إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. محمد إسماعيل المقدم
  5. معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات [2]

معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات [2]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لله عز وجل تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر سبحانه يحب الوتر، وقد اختلف العلماء في معنى الإحصاء الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بين هذه الأسماء الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله عز وجل به أجاب، وإذا سئل أعطى، وقد اختلف فيه أيضاً، فعلى العبد أن يدعو الله سبحانه وتعالى بما شاء من أسمائه وصفاته.

    1.   

    المسائل المتعلقة بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشرفاء.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)وفي رواية: (من أحصاها دخل الجنة).

    هذا الحديث فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً) هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد أم أنها أكثر من ذلك؟ لكنها اختصت بأن من حفظ هذه التسعة والتسعين دخل الجنة.

    خلاف العلماء في المراد بقوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)

    إذاً: اختلف العلماء في المراد بقوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً)، ومائة إلا واحداً تساوي تسعة وتسعين، فهذا التكرار ما هو إلا للتأكيد، كما في قول الله سبحانه وتعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196].

    وكما في قوله تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) )[النحل:51].

    فقوله: (مائة إلا واحداً) تكرار بالتأكيد، بعض الناس: ذهبوا إلى أن الأسماء الحسنى تنحصر في هذه التسعة والتسعين، والبعض قالوا: بل هي أكثر من ذلك، لكن فائدة اختصاص التسعة والتسعين بالذكر هو: أن في هذه التسعة والتسعين بالذات: (من أحصاها دخل الجنة).

    وذهب جمهور العلماء إلى هذا المذهب الثاني، ونقد النووي اتفاق العلماء عليه، وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه: أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود: أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة.

    فالمراد: الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، إذاً: مقصود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الصيغة: ليس حصر أسماء الله الحسنى في التسعة والتسعين، وإنما الإخبار عن هذا الثواب لمن أحصاها، وليس مقصوده صلى الله عليه وسلم أن يحصر الأسماء الحسنى في هذا العدد.

    وقال الإمام أبو سليمان الخطابي : إنما هو بمنزلة قوله: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، هل يعني ذلك أنك تقصد ثروة زيد في أنها تساوي ألف درهم؟ لا، أنت تقصد أن الذي أعده للصدقة محدود بهذه الألف، وهذا لا ينفي أن له مالاً آخر غير هذا.

    وكقولك: إن لعمر مائة ثوب من زاره خلعها عليه، ليس المقصود أنه ليس له من الثياب غير هذه الثياب المذكورة مائة ثوب، ولكن المقصود: أن هذه هي التي اختصها بقسم الإهداء، أو هذا الجزء مخصص بأن يهدى منه، فمن زاره خلعها عليه، فدلالة هذين المثالين: أن الذي أعده زيد من الدراهم هو للصدقة، وأن الذي أعده عمر من الثياب للخلع مائة ثوب، والذي يدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك) يعني: سواء كان هذا الاسم سميت به نفسك، (أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهذا يدل على أن لله سبحانه وتعالى أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ما نقل كلام الخطابي ، قال: وأيضاً فقوله: (إن لله تسعة وتسعين) تقيده بهذا العدد، بمنزلة قوله تعالى: (( تِسْعَةَ عَشَرَ )) يعني: قال تعالى في ملائكة سقر: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30]، فلما استقلوهم -المشركون- قالوا: تسعة عشر! كل مجموعة في السماء على واحد يغلبوه، فأنزل الله تعالى قوله عز وجل: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) )[المدثر:31]، فإنه لا يعلم أسماءه إلا هو أولى، يعني: إن كان جنود الله -وهي الملائكة- لا يعلمها إلا هو فأولى ثم أولى أن أسماء الله لا يعلمها كلها إلا هو سبحانه.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تعارض العقل والنقل: والصواب الذي عليه الجمهور أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس إلا تسعة وتسعون اسماً، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الشاهد.

    وقال: وثبت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحصي ثناءً على الله، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه في هذه الحالة؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه؛ لأن الأسماء هي وسيلة التعبير عن الصفات.

