إسلام ويب

السواك وسنن الفطرة [4]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من محاسن ديننا الإسلامي أن شرع الله لنا فيه أحكاماً تعتني ببدن الإنسان، كما شرع الأحكام التي تعتني بروحه، ورتب على ذلك الأجر العظيم، والثواب الجزيل. وإن مما يستحب للإنسان أن يفعله: اتخاذ الشعر وإكرامه وترجيله غبّاً، والحلق أو التقصير لشعر الرأس عند الحج والعمرة، والختان للذكر، والخفض للأنثى، وغير ذلك من سنن الفطرة التي تقوِّم شخصية المسلم، وتجعلها شخصية مثالية صالحة أن يحتذى بها، وهذا يدلنا على أهمية هذه الشعائر، وعظم ثوابها عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    استحباب اتخاذ الشعر وإكرامه وفرقه

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    من الآداب المستحبة: تطويل الشعر شيئاً يسيراً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.

    ومن الأشياء المستحبة أيضاً لمن اتخذ شعراً: أن يفرق شعر رأسه نصفين من جانبي اليمين واليسار.

    وهذا التفريق -أو الفرق- هو ضد السدل، والسدل: الإرسال من سائر الجوانب، ويشمل فيما يشمل الإرسال على الجبين واتخاذه كالقصة، هذا من حيث اللغة.

    والفرق مستحب، والدليل هو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد). متفق عليه.

    أي: أنه سَدَل أولاً، ثم كان آخر أمره أنه فرق شعره صلى الله عليه وسلم.

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم) رواه البخاري ، والوبيض: اللمعان.

    وكان هذا الطيب متبقٍّ من أثر التطيب عند الغسل قبل الإحرام، لكن بعد أن يحرم ويلبي فلا شك أنه لا يجوز له أن يمس الطيب.

    وكان النبي صلى الله عليه وآله سلم -كما جاء في حديث ابن عباس - قد أحب موافقة أهل الكتاب؛ لأن المشركين عَبَدة الأوثان هم أبعد عن الحق من أهل الكتاب، فأهل الكتاب يؤمنون بالنبوة وبالإلوهية وبالرسالات، فهناك فرق في المعاملة أو في الأحكام بين أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- وبين المشركين الوثنيين، فأهل الكتاب مع كفرهم دينهم سماوي، وهم أقرب إلى أن يسلموا من المشركين الوثنيين الملاحدة، ولذلك يجوز نكاح نسائهم بشرط الإحصان، ويجوز أكل ذبائحهم أيضاً بشرطهم وهكذا.

    وكان صلى الله عليه وسلم يحب موافقتهم أيضاً ليتألفهم، فلما أسلم أهل الأوثان واستمر أهل الكتاب على كفرهم محصت المخالفة لأهل الكتاب، فكان فرق الرأس هو آخر ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    هناك أيضاً عدة أمور وافق فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل الكتاب في بداية الأمر، ثم أمر بمخالفتهم كما في صيام يوم عاشوراء، وكما في استقبال بيت المقدس في الصلاة قبل التوجّه إلى الكعبة، وغير ذلك.

    وحديث ابن عباس رضي الله عنهما يدل على جواز الأمرين: السدل أو الفرق، لكن الأفضل هو الفرق؛ لأنه هو آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء في حديث ابن عباس أن فرق الشعر من الفطرة، كما أن في شروط أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على أهل الذمة: ألا يفرقوا شعورهم؛ لئلا يتشبهوا بالمسلمين.

    قال العلماء: ولأن الفرق أنظف وأبعد عن الإفراط وأبعد عن مشابهة النساء.

    1.   

    فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع حلق الرأس وأحكامه

    وننقل ههنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما جاء في مجموع الفتاوى الجزء (21) صفحة (115)، حيث سأله سائل عن بدعة من بدع الصوفية، وهي أنهم إذا أتاهم الرجل وتوّبوه فإنهم يأتون بحلاق -وهو حلاق مخصوص لمثل هذا- فيحلق له رأسه كشيء من مقدمات التوبة عندهم، وهذا من البدع التي ابتدعوها في التوبة.

