إسلام ويب

السواك وسنن الفطرة [3]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب الشرعية التي ينبغي للمسلم أن يمتثلها ويعتني بها: قص الأظفار، وعليه أن يراعي مدة القص، وعدم الاستقصاء في الحضر، مع العلم أن بعض أهل العلم استثنى الغزو للاستفادة منها. ومن الآداب أيضاً استحباب التنظف والتطيب والتجمل، وكذلك الاكتحال، دون الخروج عن حد الاقتصاد في ذلك إلى حد المغالاة والترفه والتنعم الزائدين؛ فإن خير الأمور أوسطها، والميزان في ذلك هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه لأمته.

    1.   

    أحكام قص الأظفار

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من الآداب التي نبّه عليها الشارع الحكيم: استحباب الاستقصاء في إزالة الأظفار إلى حد لا يدخل منه ضرر عليها، فيجتهد الإنسان في تقليم الأظفار، ويستقصي في ذلك، لكن بشرط ألا يؤذي الأصبع أو يدميه.

    وقت وحدّ قص الأظفار

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن من الآداب التي نبّه عليها الشارع الحكيم: أنه يستحب الاستقصاء في إزالة الأظفار إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأظفار.

    فيجتهد الإنسان في تقليم الأظفار، ويستقصي في ذلك، لكن بشرط ألا يؤذي الأصبع أو يدميه.

    وقص الأظافر سنة مستحبة؛ لأنه من الفطرة، ويتفاحش بتركه، وربما حك به الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة فتصير رائحة ذلك في رءوس الأصابع، وهناك بعض الروايات في كيفية قص الأظفار، ويكون ذلك في يوم الخميس أو الجمعة أو غيرها، ولم يثبت توقيت تقليم الأظفار بيوم معين، فغالب العلماء يفضلون أن يكون ذلك يوم الجمعة؛ باعتباره يوم العيد الأسبوعي، وكذلك غيره من سنن الفطرة، لكن لا دليل يخصص لفعل هذه الأشياء وقتاً معيناً أو محدداً، فمتى استحقت الأظافر القص، فعلى الإنسان أن يفعل، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط هو الحاجة في هذا وفي جميع خصال الفطرة المذكورة، لكن الحد الأقصى أربعين يوماً، يقول الترمذي الحكيم : فأما قص الأظفار؛ فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر، وهو مجتمع الوسخ، وربما أجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ، فلا يزال جنباً، ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول، فهو جنب على حاله، حتى يعمّ الغسل جسده كله؛ فلذلك ندبهم إلى قص الأظفار.

    وبعدما يقص الإنسان أظفاره، يستحب له حينئذٍ أن يغسل رؤوس الأصابع؛ تكميلاً لنظافتها، وحمل بعض العلماء حديث عائشة رضي الله عنها في غسل البراجم أن المراد به: غسل رؤوس الأصابع، ويحتمل أن البراجم هي هذه العقد التي في الأصبع.

    كما قال الإمام الخطابي رحمه الله: البراجم: العقد التي في رءوس الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم؛ لأنه ربما تجتمع فيها الفضلات فيها أحياناً، وغسل البراجم سنة مستقلة وليست بواجبة.

    والحديث الذي جاء في غسل البراجم وأنه من خصال الفطرة، أخذ منه بعض العلماء استحباب غسل التعرجات التي تظهر عند فرد الأصابع، وألحقوا بذلك ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه.

    استحباب ترك الأظفار في حال السفر والغزو

    يسنّ ألا يحيف على الأظفار في التقليم عند الغزو والسفر، فقد ذكر العلماء أن من كان في حالة سفر أو غزو وجهاد، فلا ينبغي له أن يستقصي في قص الأظافر؛ لأنه ربما احتاج إلى فك حبل مثلاً أو شيء معين، فتكون أظافره طويلة طولاً يسيراً بحيث يستطيع أن يمسك بها ويفك به ما يحتاج إليه، وذكر بعض العلماء أنه قد يستخدم الأظافر في قتال العدو عند فقد السلاح، وعن عمر رضي الله عنه قال: وفّروا الأظفار في أرض العدو؛ فإنه سلاح. قالوا: والسفر في معناه.