    فقول النبي عليه السلام: (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، اعتراف بالعجز عن توفية الله سبحانه وتعالى ما يستحقه من الثناء والحمد، ولجوء إلى التفويض، وأن هذا الثناء الذي يستحقه الله هو مفوض إلى الله؛ لأنه لا يحصي العد مهما مدح الله سبحانه وتعالى عز وجل وأثنى عليه، إنما الله كما أثنى على نفسه، ولا يحصي أحد الثناء الذي يستحقه عز وجل، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام أحصى جميع أسمائه عز وجل إذاً: فإنه يحصي بالتالي كل صفاته، فبما أنه لا يحصي ثناءً عليه، إذاً هو لا يحصي كل صفاته، وبالتالي لا يحصي كل أسمائه التي يعبر عنها بأسمائه.

    خالف ابن حزم الجمهور في هذه المسألة، فذهب إلى أن عدد أسماء الله الحسنى ينحصر في التسعة والتسعين، ورد عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح فقال: وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلاً؛ لأنه لا يعترف بدليل الخطاب، أو مفهوم المخالفة، لكنه احتج -ليس بمفهوم تسعة وتسعين في قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً).

    بقوله: (مائة إلا واحداً)، قال: لأنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون مائة.

    قال الحافظ : وهذا الذي قاله ليس بحجة؛ لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها.

    المقصود بالحصر: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)، المقصود أن الثواب يختص بمن أحصاها.

    فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد.

    أي: هذا الحديث لا ينفي أن لله أسماءً أخرى زائدة على ذلك، ولكن الحديث سيق للإخبار عن ثواب من أحصى أسماءه، والراجح والله تعالى أعلم: تفويض علم سر هذا العدد بالذات إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لم يطلعنا على ذلك، فهو كأعداد ركعات الصلوات، والصلوات نفسها وغير ذلك.. مما علمه عند الله عز وجل.

    معنى الإحصاء لأسماء الله الحسنى

    أما قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحصاها) فإنه يحتمل وجوهاً:

    الأول: أن يعدها حتى يستوفيها حفظاً، ويذكر ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28].

    واستدل له الخطابي بقوله صلى الله عليه وسلم-كما في الرواية الأخرى- : (من حفظها دخل الجنة)، وقال البخاري وغيره من المحققين معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصاً في الخبر: (من أحصاها)، فسرها قوله في الروايات الأخرى: (من حفظها دخل الجنة)، ولذلك قال ابن الجوزي : أن المراد بالإحصاء العد. يعني: من عدها ليستوفيها حفظاً.

    وإن كان كلمة (حفظها)، لا يلزم منها تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل أيضاً: من حفظها الحفظ المعنوي كقوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك).

    وقال الأصيلي : ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها.

    إذاً هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: أن يكون المراد بالإحصاء الإطاقة، كقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل:20]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصو)، أي: لن تبلغوا كل الاستقامة، فيكون المعنى: (من أحصاها)، من أطاق الأسماء الحسنى، وأحسن مراعاته لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال مثلاً: يا رحمان! يا رحيم! تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره وعلنه ويواصله في كافة أحواله.

    وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته؛ فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له سواه.. إلى آخره.

    وقال أبو عمر الطلمنكي : من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً بمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكر ما تدل عليه من المعاني.

    القول الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة، وهي العقلة، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور.

    قال القرطبي : المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين.

    قول رابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي في هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة.

    والمراد: أن بعض العلماء قالوا: (من أحصاها دخل الجنة) يعني: من حفظ القرآن دخل الجنة؛ لأن إحصاء الأسماء الحسنى يكون عن طريق قراءة القرآن كله.

    والجواب على هذا: إن بعض الأسماء الواردة هي موجودة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أسماء زائدة عن القرآن.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وهو وتر يحب الوتر)

    قوله صلى الله عليه وسلم: (وهو وتر يحب الوتر)، الوتر: الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا: الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بذاته وصفاته. فهو سبحانه وتر، وجميع خلقه شفع، يعني: خلقوا أزواجاً، كما قال سبحانه وتعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، فظاهرة الزوجية لازمة للمخلوقات، ففي الإنسان والطيور والحيوانات الذكر والأنثى، وفي كل شيء، ففي الكهرباء يوجد فيها سالب وموجب، وظاهرة الزوجية موجودة في النباتات، والأنهار يوجد فيها الذرات السالبة والموجبة، فإذاً: ظاهرة الزوجية موجودة في كل شيء، فالله وتر لا ثاني له، أما خلقه فهم أزواج، وشفع، قال تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3]. فالمراد: أن الله يحب الوتر من كل شيء، وإن تعدد انتفى منه الوتر؛ ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات، فالصلوات عددها خمس، فهي وتر، وكذلك وتر الليل، وأعداد مرات الطهارة، وتكفين الميت وتراً، وفي كثير من المخلوقات كالسماوات والأرض، فهذا ما تيسر من الفوائد المتعلقة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)، وفي رواية: (من أحصاها دخل الجنة).

