إسلام ويب

علو الهمة [11]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا ينال العلم براحة الجسد، فمن أراد العلم فليبذل له وقته وجهده وهمته حتى ينال بعضه، وفي أخبار السلف من علو همتهم في طلب العلم، وصبرهم على شدائد تحصيله ما يحث كل طالب علم على الاقتداء بهم، والسير على طريقهم.

    1.   

    علو الهمة في طلب العلم

    العلم أشرف من المال

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشرفا.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فقد انتهينا من الكلام في علو همة السلف ومن تبعهم من الخلف في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ونتكلم اليوم في علو همة السلف الصالح في طلب العلم.

    العلم أشرف ما رغب فيه الراغب وأنفع ما كتبه واقتناه الكاتب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لـكميل بن زياد : احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.

    العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، يعني العمل يزيده وينميه، والمال ينقصه النفقة، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وفنائه.

    وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

    الحديث عن فضل العلم وما يناله طالبه من مزية وكرامة من الله سبحانه وتعالى هو حديث لا يكشف عن غامض، ولا يطرق السمع بجديد، وليس مقصودنا هنا: أن نتكلم في فضائل العلم أو في الحث على العلم، فذاك حديث كثر فيه الكلام والتصوير؛ إنما مقصودنا: لفت الأنظار إلى القوة العملية، وهي الوسيلة التي صعدت بعلمائنا فخدموا الدين ونشروا العلم.

    كلام ابن الجوزي في الحث على طلب العلم

    يقول الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: تأملت عجباً وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله، يعني: أن الراحة لا تنال بالراحة، وإنما الراحة تنال على جسر من التعب، فكلما ازداد خطر الشيء وقيمته ووزنه كلما صعب الحصول عليه وتناوله.

    يقول: فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة.

    لا شك أن العلم أشرف ما يحصل عليه الإنسان، وأشرف مأرب يتطلع إلى تحصيله، فبالتالي لا يمكن أن ينال إلا بأشد التعب والجهد والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس، والهريسة في اصطلاح السلف ليست الهريسة بالمصطلح المصري، وهي هذه الحلويات، وإنما كانت الهريسة عبارة عن أكل فيه توابل كثيرة جداً. هذا معنى الهريسة عندهم.

    فما استطاع هذا الطالب أبداً خلال سنوات طويلة أن يضحي بلحظة أو ساعة أو وقت من الدرس في سبيل أن يحصل هذه الشهوة! قبل ثلاث سنين أو أربع تفاجأت أن الشوارع خاوية، وكأنه فرض حضر التجول في المدينة، ثم دخلت المسجد لإلقاء درس تفسير القرآن فوجدت المسجد يكاد يكون خاوياً إلا من عدد قليل جداً من الأخوة، فظننت أنه حصل أمر خطير حتى تغيب طلبة العلم عن مجلس القرآن ومجلس الذكر، ثم علمت أن سبب ذلك مباراة كرة قدم دولية!

    فحينما نقارن أحوالنا بأحوال السلف نعرف خطورة الوضع الذي نحن فيه، وبعدنا عن منهج السلف الذي ندعيه ونزعم الانتساب إليه.

    كلام ابن القيم في الحث على طلب العلم

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما سعادته فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية، وقد أحسن القائل في ذلك: فقل لمرجي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا فما دام طلبك نفيساً فلابد من أن تبذل ثمناً نفيساً. ومن أحب أن يخطب الحسناء فلابد من أن يدفع لها المهر الذي تستحقه، فالحور لا تخطب بالنوم ولا بالكسل ولا بالتراخي، وإنما تخطب بمهر هو الكد والجد والتعب والسهر. يقول الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال ومن طمحت همته إلى الأمور العالية فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية وهي السعادة، وإن كان في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها -يعني: الإنسان الذي يكد ويتعب في الدنيا في سبيل تحصيل مراتب ومنازل الآخرة كما قيل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب فلما تلاقينا وعاينت حسنها فأيقنت أني إنما كنت ألعب فحينما يرى الثمن العظيم والجزاء الوفير الذي يلقاه في الآخرة ينظر إلى عبادته وجهاده في الدنيا على أنه كان لعباً، على حد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله عز وجل لحقره يوم القيامة). فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر عليها إلا على جسر من المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد. قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة الجسم. وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة. فيا واصل الحبيب ألا إليه بغير مشقة أبداً تروح ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف. أي: لولا أن أغلب الناس في جهل بلذة العلم ولذة السعادة التي ينالها الإنسان في الحياة الدنيا لتقاتلوا عليها. فمالنا يشقى أحدنا ويكدح ويتعب في سبيل تحصيل هذه البواطل العالية ولا نفعل ذلك للجنة؟! السبب أنها حفت وأحيطت بحجاب من المكاره، فغفل عنها أغلب الناس، وحرموا منها بحجاب من الجهل، ليخص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

    كلام الشافعي وابن هشام في الحث على طلب العلم

    يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.

    لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

    وقد كان أهل العلم رحمهم الله تعالى يلاقون المصاعب والشدائد في تحصيلهم للعلم.

    الإمام ابن هشام النحوي صاحب كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب وقطر الندى وبل الصدى نصح طلبة العلم بالصبر على مشاق العلم والتحصيل، إذ هو شرط في نيل المراد العزيز الغالي، فيقول رحمه الله:

    ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل

    ومن لم يذل النفس في طلب العلى يسيراً يعش دهراً طويلاً أخا ذل

    فيقطع السفر ويصل الإنسان إلى البلد الذي يسافر إليه بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده؟!

    الجد بالجد والحرمان في الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل

    فعليك يا طالب العلم أن تجد في التحصيل فإن الأمر كما قال ابن الجنيد : ما طلب أحد شيئاً بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كله نال بعضه، فعلى طالب العلم أن يحرص على علو الهمة في طلب العلم.

    الغيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة

    من خصائص استشعار طالب العلم العالي الهمة: الغيرة على الوقت، فإنه يغار على الوقت، ويمكن أن يضحي بالمال لكن لا يضحي بوقته، ولا يجلس إلا إلى من يستفيد منه، أما جلسات الأنس والسمر والمزاح واللعب واللهو فلا يعرفها طالب العلم الكبير الهمة.

    فأبرز خصائص طالب العلم الجاد في طلبه أن يغار على وقته أن يضيع في غير ما يقربه إلى الله، ويحصل فيه العلم، وعنده بجانب الغيرة على الوقت عزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل، أي: تمر الأيام ومع ذلك عزمه لا تنال منه الأيام ضعفاً أو فتوراً. إنما يظل كالصارم القاطع الصقيل.

    وعنده حرص لا يشفي غليله إلا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طائحة، فطالب العلم شره ونهم، وشهيته منتبهة جداً وحريصة جداً على أن يغترف من العلم، يشرب من بحور العلم ولا يروى؛ لأنه يشتاق إلى المزيد، فلا يقنع بحد محدود، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطريق، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ولا مهاترة، كيف لا وقد شغلت نفسه بالحق فأشغلها عن الباطل؟

    فأعظم ما يعصم الإنسان من آفات اللسان واللغو والباطل أن يشتغل بالأمور الجادة؛ لأن الإنسان لا يقع في الغيبة والنميمة وهذه الآفات من الجدل والمراء والرياء وغير ذلك إلا نتيجة الفراغ، فإن هذه أعراض مرض الفراغ والبطالة، أما إذا بادر بشغل نفسه بالحق فإنها بذلك تنشغل عن الباطل.

    كان حال سلف الأمة في طلب العلم ونشره والتصنيف فيه حالاً عجيبة استثمروا فيه أوقاتهم، وأفنوا شبابهم، فحصلوا ما يدهش العقول، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم، فهيا نطالع أحوالهم لنقتدي بهديهم، ونسير على سننهم.

    يقول الشاعر:

    وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني جنوناً فزدني من حديثك يا سعد

    ويقول الآخر في نفس هذا المعنى وهو التشوق إلى مطالعة أحوال وسير السلف الصالح حتى تستنهض الهمم الراقدة:

    كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

    كلام ابن القيم في الحث على طالب العلم

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما سعادته فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية، وقد أحسن القائل في ذلك:

    فقل لمرجي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا

    ما دام طلبك نفيساً لابد أن تبذل ثمناً نفيساً.

    ومن أحب أن يخطب الحسناء فلابد أن يدفع لها المهر الذي تستحقه، فالحور لا تخطب بالنوم ولا بالكسل ولا بالتراخي وإنما تخطب بمهر هو الكد والجد والتعب والسهر.

    يقول الشاعر:

    لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال

    ومن طمحت همته إلى الأمور العالية، فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية وهي السعادة، وإن كان في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها؛ أفضت منها إلى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها -يعني: الإنسان الذي يكد ويتعب في الدنيا في سبيل تحصيل مراتب ومنازل الآخرة، هو يجد في الدنيا التعب والمشقة والسهر وهجر الراحة والملذات، ثم إذا به حين يعاين الثمرة في الآخرة يكون حاله- كما قيل:

    وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب

    فلما تلاقينا وعاينت حسنها فأيقنت أني إنما كنت ألعب

    حينما يرى الثمن العظيم والجزاء الوفير الذي يلقاه في الآخرة ينظر إلى عبادته وجهاده في الدنيا أنه كان لعباً على حد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله عز وجل لحقره يوم القيامة.

    فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر عليها إلا على جسر من المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.

    قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة الجسم، وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.

    فيا واصل الحبيب ألا إليه بغير مشقة أبداً تروح

    ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، يعني: لولا أن أغلب الناس في جهل بلذة العلم ولذة السعادة التي ينالها الإنسان في الحياة الدنيا لتقاتلوا عليها.

    مالنا يشقى أحدنا ويكدح ويتعب في سبيل تحصيل هذه البواطل العالية، ولا نفعل ذلك للجنة؟

    السبب أنها حفت وأحيطت بحجاب من المكاره، فغفل عنها أغلب الناس، وحرموا منها بحجاب من الجهل، ليختص الله لها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

    1.   

    حرص السلف على طلب العلم

    العلم الشريف هو صناعة القلب، وهو شغل القلب، فالعلم وظيفة تؤدى أساساً بالقلب، والقلب إذا حمل هم رفع رذيلة الجهل والتحلي بالعلم الشريف، فإن القلب ينشغل بذلك، ويكون هذا جل همه.

    فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، فلابد أن يتفرغ طالب العلم، ويوحد همه، ويجعل له وجهة واحدة، فالقلب لا ينشغل إلا بشيء واحد فقط كما قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4].

    فالقلب لا يمكن أن يصرف همه إلى أكثر من وجهة، فإذا وجهت همة القلب إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، فلم يجد فيه همة تقوده إلى طلب العلم، ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوة العلم على لذة جسمه وشهوة نفسه لن ينل درجة العلم أبداً.

    فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في إدراكه رجي له أن يكون من جملة أهله، وقد كان علماؤنا رحمهم الله تعالى يحرصون على العلم وطلب العلم حرصاً ليس له نظير، ونذكر أمثلة على ذلك:

    حرص عمر بن الخطاب على طلب العلم

    عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين يقول: كنت أنا وجار لي من الأنصار وهو أوس بن خولي الأنصاري في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. يعني اتفقا على نوبات بالتبادل، يذهب هذا يوماً ليحصل العلم ثم يعود فيعلم أخاه، ثم يذهب الآخر وهكذا؛ وهذا من أجل ألا يفوته شيء من العلم.

