدل على أنه لم يقل، وإنما فيه أنه قال هذا في حق ذلك المؤذن، فلا يمنع أن يكون قال ذلك كما هو المعتاد، وقالوا: ويحتمل أن يكون ذلك -أيضاً- قبل أن يشرع للناس أن يقولوا مثل ما يقول المؤذن.

    وينبغي للإنسان أن يحرص على أن يأتي بمتابعة المؤذن، وأن لا يغفل عن ذلك.

    شرح حديث: (أن رجلاً قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح ومحمد بن سلمة قالا: حدثنا ابن وهب عن حيي عن أبي عبد الرحمن -يعني الحبلي - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: [ (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن المؤذنين يفضلوننا) ] يعني: بكونهم يأتون بهذا الذكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه) ] يعني: تابع المؤذن فيما يقول وائت بالذكر الذي يقول، ويستثنى من ذلك (حي على الصلاة حي على الفلاح) كما جاء مبيناً في حديث عمر رضي الله عنه.

    وقوله: (فإذا انتهيت فسل تعط) يدل على أن الدعاء بعد الأذان من الدعاء الذي يجاب، ولهذا قال: (فسل تعطه) يعني: يسأل الله حاجته وما يريد، فهذا يفيد أنه من مواطن قبول الدعاء؛ لأنه قال: (فسل تعطه) وهو مثل الموطن الذي بين الأذان والإقامة الذي مر في حديث: (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة).

    وقوله: (يفضلوننا) يعني: لهم هذا الفضل والميزة علينا، فالرسول أرشد إلى أن الإنسان يذكر الله كما يذكرون ويأتي منه هذا الذكر كما يأتي منهم، ويؤجر على ذلك كما يؤجرون على ذلك، لكن كون المؤذنين يتسببون في دعاء الناس ونداء الناس وحضور الناس بسبب دعائهم وتنبيههم وعنايتهم بالأوقات لاشك في أنهم يؤجرون على ذلك، ولكن الإنسان الذي ليس مؤذناً إذا ذكر الله عز وجل بهذا الذكر الذي ذكره المؤذن فإنه يؤجر على هذا الذكر، ولكن المؤذن يتميز على غيره بأنه متسبب في هذا الخير، ومتسبب في دعوة الناس وفي وصول ذلك الصوت إلى الناس، ولكن من سمعه يشارك في الذكر، وأجر الذكر الذي يحصل للمؤذن يكون للذي يردد بعده نصيب منه؛ لأنه يقول مثل ما قال، لكن المؤذن يتميز بكونه دل الناس على الخير، فيؤجر بسبب ذلك، ويشهد له كل رطب ويابس، ويغفر له مدى صوته، وله غير ذلك من الأمور التي تحصل للمؤذنين من الفضل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رجلاً قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا ...)

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

    [ ومحمد بن سلمة قالا: حدثنا ابن وهب عن حيي ].

    محمد بن سلمة وابن وهب مر ذكرهما.

    و حيي هو ابن عبد الله المصري صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبي عبد الرحمن -يعني الحبلي- ].

    أبو عبد الرحمن هو: عبد الله بن يزيد، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قد مر ذكره.

    شرح حديث: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن الحكيم بن عبد الله بن قيس عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً غفر له) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً غفر له)، وهذا يدل على فضل هذا الذكر عند الأذان، ويحتمل أنه يؤتى به عند الشهادتين، أي: عند قول المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) وبعض أهل العلم يقول: إنه يؤتى به بعد الأذان. ولكن الذي يبدو أنه يقال عند ذكر الشهادة.