    معنى قوله صلى الله عليه و سلم: (وهو وتر يحب الوتر)

    قوله صلى الله عليه وسلم: (وهو وتر يحب الوتر)، الوتر: الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا: الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بذاته وصفاته. فهو سبحانه وتر، وجميع خلقه شفع، يعني: خلقوا أزواجاً، كما قال سبحانه وتعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، فظاهرة الزوجية لازمة للمخلوقات، ففي الإنسان: الذكر والأنثى، كذلك في الطيور والحيوانات، وفي كل شيء حتى في الكهرباء سالب وموجب، وظاهرة الزوجية حتى في النباتات والأنهار في الذرات السالب والموجب، فإذاً: ظاهرة الزوجية موجودة في كل شيء، فالله وتر لا ثاني له، أما خلقه فهم أزواج، شفع، قال تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3]، فالمراد: أن الله يحب الوتر من كل شيء وإن تعدد ما فيه الوتر؛ ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات، فالصلوات عددها خمس، فهي وتر، وكذلك وتر الليل، وأعداد مرات الطهارة، وتكفين الميت وتر، وفي كثير من المخلوقات كالسماوات والأرض، فهذا ما تيسر من الفوائد المتعلقة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر}، وفي رواية: {من أحصاها دخل الجنة}.

    1.   

    الأحاديث الواردة في تعيين اسم الله الأعظم

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وفي رواية: (فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    وهذا الحديث إسناده صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة في المصنف، وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي بعض ألفاظه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وإذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسالك يا ألله! بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد غفر لك! قد غفر لك! قد غفر لك!)، وإسناده أيضاً صحيح، لكن لم يرد فيه أن هذا هو الاسم الأعظم.

    وفي لفظ آخر عن بريدة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسالك بأنك أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم والأكبر، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    على أي الأحوال: هذا الحديث الأصلي حديث بريدة رضي الله تعالى عنه هو من الروايات الصحيحة التي ورد فيها تعيين الاسم الأعظم لله سبحانه وتعالى.

    من خصائص الاسم الأعظم أن الإنسان إذا دعا الله به أجابه وإذا سأله به أعطاه، يعني: إذا توسل إلى الله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم أجابه، وعندما تذكر كلمة الاسم الأعظم تشتد حاجتنا إلى الوقوف عندما علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب، وإلا فلو فتح الباب لاستعمالات كلمات الاسم الأعظم لرأينا ضلالات وطامات الصوفية الذين يزعمون أن هناك علماً خفياً لا يفشى سره للعامة، وأن موضوع الاسم الأعظم كغيره من أسرار الولاية، يذكر في السر لسلالة معينة من الأولياء، عن طريق عهود ومواثيق وصلاة معينة مكتومة، ولا تظهر للناس.. إلى غير ذلك من ضلالات الصوفية المعروفة.

    وليس في ديننا أسرار ولا طبقية دينية معينة تحتكر بعض الخواص، وبعض الأسرار والأمور، فالإنسان بريء تماماً ولا يعرف في دين الإسلام أسرار، وما كتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من الوحي كما هو معلوم ومقطوع به، فكلمة الاسم الأعظم عند الصوفية لها إيحاءات ودلالات، ولها أشياء تنفر منها القلوب إذا سمعت، لن نخوض في كلام الصوفية وضلالاتهم في هذا الباب، ولكننا فقط نريد أن نستجلي الحقيقة من مشكاة النبوة.

    فهذه إحدى الروايات التي صح فيها تعيين الاسم الأعظم، وهو ذلك الدعاء الذي دعا به هذا الصحابي الجليل: (اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله) إذاً: هذا توسل بأسماء الله سبحانه وتعالى وكتابه، بتعبير آخر في بعض الروايات: (اللهم إني أسالك بأنك أنت الله)، بأنك أنت الله، ففي هذه الحالة هذا توسل بالأسماء والصفات: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد).. إلى آخره.