    حكم تطويل المرأة لأظفارها وصبغها بالمناكير

    أما ما تفعله بعض النساء الفاسقات من تدميم أظفارهن بالصبغ الأحمر، الذي يسمى: المانوكير، وإطالة أظفارهن إلى حدّ يشبه الوحش، فهذا كله من المنكرات التي تدل على فساد في الذوق وفساد في الفطرة، ولا أدري كيف يرون هذا جمالاً؟! إذ كيف يصبح شكل امرأة تطيل أظافرها كالوحوش، وتصبغها أيضاً بلون الدم كأنها تلطّخت بدم الفريسة؟! فسبحان الله! هذا انتكاس في الذوق والفطرة، فضلاً عن مخالفته للآداب الشرعية، فضلاً عن أنه لا يصح أن تعلن عن نفسها أنها لا دين لها ولا خلق ولا تقوى ولا خوف ولا استحياء من الله، فهي لا تصلي؛ لأن هذا الطلاء يكون حائلاً وحاجزاً بين الماء وبين البشرة على أظافرها، فهل يعقل أن تظل كل يوم تستعمل المزيلات المعروفة مثل الأسيتون أو غيره؟! وغالب هؤلاء النساء لا دين لهن، ولا خوف لديهن من عقاب الله تبارك وتعالى، ويظهرن هذه الزينة القبيحة الدميمة، ويرين هذه الأشياء جمالاً، فهذا منكر مذموم؛ لأن فيه تغييراً لخلق الله تبارك وتعالى، وهذا الفعل يستلزم اللعن كما جاء في الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لعن الله الواشمات والمستوشمات.) إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: (المتفلّجات بالحُسْن المغيرات لخلق الله). أيضاً: لأن في هذا الفعل السيئ القبيح تشبهاً بالكافرات الفاجرات، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من تشبه بقوم فهو منه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس منّا من عمل بسنة غيرنا). وأيضاً: لأن هذه منافاة للفطرة السليمة، التي هي: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الفطرة خمس) وذكر منها: (وتقليم الأظفار)، وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: (وقّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة) رواه مسلم وغيره. ولذلك يقول بعض الشعراء مخاطباً مثل هذه النساء الفاسقات: قل للجميلة ..؛ وأنا أغيّر هذا اللفظ وأقول: قل للجهولة أرسلت أظفارها إني لخوفٍ كدتُ أمضي هارباً إن المخالب للوحوش نخالها فمتى رأينا للظباء مخالباً؟!! بالأمس أنتِ قصصتِ شعركِ غيْلةً وأزحتِ عن وضع الطبيعة حاجباً وغداً نراكِ نقلتِ ثغركِ للقفا وأزحتِ أنفكِ رغم أنفكِ جانباً مَن علّم الحسناء أن جمالها في أن تخالف خلقها وتجانبا؟! إن الجمال من الطبيعة رسمُه إن شذّ خطٌّ منه لم يك صائباً فهذا شيء يستقبح، ومن الانتكاس في الذوق والفطرة أن يرى الناس هذا الخبث والدمامة جمالاً، فهو جمالٌ عند من لا دين له ولا خلق.