    هذا السائل يسأل شيخ الإسلام عن هذا العمل، فيقول: ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين، في أقوام يحلقون رءوسهم على أيدي الأشياخ وعند القبور التي يعظمونها، ويعدون ذلك قربة وعبادة، فهل هذا سنة أو بدعة؟ وهل حلق الرأس مطلقاً سنة أو بدعة؟ أفتونا مأجورين؟

    فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، حلق الرأس على أربعة أنواع:

    أحدها: حلقه في الحج والعمرة، فهذا مما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا مشروع ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتح:27]، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حلق رأسه في حجّه وفي عُمَرِه، وكذلك أصحابه: منهم من حلق، ومنهم من قصر.

    والحلق أفضل من التقصير، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: والمقصرين).

    قلت: فهذا دليل على أفضلية الحلق لوجه الله عز وجل، وهو من أنواع العبودية والمناسك التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله عز وجل، ومن صدق إيمانه ويقينه في ثواب الله عز وجل وفَعَل ذلك، فينبغي له ألا يبالي باستنكار الجَهَلة لحلاقة شعر رأسه.

    يقول شيخ الإسلام : وقد أمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي في حجة الوداع أن يقصروا رءوسهم للعمرة إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يحلقوا إذا قضوا الحج، فجمع لهم بين التقصير أولاً، وبين الحلق ثانياً.

    النوع الثاني: حلق الرأس للحاجة، مثل أن يحلقه للتداوي، فهذا أيضاً جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فإن الله عز وجل رخص للمحرم الذي لا يجوز له حلق رأسه أن يحلقه إذا كان به أذى، كما قال تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    وقد ثبت باتفاق المسلمين حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه لما مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، والقمل ينهال من رأسه، فقال: (أيؤذيك هوامك؟) قال: نعم، فقال: (احلق رأسك، وانسك شاة أو صُم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقاً بين ستة مساكين)، وهذا الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول من جميع المسلمين.

    قلت: فمن كان في حالة النسك، وأصابه المرض، فقد أباح له الله سبحانه أن يحلق رأسه ويفتدي بما جاء في سورة البقرة (آية: 196).

    فهذا هو النوع الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام ، وهو حلق الرأس للحاجة كالتداوي، فهذا يدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله)، وهذا من التداوي، فلا بأس به.

    يقول شيخ الإسلام : النوع الثالث: حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد في غير حج ولا عمرة، مثلما يأمر بعضُ الناس التائب إذا تاب بحلق رأسه، ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين، أو من تمام الزهد والعبادة، أو أن يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه، أو أَدْينَ أو أَزْهدَ، أو أن يقصّر من شعر التائب، كما يفعل بعض المنتسبين إلى المشيخة إذا توب أحداً أن يقص بعض شعره، ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة، فيجعل صلاته على السجادة، وقصَّهِ رؤوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها أن يكون قدوة يتوب التائبين، فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست واجبة ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين، ولا فَعَلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ومن بعدهم، مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأحمد بن أبي الحواري والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري ، وأمثال هؤلاء، لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد إذا تاب، ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه.

    وقد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جميع أهل الأرض -حيث أن أعظم التوبة هي التوبة من الكفر، والدخول في الإسلام- ولم يكن يأمرهم بحلق رءوسهم إذا أسلموا، ولا قص النبي صلى الله عليه وسلم رأس أحد، ولا كان يصلي على سجادة، بل كان يصلي إماماً بجميع المسلمين، يصلي على ما يصلون عليه، ويقعد على ما يقعدون عليه، لم يكن متميزاً عنهم بشيء يقعد عليه، لا سجادة ولا غيره، ولكن يسجد أحياناً على الخميرة، وهو شيء يصنع من الخوص الصغير، يسجد عليها أحياناً؛ لأن المسجد لم يكن مفروشاً، بل كانوا يصلون على الرمل والحصى.

