إسلام ويب

من منهج الخوارجللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلماء دائماً هم حرز الأمة، وإليهم يلجأ المسلمون فيما يحدث ويستجد من أحداث؛ لمعرفة الحكم الشرعي، والاسترشاد بقولهم في النوازل العظيمة. وعلماء الحديث لهم الصدارة في ذلك؛ لصفاء منهلهم ورسوخهم في العلم. وفي هذه المادة يجيب الشيخ رحمه الله عن أسئلة وردت عن الأحداث الدامية في الجزائر إذ قد أصبحت تغلي بالحرب والمجازر، وركزت الأسئلة على جانب مهم وهو التكفير، والخروج على الحكام، وخصائص جماعة التكفير.

    1.   

    حديث حول الأحداث في الجزائر

    السؤال: شيخنا! فيما يخص الوضع في الجزائر، في هذا الفترة الأخيرة! خاصة ما يحدث من كوارث وفتن، وحيث صار الأمر إلى استخدام المتفجرات التي تودي بحياة العشرات من الناس؛ أكثرهم من الأبرياء، وفيهم نساء، وأطفال، ومن تعلمون، وقد سمعنا من بعض الناس الكبار أنهم ينددون بسكوت أهل العلم والمفتين من المشايخ الكبار، وعدم إنكارهم مثل هذه التصرفات الغير إسلامية قطعاً، ونحن أخبرناهم برأي أهل العلم ورأيكم في المسألة، ولكنهم ردوا بالجهل بما تقولونه، وعدم وجود الأشرطة المنتشرة لبيان الحق في المسألة، ولهذا نحن طرحنا السؤال بهذا الأسلوب الصريح حتى نكون على بينة من رأيكم ورأي من تنقلون عنهم، فبينوا الحق في القضية، وكيف يعرف الحق فيها عند كل مسلم؟ وهل الشيخ يسمع ما يدور من أحداث، أو يسمح لنا أن نبين له؟

    الشيخ: لا يوجد داعٍ لذلك.

    الجواب: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أنت جزاك الله خيراً أشرت بأننا كنا تكلمنا في هذه المسألة، وذكرت بأنهم يردون بجهل وبغير علم، فإذا كان الكلام يصدر ممن يُظَنُّ فيه العلم، ثم يقابل ممن لا علم عندهم بالرفض والرد فما فائدة الكلام حينئذٍ؟؟ لكن نحن نجيب لمن قد يكون عنده شبهة بأن هذا الذي يفعلونه أمر جائزٌ شرعاً، وليس لإقناع ذوي الأهواء وأهل الجهل، وإنما لإقناع الذين قد يترددون في قبول أن هذا الذي يفعله هؤلاء المعتدون هو أمر غير مشروع.

    أهمية تصحيح القاعدة على الكتاب والسنة

    لا بد لي قبل الدخول بشيء من التفصيل من أن أذكِّر -والذكرى تنفع المؤمنين- بقول أهل العلم: ما بني على فاسد فهو فاسد، فالصلاة التي تبني على غير طهارة -مثلاً- ليست بصلاة، لماذا؟ لأنها لم تقم على أساس الشرط الذي نص عليه الشارع الحكيم في نص قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له) فمهما صلى المصلي بدون وضوء فلا تصح؛ لأن ما بني على فاسد فهو فاسد، والأمثلة في الشريعة من هذا القبيل شيء كثير وكثير جداً.

    فنحن نذكر دائماً وأبداً أن الخروج على الحكام -ولو كانوا من المقطوع بكفرهم- ليس مشروعاً إطلاقاً؛ ذلك لأن هذا الخروج -إن كان ولا بد- ينبغي أن يكون خروجاً قائماً على الشرع، كالصلاة التي قلنا آنفاً أنها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة وهو الوضوء.

    ونحن نحتج في مثل هذه المسألة بمثل قوله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] إن الدور الذي يمر به المسلمون اليوم من تحكم بعض الحكام، وعلى افتراض أن كفرهم كفر جليٌ واضح ككفر المشركين تماماً، إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إن الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام، ولنقل: الكفار؛ مجاراة لـجماعة التكفير لفظاً لا معنى؛ لأن لنا في ذلك التفصيل المعروف.. فنقول: إن الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام، لا تخرج عن الحياة التي كان يحياها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام فيما يسمى في عرف أهل العلم بالعصر المكي.. لقد عاش عليه الصلاة والسلام تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة، والتي كانت تأبى صراحة أن تستجيب لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقولوا كلمة الحق: لا إله إلا الله، حتى إن عمه أبا طالب وهو في آخر رمق من حياته قال له: (لولا أن تعيرني بها قومي لأقررت بها عينك).

    أولئك الكفار الصريحون في كفرهم، المعاندون لدعوة نبيهم، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم، ولم يتكلم معهم إلا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وجاء العهد المدني، وتتابعت الأحكام الشرعية، وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين، كما هو معروف في السيرة النبوية.. أما في العهد الأول العهد المكي فلم يكن هناك خروج، كما يفعل اليوم كثير من المسلمين في غير ما بلد إسلامي، فهذا الخروج ليس على هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أمرنا بالاقتداء به، وبخاصة في الآية السابقة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] .

    الآن -كما نسمع- في الجزائر طائفتان، وأنا أَهْتَبِلُها فرصة إذا كنت أنت أو أحد الحاضرين على بينة من الإجابة عن السؤال التالي، أقول: أنا أسمع وأقرأ بأن هناك طائفتين أو أكثر من المسلمين الذين يعادون الحكام هنالك؛ مثلاً جماعة جبهة الإنقاذ، وأظن أن هناك جماعة تكفير.

    مداخلة: جيش الإنقاذ قوات مسلحة غير الجبهة.