    وهناك لفظ وهو: (اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله)، توسل بالعمل الصالح؛ لأنه توسل بشهادته هو، فهذا نوع من أنواع التوسل المشروع.

    هناك نوع آخر: وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح إلى الله سبحانه وتعالى.

    إذاً: هذه إحدى الروايات الصحيحة في تعيين الاسم الأعظم: (اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد).

    صح أيضاً حديث آخر عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال: (كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسالك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    إذاً: هذا الحديث أيضاً مما صح في تعيين الاسم الأعظم، ولا شك أنه إذا كان الاسم الأعظم له هذه الفضيلة العظمى فلا ينبغي أبداً لأحد أن يزهد في حفظه، وكثرة التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    منها أيضاً حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه) إذا حاولنا استقراء هذه السور الثلاثة، وبحثنا عن الاسم الذي تكرر في هذه الأحاديث الذي هو لفظ الجلالة (الله) فقد ورد في الحديث الأول، وورد في الحديث الثاني بصيغة (اللهم)، وإنما كان الأصل فيها: يا ألله! فلما حذف الياء من أول الحرف وبقي: (الله) جاء الميم في آخره بعدما حذف الياء في أوله فأصبحت الكلمة (اللهم) تعني: الدعاء لجميع أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى.

    كذلك أيضاً ورد في الآية التي أخرجها بعض العلماء من سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة طه يعني: فالذي في سورة طه بعض العلماء قالوا: إن الاسم الأعظم في قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، لكن الأرجح كما بينه الطحاوي رحمه الله تعالى: أن الذي في سورة طه هو قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8].

    فإذاً: الحديث الذي فيه: (أن الاسم الأعظم في سور من القرآن ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه) هو لفظ الجلالة (الله).

    أما حديث أسماء بنت يزيد التي قالت فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وفاتحة آل عمران [آل عمران:1] * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:2])، فهذا الحديث ضعيف.

    اختيار الطحاوي وابن القيم أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة

    اختار القول بأن الاسم الأعظم لله سبحانه وتعالى هو (الله) الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وكذا العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى، رجح هذان العالمان الجليلان أن الاسم الأعظم هو لفظ (الله)، فقال ابن القيم بعد أن بين لوازم أسماء الله الحسنى: فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا، بالدلالات الثلاث أي: بدلالة التضمن والمطابقة والالتزام، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية، مع نفي أضدادها عنه، والصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله سبحانه وتعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، ولم يقل مثلاً: للعظيم الأسماء الحسنى، ولم يقل: للرحيم أو للجبار الأسماء الحسنى، وإنما الأسماء الحسنى تضاف إلى الأصل والأساس الذي هو اسم الله، ولذلك قال: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، ويقال: الرحمن، الرحيم، القدوس، والسلام، العزيز، الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحيم، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، فعلم أن اسمه تعالى (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، ودال عليها بالإجمال يعني: من دعا الله باسمه الأعظم الذي هو (الله) فكأنه دعا بجميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا. فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، ودال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم (الله) أي: أن سائر الأسماء الحسنى سوى اسم الله هي شرح وبيان وتفصيل لما تتضمنه لفظة (الله) عز وجل. واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب؛ وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمن لكمال الملك والحمد، وإلاهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. وصفات الجلال والجمال أخص باسم الله سبحانه وتعالى، أما صفات الفعل والقدرة، والتفرد بالنفع والضر والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة، فأخص باسم الرب سبحانه. وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة والملك أخص باسم الرحمن.

    الحجج التي ساقها الرازي على أن الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة

    ساق فخر الدين الرازي في كتابه: شرح أسماء الله الحسنى حجج من قال: إن الاسم الأعظم هو الله، فمن هذه الحجج:

    أولاً: أن هذا الاسم ما أطلق على غير الله سبحانه وتعالى، حتى العرب في أشد ما وصلوا إليه من الشرك لم يطلقوا لفظ الجلالة (الله) على غير الله سبحانه وتعالى، فإن العرب كانوا يسمون الأوثان آلهة، إلا هذا الاسم فإنهم ما كانوا يطلقونه على غير الله سبحانه وتعالى، والدليل عليه قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38] وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] معناه: هل تعلم من اسمه (الله) سوى الله؟! ولما كان هذا الاسم في الاختصاص بالله سبحانه وتعالى على هذا الوجه وجب أن يكون أشرف كأسماء الله سبحانه وتعالى.