    وقوله: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً) هذه الأمور الثلاثة التي اشتمل عليها هذا الذكر -وهي: الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً- هي الأصول الثلاثة التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتابه (الأصول الثلاثة وأدلتها)، أي أن هذه الأصول هي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، فهذه الأصول الثلاثة هي التي كتب فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذلك الكتاب العظيم الوجيز النافع المفيد الذي لا يستغني عنه العامي ولا طالب العلم، فطلبة العلم بحاجة إليه والعوام بحاجة إليه، وهو كتاب ينتفع به العوام والخواص؛ لأنه يتعلق بمعرفة الدين ومعرفة أصول الدين، ومعرفة العبد لربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهي الأمور التي يسأل عنها في القبر، فالأسئلة في القبر هي عن الأمور الثلاثة، فالإنسان يسأل في قبره عن دينه وربه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الأمور الثلاثة -الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً- جاء ذكرها في الأذان، وجاء في أدعية الصباح والمساء، وجاء -أيضاً- في غير ذلك، كما في صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً).

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحكيم بن عبد الله بن قيس ].

    الحكيم بن عبد الله بن قيس بن مخرمة صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ].

    عامر بن سعد بن أبي وقاص ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: وأنا وأنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: وأنا وأنا) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن يتشهد -يعني: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله- قال: وأنا وأنا) يعني: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: وأنا وأنا

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن مهدي ].

    إبراهيم بن مهدي مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    [ حدثنا علي بن مسهر ].

    علي بن مسهر ثقة له غرائب بعد أن أضر، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية السنة وحفظتها، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جهضم قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن خبيب بن عبد الرحمن بن إساف عن حفص بن عاصم بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في متابعة المؤذن والقول مثل ما يقول، وهو مبين لما أجمل في الأحاديث المتقدمة، كقوله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) فذاك عام وهذا مفصل ومبين وموضح أن القول يكون مثل قول المؤذن في غير الحيعلتين، وأما الحيعلتان فيقال عند كل منهما: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    وفي هذا الحديث دليل على أنه عند التكبير يجمع بين اللفظين أو بين الجملتين: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فإذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر يقول سامعه: الله أكبر الله أكبر، وهذا فيه أن الجملتين يؤتى بهما معاً.

    والحديث ليس فيه ذكر للأذان بأكمله، ولكن ذكر فيه كل جملة تقال، فكما أن التكبير أربع في الأول أتى بتكبيرتين، وكما أن (أشهد أن لا إله إلا الله) تأتي مرتين أتى بها مرة واحدة، وشهادة أن محمداً رسول الله أتى بها مرة واحدة، وحي على الصلاة مرة واحدة، وهكذا؛ لأن المقصود هو بيان المتابعة لا بيان ألفاظ الأذان ومقدار ألفاظ الأذان وأعداد ألفاظ الأذان، وإنما المقصود من ذلك المتابعة، وترك الشيء الذي يكرر؛ لأن المقصود هو التوضيح والبيان لما يقوله، وليس هذا بياناً لألفاظ الأذان وأن الأذان يكون بهذه الألفاظ فقط، وإنما بالبيان هو الذي جاء في الأحاديث المتقدمة.

    فحديث عمر إنما سيق هنا لبيان المتابعة للمؤذن، وأن السامع مثل ما يقول، وليس حصراً لألفاظ الأذان في ذلك، وإنما ألفاظ الإقامة هي التي تكون بهذه الطريقة، ويزاد عليها: (قد قامت الصلاة) وأما الأذان فإن التكبير فيه أربع مرات، والشهادة لله بالوحدانية مرتان، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مرتان، وحي على الصلاة مرتان، وحي على الفلاح مرتين، والله أكبر في آخره مرتان، و(لا إله إلا الله) مرة واحدة.

    وقوله: [ (ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) ] يعني أنه لا يقول السامع: (حي على الصلاة حي على الفلاح)؛ لأن معناهما طلب من الناس أن يأتوا، إذ المعنى: هلموا وتعالوا. وهذا يقوله المؤذن، لكن السامع لا يقول: (تعالوا)، وإنما يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: لا حول للإنسان ولا قوة ولا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا بالله سبحانه وتعالى، فهو الذي يعين وهو الذي يوفق.