    قلت: والآن يخصون الإمام بسجادة مليئة بأنواع الألوان والزخارف التي تشغل قلبه، هذه بدعة من البدع؛ لأنها مما لم يكن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول شيخ الإسلام : بل كانوا يُصلّون على الرمل والحصى، وكان أكثر الأوقات يسجد على الأرض، حتى يبين الطين في جبهته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.

    ومن اعتقد البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة قربة وطاعة وطريقاً إلى الله، وجعلها من تمام الدين، ومما يؤمر به التائب والزاهد والعابد، فهو ضال خارج عن سبيل الرحمن، متّبع لخطوات الشيطان.

    قلت: فهذا فيما يتعلق بالنوع الثالث، وهو حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد من غير حج ولا عمرة، فهذه بدعة وضلالة.

    يقول شيخ الإسلام : النوع الرابع: أن يحلق رأسه في غير النسك -يعني: لا في حج ولا عمرة- لغير حاجة ولا على وجه التقرب والتدين، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد :

    أحدهما: أنه مكروه، وهو مذهب مالك وغيره.

    قلت: بالنسبة للرواية الأولى عن الإمام أحمد -أي: أن هذا مكروه- فقد استدل لهذه الرواية بما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في شأن الخوارج: (سيماهم التحليق)، فجعل التحليق علامة للخوارج، وكما في أثر عمر رضي الله عنه حينما قال لـصبيغ بن عسل : ( لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك بالسيف )؛ لأنه لو كان محلوق الرأس، فهاذ يدل على أنه من الخوارج، وكانت هذه عادتهم.

    ومن أدلّة من قالوا بالكراهة: ما جاء في حديث: (ليس منا من حلق)، إلى آخر الحديث.

    وقد أجاب بعض العلماء على الاستدلال بهذا الحديث بقولهم: سياق الحديث جاء في النهي عن الحلق عند المصيبة، سواء من الرجال أو النساء؛ لأن فيه إظهار للجزع.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد : أنه يباح حلق شعر الرأس في غير النسك من غير حاجة ولا على وجه التقرب والتدين.

    وهذا -والله أعلم- أقرب وأصح؛ لقول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على إباحة حلق الرأس في غير حاجة. وكفى بهذا حجة.

    يقول شيخ الإسلام : والثاني: أنه مباح. وهو المعروف عند أصحاب أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه، فقال: (احلقوه كله، أو دعوه كله).

    قلت: فقوله: (احلقوه كله)، يدل على إباحة هذا الحلق.

    وأُتي -أي: النبي صلى الله عليه وسلم- بأولاد صغار بعد ثلاث، فحلق رءوسهم.

    قلت: يشير شيخ الإسلام هنا إلى ما صح عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر ، أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعوا بني أخي. فجيء بنا، قال: ادعوا لي الحالق. فأمر بنا، فحلق رءوسنا) .

    وهذا أيضاً من الأدلة على إباحة الحلق في مثل هذه الحالة.

    وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذباب ذباب)، والذباب في مثل هذا السياق يراد به: الشؤم، يقال: رجل ذبابي.

    قال: (فرجعت فجزرته، ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعْنِك، وهذا أحسن)، أي: لم أكن أقصدك بقولي: ذباب ذباب.

    وقوله: (وهذا أحسن) أي: ما دام أنك قد حلقته فهذا أحسن مما كنت عليه. وهذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد والبغوي في شرح السنة، وذكر محققة أن إسناده يقبل التحسين.

    وهناك فرق بين الحلق والقص، فإن الحلق يكون بالموس، وأما القصّ فيكون بالمقص أو بما دون ذلك مثل ماكنة الحلاقة المعروفة، والأفصح في لفظ المقص أن تقول: مقصّين؛ لأن المقص مكون من حدّين.

