إسلام ويب

الإيمان والكفر [26]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يختلف أهل السنة في بعض الأدلة على العذر بالجهل، ودلالتها على المقصود، لكنهم متفقون على أصل الدعوى، وقد استفاضت نصوصها لديهم وكثرت بينهم، وتحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال.

    1.   

    مسائل في التوحيد اختلف في العذر فيها بالجهل

    روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: (لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أتعجبون من غيرة سعد ؟! فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة). يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم هنا في هذا الحديث: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) فالعذر هنا بمعنى الإنذار، أي أن الله ينذر الناس ويعذر إليهم قبل أن يؤاخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما قال سبحانه وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. وسنضيف هنا إلى ما سبق بعض المسائل التي يعذر فيها بالجهل والتي لا يعذر فيها بالجهل، ونذكر بعض المسائل التي قد تكون محل خلاف بين العلماء فيما يتعلق بهذه القضية، والنزاع فيها إنما هو مبني على تفسير وفهم بعض النصوص والأحاديث، وأشهرها حديث ذلك الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه.

    حديث الرجل الذي أمر بنيه أن يحرقوه ويذروه

    من هذه المسائل: قضية العذر بالجهل بعموم قدرة الله عز وجل، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، لو أن هذا الرجل جهل قدرة الله عز وجل العامة، وأنكر معاد الأبدان إذا فرقها كما أوصى ذلك الرجل، وأساس اختلاف العلماء في هذه القضية هو مبني على تفاوت فهمهم وتفسيرهم لخطة ذلك الرجل ونص الحديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن رجلاً حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً، وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يوم ريح فذروه في اليم، ففعلوا، فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له)، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره.

    وقال عقبة بن عمرو : وأنا سمعته يقول ذاك: (وكان نباشاً).

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه، يعني: هذا الرجل قد أسرف على نفسه في المعاصي كما جاء في بعض الروايات الأخرى؛ أنه أسرف على نفسه في خوض بعض المعاصي حتى إذا حضره الموت خاف من لقاء ربه عز وجل، وغلبت عليه خشيته من عذاب الله، وكان يظن أنه إذا فعل ذلك فإن الله لن يقدر على جمعه، فلذلك أوصاهم هذه الوصية كما يفعل الهنود من الإحراق بعد الموت، أوصاهم أن يحرقوه حتى يمتحش تماماً، وتخلص النار إلى عظمه، ثم يأخذوا ما تبقى من رماده وينتظروا يوماً ذا ريح، وفي بعض الروايات أنه قال: (ألقوا جزءاً منها في البر، وجزءاً في البحر، وجزءاً في الجو -في الهواء- فجمعه الله تبارك وتعالى وسأله لما مثل بين يديه: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله تبارك وتعالى له).

    فالشاهد: أن هذا الرجل قد غفر الله له، فدل على أن هذا الرجل لم يمت مشركاً؛ لأن الله عز وجل قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].

    وهذا الاعتقاد الذي اعتقده ينبئ عن أنه كان يجهل أن الله على كل شيء قدير، وكان يجهل قدرة الله عليه، لذا أوصى بأن يفعل به ما فعل، وأن الله إذا هو فُرق جزء منه في البحر وجزء في البر وجزء في الهواء أن الله لا يقدر على جمعه، فهذا كفر والشك في قدرة الله تبارك وتعالى كفر وكفر أكبر، لكنه كان يجهل ذلك على تفسير فريق من العلماء الذين استدلوا بهذا الحديث على الإعذار بالجهل، بعضهم عمم فقال: يعذر بالجهل عموماً في العقيدة، وبعضهم خص بالإعذار بالجهل في الصفات.

    فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهل بذلك، ضال في هذا الظن، مخطئ؛ فغفر الله له ذلك.

    يقول شيخ الإسلام : والحديث صريح في أن الرجل طمع ألا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى ذلك أن يكون شاكاً في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره وهو بين في عدم إيمانه بالله تعالى.