    استحباب دفن الأظافر بعد تقليمها

    هذا أدب شرعي مهجور، ومن تمكن من أداء هذا الأدب فسوف يذوق حلاوته ويجد له طعماً عظيماً، ويتملكه الإحساس بتكريم الإنسان، كما في قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، هذا الأدب الذي قد يستغربه كثير من الناس في هذا الزمان، وهو: أنه يستحب للإنسان دفن ما قلّم من أظفاره أو أزال من شعره، وكل ما ينفصل عن بدن الإنسان في حياته فمن الأدب أن يدفنه في التراب. يقول مهنأ : سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه. وقال القرطبي رحمه الله: جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه وزال عنه فيحق عليه أن يدفنه. لأن الإنسان لو مات فإنه يدفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضاً تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار أو في مزابل قذرة، وبالذات المسلم الذي كرمه الله عز وجل بصفة الإسلام إلى جانب صفة الإنسانية، فينبغي له ألا يلقي هذه الأشياء التي انفصلت عن جسده في الأماكن القذرة أو المهينة، وإنما يدفنها كما يُدفن بدنه عند موته. وحكى السفاريني عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26] قال: يلقون فيها الدم والشعر والأظافر وهم أحياء، وتدفنون فيها موتاكم. وإذا راجعت تفسير هذه الآية فإنك تجد أن هذا القول مشهور في تفسيرها، ويذكره المفسرون ضمن عدة أوجه في تفسير هذه الآية: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا [المرسلات:25] والكفت: الضم والجمع، أي: تضمكم وتجمعكم، وفي الحديث: (نهى عن الكفت في الصلاة)، والكفت: الضم، أي: يضم ثيابه، وهذا الفعل مكروه في الصلاة. ولا أدري لماذا يقوم كثير من الإخوة بارك الله فيهم أحياناً باختراع عمل ليس له أصل؟ ثم نجد كثيراً من الناس يقلدونه تقليداً تلقائياً، حتى ينتشر هذا الفعل ويشيع، مع أنه لا يعرف لهذا الفعل دليل ولا أصل، فما ندري من أين أتت لبعض المصلين فكرة أنه إذا كان يرتدي سروالاً طويلاً يتجاوز الكعبين، فإذا أراد أن يصلي أخذ يشمر ويكفت السروال؛ لأنه يخاف من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبل صلاة المسبل) أو (لا ينظر الله إلى مسبل)، فهو يريد ألا يقع في هذا الوعيد، فيصبح حاله كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ لأنه فرّ من وعيد الإسبال فوقع في الكفت، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الكفت، فلا يصح لك أن تصلي وأنت مشمّر أكمامك، بل إنك إذا شرعت في الصلاة عليك أن تفك هذا التشمير، كما قال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي سجد وشعره معقود: (دعه يسجد معك) فكذلك من صور كفت الثياب في الصلاة ما يفعله هؤلاء الإخوة الذين يتناقلون هذه العادة بعضهم عن بعض، ولا يُعرف لها أصل، والذي قادنا إلى هذا الاستطراد هو معنى كلمة: الكفت، أي: الضم، ومنها التشمير في الصلاة. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا [المرسلات:25] أي: ضامّة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها، وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه...، يقال: كفتُّ الشيء أكفته: إذا جمعُته وضممْتُه، والكفت: الضم والجمع...، وقال أبو عبيد : (( كِفَاتًا )) أوعية. ثم قال القرطبي : وقيل: هي كِفات للأحياء، يعني: دفن ما يخرج من الإنسان من الفضلات في الأرض، إذ لا ضمّ في كون الناس عليها، والضمّ يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه. الاحتفاف: أي أنها تحف بالشيء وتضمه، وكان بعض السلف يأتي المقابر فيقول: هذه كفات الأموات. ويأتي المنازل والبيوت فيقول: هذه كفات الأحياء. والإمام القرطبي رحمه الله يعرض قول من قال: إنها لا تسمى كفاتاً إلا إذا احتفت بالشيء وضمّته ضمّاً كاملاً، وهذا لا يكون إلا في الدفن. وهنا مسألة تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي تتعلق بحكم إزالة الإنسان لشيء من جسده وهو جنب، فقد سُئل رحمه الله تعالى عن الرجل إذا كان جُنُباً وقصّ ظفره أو شاربه، أو مشط رأسه، هل عليه شيء في ذلك؟ فأجاب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث حذيفة ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما أنه لما ذكر له الجنب قال: (إن المؤمن لا ينجس)، وفي صحيح الحاكم زيادة: (حياً ولا ميتاً)، وما أعلم على كراهية إزالة شعر الجنب وظفره دليلاً شرعياً، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أسلم: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، فأمر الذي أسلم أن يغتسل، ولم يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال، فإطلاق كلامه يقتضي جواز الأمرين، حيث قال له: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها، مع أن الامتشاط يذهب ببعض الشعر، والله أعلم. اهـ.