    الشيخ: أليس له علاقة بالجبهة؟

    الرجل: انفصل عنها، وهو متشدد.

    الشيخ: إذاً: هذه مصيبة أكبر!

    وأنا أردت أن أستوثق من وجود أكثر من جماعة مسلمة، ولكلٍ منها سبيلها ومنهجها في الخروج على الحاكم.

    ترى لو قضي على هذا الحاكم وانتصرت طائفة من هذه الطوائف التي تعلن إسلامها ومحاربتها للحاكم الكافر بزعمهم، ترى هل ستتفق هاتان الطائفتان فضلاً عما إذا كانت هناك طائفة أخرى، ويقيمون حكم الإسلام الذي يقاتلون من أجله؟ سيقع الخلاف بينهم!

    الشاهد الآن موجود مع الأسف الشديد في أفغانستان، يوم قامت أن الحرب في أفغانستان كانت فعلاً في سبيل الإسلام والقضاء على الشيوعية، فما كادوا يقضون على الشيوعية -والأحزاب كانت قائمة وموجودة أثناء القتال- إلا وينقلب بعضهم عدواً لبعض.

    فإذاً: كل من خالف هدي الرسول عليه الصلاة والسلام فلن يكون عاقبة أمره إلا خسراً.

    (التصفية والتربية) هي القاعدة الصحيحة للتغيير

    هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الحكم الإسلامي، وتأسيس الأرض الإسلامية الصالحة لإقامة حكم الإسلام عليها إنما يكون بالدعوة أولاً.. دعوة التوحيد، ثم تربية المسلمين على أساس الكتاب والسنة.

    وحينما نقول -إشارة إلى هذا الأصل الهام بكلمتين مختصرتين-: لا بد من التصفية والتربية. بطبيعة الحال لا نعني بهما أن تصير هذه الملايين المملينة من هؤلاء المسلمين أمة واحدة، وإنما نريد أن نقول: إن من يريد أن يعمل للإسلام حقاً، وأن يتخذ الوسائل التي تمهد له إقامة حكم الله في الأرض؛ لابد أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكماً وأسلوباً.

    بهذا نحن نقول: إنه ما يقع؛ سواءً في الجزائر أو في مصر، هذا خلاف الإسلام؛ لأن الإسلام يأمر بالتصفية والتربية.

    أقول: (التصفية والتربية) لسبب يعرفه أهل العلم.. نحن اليوم في القرن الخامس عشر ورثنا هذا الإسلام كما جاءنا طيلة هذه القرون الطويلة، لم نرث الإسلام كما أنزله الله على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، لذلك فالإسلام الذي آتى أكله وثماره في أول أمره، هو الذي سيؤتي أيضاً أكله وثماره في آخر أمره، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره) فإذا أرادت الأمة المسلمة أن تكون حياتها على هذا الخير الذي أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث المذكور آنفاً، وفي الحديث الآخر، والذي هو منه أشهر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله).

    أقول: لا نريد بهاتين الكلمتين أن تصبح الملايين المملينة من المسلمين قد تبنوا الإسلام مصفىً، وربوا أنفسهم على هذا الإسلام المصفى، لكننا نريد لهؤلاء الذين يهتمون بشئون المسلمين حقاً:

    أولاً: تربية نفوسهم، ثم تربية ذويهم، ثم.. ثم .. فيصل الأمر إلى هذا الحاكم الذي لا يمكن تعديله أو إصلاحه أو القضاء عليه إلا بهذا التسلسل الشرعي المنطقي.

    بهذا نحن كنا نجيب بأن هذه الثورات، وهذه الانقلابات التي تقام، حتى الجهاد الأفغاني كنا غير مؤيدين له، أو غير مستبشرين بعواقب أمره حينما وجدناهم خمسة أحزاب، والآن الذي يحكم والذي قاموا ضده معروف بأنه من رجال الصوفية -مثلاً-، فالقصد أن من أدلة القرآن الكريم أن الاختلاف ضعف، حيث أن الله عز وجل ذكر من أسباب الفشل هو التنازع والاختلاف: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32] إذاً: إذا كان المسلمون أنفسهم شيعاً لا يمكن أن ينتصروا؛ لأن هذا التشيع وهذا التفرق إنما هو دليل الضعف.

    إذاً: على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق، أن تتمثل بكلمة أعتبرها من حِكَمِ العصر الحاضر، قالها أحد الدعاة -ولكن أتباعه لا يتابعونه- ألا وهي قوله: (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم). فنحن نشاهد، لا أقول: الجماعات التي تقوم بهذه الثورات؛ بل أستطيع أن أقول: نشاهد كثيراً من رءوس هذه الجماعات لم يطبقوا هذه الحكمة التي تعني ما نقوله نحن بتلك اللفظتين: (التصفية والتربية)، إذ لم يقوموا بعدُ بتصفية الإسلام مما دخل فيه، مما لا يجوز أن ينسب إلى الإسلام في العقيدة، أو في العبادة، أو في السلوك، لم يحققوا هذا، أي: تصفية نفوسهم؛ فضلاً عن أن يحققوا التربية في ذويهم، فمن أين لهم أن يحققوا التصفية والتربية في الجماعة التي هم يقودونها ويثورون معها على هؤلاء الحكام؟!

    أقول: إذا عرفنا -بشيء من التفصيل- تلك الكلمة وهي (ما بني على فاسد فهو فاسد) فجوابنا واضح جداً أن ما يقع في الجزائر وفي مصر وغيرها هو:

    أولاً: سابق لأوانه.

    ثانياً: مخالف لأحكام الشريعة غايةً وأسلوباً.

    لكن لابد من شيء من التفصيل فيما جاء في السؤال.