    يقول ابن قدامة : وأما استئصال الشعر بالمقراض فغير مكروه، رواية واحدة عن الإمام أحمد ، قال أحمد : إنما كرهوا الحلق بالموس، وأما بالمقراض فليس به بأس؛ لأن أدلة الكراهة تختص بالحلق.

    فهذا خلاصة الكلام فيما يتعلق بأدلة هذا القول.

    يقول شيخ الإسلام مضيفاً إلى هذه الأدلة: ولأنه نهى عن القزع، والقزع: حلق البعض، فدلّ على جواز حلق الجميع، والأولون -يعني: الذين يأخذون بكراهة الحلق في هذه الحالة الرابعة- يقولون: حلق الرأس شعار أهل البدع؛ فإن الخوارج كانوا يحلقون رءوسهم، وبعض الخوارج يعدّون حلق الرأس من تمام التوبة والنسك، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقسم جاءه رجل عام الفتح كث اللحية محلوق. انتهى كلامه.

    والحديث معروف في شأن هذا الرجل، وأنه يقرب من الخوارج الذين خرجوا فيما بعد على علي رضي الله عنه.

    وأما القزع فهو حرام، وأصل القزع: قِطَع السحاب المتفرقة في السماء. فهي تسمى: قزع، والنبي عليه الصلاة والسلام شبّه تفاريق الشعر في الرأس بهذا القزع الذي هو قطع السحاب المنتشرة والمتفرقة في السماء.

    عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع) متفق عليه. قيل لـنافع : ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك البعض.

    1.   

    حكم حلق رأس المرأة وتقصيره

    طول شعر المرأة من علامات جمالها

    من الأحكام التي تتعلق بزينة المرأة، ومما تمس الحاجة إلى معرفته: حكم حلق النساء لرءوسهن، أو قصّ شعورهن.

    من المعروف أن العرب كانوا يعدون طول شعر النساء من علامات الحسن والجمال، والشواهد اللغوية على ذلك كثيرة جداً، ونبتدئ منها بشاهدين:

    الأول قول الأعشى ميمون بن قيس :

    غرّاء فرعاء مصقولٌ عوارضها تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوحل

    فقوله: فرعاء. يعني: إن فرعها -وهو شعر رأسها- تام في الطول والسواد.

    وقال آخر:

    بيضاء تسحر من قيام فرعها وتغيب فيه وهو وصف أسحم

    يعني: أن شعرها أسود طويل، فكأنها فيه نهار ساطع، وكأنه ليل عليها مُظلم.

    وهذه الشواهد تفيد أن نقص شعر المرأة بالقص -فضلاً عن الحلق- يُعتبر نقصاً في جمالها، وتشويهاً لها، وهو مثلة.

    أقوال العلماء في حكم حلق المرأة لشعرها

    العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنه يجوز أن تحلق المرأة شعر رأسها.

    واستدلوا بحديث يزيد بن الأصم في قصة زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـميمونة رضي الله عنها، يقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً وبنى بها، وماتت بَسَرِف، فحضرت جنازتها، فدفناها في الظلة التي بنا بها فيها، فنزلنا قبرها أنا وابن عباس ، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها، فاجتذبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حلقت رأسها في الحج، فكان رأسها محجماً)، ففي هذه الرواية أن رأسها كان محجّماً -يعني: من الحجامة- وفي رواية أخرى عن يزيد بن الأصم (أن ميمونة حلقت رأسها في إحرامها فماتت ورأسها محمم) رواه ابن سعد وإسناده صحيح.

    ومعنى (رأسها محمم) يعني: مسوّد؛ بسبب نبات الشعر بعد الحلق.

    وجاء من حديث أنس رضي الله عنه (أنه كان إذا حمم رأسه بمكة خرج واعتمر) يعني: كان يعتمر ويحلق، ثم ينتظر حتى ينبت شعره من جديد، ويصبح لونه مائلاً إلى السواد، فيعتمر مرة أخرى.