    1.   

    من سنن الفطرة

    استحباب الترجل والنظر في المرآة

    من الآداب: أنه عند النظر في المرآة ينبغي قول: (اللهم كما حسنت خلقي فحسن..) وفي زيادة: (وحرم وجهي على النار)، وهذا الدعاء من الأدعية المسبقة وليس من الأدعية الموظفة، إذ إنه غير مرتبط بوظيفة المرآة، فمن الممكن أن يقوله الإنسان إذا نظر إلى المرأة، أو قد يقوله في أي وقت آخر؛ لأنه ينبغي له في أي وقت أن يدعو الله تبارك وتعالى بهذا الدعاء، حيث أنه دعاء مطلق كسائر الدعاء، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني حفظه الله، وذكر أنه يقال مطلقاً دون قيد النظر في المرآة، وأما الزيادة: (وحرَّم وجهي على النار) فهي ضعيفة.

    ولا ينبغي النظر في المرآة كما يفعل ذلك أصحاب رياضة النيوزا، لكن يكون النظر في المرآة بقصد تحسين الهيئة، كإصلاح الشعر أو اللحية أو نحو ذلك، ويستحب تسريح الشعر وترجيله وإكرامه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود : وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان له شعر فليكرمه)، وسواء في ذلك شعر اللحية أم شعر الرأس.

    وجاء عن عطاء بن يسار حديث مرسل، وهو مشتهر على ألسنة الناس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار صلى الله عليه وسلم بيده كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس كأنه شيطان) هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً؛ لأن عطاء بن يسار من التابعين، فهو بهذا الإسناد ضعيف، لكن قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: جاء موصولاً بمعناه عن جابر وغيره.

    والحديث الذي جاء بنفس المعنى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره، فقال: أما كان هذا يجد ما يسكّن به شعره. ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل ثوبه)، قال الإمام النووي : رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم .

    وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا -أراه قال:- أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود. قال الراوي يعني الذي سمع من سعيد بن المسيب : فذكرت ذلك لـمهاجر بن مسمار ، فقال: حدثنيه عامر بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال: (نظفوا أفنيتكم) أخرجه الترمذي وقال: غريب. وحسّنه الألباني بشواهده.

    والشاهد فيه قوله: نظيف يحب النظافة، فإكرام الشعر يكون بالتسريح أو بصونه أيضاً من نحو الوسخ والقذر، فعلى الإنسان أن يتعاهد شعره بالتنظيف والإدّهان بالزيوت، وأحياناً يعبّر بالدهن عن الطيب، لكن ينبغي أن نتذكر أدباً مهماً، وهو أن الإنسان لا ينبغي له أن يواظب على دهن شعر رأسه وتسريحه حتى يكون شغله الشاغل، أو يكثر ويبالغ في ذلك، (فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإرفاه، قيل: وما الإرفاه؟ قال: كثرة التدهن والتنعم) والإرفاه أيضاً كما في الحديث الآخر: (هو الترجل كل يوم) وفي الحديث الآخر: (نهى صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غِبّاً)، وأصل الغبّ في اللغة كما في الحديث الآخر: (زر غباً تزدد حباً) يعني: الإنسان ألا ينبغي له يواظب كل يوم أو كل وقت على زيادة إخوانه، بل يغيب ثم يزور، وكذلك هنا: (نهى عن الترجل إلا غباً) يعني: أن يفعل يوماً ويترك يوماً، لكن قال العلماء: ليس المراد خصوصية الفعل يوماً والترك يوماً، وإنما المقصود: أن الإنسان لا يواظب على ذلك بحيث يكون شغله الشاغل ووظيفته الدائمة.

