إسلام ويب

الشدة عند السلفيةللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الرفق سمة بارزة وخلقاً غالباً على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أحياناً كان يستعمل الشدة لما تقتضيه الحكمة في الدعوة. وفي هذه الأيام نجد من كثير من المتساهلين في دينهم وصْفَهم للسلفيين جميعاً بالشدة، ولا يخفى ما في ذلك من مجازفة وعدم إنصاف. وقد أبان الشيخ رحمه الله في هذه المادة أبعاد هذا الاتهام، موضحاً أن الحكمة تستلزم الرفق في الدعوة إلا لما تقتضيه المصلحة الشرعية، ومركزاً على العدل والإنصاف كأساس للتربية المثالية. وفي ختامها أثنى على ناصر العمر، مع بيان انحراف السقاف في عقيدته.

    1.   

    دعوى الشدة عند السلفيين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    السؤال: فضيلة الشيخ! هناك سؤال في مجال الدعوة، يقول: الرفق والسماحة ولين الجانب من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل توفر الرفق واستعماله واجب في الدعوة أم مستحب؟

    الجواب: واجب.

    السائل: السؤال له مغزى وله هدف.

    الشيخ: طبعاً؛ وراء الأكمة ما وراءها.

    السائل: السلفيون بشتى أصنافهم مشهورٌ عنهم -وقد يكون صحيحاً- الشدة في نشر الدعوة وقلة الرفق، فهل ترى أن هذا صحيحٌ -وهذا ما أراه أنا- وما هو تعليقك على ذلك؟

    الشيخ: أولاً في كلامك ملاحظة، وهي قولك: وقد يكون صحيحاً.

    السائل: قلت: فهل تراه صحيحاً.

    الشيخ: أولاً: قلتَ: وقد يكون صحيحاً، أي: ما يقال عنهم من الشدة؟

    السائل: معذرة.

    الشيخ: قلت هذا؟

    السائل: نعم، وأرجو المعذرة.

    الشيخ: فهنا الملاحظة، نحن نلفت نظر إخواننا حينما يتكلمون بمثل هذا الكلام، نقول: هذا الكلام للسياسيين، وقد لا يعنونه، لكنه:

    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما     جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

    فحينما يقول المتكلم في أمر ما: قد يكون كذا، فيقابله: قد لا يكون كذا، فهنا يَرِدُ على سؤالك أمران اثنان، وبعد ذلك نتابع الجواب:

    هل أنت متأكد من هذا الذي يقال: إن السلفيين لا لين عندهم وإنما الشدة هي نبراسهم أو هي منهجهم؟ وأنت فتحت لي باب هذا السؤال؛ لأنك قلت: وقد يكون صحيحاً!

    السائل: يا شيخ! أنا قلت: معذرة من قولي: قد يكون.

    الشيخ: هكذا؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: إذاً نسمع الكلام الصحيح، ما هو؟

    السائل: هل أعيده؟

    الشيخ: لا تُعده لأنه خطأ، وإلا من ماذا تعتذر، تعيد على الوجه الصحيح بدون (قدقدة)، هل كلامي واضح؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: تفضل.

    السائل: السؤال من أوله.

    الشيخ: لا بأس، وهذا لك الخيار فيه.

    السائل: نحن قلنا -وأنت أجبت وهذا حاصل- أن الرفق، والسماحة، ولين الجانب، واجب في الدعوة، وأنا سؤالي عن الدعوة ليس عن الأمور الشخصية أو الحياتية، كما ذكرت أنه يجب توفر اللين والرفق في الدعوة والرفق بالناس المدعوين، فالسلفيون مشهور عنهم -فيما أراه أنا- الشدة وقلة الرفق في الدعوة، فهذا رأيي أنا، فما هو رأيك؟

    الشيخ: أنت منهم؟

    السائل: أرجو ذلك.