    وقد ردّ بعض العلماء على من استدل بحديث ميمونة رضي الله عنها، وقالو: لعلها لم يبلغها الحكم أو الحديث بأن المرأة لا تحلق رأسها في الحج، بل تقصّر فقط عند التحلل من الإحرام، وليس عليها أن تحلق، بل تجمع شعرها أو ضفائرها وتأخذ منها قدر الأُنملة، فهذا يكفيها في التحلل.

    فأصحاب القول الأول استدلوا بحديث ميمونة أنها حلقت رأسها في الإحرام، وهذا القول مرجوح بلا شك، ويؤول حديث ميمونة -إذا صح عنها- إما بأن هذا اجتهاد منها أخطأت فيه، وهذا احتمال بعيد، وإما أنها حلقت من أجل الحجامة؛ وذلك حتى تتمكن آلة الحجامة من الوصول إلى الموضع الذي احتجمت فيه، فيكون حلقها للتداوي. وهذا الاحتمال هو الأقرب.

    قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله على صحة الحديث: فإن الحلق المذكور كان لضرورة المرض؛ لتتمكن آلة الحجم من الرأس، فالضرورة يباح لها ما لا يباح لدونها، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].

    أما القول الثاني: أنه لا يجوز أن تحلق المرأة رأسها.

    واستدلوا بجملة أدلة:

    الدليل الأول: إجماع العلماء على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق جائزاً، فأولى المواضع التي يجوز فيها هو التحلل، أو قضاء التفث في الحج؛ لأن هذا نسك.

    قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمعوا على أنه لا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير، فيكره لهن الحلق؛ لأنه بدعة في حقهن، ولأنه مُثلة. أي: تشويه للهيئة.

    الدليل الثاني: هناك أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، وإن كانت آحاد هذه الأحاديث ضعيفة، لكن هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً كما ذكر بعض العلماء.

    منها حديث علي رضي الله عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها).

    وهناك أيضاً في نفس هذا الباب أحاديث عن عائشة وعثمان رضي الله عنهما.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : (ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير) رواه أبو داود وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح ، وأيضاً حسّنه النووي .

    الدليل الثالث: أن هذا الفعل ليس من عمل المسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    الدليل الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهذا حرام، وقد ورد فيه اللعن.

    الدليل الخامس: أن الحلق مُثْلة، والمثلة لا تجوز، ولا يجوز أن يشوه الإنسان هيئته.

    القول الثالث: أن حلق رأس المرأة مكروه. وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كراهة حلق المرأة رأسها من غير ضرورة، واستدل بحديث أبي موسى رضي الله عنه: (برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة)، والصالقة: هي المصوّتة التي تصوت صوتاً عالياً عند موت قريب لها. والحالقة: هي التي تحلق شعرها حزناً على الميت.

    يقول الحسن : هي مُثْلة، قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته، أتأخذه على حديث ميمونة ؟ قال: لأي شيء تأخذه؟ قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه، فتقع فيه الدواب؟ قال: إذا كان لضرورة فأرجو ألا يكون به بأس.

    فالذين قالوا بالكراهة صرفوا النهي الذي يقتضي التحريم إلى الكراهة، وعلّلوا ذلك بأن أحاديث النهي عن الحلق فيها اضطراب أو إرسال.

    وحديث: (بريء رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصالقة والحالقة)، ليست هذه على إطلاقها، بل لكونها فعلت ذلك جزعاً واعتراضاً على حكم الله في موتِ عزيزٍ عليها، فلذلك لم يحتمل هذا الحديث النهي المطلق.

    وخلاصة الكلام -والله أعلم-: أنه يحرم على المرأة أن تحلق رأسها من غير ضرورة؛ لأنه مُثْلة، وتغيير لخلق الله، وتشبه بالرجال، فهذه كلها متحققة في الحلق, بجانب الأدلة التي سردناها.