    استحباب التوسيع على النفس في اللباس

    قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البذاذة من الإيمان) رواه أبو داود ، وهو حديث صحيح. (البذاذة): هي رثاثة الهيئة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يتكلف حتى يجعل هيئته رثة، لكن الإنسان ينبغي له أن يتواضع في لباسه، وأنواع العبودية تختلف وتتفاوت، فمثلاً: من وسّع الله عليه في الرزق، فلبس من محاسن الثياب بنيّة أن يتحدث بنعمة الله عليه، أو لبس ثياب الأغنياء وهو غني لا يتشبع ولا يكون كلابس ثوبي زور، وإنما هو غني يظهر الغنى حتى إذا رآه الفقراء يعرفون أن هذا غني فيسألونه، ويكون ذلك سبيلاً لتيسير تصدقه على الفقراء، فيعرف بمظهره حتى يأوي إليه الفقراء ويأخذون منه الصدقات، فهذه كلها نوايا حسنة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل رآه رث الهيئة: (هل آتاك الله مالاً؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال أعطاني الله. فقال له: من كان له مالاً فليُرَ عليه أثر نعمة الله وكرامته)، فمن شكر النعم أن يظهر الإنسان نعمة الله عليه بإظهار الثياب الحسنة، وهذه نية حسنة صالحة. ومن الممكن أن يتعبد الإنسان بصورة أخرى؛ لأن العبودية أنواع، وقد يُفتح لإنسان من العبادة ما لا يفتح لغيره، ولا يكون معنى ذلك هو التعارض والتضارب، فمثلاً: إنسان يقدر على شراء الثياب الحسنة، لكنه يتعمد ألا يلبسها؛ لأنه يستحضر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من ترك اللباس تواضعاً لله عز وجل وهو يقدر عليه خيّره الله يوم القيامة من حلل الإيمان يلبس من أيها شاء) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذا يفعل عبودية بالنية من نوع آخر؛ لأنه ينوي بذلك التواضع لله عز وجل، أو ينوي ألا يكسر قلوب الفقراء إذا رأوه بهذه الثياب، فالأمر يتفاوت، ولا يُفهم دائماً من مثل هذه الآداب أن فيها تضارب أو تعارض، بل يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وذاك على اختلاف الأحوال والأشخاص.

    استحباب التيمن في سنن الفطرة

    وهذه الآداب التي ذكرناها سواء كان ذلك في قص الأظفار أو تسريح الشعر وترجيله، أو غير ذلك.. فنستصحب دائماً الأدب الشريف وهو أن يبدأ الإنسان بالميامن، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن ما استطاع في ترجّله ووضوئه) رواه البخاري.

    استحباب الاكتحال والادّهان

    قال الإمام ابن قدامه رحمه الله تعالى: يستحب أن يكتحل وتراً، ويدهن غباً، فينظر في المرآة ويتطيب، قال حنبل : رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا فرغ من حزبه -أي: إذا فرغ من قراءة ورده من القرآن أو الأذكار- نظر في المرآة، واكتحل، وامتشط.

    والمقصود بقوله: رأيت أبا عبد الله : هو أحمد بن حنبل ؛ لأنه إذا جاء ذكر أبا عبد الله في كتاب فقه حنبلي فالمقصود به: أحمد بن حنبل ، وإذا كان في كتاب فقه شافعي ذكر هذه الكنية فالمقصود: الشافعي ، وإذا كان في كتاب فقه مالكي فالمقصود: الإمام مالك ؛ لأن أبا عبد الله هي كنية الأئمة الثلاثة، فالإمام مالك كنيته أبو عبد الله ، والإمام الشافعي كذلك، والإمام أحمد كذلك، أما الإمام النعمان بن ثابت فكنيته: أبو حنيفة ، رحمهم الله أجمعين، وأحياناً يأتي في بعض كتب الفقه عبارة: وذهب إلى هذا آباء عبد الله. يعني: الأئمة الثلاثة اختصاراً.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر؛ وينبت الشعر)، والإثمد: نوع من الأحجار التي يصنع منها الكحل، حيث يُدَقّ ويضاف إليه الأشياء ويكتحل به. وقد عثرت على عبارة للإمام القرطبي في تفسيره وهو يتكلم عن بعض هذه الآداب فيقول: وكذلك الكحل من الرجال: منهم من يليق به، ومنهم من لا يليق به. وحكم هذه الأشياء شرعاً: أنها سنة مستحبة بلا شك، ما زلنا نبحث عن كلام لبعض أهل العلم في هذا، وما وقفت على غير عبارة الإمام القرطبي السابقة، ونحن نُقّر أن الاكتحال سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك اتخاذ الشعر سنة، والمهم في هذا الأمر هو النية، أي: أن ينوي الإنسان بذلك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والآن يُستنكر إسدال الشعر غالباً؛ لأن الناس الآن تعوّدوا أن يروا إسدال الشعر من عادة النساء؛ بسبب تبرج كثير منهن، فيظهر من كان موفراً لشعره وفق السنة كأنه متشبه بالنساء، فلو لم يوفر شعره خشية التشبه بالنساء، مع كونه يريد أن يفعل هذه السنة، فهو يثاب عليها ولو لم يفعلها.