    حكم الاعتداء على الأبرياء بالقتل

    نحن نعلم أن الشارع الحكيم بما فيه من عدالة وحكمة، نهى الغزاة المسلمين الأولين أن يتعرضوا في غزوهم للنساء، فنهى عن قتل النساء، وعن قتل الصبيان -الأطفال-، بل ونهى عن قتل الرهبان المنطوين على أنفسهم بعبادة ربهم -زعموا- وهم على شرك وعلى ضلال؛ نهى الشارع الحكيم قواد المسلمين أن يتعرضوا لهؤلاء، تطبيقاً لأصلٍ من أصول الإسلام، ألا وهو قوله تبارك وتعالى في القرآن: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:36-39] فهؤلاء الأطفال وهؤلاء النسوة، والرجال الذين ليسوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، قتلهم لا يجوز شرعاً.

    وقد جاء في بعض الأحاديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى ناساً مجتمعين على شيء، فسأل، فقالوا: هذه امرأة قتيلة، قال عليه الصلاة والسلام: ما كانت هذه لتقاتل) وهنا نأخذ حكمين متقابلين:

    أحدهما: سبقت الإشارة إليه، ألا وهو أنه لا يجوز قتل النساء لأنها لا تقاتل.

    الحكم الآخر: إذا وجدنا بعض النسوة يقاتلن المسلمين في جيش المحاربين أو الخارجين، حينئذٍ يجوز للمسلمين أن يقتلوا هذه المرأة التي شاركت في القتال.

    فإذا كان السؤال بأن هؤلاء إنما يفخخون -كما يقولون- بعض السيارات، ويفجرونها، فتصيب بشظاياها من ليس عليه المسئولية إطلاقاً في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام في شيء إطلاقاً.

    لكني أقول: إن هذه جزئية من كلية أخطر وهي الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلا سوءاً، بهذا نحن نقول: إنما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنة إلا إذا كانت قائمة على الإسلام، فما بني على خلاف الإسلام فسوف لا يثمر إلا الخراب والدمار.

    1.   

    حول لقاء الشيخ الألباني بعلي بلحاج

    السؤال: بالنسبة للشريط الذي سجل فيه لقاؤكم مع الشيخ علي بلحاج، فإنه لا يعلم عنه شيء في الوقت الحاضر، فيما علمتموه من العهد الذي أخذه الشيخ علي بلحاج في عدم إخراجه للناس، وقد تردد على ألسنة الكثير من الجزائريين التساؤل عما في هذا الشريط، وضرورة إخراجه للناس والأمة حتى يُعرف الحق الذي فيه، وخاصة أنه أمر متعلق بحق وباطل، ومصير شعب وأمة بأكملها، ولقد كلَّمنا الشيخ أبا ليلى عن إخراج الشريط فعلق الأمر بكم، أي: بشيخنا محمد ناصر الدين الألباني، وبالشيخ أبي مالك محمد إبراهيم شقرة، أما الشيخ أبو مالك فقد أخبرناه بذلك فأبدى القبول والرضا، وقال عن العهد المذكور: إنه باطل، وفيه كتم للحق، وبقي قولكم، فهل أنت موافق على إخراج الشريط للناس؟

    الجواب: أنا قد أوافق وقد لا أوافق، لأني لست مستحضراً ما فيه من المسائل، فهل هو موجود عندك؟

    السائل: هل تذكر أن الرجل رفض التسجيل، وجلست أكثر من ربع ساعة في إلحاح بيني وبينه أمامكم؟ أخيراً: أنتَ قلتَ له: لماذا لا تريد أن تسجل؟ قال: أنا لا أحب الشهرة وكذا، وفي النهاية قال له الشيخ أبو مالك : لا يخرج الشريط إلا بإذنك، وهذا الكلام مُسَجَّل، فسألتكم مرة أنا، وقلت: نجلس أنا والشيخ أبو مالك وإياكم حتى نتباحث في هذا الموضوع.

    الشيخ: هل يذكر أبو مالك هذا الكلام؟

    وعلى كل حال إن العهد كان مسئولاً.

    السائل: كثير من الشعب من هؤلاء الخارجين متبعون لـعلي بلحاج، ويجعلونه كأنه الشيخ المتبع وقوله هو النافذ.

    الشيخ: لكن لو لم يكن مثل هذا العهد كنا نقول فوراً بوجوب الإخراج.

    السائل: مع أن الأمر يا شيخ! متعلق بالأمة، والشيخ أبو مالك سألناه فقال: هذا عهد باطل، وقال: فيه كتمٌ للحق.

    الشيخ: سألتك آنفاً: هل يتذكر أبو مالك هذه الكلمة التي قالها؟

    السائل: أبو مالك حضر الجلسة، لأنني ما سمعت الشريط أنا ولا أحد.

    الشيخ: على كل حال ينبغي أن نتدارس الموضوع إن شاء الله.

    السائل: لا تنسوا يا شيخ!

    الشيخ: أيوجد أحد لا يتذكر مثل هذا؟!

    1.   

    حوار حول منهج الخوارج

    السؤال: كما قد سئلت من قبل وما زلت تسأل عن خوارج يسمون بخوارج السيف، أو من يدعون إلى مثل هذه الكلمة، وقد جلت وصلت في أناس كتبوا في منهج الخوارج؛ منهجا، فوجدت من بعد استقراء هذا المنهج أنه على منوال خوارج أهل القرون الأولى كما بدا لي، ورتبت كلاماً لعلي أن أقتصر على الفائدة منه إن شاء الله كالآتي:

    خوارج العصر ينقلون عن السلف أقوالاً مبتورة مقطوعة ليس لها معنى ذا وحدة موضوعية، فإن أخذ الناقل منهم عن أحدهم أخذ الأول من كلامه دون التالي أو التالي دون الأول.