    حرص ابن عباس على طلب العلم

    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العلم فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يـابن عباس ! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم؟! قال: فتركت ذاك يعني: لم يفت عزمه ولم يبال بتثبيطه، فانصرف عنه ابن عباس مع صغر سنه رضي الله تعالى عنه، يقول: فتركت ذاك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل -يعني: في وقت القيلولة قبل صلاة الظهر، فيكره أن يوقظه من القيلولة- فأتوسد ردائي على بابه، فتسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما جاء بك؟! هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث.

    فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.

    ولما فتحت البلاد آثر ابن عباس من أجل العلم ظمأ الهواجر في دروب المدينة ومسالكها على الظلال الوارفة في بساتين الشام وسواد العراق وشطآن النيل ودجلة والفرات.

    قال رضي الله عنه: لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا، وأقبلت على عمر رضي الله عنه. يعني: كي يتعلم منه ويستفيد من صحبته.

    يقول الشاعر:

    لكل بني الدنيا مراد ومقصد وإن مرادي صحة وفراغ

    لأبلغ في علم الشريعة مبلغا يكون به لي للجنان بلاغ

    وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ

    فما الفوز إلا في نعيم مؤبد به العيش رغد والشراب يساغ

    يقول أيضاً ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن دأبه في طلب العلم: كنت آتي باب أبي بن كعب رضي الله عنه وهو نائم، فأقبل على بابه، ولو علم بمكاني لأحب أن يوقظ لي لمكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكني أكره أن أمله.

    وقال أيضاً ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل في القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً إلا سر بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً وكان من الراسخين في العلم عما نزل من القرآن في المدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة.

    حرص الشافعي على طلب العلم

    قال الشافعي رحمه الله تعالى: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين.

    وقال أيضاً: لما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس -يعني: أوراق- فكنت إذا رأيت عظماً يلوح آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديماً. يعني يجمع فيها هذه العظام التي كتب فيها العلم.

    والإمام الشافعي نشأ يتيماً فقيراً رحمه الله، يقول عن نفسه: لم يكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة -يعني: في مستهل العمر، وكانت سن الإمام أقل من ثلاثة عشرة سنة- وكنت أذهب إلى الديوان استوهب الظهور -يعني: أسألهم أن يهبوني ظهور الأوراق المكتوب عليه؛ لأن ظهورها يكون خالياً- فأكتب فيها!

    وقال ابن أبي حاتم : سمعت المزني يقول: قيل للشافعي : كيف شهوتك في العلم؟ قال: أسمع بالحرف -يعني: الكلمة- مما لم أسمعه فتور أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به ما تنعمت به الأذنان.

    وقيل له: كيف حرصك على العلم؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. الجموع الممنوع هو الذي يجتهد في جمع المال من كل حدب وصوب، ثم يبخل به، فتكون شدة حب هذا الرجل للمال وشدة حرصه عليه كبيرة جداً، فلما سئل عن حرصه على العلم قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال الشافعي : طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.

    تخيل امرأة ليس لها سوى ولد واحد، فضل ولدها، فكيف ستجتهد في البحث عنه، ونشدان هذه الضالة؟!

    يقول: هذا هو طلبي للعلم.

    حرص محمد بن سلام على طلب العلم

    محمد بن سلام شيخ من شيوخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، كان في حال الطلب جالساً في مجلس الإملاء، فانكسر قلمه، فأمر أن ينادى: قلم بدينار فتطايرت إليه الأقلام. فهو لا يضحي بلحظة واحدة، حتى لا يفوته فيها سماع حرف من الحديث أو كلمة أو جملة، ويعتبر هذه مصيبة لا يعوضها مال الدنيا، فأراد أن يغري الذين يسمعونه فرفع سعر القلم إلى ثمن كبير جداً، فقال: قلم بدينار، فتطايرت إليه الأقلام من كل صوب. وذلك كي لا يفوته شيء من مما يمليه الشيخ.

    حرص أحمد بن حنبل على طلب العلم

    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف .

    تلقى الإمام أحمد الحديث ببغداد من سنة تسع وسبعين ومائة إلى ستة وثمانين ومائة، ولزم عالماً كبيراً من علماء الحديث والآثار ببغداد لمدة أربع سنوات وهو هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة.

    وسمع الإمام أحمد أيضاً من عبد الرحمن بن مهدي وأبي بكر بن عياش ، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط.

    يحكي الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن طلبه العلم وهو طفل صغير جداً، فيقول: ربما أردت البكور في الحديث، أي: كان أحياناً يريد التبكير في الخروج في طلب العلم؛ لأن المعلوم أن البركة في البكور، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، وهو الوقت الذي بعد صلاة الفجر، فكان يخرج قبل أذان الفجر حتى يلتمس الحديث، يقول: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي حتى يصبح الناس. وقال: لو كان عندي خمسون درهماً لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد .

    حرص الثوري على طلب العلم

    قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! إنه لابد لي من معيشة، ورأيت العلم يدرس -أي: ينسى ويهجر- فكنت أفرغ نفسي لطلبه، وسألت ربي الكفاية.

    وعزم على طلب العلم فتكفلت والدته. الإنفاق عليه وقالت: اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي فأخذ يتلقى العلم عن شيوخه المتعددين، وعن كل من يحمل علماً أو خبراً، وكان سفيان الثوري كثير الاهتمام بطلب العلم، وذكر أبو نعيم : أن سفيان الثوري كان إذا لقي شيخاً كبير السن سأله: هل سمعت من العلم شيئاً؟ فإن قال: لا، رد عليه وقال: لا جزاك الله عن الإسلام خيراً.

    ومن مظاهر اهتمامه بالعلم أنه كان يقول: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسئول عن تعليم ولده.

    ولم يكن اهتمام سفيان للعلم مقصوراً على طلبه، بل كان يعمل به، ويحرص على إشاعته بين الناس، والدعوة إليه، روى ابن معين عنه أنه كان يقول: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا.

    قال ثعلب : ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة ولا نحو خمسين سنة!