    الشيخ: أنت منهم، هل أنت سلفي؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: إذاً: هل أنت من هؤلاء السلفيين المتشددين؟

    السائل: لا أزكي نفسي، أنا أقصد سمة بارزة لهم.

    الشيخ: القضية الآن ليست قضية تزكية، بل قضية بيان واقع، وقلنا: إنك الآن تثير هذا السؤال من أجل التناصح، فأنا عندما أسألك: هل أنت من هؤلاء المتشددين؟ ما يرد هنا موضوع (أنا لا أزكي نفسي)، لأنك تريد أن تبين الواقع، بمعنى أنك لو سألتني هذا السؤال لقلت لك: أنا فيما أظن لست متشدداً، وأنا لا أعني أنني أزكي نفسي؛ لأني أخبر عن واقعي، ففكر في السؤال.

    السائل: نعم -يا شيخ- وجوابي مثل جوابك.

    الشيخ: إذاً: لا يصح أن نطلق أن السلفيين متشددون، والصواب أن نقول: بعضهم متشددون، فإذاً نقول: إن بعض السلفيين عنده أسلوب في الشدة، لكن تُرى هل هذه الصفة اختص بها السلفيون؟

    السائل: لا.

    الشيخ: إذاً: ما الفائدة وما المغزى من مثل هذا السؤال؟

    ثانياً: هل اللين الذي قلنا أنه واجب، هل هو واجب دائماً وأبداً؟

    السائل: لا.

    وجود بعض صور الشدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

    الشيخ: فإذاً أولاً: لا يجوز لك ولا لغيرك أن تصف طائفة من الناس بصفة تعممها على جميعهم.

    ثانياً: لا يجوز لك أن تطلق هذه الصفة على فرد من أفراد المسلمين، سواءً كان سلفياً أو خلفياً في حدود تعبيرنا، إلا في جزئية معينة، ما دمنا اتفقنا أن اللين ليس هو المشروع دائماً وأبداً، فنحن نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعمل الشدة التي لو فعلها سلفي اليوم لكان الناس ينكرون عليه أشد الإنكار.

    مثلاً: لعلك تعرف قصة أبي السنابل بن بعكك .

    السائل: لا.

    الشيخ: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل فوضعت، وكان قد بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضعها للحمل، يقول في الحديث -وهو في صحيح البخاري - أنها بعد أن وضعت تشوفت للخطاب وتجملت وتكحلت، فرآها أبو السنابل -وكان قد خطبها لنفسه فأبت عليه- فقال لها: لا يحل لك إلا بعد أن تنقضي عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام -وهي فيما يبدو أنها امرأة تهتم بدينها- فما كان منها إلا أن سارعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ما قال لها أبو السنابل، فقال عليه السلام: (كذب أبو السنابل) هذه شدة أم لين؟

    السائل: شدة.

    الشيخ: شدة ممن؟ من أبي اللين: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، إذاً ليس مبدأ اللين بقاعدة مطردة كما ذكرنا آنفاً، وإنما ينبغي على المسلم أن يضع اللين في محله والشدة في محلها.

    وكذلك -مثلاً- ما جاء في مسند الإمام أحمد: (لما خطب عليه الصلاة والسلام خطبة قام رجل من الصحابة وقال له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله! قال: أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده) هذه شدة أم لين؟

    السائل: أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم.

    الشيخ: هذه أنا أسميها حيدة؛ لأنك لم تجبني كما أجبتني من قبل، عندما قلت لك: إن أبا السنابل قال عليه الصلاة والسلام في حقه: (كذب أبو السنابل )، شدة أم لين؟

    السائل: هذه شدة.

    الشيخ: وهذه الثانية؟

    السائل: بيّن له فقط وقال: (أجعلتني لله نداً؟!).