    التقول عليهم بما لم يقولوا، وتحميلهم معاني لكلامهم لم يعنوها، وتقصيدهم ما لم يقصدوه في أقوالهم، أمينهم ينقل معتمداً أقوال السلف اعتضاداً بها ليس اعتماداً عليها! بحيث أن الإجمال سِمَتُهَا، وعدم الإيضاح في فكرتها واضح، وهذه الطريقة الوحيدة المعتضدة عندهم في منهجهم وإعلانه وإشهاره.

    الموضوع الذي أحببت أن أظهره أمامك: أن الخروج عن منهج السلف كان بما كتبته هنا، أن من مات مقراً بالتوحيد ولم يعمل بمقتضاه، وأول مقتضى التوحيد هو الصلاة؛ فإنه منافق لم ينفعه هذا الإقرار.

    الشيخ: هذا كلام من؟

    السائل: هذا كلام خوارج العصر.

    النقطة الثانية: أن أصل الإيمان ابتداءً هو الإقرار والتصديق، فمن لم يأت بمقتضاه نُقض هذا الأصل الذي زعمه صاحبه، وأن من شابه الكافر بفعلته أو بفعله أو بقوله وإن كان ملياً مهما كان متأولاً، ولو كان تأوله غير سائغ، فإنه بمشابهته يكفر بهذا القول أو الفعل.

    كذلك النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم نصوصاً أو من كتاب الله مبتورة لا يفهم لها منهج، يتخذه أو اتخذه صاحبه دليلاً يُفْهِم القارئ أو السامع له أنه صاحب حجة.

    وكذلك في مسألة العذر بالجهل، أن من كان معذوراً بالجهل هو الذي لم تصله الحجة، سواءً كانت عقلية، أو نقلية، أنا سأورد واحدة ...

    مداخلة: هذا كله يعرفه شيخنا.

    الشيخ: أنت قلت عندك سؤال! وهذه محاضرة! والجلسة لا تتحمل محاضرة، فما سؤالك؟

    منزلة العمل من الإيمان

    السؤال: هل صحيح أن من مات على التوحيد وإن لم يعمل بمقتضاه -وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة- يكفر ويخلد مع الخالد الكافر في نار جهنم أم لا؟

    الجواب: السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل، فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان، ولم يجعلوه شرط صحة؛ خلافاً للخوراج، واضح هذا الجواب؟

    السؤال: ما قولكم في تأويلهم لقوله صلى الله عليه وسلم أن كلمة (لم يعمل خيراً قط) ليست على ظاهرها؟

    الشيخ: ولماذا؟

    السائل: لأنها جاءت من باب إفهام القارئ أنها من جملة نفي كمال العمل لا جنسه.

    الشيخ: نطيل السؤال فنقول: ما الدليل؟

    السائل: الدليل من قوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).

    الشيخ: هل الكفر حينما يطلق يراد به الكفر المقارن للردة؟

    السائل: لا. وهم يقولون: لا، لكن الصلاة ..

    الشيخ: إذا قالوا: لا، فما هو الحد الفاصل بين كفرٍ في نص ما فيقال: إنه كفر ردة، وفي نص آخر: ليس بكفر ردة، وكل من الأمرين المذكورين في النصين عمل، ما الفرق بين هذا وهذا؟

    السائل: التفريق كثير جداً يطول تفصيله عندهم بتأويلات منها: أن من ترك جزء العمل ليس كمن ترك كل العمل، أو أن من شابه ببعض أعمال الكافرين، ليس كمن يشابه بعض أفعالهم التي نص عليها الشرع أنها كفر تخرج عن الملة.

    الشيخ: هل أجبت عن السؤال؟

    السائل: هذا جوابهم.

    الشيخ: لا. ما أريد جوابهم. هل أنت شعرت بأن هذا الذي تقول أنه جوابهم هو جواب سؤالي؟

    السائل: لا.

    الشيخ: إذاً: ما الفائدة يا أخي؟! أنا أريد أن ينتبه إخواننا الطلاب أنه ليس بمجرد الدعوى تثبت القضية، أنا أقول: ما الفرق بين كفر يُذكر في مثل هذا الحديث وبين كفر يُذكر في حديث آخر، وكل من الأمرين الذي أنيط به الكفر في كل من النصين هو عملي؟ أي: الجامع هو العمل، فلماذا هذا العمل كفر ردة وذاك العمل ليس كفر ردة؟ مثلاً قال عليه الصلاة والسلام: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) هل هذا كفر ردة أم دون ذلك؟

    كذلك -مثلاً- قوله عليه الصلاة والسلام، والأحاديث في هذا الصدد كثيرة جداً: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ما هو الفارق بين الكفر في حديث الصلاة والكفر في حديث القتال؟ لا بد أن يكون هناك دليل يعتمد عليه الذي يفرق.

    قول أهل السنة والجماعة الذين نقلنا عنهم آنفاً: أن العمل ليس شرط صحةٍ وإنما هو شرط كمال، ولا يفرقون بين عمل وعمل آخر، بشرط أن يكون المؤمن قد آمن بذلك الحكم الذي تساهل في القيام به والعمل به، وما نقلتَه عنهم آنفاً في معنى (لم يعمل خيراً قط) تأويل، وإذا صح التأويل في نص كهذا يمكن أن يصح التأويل في نصهم أيضاً، وأنا أريد الآن أن ألفت النظر بأن هؤلاء الذين يأتون بمفاهيم جديدة تدندن حول تكفير المسلمين؛ بسبب إهمالهم في القيام بعملٍ أَمَرَ الشارع الحكيم به، هؤلاء ينبغي ألا يأتوا بشيء نابع من أهوائهم، أو لِنَقُلْ: من جهلهم، بل لِنَقُلْ: من علمهم؛ لأن علمهم مهما كان صحيحاً ودقيقاً فهو لا يساوي علم السلف.