    ثانياً: إن هذا الاسم هو الأصل في أسماء الله سبحانه وتعالى، وسائر الأسماء مضافة إليه تابعة له، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا محالة أن الموصوف أشرف من الصفة، ولأنه يقال: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس كلها من أسماء الله تعالى، ولا يقال: الله اسم الرحمن الرحيم، فدل هذا على أن الاسم هو الأصل.

    فإن قيل: لفظ الله قد جعل نعتاً في قوله تعالى في أول سورة إبراهيم: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [إبراهيم:2] فالجواب: أن نافعاً وابن عامر قرأا بالرفع على الاستئناف، يعني: فلا يرد هذا الإشكال؛ لأن قراءة ابن عامر ونافع : إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] * (اللَّهُ الذي له ما في السموات وما في الأرض)، واضح فهنا ليس هناك تبعية، فرفع (الله) على الاستئناف والخبر يأتي بعد، أما الباقون فقرءوها: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [إبراهيم:2] عطفاً على قوله (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

    وقال أبو عمرو : والخفض على التقديم والتأخير.. يعني: قراءة الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [إبراهيم:2]، تقديم (صراط الله العزيز الحميد، الذي له ما في السماوات وما في الأرض) التفاتاً منه إلى هذا المعنى، وهو أن الأصل هو الله، وما بعده يكون مضافاً إليه، فلذلك حتى الذي قرأ بالجر على النعت: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] (الله الذي) قال: هي من حيث القراءة هكذا، لكن من حيث التفسير فيها تقديم وتأخير بمعنى: إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له، حتى تأتي العزيز الحميد بعد الاسم الأصلي الذي هو الله سبحانه وتعالى.

    ثالثاً: من أدلة الرازي التي ساقها واستدل بها من ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو الله، قوله سبحانه وتعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110] خص هذين الاسمين بالذكر؛ وذلك يدل على أنهما أشرف من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن لأمور:

    أولاً: لأنه يقال قدامه في الذكر، دائماً نبدأ بالله، ثم تأتي بالرحمن بعدها، فهذا التقديم يشير إلى أنه أشرف منه، كما تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقدم اسم الله سبحانه وتعالى.

    كذلك: أي إنسان سواء في الذكر.. في القصص.. في المواعظ.. فإنه دائماً يقدم الله على ما عداه من الأسماء، وخاصة اسم الرحمن.

    ثانياً: فلأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة، ولا يدل على كمال القهر والغلبة والعظمة والعزة، وأما اسم الله فإنه يدل على كل ذلك، فثبت أن اسم الله تعالى أشرف.

    رابعاً: هذا الاسم له خاصية غير حاصلة في سائر الأسماء، اختص بخاصية غير موجودة فيما عداه من الأسماء الحسنى، وهي أن سائر الأسماء والصفات إذا دخل عليه النداء أسقط عنه الألف واللام، ولهذا لا يجوز أن يقال: يا الرحمن! يا الرحيم! يا العزيز! يا الحكيم! بل يقال: يا رحمن! يا رحيم! يا عزيز! يا غفور! يا تواب! فما عداه من الأسماء تحذف منه الألف واللام، أما هذا الاسم فإنه يحتمل هذا، فيصح أن يقال: يا ألله؛ وذلك أن الألف واللام في هذا الاسم صار كالجزء الذاتي، فلا جرم ألا يسقطان حالة النداء؛ وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن الألف واللام للتعريف، فعدم سقوطهما عن هذا الاسم يدل على أن هذه المعرفة لا تزول أبداً ألبتة، فلذلك لا تفارقها الألف واللام، تقول: يا ألله أو اللهم، لكن لا تقول: يا إله مثلاً.

    وتبقى مسألتان متعلقتان بمعنى لفظ الجلالة (الله) وهي: هل اسم الله مشتق أم هو اسم جامد؟ وأصل كلمة (الله) في اللغة، والتنبيه على أنه لا يشرع ذكر الله في اسم الجلالة مفرداً، فهذا نرجئه إلى الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.