    حرص ابن أبي حاتم على طلب العلم

    ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس المتوفى سنة سبعة وسبعين ومائتين أن أبا حاتم قال: قال لي أبو زرعة الرازي : ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك، فقلت له: إن ابني عبد الرحمن لحريص، فقال: من أشبه أباه فما ظلم.

    قال الرقام -وهو أحمد بن علي أحد رجال إسناد الخبر-: فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه -كان يغتنم اقترابه من أبيه في البيت، فكان يأكل أبوه ويقرأ عليه-ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه.

    يعني كان يغتنم الفرصة إلى أقصى حد ممكن، فكانت ثمرة تلك المحافظ على الزمن والحرص على طلب العلم نتاجاً علمياً كبيراً، هو كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات، وهو من الكتب النفيسة الحافلة الرائدة في هذا العلم، ومنها أيضاً كتاب التفسير في عدة مجلدات، وكتاب المسند في ألف جزء.

    وقال الذهبي رحمه الله تعالى: قال علي بن أحمد الخوارزمي : قال ابن أبي حاتم : كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة -يعني: ما ذاقوا طبيخاً- نهارنا ندور على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل.

    فذهبت أنا ورفيق لي إلى شيخ فقالوا: هو عليل، فرجعنا فرأينا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت أن تنتن، فأكلناها نيئة، ولم نتفرغ لشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

    يقول الشاعر:

    لولا ثلاث قد شغفت بحبها ما عفت في حوض المنية موردي

    وهي الرواية للحديث وكتبه والفقه فيه وذاك حسب المهتدي

    حرص سليم بن أيوب على طلب العلم

    الإمام سليم بن أيوب الرازي أحد كبار أئمة المذهب الشافعي المتوفى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، كان يحاسب نفسه على الأنفاس أن تضيع دون إفادة أو استفادة، قال أبو الفرج غيث بن علي التنوخي الصوري : وحدثت عنه أنه كان يحاسب نفسه على الأنفاس. أي: يحاسب نفسه على الأنفاس، يعني: اللحظة التي يستهلكها النفس كان يضن بها ويبخل بها ويحاسب نفسه على هذه الأنفاس، قال: ولا يدع وقتاً يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ وينسخ شيئاً كثيراً.

    ولقد حدثني عنه شيخنا أبو الفرج الإسفراييني وهو من تلامذته: أنه نزل يوماً إلى داره ورجع، فقال: قد قرأت جزءاً في طريقي، يعني: فرغ من كتاب أو جزء منه أثناء ذهابه إلى البيت ورجوعه.

    قال: وحدثني المؤمل بن الحسن أنه رأى سليماً حفي عليه القلم -يعني: رق ولم يعد صالحاً للكتابة- فإلى أن قطه جعل يحرك شفتيه. أي: يذكر الله في هذه اللحظات، فحركة اليد حركة ميكانيكية، يمكن أن يجتمع معها النشاط الذهني، فكان يقرأ وقت إصلاح القلم لئلا يمضي عليه وقت بلا فائدة.

    حرص أبي الطاهر السلفي والخليل بن أحمد والباقلاني على طلب العلم

    وصف ابن ناصر الحافظ أبا الطاهر السلفي رحمه الله تعالى في طلب العلم وفي تحصيل العلم بكلمة واحدة فقط فقال في وصفه: كأنه شعلة نار في التحصيل، كأنه شعلة نار في التحصيل.

    وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى يقول: أثقل الساعات علي ساعة آكل فيها، لماذا؟ لأنه يضطر إلى هجر العلم.

    وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تبارك وتعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر، فكان يجلس يكتب الحديث وتأتي أخته تلقمه إلى فمه؛ لأنه ما عنده وقت ليتناول الطعام بيديه.

    فهل كان عندهم وقت مثلنا للمجلس أمام التلفزيون حتى لو كان ما يشاهد مباحاً بغض النظر عن الفساد الذي فيه والتبرج والموسيقى وغير ذلك.

    حرص عبيد بن يعيش وداود الطائي على طلب العلم

    يقول عبيد بن يعيش : أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث، وكان داود الطائي يستف الفتيت، وهو بقايا الخبز وفتاته، فما كان يأكل لقمة الخبز الكبيرة، وإنما كان يستف الفتيت، يضعه في يده ويتناوله بلسانه، يقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. يقارن بين الوقت الذي يستغرقه إذا تناول الفتيت، والوقت الذي يأخذه إذا أكل خبزاً ويقطعه ويمضغه جيداً، فوجد أن بينهما قدر قراءة خمسين آية، فيقول: أنا أكسب الخمسين آية وأوفر هذا الوقت، فكان يستف الفتيت.

    حرص ابن عقيل على طلب العلم

    قال الإمام الجليل ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي. ابن عقيل له كتاب مشهور جداً اسمه الفنون، بعضهم يقول: هو في سبعمائة مجلد.

    يقول: وأنا أقصر بغاية جهدي وقت أكلي حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ. يعني إذا استف الكعك فإن وقت بلعه سريع، بينما الخبز إذا مضغه فإنه يأخذ وقتاً أطول، فيتحسى الكعك، ويشرب الماء بعده مباشرة؛ توفراً على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها.

    حرص شعبة والشعبي على طلب العلم

    ذكروا لـشعبة حديثاً روي عن شيخ، وهذا الشيخ توفي فلم يسمعه منه مباشرة، فلما ذكر له هذا الحديث وهو لم يسمعه من هذا الشيخ جعل شعبة رحمه الله تعالى يتحسر ويقول: واحزناه، واحزناه، واحزناه.

    يقول شعبة : إني لأذكر الحديث يفوتي فأمرض، يحاول أن يستذكر الحديث فإذا ما تذكره يصيبه المرض من شدة الحزن على ذلك.

    قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.

    وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يعدون في الطرقات كأنهم مجانين؛ حتى يوفر الوقت، يقول شعبة رحمه الله تعالى: ما رأيت أحداً قط يعدو إلا قلت: مجنون أو صاحب حديث. إما مجنون لا يبالي بأن يعدو في الطريق، أو صاحب حديث تأكله الغيرة على الوقت، فيجري بسرعة حتى يوفر الوقت.