    وفي آخره: [ (قال: لا إله إلا الله من قبله دخل الجنة) ] يعني أن هذه الألفاظ قالها من قلبه، وليس مجرد شيء قاله باللسان دون أن يصل إلى القلب، بل يتواطأ على ذلك القلب واللسان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    محمد بن المثنى هو أبو موسى الزمن العنزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جهضم ].

    محمد بن جهضم صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا إسماعيل بن جعفر ].

    إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمارة بن غزية ].

    عمارة بن غزية لا بأس به، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن خبيب بن عبد الرحمن بن إساف ].

    خبيب بن عبد الرحمن بن إساف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حفص بن عاصم بن عمر ].

    حفص بن عاصم بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .

    [ عن جده عمر بن الخطاب ].

    جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، فرضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أقامها الله وأدامها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يقول إذا سمع الإقامة.

    حدثنا سليمان بن داود العتكي حدثنا محمد بن ثابت حدثني رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة رضي الله عنه -أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- أن بلالاً رضي الله عنه أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقامها الله وأدامها) وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر رضي الله عنه في الأذان ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب ما يقول إذا سمع الإقامة ] يعني: إقامة الصلاة، والجواب أنه يقال عند سماع الإقامة مثل ما يقول المؤذن: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، والإقامة أذان، وقد جاء إطلاق الأذان عليها في قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة) والمقصود: بين الأذان والإقامة، وكذلك جاء في الحديث الآخر: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) يعني: بين الأذان الذي هو الإقامة والسحور الذي هو الإمساك عند الأذان، فمقدار قراءة خمسين آية هو الفارق بين الأذان والإقامة، فأطلق على الإقامة بأنها أذان، وكذلك جاء الحديث الذي مر قبل: (إذا ثوب بالصلاة) يعني: رجع إلى النداء؛ لأن الأذان هو نداء، فالإقامة أذان، وهي نداء، إلا أن الأذان لإعلام الناس في بيوتهم بأن يأتوا، والإقامة إعلام الناس بأن يقوموا إلى الصلاة، فالذي تدل عليه الأحاديث هو أنه عند الإقامة يقال مثل ما يقول المؤذن تماماً، ولا يستثنى من ذلك إلا: (حي على الصلاة حي على الفلاح) فيقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله في هذه الترجمة حديثاً ضعيفاً عن أبي أمامة رضي الله عنه أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما قال: (قد قامت الصلاة) قال عليه السلام: [ (أقامها الله وأدامها) ] وقال في سائر ألفاظ الإقامة مثل ما جاء في حديث عمر في الأذان، يعني أنه يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا أنه عند قوله: قد قامت الصلاة قال: [ (أقامها الله وأدامها) ].

    فهذا الحديث الذي ورد في بيان ما يقال عند قوله: (قد قامت الصلاة) وباقي الحديث أحاله إلى حديث عمر المتقدم، وأنه يقول مثل ما يقول.

    والصحيح أنه يقول مثل ما يقول في الإقامة كلها إلا الحيعلتين، وهو الذي تقتضيه الأحاديث التي مرت، وأما الحديث هذا فليس بصحيح بل هو ضعيف؛ لأن فيه هذا الرجل المبهم الذي هو من أهل الشام، فإنه غير معروف، وأيضاً فيه شهر بن حوشب، وهو كثير الإرسال والأوهام، وكذلك فيه -أيضاً- محمد بن ثابت صدوق لين الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أقامها الله وأدامها)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود العتكي ].

    سليمان بن داود العتكي هو أبو الربيع الزهراني، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا محمد بن ثابت ].

    محمد بن ثابت العبدي صدوق لين الحديث، أخرج له أبو داود وابن ماجه .

    [ حدثني رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب ].

    شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن

    [ عن أبي أمامة ].

    أبو أمامة هو صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].

    يعني أن الراوي شك هل هو عن أبي أمامة أو هو عن غيره، والجهالة في الصحابة لا تؤثر كما هو معلوم، وإنما تؤثر في غيرهم.

    1.   