    اختبار الطحاوي وابن القيم على أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة

    اختار القول بأن الاسم الأعظم لله سبحانه وتعالى هو (الله) الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وكذا العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى، رجح هذان العالمان الجليلان أن الاسم الأعظم هو لفظ (الله)، فقال ابن القيم بعد أن بين لوازم أسماء الله الحسنى قال: فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا، بالدلالات الثلاث يعني: بدلالة التضمن والمطابقة والالتزام، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية، مع نفي أضدادها عنه، والصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله سبحانه وتعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، ولم يقل مثلاً: للعظيم الأسماء الحسنى، ولم يقل: للرحيم أو للجبار الأسماء الحسنى، وإنما الأسماء الحسنى تضاف إلى الأصل والأساس الذي هو اسم الله، ولذلك قال: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، ويقال: الرحمن، والرحيم، والقدوس، والسلام، والعزيز، والحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحيم، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، فعلم أن اسمه تعالى (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، ودال عليها بالإجمال يعني: من دعا الله باسمه الأعظم الذي هو (الله) أو (اللهم) -يعني: الميم هذه تدل على الجمع- فكأنه دعا بجميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا، بكلمة (اللهم) أو (يا ألله).

    فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى ودال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم (الله) فيعني: سائر الأسماء الحسنى سوى اسم الله هي شرح وبيان وتفصيل لما تتضمنه لفظة (الله) عز وجل.

    واسم الله دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب؛ وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمن لكمال الملك والحمد، وإلاهيته وربوبيته، ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير، ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله.

    وصفات الجلال والجمال أخص باسم الله سبحانه وتعالى، يعني: صفات الجمال والجلال أخص باسم الله، أما صفات الفعل والقدرة، والتفرد بالنفع والضر والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة فأخص باسم الرب سبحانه.

    وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة والملك أخص باسم الرحمن.

    1.   

    اسم الله الأعظم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وفي رواية قال: (والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    وعن أنس رضي الله عنه قال: (كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ودخل رجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

    وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه).

    الاسم الذي تكرر في هذه الأحاديث الثلاثة هو لفظ الجلالة ( الله ) إلا أنه ورد فيها بلفظ اللهم، وأصل (اللهم) يا ألله، فلما حذفت الياء من أول الكلمة، عوض عنها الميم في آخرها.

    ترجيح أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة

    وتكلمنا الأسبوع الماضي عن الأدلة التي ترجح أن اسم (الله) هو اسم الله سبحانه وتعالى الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، ومن هذه المرجحات: أن هذا الاسم ما أطلق على غير الله سبحانه وتعالى، فإن العرب كانوا يسمون الأوثان آلهة، إلا أن اسم الله لم يطلقوه على أوثانهم، وإنما أفردوا الله سبحانه وتعالى به، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، يعني: هل تعلم من اسمه (الله) سوى الله؟! فانفرد الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم الأعظم، فلما كان هذا الاسم في الاستحقاق بالله تعالى على هذا الوجه وجب أن يكون أشرف أسماء الله سبحانه وتعالى.

    كذلك قلنا: إن هذا الاسم هو الأصل في أسماء الله سبحانه وتعالى، وسائر الأسماء مضافة إليه، فقد قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ [الأعراف:180]، ولم يقل: للرحمن الأسماء الحسنى، ولا للجبار الأسماء الحسنى، وإنما قال: (( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ))، فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا محالة أن الموصوف أشرف من الصفة، ولأنه يقال: الرحمن الرحيم الملك القدوس .. إلى آخره كلها من أسماء الله تعالى، ولا يقال: (الله) اسم الرحمن الرحيم، فدل هذا على أن الاسم هو الأصل.

    كذلك قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء:110]، فخصهما بالذكر فدل على أنهما أشرف من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن لعدة أمور:

    أولاً: لأنه يقدم في الذكر قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء:110].

    ثانياً: لأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة، لكنه لا يدل على كمال القهر والغلبة والعظمة والألف والعزة، وأما اسم (الله) فإنه يدل على كل ذلك؛ فثبت أن اسم الله تعالى أشرف.

    كذلك قلنا: إن هذا الاسم له خاصية غير حاصلة في سائر الأسماء، وهي أن سائر الأسماء والصفات إذا أدخل عليها النداء أسقط عنها الألف واللام، ولهذا لا يجوز أن تقول: يا الرحمن، يا الرحيم، يا السلام، وإنما تقول: يا رحمان! يا رحيم! يا عزيز! يا قوي! أما هذا الاسم فإنه يحتمل هذا فيصح أن يقال: يا ألله؛ لأن الألف واللام في هذا الاسم صارا كالجزء الذاتي فلا يسقطان في حالة النداء، وفيه إشارة لطيفة وهي: أن الألف واللام للتعريف فعدم سقوطهما عن هذا الاسم يدل على أن هذه المعرفة لا تزول أبداً.