    الشيخ: هذه حيدة بارك الله فيك، أنا ما أسألك: بيّن أم لم يُبيّن؟ أنا أسألك: شدة أم لين؟ لماذا الآن اختلف منهجك في الجواب؟ من قبل ما قلتَ: بيّن له، لما قال له: كذب أبو السنابل، هو بين، ولكن هذا البيان كان بأسلوب هين لين -كما اتفقنا أنه القاعدة- أم كان فيه شدة؟ قلتها بكل صراحة: كان فيه شدة. فماذا تجيب به عن السؤال الثاني؟

    السائل: السؤال الثاني لم يقل له: (كذب..)، وإنما قال له: (أجعلتني لله نداً).

    الشيخ: الله أكبر! هذا أبلغ في الإنكار، بارك الله فيك، وهناك حديث آخر: (قام خطيب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت) شدة أم لين؟

    السائل: شدة.

    الشيخ: المهم بارك الله فيك، هناك أسلوب لين، وأسلوب شدة، فالآن بعد أن اتفقنا أنه ليس هناك قاعدة مطردة باستمرار: لين دائماً أو شدة دائماً، إذاً تارة هكذا وهكذا.

    أسباب وصف السلفيين بالشدة

    الآن: حينما يتهم السلفيون بعامة أنهم متشددون، ألا ترى أن السلفيين بالنسبة لبقية الطوائف والجماعات والأحزاب هم يهتمون بمعرفة الأحكام الشرعية وبدعوة الناس إليها أكثر من الآخرين؟

    السائل: لا شك في ذلك.

    الشيخ: بارك الله فيك! إذاً بسبب هذا الاهتمام الذي فاق اهتمام الآخرين من هذه الحيثية، فإن الآخرين يعتبرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -ولو كان مقروناً باللين- شدة، بل بعضهم يقول: هذا ليس زمانه اليوم، بل بعضهم غلا وطغى وقال: البحث في التوحيد يفرق الصفوف اليوم.

    فإذاً: بارك الله فيك! الذي أريد أن أصل معك إليه هو: أن القضية نسبية، فهناك إنسان ليس متحمساً للدعوة -وخاصة للدخول في الفروع التي يسمونها القشور أو أموراً ثانوية- فهو يعتبر البحث ولو كان مقروناً بالأسلوب الحسن؛ يعتبره شدة في غير محلها.

    ولا ينبغي وأنت سلفي -مثلنا- أن تشيع بين الناس -ولو بين هؤلاء الناس القليلين الآن- وتذكر أن السلفيين متشددون؛ لأننا اتفقنا أن بعضهم متشدد، وهذا لا يخلو حتى من الصحابة، ففيهم اللين وفيهم المتشدد، ولعلك تعرف قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فهمَّ الصحابة بضربه، هذا لين أم شدة؟

    السائل: شدة.

    الشيخ: لكن قال لهم الرسول: دعوه، فإذاً قد لا يستطيع أن ينجو من الشدة إلا القليل من الناس، لكن الحق هو أن الأصل في الدعوة أن تكون على الحكمة والموعظة الحسنة، ومن الحكمة أن تضع اللين في محله والشدة في محلها.

    أما أن نصف خير الطوائف الإسلامية، التي امتازت على كل الطوائف بحرصها على اتباع الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه السلف الصالح بالشدة، هكذا على الإطلاق؟ ما أظن هذا من الإنصاف في شيء، بل هو من السرف.

    أما أن يقال: فيهم من هو متشدد؛ فمن الذي يستطيع أن ينكر؟ ما دام أن من الصحابة من كان متشدداً في غير محل شدة، فأولى وأولى في الخلف من أمثالنا -خلف بالمعنى اللغوي- بأن يوجد فينا متشدد، ثم الآن نتكلم عن شخص بعينه، هب أنه هين لين، هل ينجو من استعمال الشدة في غير محلها؟

    السائل: لا، أبداً.

    الشيخ: فإذاً: بارك الله فيك! القضية مفروغ منها، فإذا كان الأمر كذلك فما علينا إلا أن نتناصح، فإذا رأينا إنساناً وعظ ونصح وذكّر بالشدة في غير محلها ذكرناه، فقد يكون له وجهة نظر، فإن تذكر فجزاه الله خيراً، وإن كان له وجهة نظر سمعناها منه وينتهي الأمر.