    حكم قص وتقصير شعر المرأة

    أما حكم قص المرأة لشعرها فهو من البلايا التي شاعت في هذا الزمان، بل من النساء من تبالغ في قصّ شعورهن حتى لا يفترقن عن الرجال!

    لكن في المسألة تفصيل: فذهب بعض العلماء إلى تحريم قص أو تقصير المرأة لشعرها، يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: إن العرف الذي صار جارياً في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله، بدعة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب من قبل.

    والكلام هنا في القص إذا لم يصل إلى حدّ اللمّة، واللمّة -كما سبق-: ما ألمّ بالمنكبين من الشعر.

    أما القص إلى حد الوفرة فهذا غير جائز قطعاً.

    واستدل بعض العلماء على إباحة ذلك -أي: القصّ فوق اللمة- بما رواه مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فذكرت له ذلك، ثم قال الرواي: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة.

    قال النووي في شرح مسلم : يدل هذا الحديث على جواز تخفيف الشعر للنساء.

    وهذا المذهب ينتصر له الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى.

    وبعض الناس استأنسوا لحكم التقصير في جواز ذلك في النسك، وأن المرأة ما دامت يجوز لها أن تقصر في النسك، فيجوز لها خارج النسك، وهذا استئناس وليس استدلالاً.

    وقد ردّ الشيخ الشنقيطي رحمه الله عن استدلال بعض العلماء بهذا الحديث الذي فيه: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كُنّ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفرة. حيث قال: إن هذا لا يحتمل أبداً أن يكون وَقَع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لضرورة التزين للزوج، أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهنّ كُنّ تجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلهن حكمٌ خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهي انقطاع أملهن انقطاعاً كلياً من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهنّ كالمعتدات المحبوسات بسببه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الموت؛ لقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب:53].

    ثم قال: فمن قاس سائر النساء على أمهات المؤمنين في هذه المسألة، فهذا قياس مع الفارق؛ لأن هذا حكم خاص بأمهات المؤمنين لا يدخل فيه غيرهن، فهذا اليأس قد يكون سبباً للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب.

    ونفس التعليل ذكره أيضاً القاضي عياض رحمه الله في هذا الحديث الذي رواه مسلم في أنّهن تركن التزيّن بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

    فإذا ترخصت المرأة، وأخذت بقول الفريق الذي يبيح القص، فلا تبالغ في القص حتى تقص مادون المنكبين، إلا إذا كان هناك عذر من مرض أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.

    الفرق بين القص والتقصير والحلق

    نحتاج إلى التفريق بين القص والتقصير والحلق. فالقص يعني: أخذ الشعر بالمقص. وأصل القص: القطع.

    والتقصير: حلق شيء من الشعر دون أن يستأصله كله. أي: أنه يجعله قصيراً.

    أما الحلق فهو: إزالة الشعر تماماً بالموس.

    معنى الوفرة والجمّة واللمة

    الوفرة: ما وصل من الشعر إلى شحمة الأذن.

    والجمّة: ما نزل عن شحمة الأذن، لكن لم يبلغ المنكبين.

    أما اللمة: فهي ما ألمّ بالمنكبين.

    1.   

    الختان

    حكم الختان للرجل والمرأة

    يقول في منار السبيل: والختان واجب على الذكر والأنثى.

    فهذا أحد المذاهب في حكم الختان، وهو هنا يوجبه على الذكر والأنثى، وهذه هي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي.