    لفظ الجلالة اسم مشتق غير جامد

    بقي تنبيهات يسيرة تتعلق باسم الله الأعظم وهو لفظ الجلالة (الله)، هل هو مشتق أم أنه اسم جامد؟

    اختلف العلماء في ذلك على قولين أصحهما أنه مشتق، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: زعم السهيلي وشيخه ابن العربي أن اسم الله غير مشتق، قالوا: لأن الاشتقاق يستلزم ندبةً يشتق منها، واسم الله تعالى قديم والقديم لا ندبة له، فيستحيل الاشتقاق.

    يقول ابن القيم مبطلاً هذا الرأي: ولا ريب أنه إن أريد الاشتقاق لهذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، إن أريد بالاشتقاق أنه يتولد من غيره فهذا باطل بلا شك، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يقصدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، العليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي أسماء قديمة، والقديم لا ندبة له، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله.

    ثم إننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، تلاقي وتوافق مصدرها في اللفظ والمعنى لا أكثر، فهذا هو المقصود بالاشتقاق، لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله، وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة.

    قالوا: ولا محذور في اشتقاق اسم الله أو أي اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى، إن هذا هو أصل مادة الكلمة، وليس معناه أنه أجرى له التولد من غيره، فإذاً: هذا المحذور الذي ذكروه يسقط بهذا الاعتبار.

    أما أصل كلمة: (الله) في اللغة فقد قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: مأخوذ من (إله) وتقديرها فُعلانية بالضم، تقول: إله بين الآلهة والأُلهانية، وأصله: من أله يأله، يعني: إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله سبحانه وتعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف همه إليها أبغض الناس حتى لا يلين قلبه إلى أحد.

    قال أبو الهيثم : فالله أصله إله، قال الله عز وجل: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ [المؤمنون:91]، قال: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد ظلماً. ما مناسبة كلمة (ظلم) هنا؟

    الظلم لغة هو: وضع الشيء في غير موضعه، ولذا جعل الله الشرك ظلماً قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    فوضع العبودية في غير موضعها ظلم، لأنه لم يوجهها إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما وجهها إلى الأنداد.

    فإذاً: يقول: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون هذا الإله لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً، وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد ظلماً، بل هو مخلوق ومتعبد، حتى إن حصلت العبادة لغير الله فهو ظلم؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها اللائق بها.

    وأصل كلمة (إله) وله، فقلبت الواو همزة فصارت إله، كما قالوا: أصل كلمة (إيجاد) وجاد، ومعنى وله أن الخلق يولهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله كل طفل إلى أمه.

    وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها: إله، وقد ضعف الزجاج هذا القول، وقال ابن سيده : والإله والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ في قوله تعالى: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] هذه قراءة الجمهور، لكن قرأ ابن عباس : (ويذرك وإلهتك)، يريد: وعبادتك.

    إذاً: قراءة ابن عباس : (ويذرك وإلهتك) بكسر الهمز أي: ويذرك وعبادتك، وهذه القراءة الأخيرة عند ثعلب كأنها هي المختارة، قال ثعلب لما اختار هذه القراءة التي هي: (ويذرك وإلهتك)، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يعبد، فهو على هذا ذو إلهة وليس هو آلهة، يعني: على قراءة الجمهور: (ويذرك وآلهتك)، فهو ذو آلهة على هذه القراءة، وهذه القراءة أكثر القراء عليها، وهي قراءة الجمهور.

    وقال ابن بدري يقوي ما ذهب إليه ابن عباس في قراءته: (ويذرك وإلهتك) قول فرعون: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقوله أيضاً: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فهذا يقوي قراءة ابن عباس في الآية: (ويذرك وإلهتك) يعني: يترك عبادتك ولا يعبدك.

    وكانت العرب في الجاهلية يسمون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إله، قال الله عز وجل: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] يعني: وهي أصنام عبدها قوم فرعون معه، والله أصله إله، على وزن فعال، بمعنى: مفعول، فهو إله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولذلك نسمي توحيد الألوهية توحيد العبادة.