    لأن بعض الذين يريدون إبطال دلالة هذا الحديث يقولون: قوله: (فوالله لئن قدر الله علي)، هي مثل قوله تبارك وتعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد:26]، يعني: لئن ضيق الله علي. أو هي كمثل قوله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، يعني: لن نضيق عليه.. لن نبتليه، ولن نمتحنه فهذا في الحقيقة يفسد معنى الحديث؛ لأن معناه يصير: فوالله لئن ضيق الله علي ليضيقن علي.

    يقول شيخ الإسلام : من تأول قوله: (لئن قدر الله علي) بمعنى: قضى، أو بمعنى: ضيق، فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه؛ لئلا يجمع ويعاد. السبب في هذا كله: أنه ظن أنه بذلك -والعياذ بالله- سوف يعجز الله أن يجمعه ويعيده ويحاسبه، وقال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر)، هذه الفاء جاءت مترتبة على ما قبلها (فوالله لئن)، يعني: أنا آمركم بذلك حتى لا يجمعني الله، (فوالله لئن قدر الله علي وعلى جمعي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحد)، فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقب الأولى، وهذا يدل على أنه سبب لها، هذه فاء السببية، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، فلو كان مقراً بقدرة الله عليه إذا لم يفعل ذلك لم يكن في ذلك فائدة له.

    وكلام الحافظ ابن حزم في هذه المسألة هو شجى في حلوق الذين ينحون منحى عدم الإعذار بالجهل في هذه القضايا.

    يقول ابن حزم : فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى: (لئن قدر علي) إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:16]، وهذا تأويل باطل؛ لأنه سيكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي، وأيضاً لو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى، فهذا من الأحاديث المشهورة في هذا الباب.

    من أهل العلم من استشكل المغفرة لهذا الرجل مع إنكاره للبعث والقدرة، حتى قال بعض العلماء: إنما قال ذلك الرجل هذا في حال الدهشة، وغلبة الخوف عليه حتى ذهب هذا الخوف بعقله لما يقول.

    يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأظهر الأقوال: أنه قال ذلك في حال دهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يكن قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما صدر منه.

    وقال الخطابي رداً على من تأول هذا الحديث على غير وجهه، قال: فإن قلت: كيف يغفر له وهو منكر بالقدرة على الإحياء؟ قلت: ليس بمنكر، إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال: (من خشيتك)، علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل من خشية الله ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضاً: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك.

    هذا من أشهر الأدلة التي استدل بها من عذر بالجهل في قضية في قضايا الأصول أو قضايا الإيمان، وبعضهم كما ذكرنا خصها بقضايا العقيدة.

    حديث عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله)

    من نفس هذا الباب الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه -يعني: رجع إلى البيت فوضع رداءه وخلع نعليه- فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وفتح الباب رويداً، فخرج ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري -شكت أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما اطمأن إلى أنها قد نامت إنما خرج يريد أن يذهب إلى أخرى من أمهات المؤمنين- ثم انطلقت على أثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام؛ ثم رفع يديه ثلاثاً، ثم انحرف وانحرفت -لما أحست أنه على وشك الرجوع من حيث جاء فلما انحرف انحرفت هي أيضاً وغيرت اتجاهها- وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت -يعني تردد النفس بسرعة في الصدر- فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت -فأرادت أن تهرب منه حتى لا يشعر بذلك، فاضطجعت على الفراش بسرعة، ونتيجة للإسراع في الجري كانت تتنفس بمعدل سريع- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ووجدها على الفراش وصدرها يعلو ويهبط في التنفس قال: ما لك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: لا شيء. قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته -حكت له ما حصل- قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله -أظننت أن الرسول عليه الصلاة والسلام يضيع حقك- قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: نعم)، رواه مسلم والنسائي والإمام أحمد وغيره.