    يقول الحافظ أبو إسماعيل الهروي الأنصاري رحمه الله تعالى: المحدث يجب أن يكون سريع المشي، سريع الكتابة، سريع القراءة.

    وبعض العلماء قال: يمكن أن يزاد سريع الأكل، قال سحنون : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.

    وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى:

    حدثنا شيخنا الكناني عن أبه صاحب الخطابة

    أسرع أخا العلم في ثلاث الأكل والمشي والكتابة

    حرص محمود شكري الألوسي على طلب العلم

    العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الألوسي البغدادي الحكيم رحمه الله تعالى عالم كبير من علماء المنهج السلفي الذين نافحوا عنه أشد المنافحة، وانتصر له أعظم انتصار في كتاب مشهور اسمه: غاية الأماني في الرد على النبهاني .

    كان يمتاز بالجد الشديد، والحرص على الوقت، فكان لا يؤخره عن دروسه حمارة القر، ولا قرس برد الشتاء، وكثيراً ما تعرض تلاميذه بسبب تأخرهم عن موعد الدرس إلى النقد والتعنيف، يقول عنه تلميذه العلامة الجليل السلفي الشيخ بهجت الأثري رحمه الله تعالى: أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظناً مني أن الشيخ لن يحضر إلى الدرس، فلما حضرت في اليوم الثاني إلى الدرس صار ينشد بلهجة غضبان يعاتبه: ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد. يعاتبه بذلك.

    حرص الأمين الشنقيطي على طلب العلم

    العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى من نوادر النابغين والعباقرة في هذا الزمان، قال عنه بعض الأخوة: هذا الرجل قذيفة قذفت من القرون الأولى واستقرت في القرن الرابع عشر الهجري رحمه الله تعالى. فقد كان يشبه علماء السلف في أحواله، وفي علمه، وفي ملكته.

    ذكر العلامة القرآني رحمه الله تعالى عن نفسه أنه قدم على بعض المشايخ ليدرس عليه، وقد كان الشيخ الشنقيطي صبياً صغيراً، كان صبياً صغيراً، ونظام طلب العلم في شنقيط وهي موريتانيا أن الشيخ ينزل في مكان في الصحراء، ويتخذ خيمة هناك، ثم يأتي الطلبة إليه، ويضربون الخيام حول خيمته، ويتفرغون تماماً للعلم الذي سيتلقونه من هذا الشيخ، فإذا فرغوا منه انتقلوا إلى غيره في الصحراء.

    فذهب وهو طفل صغير إلى الشيخ ليدرس عليه كتاب لامية الأفعال، وأولها: الحمد لله لا أبغي به بدلاً.

    فلما قدم الشنقيطي وهو طفل صغير على الشيخ ونزل عليه لم يكن الشيخ يعرفه من قبل، فأمام ملأ من التلامذة سألة: من أنت؟ فقال مرتجلاً:

    هذا فتى من بني جاكان قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا

    رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علو نوره اشتعلا

    فجاء يرجو ركاماً من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا

    إذ ضاق ذرعاً بجهل النحو ثم أبى ألا يميز شكل العين من فعلا

    وقد أتى اليوم صباً مولعاً كلفًا للحمد لله لا أبغي به بدلا

    فارتجل هذه الأبيات بمجرد أن سأله الشيخ من أنت؟!

    مضى رحمه الله تعالى في طلب العلم قدماً، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقران، أي: أن يقرن بين فنين؛ لأنهم كانوا يهتمون جداً بتخصص الطالب وتركيزه على علم واحد حتى يتقنه ثم يتحول إلى علم آخر، لكن الشنقيطي بالذات نصحه بعض مشايخه لما رأى فيه النجابة والذكاء والعبقرية أن يقرن بين علمين؛ لأن طاقته وقدرته تؤهله لذلك؛ كي يسرع في تحصيل العلم، فقد تفرس فيه القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في الدرس والتحصيل رحمه الله تعالى.

    حتى أن بعض مشايخه لما رأى عليه أمارة النجابة والعبقرية قال له: يا بني! إن العلماء يذهبون إلى أن من أنس من نفسه أمارات الذكاء والنباهة والنبوغ فإنه يتعين عليه طلب الإمامة في الدين. يعني: يجب عليه أن يجتهد في طلب العلم حتى يصير إماماً.

    قال رحمه الله تعالى في كتابه رحلة الحج: ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت في زمن الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج؛ لأنه ربما عاق عنه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم قال لي بعض الأصدقاء: إما أن تتزوج الآن من تصلح لك، وإلا تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال ولن تجد من تصلح لمثلك، يريد أن يثنيني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات:

    دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجت بيض الملاح

    فقالوا لي تزوج ذات دل خلوب اللخط جائلة الوشاح

    ضحوكاً عن مبصرة رقاق تمج الراح بالماء القراح

    كأن لحاظها رشقات نبل تذيق القلب آلام الجراح

    ولا عجب إذا كانت لحاظ بيضاء المحاجر كالرماح

    فكم قتلت كمياً ذابلات ضعيفات الجفون بلا سلاح

    فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراح اليوم صاح

    ولي شغل بأبكار عذارى كأن وجوهها غرر الصباح

    يقصد الكتب والمسائل العلمية.

    أراها في المهارق لابسات براقع من معاينها الصحاح

    أبيت مفكراً فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح

    أبحت حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح

    هذه إشارة عابرة عن مظاهر علو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في طلب العلم، وشدة حرصهم على طلب العلم.

    حرص المجد ابن تيمية على طلب العلم

    عن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمعك.

    حتى هذا الوقت داخل الخلاء حتى لا يكون وقتاً ضائعاً يجعل ابنه يقف في الخارج ويقرأ في الكتاب ويرفع صوته حتى يستفيد؛ لأنه لا يستطيع النظر في الكتاب في الخلاء.