    وجوب التزام فهم السلف

    هنا لا بد من أن نذكر بما أذكره دائماً وأبداً حول قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] هؤلاء يتبعون غير سبيل المؤمنين، هؤلاء لا يقيمون وزناً لهذا المقطع من هذه الآية الكريمة، وسواءً آمنوا بهذا المقطع ومعناه أو لم يؤمنوا به، لا فرق عندهم بين أن تكون الآية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) -لو كانت الآية هكذا- وبين ما هي عليه: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ .

    فنحن نسألهم: هذه التآويل وهذه التفاسير التي تأتون بها من حيث اللغة العربية الأمر واسع جداً، ولا يستطيع أحد أبداً أن يوقف باب التأويل أمام الناس، وبخاصة إذا كانوا من أهل الأهواء، إذاً: ما هو الأمر الفاصل القاطع في الموضوع؟

    هو الرجوع إلى ما كان عليه السلف، هؤلاء كما أنهم لا يؤمنون بمعنى هذا الجزء من الآية: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هم -أيضاً، وأنا على مثل اليقين- لا يؤمنون بمثل قوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) لا يؤمنون بمثل قوله عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن الفرقة الناجية فقال: (هي الجماعة)؛ لأنهم خرجوا عن الجماعة، وفي الرواية الأخرى: (هي ما أنا عليه وأصحابي) لا يقيمون وزناً إطلاقاً لما كان عليه السلف الصالح،هذا يكفينا في بيان خروجهم عن مفاهيم السلف الصالح، وبالتالي خروجهم عن الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة.

    كأن عندك شيئاً؟

    السائل: عندي جواب على سؤال الشيخ من وجهة نظرهم هم، أذكره؟

    الشيخ: تفضل.

    السائل: ينقلون ويتكئون على كلمة لـشيخ الإسلام رحمه الله في الاقتضاء يقول فيها: إن لفظة (كفر) إذا جاءت منكَّرة تدل على أنها كفر عملي، أما إذا جاءت معرفة بـ(ال) ومصدراً فإنها تدل على الكفر الاعتقادي، كما في الحديث (بينه وبين الكفر ترك الصلاة) فلم يقل: كفراً أو كفر، وإنما قال: الكفر، فهذا هو الكفر الاعتقادي.

    الشيخ: المسألة هنا تكون فرعية، والموضوع ليس فرعياً وإنما هو أصل، فنحن نعلم أن بعض الحنابلة لا يزالون إلى اليوم يفتون بأن ترك الصلاة كفر وردة، لكنهم ليسوا خوارج، ولا يتبنون الخط الذي يمشي عليه الخوارج، فلو سلمنا لهم جدلاً بمثل هذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وغضضنا النظر عن النصوص الأخرى التي نذكرها خاصة في رسالة الصلاة التي تعرضها، فإذا صرفنا النظر عن هذه المسألة بالذات لأن الأدلة فيها متقابلة متشابهة، لكن المهم أنهم إذا وفقوا للصواب في تكفير تارك الصلاة، فذلك لا يعني تكفير المؤمن في أي عمل فرض عليه لا يقوم به، ههنا المعنى أن القاعدة سليمة، لكن لكل قاعدة شواذ، كما هو مذهب الحنابلة مثلاً، هم لا يقولون بصحة مذهب الخوارج، بل هم ضد هذا المذهب، لكنهم التقوا مع هؤلاء، أو بعبارة أصح: هؤلاء التقوا مع الحنابلة في القول بتكفير تارك الصلاة، لكنهم خرجوا عن الحنابلة وعن الشافعية والمالكية والحنفية، وعن جماهير المسلمين في قولهم بتكفير التارك للعمل، كما قلتَ أنت: إن الإيمان لا يكفي -نقلاً عنهم- إنما لا يصح إلا بمقتضاه وهو العمل، بينما الأحاديث التي تعرفونها جيداً والتي هي من بعض أجزاء أحاديث الشفاعة، أن الله عز وجل يأمر أن يخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، هذا الإيمان هو الذي ينجي من الخلود في النار، وهذا هو من معاني قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] .

    السائل: بعد إذنك؛ أعطيك مثالاً على بتر هذا النص، أعني: حديث الشفاعة الطويل.. سئل أحدهم سؤالاً فقال: والدليل على أن العمل لازم للإيمان أن آخر فوج يخرج من النار يعرفون بآثار السجود، فعجبت منه أين بقية النص: (ثم يقول الجبار: قد شَفَّعْتُ الملائكة والنبيين ... إلى قوله: فيخرج من النار -برواية مسلم - أقوامٌ لم يعملوا خيراً قط قد امتحشوا.. فيدخلهم الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجبار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه) فأجاب بهذا الجواب، ولاحظ أنه وقف عند آثار السجود ولم يكمل.

    الشيخ: كيف؟ بعدما سمع الجواب؟ معناه كفر بهذا النص.

    السائل: هذا مثال والأمثلة كثيرة.