    وعلّل الوجوب بقوله: لأنه من ملة إبراهيم عليه السلام، وفي الحديث (اختتن إبراهيم بعدما أتت عليه ثمانين سنة)، وهناك زيادة في الحديث: (بالقدّوم) أو (بالقدوم) بالتخفيف والتشديد للدّال، والأكثرون رووه بالتشديد -يعني: بالقدُّوم- فإما أن يكون اسم مكان بالشام -أخذاً بالتخفيف- أو يكون بآلة النجار -على القول بالتشديد- وقد قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل:123]، فنحن مأمورون باتباع إبراهيم عليه السلام في ذلك، ولو لم يكن الختان واجباً عليه لما اختتن بعد أن بلغ عمره ثمانين سنة؛ لما في ذلك من المشقة.

    وقد صح في تفسير قوله تبارك وتعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] أن هذه الكلمات هي عشر، خمس في الرأس وخمس في الجسد، وذكر منها بعض خصال الفطرة.

    فهذا من جملة ملّة إبراهيم عليه السلام وسنته التي أُمرنا باتباعه فيها، فلا يغتر الإنسان بما صدر من بعض المعاصرين كالشيخ محمد عبده في كلامه عند تفسير هذه الآية، حيث قال: كيف يكون ابتلاء إبراهيم بمثل هذه الأحكام؟! فكأنه استنقصها ولم يعلم أن هذا من جملة ما ابتلاه الله عز وجل وكلّفه به، ولا ينبغي أن يتعامل مع النصوص الشرعية بهذه الطريقة، وهذه المدرسة -كما تعلمون- ليست هذه أولى الزلات لها في التعامل مع النصوص الشرعية.

    وتكليف إبراهيم عليه السلام بالختان وهو على رأس ثمانين سنة، أليس في هذا ابتلاء شديد من جملة ما ابتلاه الله عز وجل به من الأحكام؟!

    وقال عليه الصلاة والسلام لرجل أسلم: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، حسّنه الألباني وغيره، فهذا أمر، وخطاب بالواحد يشمل غيره، إلا إذا قام دليل على الخصوصية، وهنا لم يقم دليل على الخصوصية، فهو يشمل بعمومه جميع المكلفين.

    ومن الأدلة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، حديث صحيح، فقالوا: هذا دليل على أن النساء كُنّ يختتن. وقال أحمد : كان ابن عباس رضي الله عنهما يشدّد في أمره، حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة.

    والأدلة التي أوردها القائلون بوجوب الختان يصح الاستدلال بها على وجوبه بالنسبة للرجل، أما في حق المرأة ففيه تفصيل.

    ومن أوضح الأدلة على جواز الختان في حق النساء على الأقل: قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي سبق: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).

    وقول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل:123]، هذا بالنسبة لختان الرجال، والآية فيها أمر باتباع إبراهيم عليه السلام فيما فعل، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، فهذا يقتضي إيجاب كل فعل فَعَله، إلا أذا أتى دليل يدل على أنه سنة في حقّنا كالسواك مثلاً ونحوه.

    وكذلك حديث: (الفطرة خمس ...)وذكر منها (الختان) .

    وقد تقدم قول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟!

    أيضاً مما يستدل به على الختان في حق المرأة حديث أم عطية رضي الله عنها، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (لا تُنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل) وفي رواية: (أشمي ولا تنهكي).

    والحملة التي تُثار بين وقت وآخر ضد ختان النساء، هي حملة غير منطقية وغير مقبولة؛ لأن القوم يغضّون الطرف عن هذه الضوابط التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.

    فقوله: (أشمي) وقوله: (ولا تنهكي) هو عبارة عن وضع للضوابط؛ لتتفادي الأخطاء التي قد تحدث وتسبب بعض المضار.

    فكلامهم في هذه القضية هو تحصيل حاصل، وكذلك كلامهم فيما يتعلق بالأضرار التي تحصل عن هذا الأمر، وهي أضرار توجد في أي عميلة جراحية، حتى ختان الذكور قد يترتب عليه الكثير من الأضرار إذا حصل خطأ ممن يمارس هذه العميلة؛ لأن الناس يكلون هذا الأمر إلى من ليس عندهم علم بأمور الجراحة مثلاً أو الطب، فيحصل مثلاً تلوث في الجرح، أو يحصل نزيف، أو قد يحصل أي خطأ نتيجة الاعتماد على الجهال أو الجاهلات في القيام بهذه الأعمال.