    1.   

    علو همة السلف في قراءة كتب الحديث في أيام قليلة

    من علو همة السلف: قراءة كتب الحديث في أيام قليلة. جاء في ترجمة المجد الفيروز أبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد: قرأت بحمد الله جامع مسلم بجوف دمشق الشام جوف الإسلام عن ناصر الدين الإمام ابن جهبل بحضرة حفاظ مشاهير أعلام وتم بتوفيق الإله وفضله قراءة ضبط في ثلاثة أيام وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يعرض بنسخته. وفي تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد النيسابوري الضرير ما نصه: وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر. قال الذهبي : وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه. وقال الحافظ السخاوي : وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المجد اللغوي؛ فإنه قرأ صحيح البخاري في أربعين ساعة رملية. وقرأ ابن حجر صحيح مسلم في أربعة مجالس في يومين، وقرأ سنن ابن ماجة في أربعة مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات. ثم قال السخاوي : وأسرع شيء وقع له -أي: لـابن حجر - أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهو يحتوي على ألف وخمسمائة حديث.

    1.   

    علو همة السلف في الرحلة في طلب العلم

    ومن مظاهر علو همة السلف في طلب العلم علو همتهم في الرحلة لطلب العلم. فقد ذكر لإمام البخاري رحمه الله تعالى أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن عامر في مصر ليروي عنه حديثاً، وذلك ليتلقاه منه مباشرة بسند عالٍ، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعاً. ونحن في هذا الزمان نرى الذي يسافر للحج عن طريق البر يقول: لقد صبرت وعانيت! فتخيل أن أبا أيوب يسافر بجمل حتى يأتي عقبة بن عامر ويأخذ منه الحديث، ولا يحل الرحل والأشياء التي تكون على الراحلة، وإنما يسمع الحديث ثم يرجع إلى المدينة. وقال مالك : عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. وقال أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري : كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في البصرة، فما نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم. وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى: رحل -أي البخاري - إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ، قال الفربري : سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفاً، لم يبق منهم أحد غيري. وروي عن الرازي ما يدهش اللب من علو الهمة في الرحلة لتحصيل العلم، إذ قال: أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ -والفرسخ ثلاثة أميال-، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة في فلسطين ماشياً، ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة. يقول الشاعر: سأضرب في طول البلاد وعرضها أنال مرادي أو أموت غريبا فإن تلفت نفسي فلله درها وإن سلمت كان الرجوع قريبا ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب والأندلس إلا برجال رحلوا إلى الشرق، ولاقوا في رحلاتهم عناءً ونصباً، مثل أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجي ، وأبي بكر بن العربي رحمهم الله تعالى أجمعين.

    1.   

    علو همة السلف في صبرهم على الفقر في سبيل طلب العلم

    من مظاهر علو همة السلف في طلب العلم صبرهم على الفقر ومعاناة الفقر في سبيل طلب العلم، وقد زخرت كتب الأدب والتراجم والتاريخ والأخلاق بأقوال العلماء في فقرهم وغربتهم وصبرهم على شدائدهم الخانقة، واستهانتهم بها، وعدم اكتراثهم لها، تمسكاً منهم بمثوبة الصبر المحتسب فيه الأجر، والذي كانوا فيه من الفائزين. فهذا قائل منهم يقول سائلاً عن مسكن الفقر ومنزله: قلت للفقر أين أنت مقيم قال لي في عمائم الفقهاء إن بيني وبينهم لإخاء وعزيز علي ترك الإخاء وآخر يجعل الفقه هو الفقر بعينه، إنما استدارت راء الفقر فصارت هاءً، وصار الناس ينطقونها (الفقه)، وأصلها (الفقر)، فيقول مشيراً إلى التلازم بين الفقه والفقر: إن الفقيه هو الفقير وإنما راء الفقير تجمعت أطرافها وهذا الإمام الشافعي رحمه الله يستهين بسطوة الفاقة، ويكسر جبروتها بصبره الذي غلبها، فيقول فيما نسب إليه رحمه الله تعالى يخاطب جبال سرنديب -وسرنديب جزيرة كبيرة في أقصى الهند في المشرق- ويخاطب تكرور -وهي مدينة في أقصى المغرب-: أمطري لؤلؤاً جبال سرنديب وفيضي آبار تكرور تبراً أنا إن عشت لست أعدم قوتاً ولئن مت لست أعدم قبراً همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا والتبر هو الذهب. وقال عمر بن حفص الأشقر : فقدنا البخاري أياماً من كتابة الحديث في البصرة، فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيء، فجمعنا له دراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث رحمه الله تعالى. وقال مالك رحمه الله : لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر. وقال ابن القاسم : أفضى بـمالك طلب الحديث إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه. باع الإمام مالك كل شيء في سبيل طلب الحديث الشريف. ويحيى بن معين رحمه الله تعالى خلف له أبوه ألف ألف درهم -أي: مليون درهم-، فأنفقها كلها في تحصيل الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسه. وروي عن أبي حاتم أنه قال: ضاقت بنا الحال أيام طلب العلم، فعجزت عن شراء البزر -والبزر نوع من الحب-، فكنت أخرج الليل إلى الدرب الذي أنزله فأرتفق بسراج الحارس، وكان ربما ينام الحارس فكنت أنوب عنه. لأنه ليس عنده ما يشتري به زيتاً يستضيء به، فكان يذهب في الليل ليكتب على مشاعل الحارس.

    1.   