    الضابط في كفر المتأوِّل

    السؤال الثاني: ما ضابط كفر المتأول الذي يقول أو يفعل فعل الكافر أو قوله؟

    الجواب: الضابط بين البشر مأخوذ، لكن الله يعلم ما في القلوب، علماء السلف -كما تعلمون- يضلِّلون المرجئة، ويضللون المعتزلة لكنهم لا يكفرونهم، أما عن صحة هذه الرواية من حيث السند، فلم يتح لي الوقوف على السند لكن المعنى صحيح، بمعنى: أنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه؛ لأننا نعلم أن المؤاخذة هي كالإيمان، فمن آمن هكذا دون قصد لا يحكم بإيمانه، ومن كفر دون قصد للكفر فلا يحكم بكفره (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وهناك أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، ومنها ما له صلة بما نقلتَ -آنفاً- عنهم من الغلو من قولهم أن من فَعَل فِعْل الكفار فهو كافر سبحان الله! ما هو الدليل؟

    سيعودون إلى الدعوى التي لا أصل لها، وهي أن الإيمان يستلزم العمل، نحن نقول: الإيمان الكامل يستلزم العمل، لكن ليس شرطاً في كل إيمان، حتى ولو كان ذرة تنجيه من الخلود يوم القيامة في النار.

    ومن تلك الأقوال والأحاديث التي تبطل دعواهم:

    الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مسيرٍ لهم مروا بشجرة ذات أنواط، فقال بعض أصحابه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر! هذه السنن؛ لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة).

    إذاً: مجرد القول بكلمة الكفر لا يستلزم أن يكون قائله كافراً فعلاً.

    وتعلمون قصة عمار بن ياسر ونزول قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] .

    كذلك الرجل الذي أشرتَ إلى حديثه آنفاً، حيث جاء في حديثه: (كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أبٍ، قال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر في يوم عاصف، فلما مات فعلوا ونفذوا وصيته، فقال الله عز وجل لذراته: كوني فلاناً فكان، فقال الله عز وجل: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك) فلو كان قول الكفر كفراً فالكفر لا يغتفر بنص الآية، لكنه ليس كفراً لأنه لم يقصد الكفر، إذاً: هذا من أدلة ضلال هؤلاء، وأنهم: يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران:7].

    القول في كفر الاستحلال

    السؤال: هل يلزم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل فلان لارتكابه محرماً ما، بأنه قد استحله فأمر بقتله، أي: هل يلزم إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل فلان لأنه اقترف ذنباً، أن يكون بمجرد اقترافه له مستحلاً، فيكون بهذا الاستحلال كافراً؟

    الجواب: هذه من كذباتهم أيضاً، وحديث التي زنت وقال عليه الصلاة والسلام في حقها: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم)، مع أنه أقام الحد عليها، فهذا من أكاذيبهم أيضاً، ومن إعراضهم عن كثير من النصوص التي تخالف أهواءهم، ولذلك ما أرى -يا أخي- فائدة من ذكر شبهات هؤلاء الضلال؛ لأن هذا باب لا ينتهي.

    السائل: أَذكرُ الحديث -يا شيخ- عن البراء بن عازب قال: (لقيت عمي أبا بردة بن نيار معه لواء، فقلت: أي عم! أين تريد؟ قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أذهب إلى رجل تزوج بامرأة أبيه فأقتله ..).

    الشيخ: حسناً؛ ماذا في هذا؟

    السائل: إن هذا النص دليل على أن من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لارتكابه هذا المحظور، لزم من هذا أنه استحل ذلك..

    الشيخ: يا أخي! فهمت قصدك، لكن ما الدليل على هذا؟

    السائل: أنه تزوج زوجة أبيه؛ وهذا استحلال.

    الشيخ: يا أخي! ما اختلفنا، الذي يقتل النفس المؤمنة أليس استحلالاً؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: فهل هو كافر؟

    السائل: ليس بكافر.

    الشيخ: ما هو الفرق بين هذا وذاك؟ كما قلت لك آنفاً: ما هو الفرق بين كفر في عمل وكفر في عمل؟

    السائل: لا فارق.

    الشيخ: وهذا من هذا -يا أخي- فيمكن أن يضع الإنسان احتمالات في نصوص الكتاب والسنة، فإن النصارى -ولعلكم تعرفون ذلك- يحتجون ببعض نصوص القرآن على تثليثهم وعلى كفرهم، الأهواء لا يمكن وضع حدود لها، إلا أن نتبع السلف الصالح تماماً، وهذا هو الحكم الفصل بيننا وبينهم، وإلا سيأتونك بكل دليل ويضعون له تأويلاً حتى يتطابق مع أهوائهم، ولذلك قلت لك: هذا باب لا ينتهي.

    مداخلة: يبدو أن شيخنا يقصد أن أفراد الشبهات لا تنتهي، فينبغي أن تكون الأسئلة عن أصول كاملة، بمعنى أن كل الكلام الذي تفضلت بالحديث عنه يدل على قضية تحريفهم واستدلالهم وترك أصل الإيمان وما شابهه، فإذا كان هناك أصل آخر دون الإكثار من أمثلتهم فهو أجدر بالبحث.

    الشيخ: بلا شك.

    ضابط الجهل الذي يمنع وقوع الكفر على فاعله

    السؤال: هل مَن تأول عن تقصير ولم يقصد قلنا بأنه لا يكفر؟

    الشيخ: نعم؛ لكنه يؤاخذ.

    السائل: الجاهل الذي يقصد بجهله الكفر، هذا أظن أنه لا يعذر بجهله، أليس كذلك؟

    الشيخ: نعم، لكن ظنك سابقٌ لأوانه إلا بعد أن تتأمل في الكفر الذي قصده هذا الجاهل، هل هو يعلم أنه كفر شرعاً؟

    السائل: يعلم نعم.

    الشيخ: بهذا القيد ممكن، أما بدون القيد فلا يكفر، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين من يكفر بعلم. إذاً: يكون سؤالك -ولا مؤاخذة- شكلي محض؛ لأنه إن كان يعلم أن هذا العمل كفرٌ شرعاً فهو والعالم سواء، ولذلك أنا خشيت أن تطلق عليه الكفر وهو يجهل، مع أنه قصد هذا الكفر لكنه يجهل أنه كفرٌ شرعاً، فحينئذٍ نقول: هذا لا يكفر، لكن إذا كان عالماً فلا فرق إذاً بينه وقد وصفته بأنه جاهل، وبين غيره وقد وصفته بأنه عالم؛ لأنهما اشتركا كلاهما في معرفة أن هذا العمل كفرٌ شرعاً، فإذاً لا عذر لهذا.