    الحكمة في الدعوة بين اللين والشدة

    السؤال: كثير من السلفيين يستخدمون الشدة ولا يستخدمون اللين، فيستخدمون الشدة في غير موضعها، ولا يستخدمون الرفق في موضعه، وليسوا قليلاً، أنا أقول: كل الطوائف تفعل هذا، وأنا لا أقيس السلفيين على غيرهم من الطوائف الأخرى، فأنا لا يهمني أمر الطوائف الأخرى، بل يهمني أمر السلفيين، فكثير من السلفيين يصدون عن المنهج السلفي بأسلوب دعوتهم للناس، فأنا قصدت من السؤال أن توجه نصيحة لمن ابتلوا بالشدة وبضيق الصدر.

    الجواب: بارك الله فيك، ويحتاج إلى واحد مثلي لكي يوجه النصيحة، والسلفيون وغير السلفيين يعلمون الآية التي ذكرناها آنفاً: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، ويقرأ السلفيون أكثر من غيرهم حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (حينما جاء ذلك اليهودي مسلِّماً على النبي صلى الله عليه وسلم لاوياً لسانه قائلاً: السام عليكم، فسمعت السيدة عائشة هذا السلام الملوي فانتفضت وراء الحجاب حتى تكاد تنفلق فلقتين -كما جاء في الحديث غضباً- فكان جوابها: وعليك السام واللعنة والغضب, يا إخوة القردة والخنازير! أما الرسول فما زاد على قوله لـه: وعليك، ولما خرج اليهودي من عند الرسول عليه الصلاة والسلام أنكر صلى الله عليه وسلم عليها وقال لها: يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه، قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قال؟ قال لها: ألم تسمعي ما قلته).

    فإذاً السيدة عائشة التي ربيت منذ نعومة أظفارها في بيت النبوة والرسالة، ما وسعها إلا أن تستعمل الشدة مكان اللين، فماذا نقول في غيرها؟ السلفيون لم يربوا في بيت النبوة والرسالة، بل أنا أقول الآن كلمة ربما طرقت سمعك يوماً ما من بعض الأشرطة المسجلة من لساني:

    إن آفة العالم الإسلامي اليوم مقابل ما يقال في الصحوة الإسلامية، هو أن هذه الصحوة لم تقترن بالتربية الإسلامية، لا يوجد تربية إسلامية اليوم، ولذلك فأنا أعتقد أن أثر هذه الصحوة العلمية سيمضي زمناً طويلاً حتى تظهر آثارها التربوية في الجيل الناشئ الآن في حدود الصحوة الإسلامية، ففيها تصرفات وعثرات، لكن هؤلاء الأفراد يعيشون تحت رحمة الله عز وجل، ومنهم القريب ومنهم البعيد، ولذلك فمن الناحية الفكرية والعلمية، سوف لا تجد من يخاصمك ويخالفك في أن الأصل في الدعوة أن تكون باللين والموعظة الحسنة، لكن المهم التطبيق، والتطبيق هذا يحتاج إلى مرشد وإلى مربي يربي تحته عشرات من طلاب العلم، وهؤلاء يتخرجون على يد هذا المربي مربين لغيرهم، وهكذا تنتشر التربية الإسلامية رويداً رويداً، بتربية هؤلاء المرشدين لمن حولهم من التلامذة، وبلا شك أن الأمر كما قال تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] .

    ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الأمة الوسط لا إفراط ولا تفريط.

    السائل: جزاك الله خيراً يا شيخ.