    وكقولنا: إمام، على وزن فعال، لكنها بمعنى: مفعول؛ لأنه مؤتم به، كذلك إله بمعنى مفعول أي: معبود، فلما أدخلت عليه الألف واللام: الإله، حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام؛ فصار اللفظ (الله)؛ لأن لفظ الجلالة يقال كثيراً جداً، فخففوه بحذف الهمزة.

    وقال ابن القيم : القول الصحيح: أن الله أصله الإله، أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم.

    عدم مشروعية ذكر الله مفرداً

    التنبيه الأخير: أن هذا الاسم الجليل الذي هو الاسم الأعظم (الله) لا يشرع ذكر الله سبحانه وتعالى به مفرداً؛ وذلك أن بعض الجاهلين يذكر الله سبحانه وتعالى باسم الجلالة مفرداً، فيجعلون لهم أوراداً، هؤلاء هم الصوفية كما تعلمون يجعلون أوراداً يرددون فيها لفظ الجلالة مرات عديدة، فيرددها ألف مرة ألفين مرة: الله الله الله الله.. إلى آخره، وأحياناً يجتمعون على ذلك في حلقات وهم جالسون أو واقفون فيتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون بين الحين والآخر، ويصاحب ذلك دقات الطبول، وتشحب الأصوات حتى لا تسمع إلا: هو هو هو فيقولون: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255] من أسماء الله الحسنى لجهلهم.

    فيظلون يرددون هو هو أو: آه آه آه يعني: باعتبار أن هذا لحن في أسماء الله، ولجهلهم يستدلون بقول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114]، فيقولون: إنه كان يكثر قول: آه الذي هو في زعمهم اسم من أسماء الله عز وجل.

    أو حع حع حع (حاء، عين)، ولا أدري من أين أتوا بهذا أن هذه من الأسماء الحسنى! يزعمون أنهم بهذه البدع النكراء يذكرون الله سبحانه وتعالى، ومادام فيها هذه اللحن لأسماء الله والرقص والمزامير والاختلاط أحياناً والأشياء التي يفعلونها فهذا ذكر الله أم نسيان لله؟

    هذا نسيان لله، وغفلة عن الله، وإعراض عن الله، ولا يسمى هذا ذكراً بحال من الأحوال، إنما هذا بدعة وضلالة.

    فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبداً الذكر بالاسم المفرد، وما عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أبداً في أي دليل أنه ذكر الله سبحانه وتعالى بهذا، فيستدلون بقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام:19]، فقل الله هل هو بمعنى: الله؟ لا، قُلِ اللَّهُ [الأنعام:19]، أي: قل الله أكبر شهيداً فيما ذكر، فهي جملة كاملة؛ لأن اللفظ المفرد لا يفيد شيئاً من حيث المعنى، إنما اللفظ المفيد هو الذي يدل على جملة تامة يحسن السكوت عندها.

    فإذاً: اللفظ المفرد ليس فيه سوى لفظ واحد، فقولهم: حي مثلاً، فذكر الله بهذه الطريقة بدعة، والبدعة تقصي من الله وتبعد العبد، وليست تقرب من الله عز وجل، فلم يأت ذلك الذكر في حديث قط، بل جميع الأذكار الصحيحة نجدها بلفظ الجلالة في جملة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلم يثبت أبداً في هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذكر الله بالاسم المفرد.

    أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن

    آخر التنبيهات المتعلقة بلفظ الجلالة هو: أن: (أحب الأسماء إلى الله سبحانه وتعالى: عبد الله وعبد الرحمن) كما في الحديث الصحيح، ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه ومؤثراً فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن، ولا يصح حديث: (خير الأسماء ما عبد أو حمد)، لا يصح هذا، وإنما الصحيح هو: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن) .

    فإضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما، كالقاهر والقادر، فعبد الرحمن أحب إلى الله من عبد القاهر، وعبد الله أحب إليه من عبد ربه؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد من رحمة محضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، والغاية التي أوجدهم لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفاً ورجاءً وإجلالاً وتعظيماً، فيكون عبداً لله، وقد عبده لما لاسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه وكانت رحمته أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر، فهذا فيما يتعلق بلفظ الجلالة الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009794633

    عدد مرات الحفظ

    721790636