    ما جاء في الدعاء عند الأذان

    شرح حديث: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ....)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الدعاء عند الأذان:

    حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب ما جاء في الدعاء عند الأذان ] يعني الدعاء الذي يدعى به بعد الأذان، فإذا قال المؤذن: (لا إله إلا الله) التي هي آخر ألفاظ الأذان قال السامع: لا إله إلا الله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما مر في الحديث السابق، ثم يسأل الله الوسيلة ويدعو بهذا الدعاء المشتمل على سؤال الله الوسيلة وغير الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وأورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة) ] وعند البخاري لا توجد لفظة (إلا).

    وهذا الحديث فيه بيان مشروعية الدعاء بهذا الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يؤتيه الله الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده، وأن من فعل ذلك يؤجر بهذا الأجر، وهو أن تحل له الشفاعة.

    وهذا الحديث -أيضاً- مطابق لما تقدم من قوله: (ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة... فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي).

    وهذا الحديث فيه بيان لكيفية طلب الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإنسان يقول عقب الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) والوسيلة بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق أنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد، ويرجو أن يكون صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ذلك العبد، والفضيلة هي كذلك منزلة عالية أو ميزة على غيره، والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهي الشفاعة للناس بالموقف بأن يخلصهم الله مما هم فيه.

    وقيل لها: المقام المحمود لأنه يحمده عليها الأولون والآخرون، وكلهم يستفيدون من شفاعته من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، كلهم ينتهون من ذلك الموقف بشفاعة النبي محمد الله عليه وسلم، وهذه شفاعة خاصة به عليه الصلاة والسلام، وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا جاء في الحديث: (أنا سيد الناس يوم القيامة) ثم بين أن الناس يموج بعضهم في بعض، وأنهم يأتون إلى آدم ويطلبون منه أن يشفع لهم ليخلصهم مما هم فيه فيعتذر ويحيلهم إلى نوح، فيذهبون إليه فيعتذر ويحيلهم إلى إبراهيم فيعتذر، ثم يحيلهم إبراهيم إلى موسى فيعتذر، وموسى يحيلهم إلى عيسى فيعتذر، وعيسى يحيلهم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها) فيتقدم للشفاعة ويشفعه الله عز وجل، ويأتي الله عز وجل لفصل القضاء بين الناس، وينتهي ذلك الموقف بشفاعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله ليه وسلم هو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة عليه الصلاة والسلام، ولكن نص على يوم القيامة لأنه يظهر سؤدده على الخلائق كلهم من أولهم إلى آخرهم من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، فهذا هو الوجه في قوله: (أنا سيد الناس يوم القيامة) فيوم القيامة هو اليوم الذي يظهر فيه السؤدد للنبي صلى الله عليه وسلم على الجميع والتميز على الجميع والفضل على الجميع، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا علي بن عياش ].

    علي بن عياش ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن شعيب بن أبي حمزة ].

    شعيب بن أبي حمزة الحمصي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن المنكدر ].

    محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر بن عبد الله ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري

    رضي الله عنهما صحابي جليل، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثيرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما يقول عند أذان المغرب

    شرح حديث: (علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يقول عند أذان المغرب.

    حدثنا مؤمل بن إهاب حدثنا عبد الله بن الوليد العدني حدثنا القاسم بن معن حدثنا المسعودي عن أبي كثير مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: [ باب ما يقول عند أذان المغرب ] وأورد حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي علمها أن تقول عند أذان المغرب: [ (اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي) ] والمقصود منه قوله: [ (وأصوات دعاتك) ] لأنه يعني أصوات المؤذنين، وذلك عند إقبال الليل وإدبار النهار، وهذا لا يكون إلا عند المغرب، ولكن هذا الحديث غير ثابت؛ لأن فيه أبا كثير مولى أم سلمة لم يذكروا في ترجمته شيئاً في توثيقه ولا تعديله ولا تجريحه إلا قول الترمذي : إنه لا يعرف. هذا كل ما قاله في تهذيب التهذيب، وعلى هذا فهو مجهول، وأيضاً الحديث فيه المسعودي وفيه ضعف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب ...)