    السؤال: أحياناً يلاقي السني ممن يقابله من أهل البدع عتواً واستكباراً، والأمر كما أمر الله عز وجل موسى باللين مع فرعون قال لـه: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102] يوجد دكاترة في الكلية يستهزئون بنا عندما نقول لهم: قال الرسول، ويمثلون صلاة السلفيين وبعض التصرفات، فيخرج الإنسان عن طوره ويستعمل معهم الشدة، وأعجبني المثل الذي سمعته منك يا شيخ الذي يقول: (قال الحائط للوتد: لِمَ تشقني؟ قال: سل من يدقني).

    وكذلك في إحدى المرات كنا نناقش بعض أفراد حزب التحرير -وكما لا يخفى عليكم هدفهم هو مسألة الخلافة، ونحن -بحمد لله- هدفنا أولاً العقيدة والتوحيد- فلما بدأنا معهم في البحث العلمي من الأساس -كما تعلمنا منكم- فجاءت مسألة الأسماء والصفات، فكان أحدهم ومن كبارهم يقول: نحن ننتظر طول الليل بإصبعه ورجله! يستهزئ بصفات الله عز وجل. فماذا نقول لهذا؟

    الشيخ: على كل حال، نسأل الله أن يؤتينا الحكمة وهي أن نضع كل شيء في محله.

    السائل: عمر لما قال له رجل: [استغفر لأخيك، قال: لا غفر الله له] .

    الشيخ: عندي أمثلة كثيرة جداً، يذكرنا الأخ أبو عبد الله بأثر عن عمر أن رجلاً قال له: [استغفر لأخيك، فقال: لا غفر الله له] ما رأيك في هذا؟ لا شك أنك لو رأيتني أقول هذه الكلمة لقلت: الشيخ متشدد، لكن هنا يكون في نفس المُنكِر الغيرة على الشريعة فتحمله أن يقسو في العبارة، بينما ذلك المتفرج لا توجد لديه هذه الغيرة التي ثارت في نفس هذا الإنسان فيخرج منه هذا الكلام.

    وهنا عندنا في سوريا يقولون: (شوها الشدة يا رسول الله؟) هذه لهجة سورية خاطئة، يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأن الشدة صادرة منه صلى الله عليه وسلم، وهم يعنون هذا الإنسان.

    وجوب العدل والإنصاف في تقييم الآخرين

    سبحان الله! المسألة ينبغي أن تراعى جوانبها من كل النواحي، حتى الإنسان يكون حكمه عدلاً، ثم أيضاً مما يبدو لي الآن أن من أسباب إشاعة هذه التهمة -إذا صح أنها تهمة- عن السلفيين، تعرف أنت أن من كثر كلامه كثر خطؤه.

    فالذين يتكلمون في المسائل الشرعية هم السلفيون، فلذلك لا بد أن يخطئوا لكثرة ما يتكلمون، فيتجلى خطؤهم، ومن هذا الخطأ الشدة عند الآخرين الذين هم لا يجولون ولا يخوضون في هذه القضايا، بينما لو نظرت هذه الشدة في عموم ما يصدر منهم من نصح على العدل وعلى الإنصاف واللين؛ لوجدنا من مثل بعض الأمثلة التي ذكرناها عن بعض السلف وأمام الرسول عليه السلام فيها شدة، ولكن هذه الشدة لا تسوغ لنا أن ننسب هؤلاء الصحابة الذين وقعوا في الشدة في جزئية معينة أنهم كانوا متشددين، وإنما قد نقع -كما قلنا- أنا وأنت وغيرك في شيء من الشدة.

    السائل: كانت السمة البارزة عليه اللين والرفق، حتى وإن قال: كذب فلان، أو أجعلتني لله نداً.. وما شابهه.

    الشيخ: نعم.

    1.   

    رأي الشيخ الألباني في ناصر العمر

    السائل: علمت أن الشيخ ناصر العمر زاركم قريباً.

    الشيخ: نعم.

    السائل: فكيف كانت زيارة الشيخ؟ وما هو انطباعكم عن الشيخ ناصر العمر؟

    الشيخ: ما شاء الله، نعم الرجل طالب علم قوي فيما يبدو لنا، ولا نزكي على الله أحداً، متجرد عن الهوى.