    علو همة السلف في معاناتهم الجوع والشدائد في طلب العلم

    ومن علو همة السلف معاناتهم الجوع والمرض والشدائد والمخاطرة بالنفس في طلب العلم. قص الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى شيئاً مما لقيه في أثناء رحلته في طلب العلم فقال رحمه الله: لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار، وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروروذي شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر، فجعلنا نمشي أياماً على البر حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يوماً وليلة لم يأكل أحد منا شيئاً، ولا شربنا، واليوم الثاني كذلك، واليوم الثالث كذلك، كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشياً عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت وسقطت مغشياً علي، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل يمشي حتى أبصر من بعيد قوماً قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى عليه السلام، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم، فجاءوه ومعهم الماء في إداوة، فسقوه وأخذوا بيده، فقال لهم: رفيقين لي قد ألقيا بنفسيهما مغشياً عليهما، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني. فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً. وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى. قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئاً بعد شيء. وكان من عادة العرب أن الإنسان عندما يكون في حالة عطش شديد، أو كان في مجاعة ومكث مدة كبيرة جداً حتى كاد يموت من العطش أنهم يأتون بالماء ويضيفون إليه التبن، حتى لا يتمكن من شرب الماء بشكل متواصل؛ لأنه يحتاج إلى إزالة التبن من الماء أثناء شربه، وهذا الأمر كان يفعل منذ القدم. يقول: فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئاً بعد شيء، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا، فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتاباً إلى مدينة يقال لها: (راية) إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعاً عطاشاً على شط البحر، حتى وقعنا على سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا بعض الأصداف الملقاة على شط البحر فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه حتى سكن عنا الجوع والعطش. ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع، وكان يتكلم الفارسية، فكان كل يوم يقول للخادم: هات لهم اليقطين المبارك -أي: كان عنده شيء من البخل، فما كان يعطيهم إلا اليقطين الذي هو القرع-، قال: فقدم إلينا ذلك اليقطين مع الخبز أياماً، فقال واحد منا بالفارسية: ألا تدعو باللحم المشئوم؟! فسمع صاحب الدار، فسأله فقال: أنا أحسن الفارسية؛ فإن جدتي كانت هروية. فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك وزودنا إلى أن بلغنا مصر. وكل هذه الرحلة كانت في سبيل طلب العلم. وقال بكر بن حمدان المروزي : سمعت ابن خراش يقول: شربت بولي في طلب هذا الشأن -يعني طلب الحديث- خمس مرات. يعني: وصل به الحال من المجاعة إلى أنه كان ينقذ حياته بأن يشرب بول نفسه خمس مرات في طلب الحديث، وذلك أنه كان يمشي في الفلوات والقفار لتحصيل الحديث وتلقيه عن أهله، فيناله العطش الشديد في طريقه. يقول الشاعر: تلوم علي أن رحت للعلم طالبا أحصّل من عند الرواة فنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه وقال الوخشي أبو علي الحسن : كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت علي النفقة، وبقيت أياماً بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى علي. فانظر إلى شدة الجوع الذي كانوا يلاقونه في سبيل طلب العلم، يرحلون ويبيعون كل ما لديهم في سبيل طلب العلم؛ لأنهم أحصروا في طلب الحديث، ولم يتفرغوا لطلب الرزق. ويقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى : لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجوا كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه والتابعين. يقول البارودي : ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب

    1.   