    الرد على من لا يعتمد فهم السلف

    السؤال: ما الرد على من يتأول قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] فسيقول: سبيل المؤمنين هو الكتاب والسنة؟!

    الجواب: هذا ما أشرت إليه آنفاً.. رجع الأمر إلى أنه لا فرق بين واقع الآية وبين ما لو كانت: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى). هذا لغو يترفع الكلام الإلهي عن أن ينسب إليه، ليس في القرآن كلمة فضلاً عن جملة -كهذه الآية (ويتبع غير سبيل المؤمنين )- إلا وضعت لقصدٍ وغاية عظيمةٍ جداً.

    وهذا من جملة التآويل التي لا تنتهي، ولنسمها بالاسم الصحيح: من جملة التعطيل الذي يوصف به المعطلة في الصفات، ثم ماذا يقولون فيما إذا فعل بعض الصحابة فعلاً؟

    انظر الآن كيف ينكشف ضلال هؤلاء من جوانب عديدة وكثيرة جداً جداً، ماذا يقولون فيما إذا جاء عن بعض الصحابة قولٌ أو فعل أو فتوى لا تخالف الكتاب والسنة؟ أيأخذون بها، أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟ ماذا تظن فيهم؟

    السائل: لا يقولون: نحن رجال وهم رجال، لكنهم يقولون تأدباً: إن الفهم الذي فهمناه هو الفهم المطلوب، والفهم الذي تلزمنا إياه هو فهمك الذي تلزم به نفسك فقط.

    الشيخ: حِدتَ عن الجواب!

    ما موقفهم بالنسبة لما فعله الصحابة من فعل أو ما أصدروه من فتوى، هل يتبنون هذا الفعل أو هذه الفتوى، أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟

    السائل: يقولون: واقعنا أو حال المعصية التي بين أيدينا، والظاهر الذي نراه بين أيدينا ليس كما تصوره سلف الأمة الأوائل.

    الشيخ: الله أكبر! يعني يؤثرون فهمهم على فهم أولئك؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: وما معنى: (ما أنا عليه وأصحابي) أيضاً لا بد من تحريفه؟

    السائل: قال الشيخ سفر : المجتمع الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صحابة مؤمنون كثيرو الإيمان كالبحر، لو أخطأ أحدهم -وإن لم يقصد- فإن هذه القطرة لا تؤثر في البحر، بينما من دونهم قد يتكلم أو يفعل وعنده ماء قليل -يمثل الإيمان بالماء- لو قطرت فيه قطرة نجاسة لوثته ونجسته وأصبح غير قابل للطهارة أو للتصفية.

    الجواب: كلام شعري جميل، لكنه حَيْد عن الجواب، وأعيد عليك السؤال، أنا لا أسأل عن الفرق بين خطأ الأولين والآخرين حتى يأتي هذا الجواب بهذا الكلام الشعري الجميل، إنما أنا أسأل: إذا فعل بعض الصحابة فعلاً أو أفتوا بفتوى وليس هناك في الكتاب والسنة ما يخالفهم هل نؤثر فهمنا نحن على فهمهم، أم نتنازل عن فهمنا لفهمهم؛ لأنهم أطهر قلوباً، وأغزر علماً، و.. و.. إلى آخره، ما هناك من صفات معروفة جداً؟ لعل السؤال واضح، ولعلي أحظى بالجواب هذه المرة.

    السائل: الجواب هو نفس القول في المسألة الثانية: أنهم هم أولى منهجاً وفهماً من غيرهم، لكن التأويل أبى إلا أن يكون الأول، والحق أن هؤلاء أولى منهجاً وفهماً.

    الشيخ: أنا لا أسألك عن رأيك وإنما أسألك عن رأيهم هم.

    السائل: جوابهم التالي: لكن التأويل يأبى إلا بالتقصيد أو أو أو ... إلخ، يتنـزهون ويتأدبون أن يجيبوا عن هذا السؤال بالجملة الأولى.

    الشيخ: أسأل عن عملهم؟

    السائل: التأويل.

    الشيخ: أسألك عن عملهم في المسألة التي يعملها الصحابة، لأنك تقول أنت: إنهم يتأدبون لفظاً، لكن هناك فتوى صدرت منهم، لنضرب مثلاً: أنا قلت آنفاً من باب التدرج وما وصلنا بعد إلى الدرجة الثانية لا نزال في الدرجة الأولى، قلت: بعضهم، بمعنى: يشمل واحداً فأكثر، الآن أضرب مثلاً من الناحية العملية، بحيث لا يمكن أن يقال عنهم وحكاية عنهم: إنهم يتأدبون لفظاً، أنا أسأل الآن: ماذا يفعلون عملاً، مثلاً: هناك حديث في صحيح مسلم : (نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الشرب قائماً) وفي لفظٍ: (زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً) قيل لراوي الحديث أنس بن مالك خادم الرسول عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم: [والأكل؟ قال: شر]. نحن الآن الذين نؤثر فهم الصحابي على فهمنا، وبخاصة أننا لا نجد في السنة -وقبل ذلك في القرآن- ما يخالف هذا الجواب من هذا الصحابي الجليل أنس بن مالك، نحن الآن عملاً لا نفرق بين الشرب قائماً والأكل قائماً، كما أننا لا نشرب قياماً وإنما جلوساً، كذلك لا نأكل قياماً وإنما جلوساً.. هم ماذا يفعلون؟

    السائل: أظن أنهم في هذه الأحكام متبعون مقتفون لطريقة السلف.