    وكذلك في الاكتحال، فإنه نظراً للبعد عن الآداب الشرعية، فقد أصبح الكحل في مجتمعاتنا كأنه خاص بالنساء، وربما لو اكتحل الإنسان في وسط هذه المجتمعات وهو يريد الأجر باتباعه لسنّة مستحبة، فقد يوصف بأنه متشبه بالنساء كما يفهم كثير من الجهال، فيمكن أن يؤجر الإنسان إذا ترك الكحل بنيّة أن يكف ألسنة المغتابين؛ لأنهم إذا رأوه فعل ذلك، فبالتالي اغتابوه ووقعوا في معصية لله؛ لجهلهم بأن هذا من الآداب الشرعية، ويرون مثل هذا الفعل مُزرياً به، فإذا ترك ذلك ليكفّهم عن الوقوع في النميمة فهو مأجور، وينبغي للإنسان أن يراعي أيضاً حال المجتمع الذي يعيش فيه.

    وفي بعض البلاد كالحجاز مثلاً تجد أن النساء عموماً محتجبات، والاكتحال عندهم شيء عادي، أما إذا وجد الإنسان أنه في مجتمع ربما يجلب عليه تطبيق السنة أشياء من المنكرات والفضائع التي تؤذيه أو تزري به، فإنه إن لم يفعل ذلك بنيّة كفّ الناس عن الوقوع فيه وغيبته، فلعله يؤجر في ذلك أيضاً كما سبق، ومع ذلك لا ننكر على من اكتحل بنية إحياء السنة أو تذكير الناس بها، فكلٌ بحسب نيته.