    في هذا الحديث موضع الشاهد عندما نحتج به أيضاً في المسألة التي نحن بصددها، والسؤال الذي في آخر الحديث. (قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ هل كل ما يكتمه الناس في قلوبهم يعلمه الله؟ قال: نعم. ) فبعض العلماء فهموا: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن تعلم هذه الحقيقة، وكانت تجهل هذه الصفة من صفات الله تبارك وتعالى، وهي أن الإنسان مهما كتم في صدره فإن الله يعلم ذلك، فهذا موضع الشاهد، ولكن في النفس شيء من هذا الاستدلال؛ لأنه يصعب جداً أن نتصور أن أم المؤمنين رضي الله عنها وهي التي تربت في بيت أبي بكر ، ثم كانت في بيت النبوة هذه الفترة من الزمان، ثم تجهل مثل هذه الحقيقة التي ينطق بها القرآن صباح مساء في جميع المحافل فيبعد هذا الأمر في الحقيقة ولا يكون هذا السؤال على حقيقته، ويؤول عن ظاهره، لكن نظراً لأن الذين قالوا بهذا هم من كبار أئمة الإسلام وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهو الذي استدل بهذا الحديث على هذه المسألة فيكفينا صحة الدعوى وإن لم تستقم له الدلالة.

    يعني: المسألة نفسها وهي الإعذار بالجهل في هذه الأمور وإن كانت من أمور العقيدة ثابتة، وإن لم يصح هذا الاستدلال فهناك أدلة أخرى، كالحديث الذي ذكرناه آنفاً وما سيأتي إن شاء الله، لكن قد يحصل نزاع في الاستدلال نفسه لا في صحة الدعوى، ومن هنا نتلو عليكم كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، يقول: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء. فهذا فيما يتعلق بهذا الدليل والكلام فيه.

    حديث أبي واقد: (اجعل لنا ذات أنواط)

    من هذه الأدلة المشهورة: حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم -يعلقون الأسلحة للتبرك- يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم).

    فقال بعض العلماء: إن هذا الحديث إنما هو في مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا قد تلقوا قدراً كبيراً من التربية النبوية، ولم يتعلموا كل أمور التوحيد؛ فحينئذ طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شجرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، ويتبركون بها كما يفعل المشركون سواء بسواء، فما كفرهم النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، ولم يقم عليهم حد الردة، وإنما علمهم ما جهلوه، وأخبرهم أن ما سألوه هو مما يخدش عقيدتهم، وهو مثلما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام؛ فكفر مقالتهم ولم يكفر أعيانهم.

    حديث حذيفة: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)

    من هذه الأدلة: حديث ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها)، قال صلة بن زفر لـحذيفة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.

    فقوله عليه الصلاة والسلام هنا: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)، يعني: تنمحي معالمه وتضيع، (كما يدرس وشي الثوب)، يعني: حينما يصبح الثوب خلقاً تضيع الألوان والرسوم التي فيه، كذلك الإسلام بمرور الوقت يحصل زمن غربة وجهل عظيم بالدين، حتى يصل هذا الأمر إلى أن الناس لا يدرون ما هو الصيام؟ ما هي الصلاة؟ ما الصدقة؟ ما النسك؟ ثم قال: (وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية)، وهذا مما تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم: أن القرآن سوف يرفع من الأرض والصدور ولا يبقى منه آية في الأرض، (وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز)، الشيء الوحيد الذي يبقى لهم هو أنهم يقولون: لا إله إلا الله (يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها)، فقال صلة بن زفر مثلما يقول هؤلاء الذين لا يعذرون بالجهل في مثل هذا: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، فأعرض عنه حذيفة وهو يكررها عليه ثلاثاً، ثم رد حذيفة أيضاً بثلاث مرات فقال: يا صلة ! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.

    فهذا أيضاً دليل على الإعذار بالجهل حينما يرفع العلم، ويفشو الجهل، ولا يبقى للناس شيء يعلمونه من الإسلام غير كلمة التوحيد، فهم يجهلون الصيام والصلاة والصدقة فضلاً عن بقية أركان الدين، ولهذا استدل به من لا يكفر تارك الصلاة، بقوله: تنجيهم من النار.