    قوله: [ حدثنا مؤمل بن إهاب ].

    مؤمل بن إهاب صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الله بن الوليد العدني ].

    عبد الله بن الوليد العدني صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا القاسم بن معن ].

    هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا المسعودي ].

    المسعودي صدوق اختلط، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن أبي كثير مولى أم سلمة ].

    أبو كثير مولى أم سلمة مجهول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي .

    [ عن أم سلمة ].

    هي أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم التسمية بمحمد الله

    السؤال: ما حكم التسمي بـ(محمدَ الله) أو (محمدُ الله) بالفتح والضم؟

    الجواب: يترك ما يضاف إلى الله كـ(محمد الله) ويسمى كما سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم (محمد).

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند التشهد في الأذان

    السؤال: هل يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه عندما يسمع اسمه في التشهد في قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله؟

    الجواب: الذي ورد أنه يقال مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) ولكن إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره فإنه يدخل تحت عموم ما ورد عن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند ذكره، لكن ألفاظ الأذان يؤتى بها كما جاءت، ولكن كونه يقول: صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) كما قال المؤذن لا بأس به؛ لأنه يكون داخلاً تحت عموم أنه ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى عليه، لكن لا يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم) وإنما يقول: (صلى الله عليه وسلم) عندما يسمع المؤذن يقول الشهادة، وإذا فرغ قال: (أشهد أن محمداً رسول الله) كما قال.

    حكم طاعة المفتي أو الداعية لولي الأمر إذا أوقفه عن الفتيا أو الدعوة

    السؤال: لو أن الحاكم أوقف داعية أو مفتياً عن الفتيا، فهل يلزمه السمع والطاعة؟

    الجواب: نعم عليه أن يسمع ويطيع، وقد تكون المصلحة في إيقافه، فقد يكون حصلت منه أشياء تشوش وأشياء لا تليق، فكونه يوقف عليه أنه يمتثل؛ فإن عدم السمع له والطاعة يترتب عليه مضرة، فعليه أن يسمع ويطيع إذا كان يترتب على ذلك مضرة، وسوف يكفيه غيره ممن لا يشوش.

    تعريف لباس الشهرة

    السؤال: ما هو لباس الشهرة؟ وما هي ضوابطه؟

    الجواب: لباس الشهرة هو الذي يتميز به الإنسان ويشتهر به ويشار إليه من أجله بالبنان، هذا هو الذي يبدو من كلمة الشهرة.

    حكم لبس الثوب في البلد الذي يستغرب أهله منه

    السؤال: ما حكم لبس الثوب في البلد الذي يستغرب منه أهله؟

    الجواب: الذي ينبغي أنه يترك حتى لا يشار إليه، وحتى لا يتهم في عقله.

    حكم لبس البنطلون

    السائل: هل يصلح لطالب العلم أن يلبس البنطلون؟

    الجواب: لا، بل الثوب أو القميص هو لباس المسلمين، فيلبسه الإنسان المسلم في أي مكان، وإنما الذي لا ينبغي هو أن يكون في بلد ويأتي بلباس غريب على الناس، ويشار إليه بالبنان من أجله، لكن إذا كان لباساً شرعياً كالقميص فلا يخلعه؛ لأن القميص هو اللباس الشرعي.

    كما أنه لا ينبغي للإنسان أنه يلبس لباس الكفار، ولا يصح للإنسان أن يلبس لباس الإفرنج.

    حكم اقتناء الكتاب النافع إذا كان مؤلفه مجهولاً

    السؤال: إذا عرفنا كتاباً كل ما فيه خير وطيب إلا أن مؤلفه مجهول لا نعرفه، فهل لنا أن نقتنيه؟

    الجواب: إذا كان فيه كلام سليم وكلام مستقيم فللإنسان أن يقتنيه ولو كان صاحبه مجهولاً.