    استحباب استعمال الطيب

    من الآداب الشرعية: التطيب، والطيب مندوب إليه شرعاً، بل يتأكد التعطر للمسلم في يوم الجمعة والعيدين، وعند الإحرام، وعند حضور صلاة الجماعة، وفي المحافل العامة، وأيضاً عند قراءة القرآن وحضور مجالس العلم والذكر، يقول أنس رضي الله تبارك وتعالى عنه: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكّة يتطيب منها)، والسكّة: طيب أسود يُخلط ويُعرك ويُترك، وتظهر رائحته كلما مضى عليه الزمن، والظاهر أن المراد بالسكّة هنا: وعاء الطيب. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه لا يردّ الطيب. وقال أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان لا يرد الطيب)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا تُردّ: الوسائد، والدهن، واللبن)، والمقصود بالدهن هنا: الطيب والروائح العطرة. فإذا كان الإنسان ضيفاً وقدّمت له وسادة فلا ينبغي له أن يرفضها، وكذلك إذا قُدّم له لبناً أو طيباً وأراد بعض العلماء أن ينظم معنى هذا الحديث في أبيات شعر، فنظمه وزاد عليه زيادة مشهورة بين الإخوة، وهي أن مما لا يرد أيضاً: اللحم، ويبدو أنهم اقتبسوها من أحاديث ضعيفة، فقال الناظم: قد جاء في سنة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن ألا نرد الطيب والمتكى واللحم أيضاً يا أخي واللبن ومما ينبغي أن يراعى في التطيب: أن من الأدب التودد بين الزوجين بالتطيب، أو بين الإخوان، لكن من كان يعرف أن بعض أنواع الطيب قد تُحدث حساسية لبعض الناس أو تؤذيهم، فلا ينبغي له أن يتطيب بمثل هذه الأنواع؛ مراعاة لمشاعر الآخرين، المقصود من الطيب هو أن يتودد المسلم إلى إخوانه بأن تكون ريحه طيبة، كما في الحديث: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة)، فإذا كانت هذه الرائحة تؤذي الجليس، فينبغي تجنبها. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن المسك، فقال: هو أطيب طيبكم) وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه، وإن لم يجد طيباً فيأخذ من طيب أهله)، فهذه من الآداب المؤكدة يوم الجمعة، كالسواك والغسل والطيب، والمقصود بالمحتلم: هو كل بالغ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)، ولعل الإشارة في طيب النساء إلى الحناء أو الخضاب ونحوه. وعن أبي موسى رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرّت في المجلس فهي كذا وكذا) يعني: زاينة. فلا يجوز للمرأة أن تتطيب إلا أمام محارمها أو زوجها، أما أن تتطيب وتخرج، وترسل هذا الرسول الشيطاني وهو الطيب، فقد وصفها النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف الشديد: (فهي كذا وكذا) يعني: زانية، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) والطيب يشمل البخور، ويعبّر عنه بالاستجمار، أي: من الجمرات التي تستعمل كطيب العود أو شيء من هذا. وعلى الرجل أن يجتنب الطيب في الإحرام كما هو معروف، والمرأة من باب أولى. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حُبّب إلي الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)، فممّا حُبّب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: الطيب والنساء، فهذه الصفة ليست مذمومة مادامت تصادف حلالاً، بل هي تُحمد في الرجل، وقوله: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) هذه هي الرواية الصحيحة خلافاً لما يشيع على ألسنة كثير من الناس: (حُبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة)، فهل الصلاة من أمور الدنيا؟ ليست الصلاة من الدنيا، فهي من أكبر وظائف الدين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حُبّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، ثم يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائي : أن المحبب إليه من الدنيا: النساء والطيب، وأما قرة العين فتحصل بحصول المطلوب، وذلك في الصلاة. وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما يجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته) رواه البخاري ، والوبيص هو: البريق واللمعان، وترجم الإمام ابن حجر رحمه الله: باب الطيب في اللحية والرأس -بالنسبة للرجل- ثم نقل عن الإمام ابن بطال قوله: يؤخذ منه: أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه، بخلاف طيب النساء؛ لأنهن يطيبن وجوههن، ويتزينّ بذلك بخلاف الرجال، فإن تطيب الرجل في وجهه لا يشرع؛ لمنعه من التشبه بالنساء. انتهى كلام الإمام ابن بطال . فمفهوم هذا الحديث: أن طيب الرجل يكون في اللحية والرأس، ولا يكون في الوجه؛ فإن هذا من شأن النساء.

    استحباب اتخاذ الشعر

    وقد أشرنا إليه، لكن نمرّ عليه مراً سريعاً، وسبق أن قلنا: إن سلخ الإنسان لشعره أفضل من إزالته، يقول أبو إسحاق سُئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر- يمكن أن تقول: الشَّعْر أو الشَّعَر بتسكين العين وفتحها- فقال: سنّة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. فهو يشير إلى أن الإنسان عندما يتخذ شعراً فينبغي له أن يعتني به ولا يهمله. وقال الإمام أحمد : كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمّة. وقال: تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم شعر. وقال: عشرة لهم جُمم. وقال: في بعض الحديث: أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى شحمة أذنيه، وفي بعض الحديث: إلى منكبيه. وروى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (ما رأيت ذا لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، له شعر يضرب منكبيه) متفق عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصف أذنيه) وفي رواية: (إلى أنصاف أذنيه). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة)، والجمة: الشعر النازل إلى المنكبين, والوفرة: ما بلغ شحمة الأذن، فالمقصود: أن الشعر يكون فوق الجمة وأقل من الوفرة، ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا طال يكون إلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة أذنيه، وإن طوّله فلا بأس، وعثمان رضي الله عنه كان له عقيصتان. قال الإمام ابن مفلح رحمه الله: ولا بأس أن يجعله ذؤابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.