    بالنسبة للحديث الماضي وحديث حذيفة هذا يبين القدر الأدنى من النجاة، ومعنى ذلك: أن هؤلاء القوم مع ما هم فيه ليسوا من المشركين؛ فلأنها تنجيهم من النار كما بين حذيفة رضي الله تبارك وتعالى عنه، فبعض الناس دفع هذا الاستدلال، وقالوا: كيف نقول: إن هؤلاء الناس إنما كانوا معذورين؛ لأن القرآن رفع وما بقي منه شيء، نقول: نعم، لكن موضع الاستدلال ما زال قائماً، وهو أدنى ما ينجي الناس من النار ويدخلهم الجنة وجوده والإقرار بهذه الكلمة، فمن أجل ذلك تنجيهم من النار.

    سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الشام

    وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما هذا يا معاذ؟! قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)، وقوله: (وهي على قتب) يعني: على ظهر الجمل. فبعض العلماء قالوا: إنه كان يفهم هذا الحديث على ظاهره، أي أن معناه أنه لو كانت المرأة على قتب لا تمتنع من زوجها، لكن جاء التفسير بما هو أشد من ذلك، وهو أن العرب إذا كانت المرأة فيهم على وشك الوضع وتعسرت ولادتها كانوا يرون أن جلوسها على الجمل يسهل الولادة، فجاء التفسير بما هو أشد، فيا ويل النساء النواشز اللائي يستهن بطاعة الزوج وأداء حقه، فقوله: (لو سألها نفسها وهي على قتب) معناه: وهي في حالة الوضع. يقول الشوكاني رحمه الله تعالى في فوائد هذا الحديث: وفيه أن من سجد جاهلاً لغير الله لا يكفر. وقد يورد على هذا الاستدلال أن السجود على أنواع، وربما وجدت أدلة في القرآن تبين ذلك، كما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام، وهناك سجود التحية والإكرام، وربما استدل لذلك بقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100] فهو سجود الانحناء أو التحية، وليس سجود العبادة.

    قول الجارية (وفينا نبي يعلم ما في غد)

    أيضاً مما استدل به على ما نحن بصدده: حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آباء يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين)، رواه البخاري .

    كأن النبي عليه الصلاة والسلام هنا أمرهن بأن يعدلن عما يقلن من نسبة علم الغيب لغير الله عز وجل إلى أمرهن بأن يرجعن إلى ما كن يقلن مما ليس فيه هذا، فهذا نوع من التعليم وإبطال هذا الاعتقاد الفاسد، وأجاب الفريق الآخر الذين لا يعذروا وقالوا: إن هذا الحديث في جويريات صغيرات غير مكلفات، وبعضهم قال: إن المقصود بهذا يعلم ما في غد عن طريق إخبار جبريل عليه السلام بالوحي، والله تعالى أعلم.

    قول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : (ما شاء الله وشئت)

    وهنا استدلال آخر، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ما شاء الله وشئت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً؟ ! ما شاء الله وحده)، واستدل به -أيضاً- من لا من يعذرون بالجهل في هذه الأمور، وإن كان قد يستدل به أيضاً على العكس؛ لأن قول الإنسان: توكلت على الله وعليك، أو: أرجو التيسير من الله ومنك قولٌ يوهم الندية والمساواة، وبين صلى الله عليه وسلم المخرج من ذلك بأن يعطف الإنسان بـ(ثم) لا بالواو؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي والتأخير في الرتبة، فهذا هو المخرج، فهذا لو سمي شركاً فكأنه يكون شركاً عملياً وليس شركاً حقيقياً أكبر، فقد يكون -أيضاً- في الاستدلال بهذا الدليل نظر.

    1.   

    نصوص العلماء في قضية العذر بالجهل

    فيقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر.