    علو همة السلف في معاناتهم السهر في طلب العلم

    من ملامح علو همة السلف في طلب العلم معاناتهم السهر في طلب العلم. قيل لبعض السلف: بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقيل ذلك لآخر فقال: بالسفر، والسهر، والبكور في السحر. قال الخطيب البغدادي : وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل. وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدءون من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح. وبادر الليل بما تشتهي فإنما الليل نهار الأريب وكان الشيخ أبو علي يكشف عن ظهره في الليلة الباردة يطرد به النوم. وكان محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لا ينام الليل، كان عنده الماء يزيل نومه به، وكان يقول: إن النوم من الحرارة، فلابد من دفعه بالماء البارد. وذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة من دراسة، وخمس عشرة سنة من عبادة. يقول الشاعر: يهوى الدياجي إذا المغرور أغفلها كأن شهب الدياجي أعين نجل أي: أعين واسعة. وحكى الربيع عن فاطمة بنت الشافعي قالت: أسرجت لأبي في ليلة سبعين مرة. وأبوها هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ففي ليلة من الليالي أيقظ ابنته ليكتب شيئاً ثم نام ثم استيقظ ثانية، وهذا نوع من الأرق المحمود، فلا يستطيع النوم لشدة شغفه بالعلم. قال الحافظ ابن كثير : كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج فيكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة. وأسد بن الفرات هو قاضي القيروان، وتلميذ الإمام مالك ، ومدون مذهبه، وهو أحد القادة الفاتحين، فتح صقلية واستشهد بها سنة (213) من الهجرة رحمه الله، كان قد خرج من القيروان إلى الشرق سنة (172) من الهجرة، فسمع الموطأ على مالك بالمدينة، ثم رحل إلى العراق فسمع من أصحاب أبي حنيفة وتفقه عليهم، وكان أكثر اختلافه إلى محمد بن الحسن الشيباني ، ولما حضر عنده قال له: إني غريب قليل النفقة، فما حيلتي؟! فقال له محمد بن الحسن : اسمع من العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، تبيت عندي وأسمعك. قال أسد : فكنت أبيت عنده وينزل إلي، ويجعل بين يديه قدحاً فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعست ملأ يده ونفح وجهي بالماء فأنتبه، فكان ذلك دأبه ودأبي، حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه. وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة كلما علم أن نفقته نفذت، وأعطاه مرة ثمانين ديناراً حين رآه يشرب من ماء السبيل، وأمده بالنفقة حين أراد الانصراف من العراق. وقال عبد الرحمن بن قاسم العتقي المصري أحد أصحاب مالك والليث وغيرهما: كنت آتي مالكاً غلساً -يعني: في آخر الليل- فأسأله عن مسألتين أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فركضتني جارية سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك قد خرج، ليس يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة. فظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه. قال ابن القاسم : أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً. قال: فبينما أنا عنده إذ أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك فقال: أفيكم ابن القاسم ؟! فأشير إلي، فأقبل يقبل عيني، ووجدت منه ريحاً طيبة، فإذا هي رائحة الولد وإذا هو ابني. وكان ابن القاسم ترك أمه حاملاً به، وكانت ابنة عمه، وقد أخبرها عند سفره بطول إقامته وخيرها، فاختارت البقاء. قال أبو يعلى الموصلي : اصبر على مضض الإدلاج بالسحر وبالرواح على الحاجات والبكر لا تعجزن ولا يضجرك مطلبها فالنجح يتلف العجز والضجر أي أن النجاح يتبخر ويضيع بين العجز والضجر. إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر فقل من جد في أمر يطالبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وحكى شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى عن شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي قال: سمعت الشيخ عبد العظيم رحمه الله يقول: كتبت بيدي تسعين مجلداً، وكتبت سبعمائة جزء. كل ذلك من علوم الحديث. قال النووي : قال شيخنا: ولم أر ولم أسمع أحداً أكثر اجتهاداً منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار. قال: وجاورته في المدرسة -يعني: في القاهرة- بيتي فوق بيته اثنتي عشرة سنة، فلم أستيقظ في ليلة من الليالي في ساعة من ساعات الليل إلا وجدت ضوء السراج في بيته وهو مشتغل بالعلم. حتى في حال الأكل تكون الكتب عنده يشتغل فيها، فالنور الذي يعلو أهل العلم إنما هو من أثر الجد والسهر في طلب العلم، يقول بعض العلماء في وصف أبي محمد المقدسي : كأن النور يخرج من وجهه، وضعف بصره من كثرة الكتابة والبكاء. وقال الزمخشري واصفاً تلذذ العلماء بإيقاظ ليلهمن وطول سهرهم: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طرباً لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساق وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي والدوكاء: الحجر الذي يسحق به الطيب. قال النووي رحمه الله تعالى وهو يحكي عن أوائل طلبه للعلم: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض. بقي سنتين لم يضع جنبه على الإطلاق على الأرض، وإنما كان ينام وهو جالس، ثم لا يلبث أن يستيقظ للاستمرار في طلب العلم. وحكى البدر بن جماعة أنه سأله رحمه الله تعالى عن نومه فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه. وقال البدر : وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكاناً أجلس فيه. فما كان الزائر يجد مكاناً يجلس فيه من كثرة الكتب التي يطالعها. وهذا الإمام الشيخ مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى أخذ كتاب الإمام أحمد مرتباً عن المحب الصامت، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلى الموصلي وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء مصنفاً ليس له نظير في العالم، وأكمله إلا من بعض مسند أبي هريرة فإنه مات قبل أن يكمله؛ لأنه عوجل بكف بصره، أي أن الإمام ابن كثير قل بصره من كثرة سهره في طلب العلم. يقول الذهبي عن ابن كثير: إنه قال له: ما زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص -يعني: يخفت الضوء ثم يعود مرة ثانية- حتى ذهب بصري معه، ولعل الله يقيض من يكمله. وممن اشتهر بالسهر في طلب العلم الإمام الجليل تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وقد رحل إلى الفسطاط والقاهرة والإسكندرية ودمشق والحجاز، وأخذ العلم عن كبار أساتذة عصره، وتعمق في مذهبي مالك والشافعي ، كما تعمق في علوم الحديث والتفسير وعلم الكلام والنحو والأدب، وأتقن وهو شاب المذهبين إتقاناً عظيماً، وبلغ إلى درجة الإفتاء بهما. يقول الإسنوي: حقق المذهبين معاً، يعني مذهب مالك والشافعي ، ولذلك مدحه الشيخ ركن الدين بن القوبع المالكي بقصيدة من جملتها: صبا للعلم صباً في صباه يعني: مال وأحب وعشق العلم في فترة الصبا. يقول: صبا للعلم صباً في صباه فأعل بهمة الصب الصبي وأتقن والشباب له لباس أدلة مالك والشافعي كان رحمه الله تعالى منقطعاً للعلم والعبادة، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، وكانت أوقاته معمورة بالدرس والمطالعة والتحصيل أو الإملاء والتأليف ورواية الحديث، وإذا أراح نفسه من بعض ذلك العناء فلا يرى إلا قائماً يصلي في المحراب، أو جالساً يتلو كلام الله، أو ماشياً يتفكر في خلق الله متدبراً صنعه، مستدلاً بذلك على قدرة الله ووحدانيته، فهو منصرف بجسمه وفكره سواد ليله وبياض نهاره إلى البحث والتحقيق والاستنباط والتدقيق، أو الصلاة والقيام وتقديس الله الملك العلام. وأصدق مرآة لحياته قوله: الجسم يذيبه حقوق الخدمة والقلب عذابه علو الهمة والعمر بذاك ينقضي في تعب والراحة ماتت فعليها الرحمة يقول السبكي في حاله: أما دأبه في الليل علماً وعبادة فأمر عجاب، فربما استوعب الليل فطالع فيه المجلد أو المجلدين، وربما تلا آية واحدة فكررها إلى مطلع الفجر. وقال الأدفوي : حكى لي الشيخ زين الدين عمر الدمشقي المعروف بـابن الكتابي رحمه الله تعالى قال: دخلت عليه بكرة يوم فناولني مجلداً وقال: هذا طالعته في هذه الليلة التي مضت. وقال الأدفوي أيضاً: له قدرة على المطالعة، رأيت خزانة المدرسة النجيبية بقوص فيها كتب من جملتها عيون الأدلة لـابن القصار في نحو ثلاثين مجلداً، وعليها علامات له. وكذلك رأيت كتب المدرسة السابقية، رأيت على السنن الكبرى للبيهقي له فيها في كل مجلد علامة، وفي تاريخ الخطيب كذلك، وفي معجم الطبراني الكبير والأوسط. وقال: أخبرني شيخ

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987416359

    عدد مرات الحفظ

    716498515