    فضل أهل البيت المؤمنين

    السؤال: ما صحة هذا الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي، وإن أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما

    الجواب: لا أعرف صحة الحديث، ولكن أهل البيت يعطون ما يستحقون من المودة ومن المحبة إذا كانوا مؤمنين؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإيمانهم بالله عز وجل، والأصل هو الإيمان، فإذا إنضاف إلى الإيمان القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يحصل المودة والموالاة من أجل اجتماع الأمرين: الإيمان -وهو الأساس الذي يكون به الحب والبغض- والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصير ذلك خيراً إلى خير، ويحب الإنسان لذلك.

    فأهل البيت تعرف منزلتهم التي يستحقونها، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر - هم القدوة في ذلك في بيان قدر أهل البيت ومنزلة أهل البيت، فـأبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه جاء عنه أثران في صحيح البخاري كل منهما يدل على منزلة أهل البيت وعظيم قدرهم وبيان عظيم منزلتهم، حيث قال رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري : (والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصلهم من قرابتي) يعني: لأن أصل قرابة آل محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من أن أصل قرابة آل أبي بكر .

    والأثر الثاني يقول فيه: (ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته). يعني: راعوا وصيته في أهل بيته.

    وأما عمر رضي الله عنه فقد جاء عنه أثران أيضاً: أحدهما في صحيح البخاري ، وذلك أنهم كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا أجدبوا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يستسقي لهم، ولما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وحصل للناس الجدب والقحط طلب عمر رضي الله عنه من العباس أن يستسقي، واختاره وقدمه على غيره لقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال كما في صحيح البخاري : (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم -يا عباس- فادع الله) فذكر القرابة والصلة فقال: (بعم نبينا) يعني أن هذا هو وجه الاختيار، وعمر رضي الله عنه أفضل من العباس ، وعدد من الصحابة أفضل من العباس ، ولكنه اختاره لقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يوضح معرفتهم قدر أهل البيت وتعظيم منزلتهم.

    وأيضاً جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للعباس : (إن إسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم) والخطاب هو أبوه، ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على إسلامه أحب عمر إسلامه.

    فهذا كلام سيدي هذه الأمة وخير هذه الأمة أبي بكر وعمر في حق آل البيت وفي بيان عظيم منزلتهم ومقدارهم عند الله عز وجل، فإذا صح الحديث فإن المقصود من ذلك هو معرفة قدرهم ومنزلتهم، وهذا الذي أشار إليه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في هذه الآثار.

    وهذا لا يكون إلا للصالح، أما الطالح الذي هو فاسد وهو من أهل البيت فالأمر كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، ويقول الشاعر:

    لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب

    فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب

    فـأبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبه شريف؛ لأن نسبه هو نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الشرك هو الذي وضعه، وسلمان الفارسي من الفرس، والإسلام هو الذي رفعه.

    حكم اتخاذ الجمة واللمة

    السؤال: شاع الخلاف بين الشباب في حكم اتخاذ الجمة واللمة، فهل يليق ذلك بالنسبة لطلاب العلم أو لا؟

    الجواب: الأمر في ذلك واسع، ومن المعلوم أن الشعر إذا تركه الإنسان ينشغل به، فالأمر في ذلك واسع، إن تركه فهو سائغ وإن حلقه أو قصه فهو سائغ، ولكن بالنسبة للشاب الذي يكون وسيماً ويكون جميلاً ثم يفعل مثل ذلك قد يكون في ذلك مضرة عليه وعلى غيره وفتنة له ولغيره.

    حكم اتخاذ السترة للمصلي

    السؤال: ما حكم اتخاذ السترة للمصلي؟

    الجواب: بعض أهل العلم قال بالوجوب وجمهور أهل العلم قالوا بأنه مستحب، ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يتخذ السترة.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)

    السؤال: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)، وهل تَبطُلُ الصلاة بذلك؟

    الجواب: بعض أهل العلم قال بالبطلان وأنها تستأنف، وجمهور أهل العلم قالوا: إن هذا نقصان لها.