    الشيخ: ما أظن ذلك؛ لأنهم يحاجّون في ذلك، وأنا أرجو أن تكون حكايتك هذه حكاية صحيحة، وليست من باب إحسان الظن، أنا أرجو أن تكون هذه الحكاية عنهم حكاية مطابقة لواقعهم؛ لأننا حينئذٍ نؤاخذهم من هنا من هذه الجزئية، ونقيم عليهم الحجة.. لماذا أنتم الآن اتبعتم السلف في هذه الجزئية، بل اتبعتم شخصاً واحداً، بينما أنا كان كلامي في السابق قلت: (بعضهم) يشمل الواحد والاثنين والأكثر من ذلك..؟

    أنت أجبت بجواب يخالف هذا الجواب الآن، لماذا؟ لأني طورت السؤال بناءً على تطور إجابتك عنهم، قلت: إنهم يتأدبون باللفظ، فماذا يفعلون في العمل الذي عملوه؟ هذا ما عملوه جميعاً وإنما عمله صحابي واحد، إذا قال: [الأكل شر] إذاً: نحن أتباع السلف إن شاء الله -أيضاً- لا نأكل من قيام، وهم ماذا يفعلون؟

    قلت عنهم -وأرجو أن يكون هذا عنهم صواباً-: إنهم يتبعون السلف، نقول: بأي حجة أنتم اتبعتم السلف في هذه الجزئية؟ أنتم مدينون ومكلفون بأن تتبعوا السلف فيما هو أهم من هذه الجزئية بكثير، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وبصورة أخص فيما يتعلق بالتكفير.

    مداخلة: كلمة في تأييد كلام شيخنا في قضية فهم السلف، كلمة في سطرين للإمام الشاطبي رائعة جداً، يقول في كتاب الموافقات (ج3 ص 77): يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل.

    الشيخ: إي والله! آمنت بالله والذي جاء به رسول الله، وبما اتبعه سلفنا الصالح .

    مداخلة: ابن عبد البر في الاستذكار ينقل عبارة وينسبها إلى أبي حنيفة وحماد بن سليم وربيعة الرأي، فيقول: كانوا يقولون: رأينا لمن بعدنا خير لهم من رأيهم لأنفسهم.

    الشيخ: فما بال رأي الصحابي بالنسبة لمن بعده؟ من باب أولى.

    حكم الحاكم بغير ما أنزل الله

    السائل: يتأولون تفسير قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] تأدباً، أن ابن عباس لم يقصد بقوله هذا فيمن ضاهى بتشريعه أحكام وتشريع الله تعالى، وأتى بتشريعات مضاهية لتشريع الله، بل قصد هذا فيمن غيَّر وبدل في نظام الحكم من شورى أو خلافة إلى ملكي... إلخ فقط، فأرجو الجواب عن هذا.

    الشيخ: لا يفيدهم هذا التأويل الهزيل شيئاً إطلاقاً، ذلك لأنه:

    أولاً: كأي تأويل من تأويلاتهم سنقول لهم: ما دليلكم على هذا التأويل؟ وسوف لا يحررون جواباً.

    ثانياً: الآية التي قال فيها عبد الله بن عباس هذه الكلمة معروفة، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] بماذا فسرها علماء التفسير؟ فيعود للمناقشة من أولها.

    علماء التفسير اتفقوا على أن الكفر قسمان:

    كفر اعتقادي، وكفر عملي، وقالوا في هذه الآية بالذات: من لم يعمل بحكمٍ أنزله الله فهو في حالة من حالتين: إما أنه لم يعمل بهذا الحكم كفراً به؛ فهذا من أهل النار خالداً فيها أبداً، وإما اتباعاً لهواه لا عقيدة وإنما عملاً كهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالإسلام؛ فلا كلام فيه، هذا بالنسبة للكفر الاعتقادي.

    وكهؤلاء المسلمين الذين فيهم المرابي، وفيهم الزاني، وفيهم السارق وو... إلخ، هؤلاء لا يطلق عليهم كلمة الكفر بمعنى الردة إذا كانوا يؤمنون بشرعية تحريم هذه المسائل، حينئذٍ علماء التفسير في هذه الآية صرحوا بخلاف ما تأولوا، فقالوا: الحكم الذي أنزله الله إن لم يعمل به اعتقاداً فهو كافر، وإن لم يعمل به إيماناً بالحكم لكنه تساهل في تطبيقه فهذا كفره كفر عملي.

    إذاً: هم خالفوا ليس السلف الأولين بل وأتباعهم من المفسرين والفقهاء والمحدثين، إذاً: هم خالفوا الفرقة الناجية.

    مداخلة: ذكر أخونا في معرض كلامه تلك الفقرة، ونسألكم ما هو القصد منها؟

    الشيخ: هم يفكرون ويظنون أن كلام سفر له علاقة بموضوعنا، وقد قلت: هذا الكلام شعري وجميل، لكن ليس جواباً لسؤالنا!! وأنا لا أدري ما رمى إليه!

    مداخلة: لدي فائدة لك في أثر علي رضي الله تعالى عنه لما سألوه [أمشركون أو كفار هم؟ قال: لا. بل من الكفر فروا] وجدتها في سنن البيهقي بسندها، ووجدتها كذلك في مصنف ابن أبي شيبة، لكنها ليست عندي، وممكن إذا اتصلت بك أو أعطيتها للأخ الشيخ علي يفيدك بها.

    الشيخ: ما تمت الفائدة إذاً: مداخلة: شيخنا يتكلم عن الصحة، أما المصادر فأمرها سهل!

    الشيخ: على كل حالٍ جزاك الله خيراً.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.