    لكن هذا يُضبط بأن يشرف على هذا أهل الاختصاص وأهل الطب، ولا يقوم بهذا العمل إلا من شُهد له بالخبرة، سواء من الرجال أو النساء.

    وهذه الحملة يأتون بها إلينا من الغرب لأسباب معلومة، وإلا فليس الخطأ ناتج من تطبيق هذه السنة، وإنما من بعض من يتصدرون للقيام بهذه الأشياء دون علم.

    فقد يقال أن الختان في حق الرجل واجب، أما في حق المرأة فهو مكرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الفطرة خمس) وذكر منها: (الختان والفطرة).

    وهناك حديث رواه الإمام أحمد والبيهقي وفيه نظر من حيث الإسناد: (الختان سنّة للرجال، ومكرمة للنساء).

    والمرأة تختلف عن الرجل في أمر الختان، فيصعب القول بالوجوب على الفريقين؛ لأن مصلحتها في أمر الختان حالية، وليست ضرورية.

    وقد ثبت ختان الرجل كما جاء عن إبراهيم، ولم يثبت أن إبراهيم عليه السلام أمر المرأة بالخفض، ولكن قد ثبت في السنة استحباب الخفض.

    فهذا باختصار شديد، ومن أراد المزيد، فليرجع إلى الكتب التي توسعت في هذا مثل كتب الفقه.

    وخلاصة الكلام: أنه واجب للذكور، ومكرمة للنساء.

    وقت الختان

    يستحب الختان عند البلوغ، وقبله أفضل، فلو أن إنساناً أخر الختان إلى البلوغ، فهذا يكون هو وقت الوجوب، والأفضل أن يكون في وقت الاستحباب، أي: من اليوم السابع حتى البلوغ، فهذا وقت الاستحباب؛ لأنه كلما كان الطفل صغيراً، كلما كان التئام الجرح سريعاً، وأيضاً الإنسان قبل ذلك لا يكون مكلفاً.

    سئل ابن عباس رضي الله عنهما: مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. رواه البخاري .

    ونقل في الفروع عن الشيخ تقي الدين أنه قال: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة.

    لكن يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره؛ فإنه أرفق به، كما ذكرنا أرفق به، وأسرع إلى شفاءه.

    الختان مستحب قبل البلوغ، ومع ذلك فالمستحب هنا أفضل من الفرض، وهناك أحكام قليلة يكون فيها المستحب أفضل من الواجب، وقد نظم الإمام السيوطي رحمه الله تعالى هذه الأشياء التي يكون فيها ثواب النافلة أعظم من ثواب الفرض، فقال رحمه الله:

    الفرض أفضل من تطوع عابدٍ حتى ولو قد جاء منه بأكثر

    إلا التطهر قبل وقت وابتداء بالسلام كذاك إبرا المعسر

    وكذا ختان المرء قبل بلوغه تمّم به عقد الإمام المكثرِ

    فأول شيء: التطهر قبل دخول الوقت؛ لأنه إذا دخل وقت حينئذ يجب عليه أن يتطهر، لكن الوضوء قبل دخول الوقت هو الأفضل.

    الثاني: الابتداء بالسلام، فالذي يبدأ السلام له فضل على المسَّلم عليه؛ ويكون المسلَّم أولى بالله؛ لأن السلام اسم من أسماء الله عز وجل، وردّ السلام واجب: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، والبداءة بالسلام مستحبة، ومع ذلك فهي أفضل من الردّ.

    الثالث: إبرا المعسر، يعني: إبراء المعسر، والعفو عنه في الدَّين، فهذا أفضل من إنظاره حتى يتيسر له القضاء.

    الرابع: هو الختان قبل البلوغ، والذي سبق بيانه.