    السائل: الحمد لله.

    الشيخ: الحمد لله، وفيه خير كبير، ونسأل الله أن يكون كل طلاب العلم بهذا الخلق الإسلامي العالي.

    1.   

    السقاف .. وانحرافاته في العقيدة

    السائل: ما رأيكم في شريط ناصر العمر الذي رد فيه على المدعو السقاف؟

    الشيخ: قام بواجب طيب، ونحن الآن نحاول أن ننشر هذا الشريط في هذا البلد.

    لأن هذا السقاف رجل مجرم كبير، وهو في اعتقادي أن وراءه أناساً، ليس هو وحده في الميدان، وهو جهمي جلد مُرٌّ، ويتلاعب بالسنة، يصحح منها ما يشاء وهو ضعيف، ويضعف منها ما يشاء وهو صحيح عند العلماء، وحسبك دليلاً على ذلك حديث الجارية: (أين الله؟) يقول: أنا أقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقل هذا الحديث، وهو يعلم بل ويعزوه إلى صحيح مسلم، ومع ذلك فهو يقطع بأن هذا الحديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه يصححه كثير من العلماء الذين هو يركن إليهم فيما يتعلق بتأويل الصفات أو في تأويل بعض الصفات، كالإمام البيهقي مثلاً.

    فالإمام البيهقي -والحمد لله- هو من كبار علماء الحديث وإن كان فيه أشعرية، فهو من هؤلاء الذين صححوا هذا الحديث، فهو لا يبالي به أي مبالاة، فضلاً عن الحافظ ابن حجر أيضاً الذي صحح الحديث لا يبالي به، فهو يقول أنه يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال هذا الحديث.

    ويأتي بأحاديث بعضها صحيح، ليس فيها جملة (أين الله)، فيضرب هذه الجملة بتلك الروايات التي ليس فيها هذه الجملة، مع أنه لا تَعَارُض، وأكثر الروايات التي يعتمد عليها لا تخلو من علة حديثية، ومع ذلك هو لا يبالي، وهو ينطلق فيما يرد على أهل السنة من القاعدة اليهودية الصهيونية التي تقول: (الغاية تبرر الوسيلة)، هكذا.

    اعتداءات السقاف في تعليقاته على كتاب دفع شبه التشبيه

    وما أدري وصلكم كتاب دفع شبهة التشبيه لـابن الجوزي بتعليق هذا الرجل الدجال؟

    السائل: ما رأيته.

    الشيخ: هذه مصيبة المصائب، هذا وضع فيه مقدمة طويلة كلها رد على أهل السنة، ويسمي المثبتين للصفات وأنا في مقدمتهم بـالمجسمة، لمجرد أننا نثبت الصفات، وأظنك وقفت على كتابي: مختصر العلو للذهبي ، وقفت عليه؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: والمقدمة التي تبلغ سبعين صفحة تقريباً كلها جمع بين الإثبات مع التنزيه، ومع ذلك كلما ذكرني جعل بين هلالين (المجسم)، وهو يقول في تفسير قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء [الملك:16] أن اعتقاد أن الله في السماء عقيدة المشركين في الجاهلية، ومن هنا ينطلق ويضرب حديث الجارية بأنه موضوع، لأنه يحمل عقيدة المشركين، الجارية تقول: الله في السماء، هذا قول المشركين.

    السائل: ممن زار السقاف قبل مدة الشيخ نسيب الرفاعي، وبعد أن صلينا الجمعة في مسجدنا صلى الشيخ أحمد السالك، لأن الشيخ نسيب كان مريضاً، وإذا بـالسقاف أتى، وكنا قد سبقناه.

    الشيخ: جاء إلى من؟

    السائل: إلى الشيخ نسيب .

    الشيخ: يأتيه باستمرار؟

    السائل: لا. هذه ثاني مرة جاء، فقال لـه الشيخ نسيب : أنت تؤول الصفات وتنفيها، فما دليلك على هذا التأويل؟

    فقال: دليلي أن البخاري أوَّل.

    الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!

    السائل: فقال له الشيخ أحمد السالك: يا حسن ! أتثبت لله ذاتاً، قال: نعم، قال: والصفات فرع عن الذات، فكما أن لـه ذاتاً ليست كالذوات، أي أن يده ليست كالأيدي، فقال: أنا ما جئت هنا للمناقشة.

    الشيخ: هذا دأبهم.

    السائل: ثم قال للشيخ نسيب : إن الشيخ ناصر يقول: إنك مشرك، فقال: له الشيخ نسيب : ومع ذلك فأنا معه ضدك، فجلس قليلاً ثم انصرف وما عاد بعدها.

    الشيخ: كذاب لا شك، أعوذ بالله!

    السائل: أنا تتبعت جميع رسائل السقاف ما عدا هذه، لا لمناقشة أقواله فقط، بل أرجع إلى المصادر التي ينقل منها وأقواله، فوجدت العجب العجاب في جميع رسائله التي طبعها!

    الشيخ: أحسنت.

    السائل: وهي مجموعة، وأعطيتها للشيخ علي حتى ينظر فيها.

    الشيخ: جزاك الله خيراً.

    السائل: فوجدت ضعفه في اللغة.

    الشيخ: حدث ولا حرج.

    السائل: فعجبت جداً! حتى في بعض رسائله وجدته ينقل إجماع أهل الحديث على أنه لا يجوز التصحيح ولا التضعيف إلا من قبل حافظ، ويقول: ومنهم الحافظ ابن حجر، والسيوطي .

    الشيخ: الله أكبر! الله أكبر!

    السائل: وهذه دعوى ما ادعاها أحد قبله.

    الشيخ: نعم هو دجال، الله أكبر عليه! الله أكبر عليه!

    طعن السقاف في شيخ الإسلام ابن تيمية

    السائل: وفي بعض رسائله رأيته يدعي ويقول: إن سير أعلام النبلاء تطبع إلا المجلد الأخير الذي فيه ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: والله أعلم لماذا أخفوا هذا الكتاب.

    مع أن ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية نقلها ابن الوزير في العواصم، وعندي صورة من مخطوطتها لما حققه شعيب الأرنؤوط وفيها المدح لـشيخ الإسلام .

    الشيخ: نقلها من السير؟

    السائل: ابن الوزير يقول: ولقد أكثرت في هذا الجزء من النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية فهاك ترجمته من سير أعلام النبلاء، وساقها، وعندي صورة المخطوطة، وفيها الثناء القوي على ابن تيمية .

    الشيخ: هل تنوي أن تنشر هذه الحقائق عن الرجل هذا؟

    السائل: ما نصحنا من باب عدم شهرة هذا الرجل، وعدم الرد عليهم أولى، وعدم متابعتهم، والقلب يميل إلى أنه لابد من إخراج شيء منه.

    سائل آخر: الفرق بين كتاب السقاف وغيره من الكتب التي تهاجم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: أنه يتأثر به حتى العامي الذي يقرأ الكتب، وحتى المثقف، والمهندس، حتى الكيميائي.. بخلاف الردود الأخرى، مثل ردود محمود ممدوح سعيد أو غيره فلا يستطيع أن يعرفها أو يتفاعل معها حتى كثير من طلبة العلم، فمن ههنا تكمن خطورة هذا الكتاب، وفي نفس الوقت أهمية الرد على هذا الكتاب برد موجز في رسالة قابله للانتشار من الرسائل الصغيرة التي بقدر الكف، فقط لإعطاء نماذج من تحريفاته ومن خزعبلاته، ويضاف ما لديه من شذوذ من تكفيره للألباني مثلاً وتكفيره لـشيخ الإسلام وغيره.

    الشيخ: أنا أعتقد أن هذا المشروع الذي أشرت إليه مهم جداً.

    السائل: هلا ناقشته يا شيخ! فهو جاهل.

    الشيخ: مناقشته تحتاج إلى مجلدات، كم تريد أن تناقش لو كنت مناقشاً له؟ الله أكبر عليه!

    العجيب أنه نقل من تفسير البحر المحيط لـأبي حيان في تفسير الآية السابقة: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء [الملك:16] تفسيراً عجيباً جداً، قال: إن ربنا عز وجل يقول للمشركين: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، أعوذ بالله! الله أكبر! شيء فظيع لا مثيل له في قلب الحقائق!! فتجد هنا في كتاب ابن الجوزي، وابن الجوزي مع الأسف انحرف عن المنهج السلفي في الصفات، فينقل عن بعض الحنابلة -والحقيقة أن عندهم شيئاً من الغلو في الإثبات- فـالسقاف هذا عندما يذكر ابن الجوزي رجلاً من هؤلاء الحنابلة يضع بين هلالين (المجسم فلان) كيف استجاز لنفسه أن يدسَّ في كتاب غيره، وليته ذكر في المقدمة أنه اصطلح هذا الاصطلاح، بل جعلها معمية كي يضل الناس.

    طعنه في الشيخ الألباني

    السائل: يا شيخ! رأيت لـه كتاب: الشهاب الحارق في الرد على الألباني المارق، يذكر في أول الكتاب مقدمة زعفرانية كما يسميها -ما شاء الله! بلغ به العلم إلى كتابة مقدمة- فيورد عليك بعض الأسئلة وهي لغتها قوية، فوقع في نفسي أنها ليست من قوله، وبعد أن أكملها وبدأ ينشئ قال: (ونحن على ثقة..) فخطر على بالي أن أراجع كتب المقامات، فراجعت مقامات الحريري وإذا بالمقامة نفسها التي كتبها الحريري وذكر بأنه ذهب إلى الحرم، وكان هناك شيخ متصدر للفتوى، وجاءه رجل يكني عنه الحريري أبا يزيد فقام لـه فتىً فتيق اللسان، وسأله أسئلة فقهية فيها ألغاز، فـالسقاف أوردها وجعلك أنت ذلك الشيخ، وهو الفتى السائل فصيح اللسان، وغيَّر المقامة.

    الشيخ: الله أكبر!

    السائل: حتى يوهم الناس أنها من مقاماته.

    الشيخ: الله المستعان.

    السائل: يا شيخ! وأنا عندما جلست عند الشيخ نسيب قلت له أنك تقول في كتابك: رفاعة أو شداد بن رفاعة القِتباني، فقال: إن الصواب الفتباني وهذا دليل على جهل الألباني أنه قال: القِتباني، فقلت له:

    أولاً: الشيخ ناصر العمر نقل من سنن ابن ماجة وفيها القِتباني .

    ثانياً: الحافظ ابن حجر يقول في التقريب : شداد بن رفاعة أو رفاعة بن شداد القِتباني، بكسر القاف، فهل الشيخ ناصر ملزم أن يتتبع كل الكتب حتى يتأكد أنها الفتباني أو القِتباني، وخاصة أن هناك نسبتين عند أهل الحديث، هناك الفتباني والقِتباني، فهو غير ملزم بعد قول الحافظ ابن حجر .

    قال: أعرف أن الحافظ ابن حجر قال هكذا.

    قلت: فكيف تدلس على الناس؟

    قال: حتى أري الناس أن الألباني غير معصوم.

    الشيخ: ما شاء الله، مسكين يتتبع العثرات.

    السائل: وجاءه الشيخ أحمد السالك وقال لـه الشيخ نسيب : هذه مؤلفاتي انظر فيها، فالشيخ أحمد السالك مسك الكتاب وقال: تنشر هذه على الناس؟ قال: نعم، قال: هذا غلط إملائي.. وهذا غلط نحوي.. وهذا غلط؛ فاحمر وجهه واستحيا.

    الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!