    قد تلاحظون أننا ما أخذنا وقتاً كثيراً في ذكر الأدلة من القرآن؛ لأن معظم الذين تكلموا في قضية العذر بالجهل وانتصروا للإعذار بالجهل يستدلون بأدلة لا علاقة لها بالمسألة التي تهمنا، نحن قلنا: هذه الأدلة التي استدلوا بها هي في عموم الناس وفي الكفار الأصليين، أما قضيتنا فهي في رجل مسلم دخل في الإسلام، وارتكب فعلاً من أفعال الشرك وهو يجهل أن هذا شرك، ولم يبلغه أن هذا شرك، فعامة الذين يتكلمون في العذر بالجهل يستدلون مثلاً بقوله تبارك وتعالى: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وغيرها من الآيات التي سبق سردها بالتفصيل كقوله عز وجل: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134]، وقوله تبارك وتعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8] * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:9] إلى آخر الآية، كذلك قوله عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71].

    الشاهد: أن هذه الآيات في الكفار، أما موضوعنا فهو موضوع خارج عن قضية الكفار، موضوعنا هو: قضية مسلم ارتكب فعلاً من أفعال الشرك أو الكفر وهو يجهل، فالفرق بين المسلم والكافر: أن هذا المسلم أقر بالإقرار المجمل بلا إله إلا الله محمد رسول الله، قبل ما يبدأ الانقياد لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فالذين لا يعذرون يقولون: إن الميثاق الذي أخذه الله من قبل على ذرية بني آدم كما جاءت بذلك الأحاديث والآية في سورة الأعراف يكفي، وفريق آخر استدلوا بأن الإنسان فطر على التوحيد: (كل مولود يولد على الفطر؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه)، أو من أدلة العقل يهدي أيضاً إلى التوحيد.

    والجواب عن هذا كله: أن هذه الأشياء لا تثبت تفضلاً من الله عز وجل، ولا يحاسب الإنسان عليها حتى تبلغه الحجة الرسالية، ولم يعول الشرع في ذلك لا على الميثاق الأول ولا على الفطرة أو العقل، وإنما أوقف العذاب حتى على بلوغ الحجة الرسالية التي يكفر تاركها.

    لكن من الأدلة التي استدلوا بها من القرآن: قوله تعالى عن الحواريين: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]، إلى آخر الآية في سورة المائدة، فوقف من يعذرون بالجهل عند قوله: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ [المائدة:112]، والقرآن أثنى على الحواريين، وكأن الحواريين كان عندهم شك في قدرة الله على أن يفعل ذلك، وفي الآية أيضاً أخذ ورد من حيث الاستدلال.

    وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الطاعات كما تسمى إيماناً كذلك المعاصي تسمى كفراً، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يرد عليه الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً لا يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعياً يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.

    قال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: صح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل، أو عمل ما شاء الله أن يعلمه دون أن يبلغه في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل فلا شيء عليه أصلاً حتى يبلغه، فإن بلغه وصح عنده فإن خالفه مجتهداً فيما لم يتبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة، كما قال عليه السلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)، وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعلمه معانداً للحق، معتقداً بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه معانداً بقلبه أو قوله فهو مشرك كافر سواء في ذلك المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردناها، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وبه نقول وبالله التوفيق.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهياً أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، فأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.

    وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر ، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما ونعذرهم؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر، ولم يقاتل؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.

    ويقول القرطبي رحمه الله تعالى: فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.

    وقال الشوكاني رحمه الله: لا اعتبار بما وقع من فوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها بطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه.

    فهذه نصوص عن بعض العلماء في هذه القضية، أما هؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة على وجهها وماتوا فقد ذكر العلماء أنهم فريقان، فمنهم من أطلق القول بعذرهم، وأن الرحمة تشملهم ابتداء، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني: الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون.

    الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.

    الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن -والعياذ بالله- كذاباً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له: المقفع بعثه الله تحدياً بالنبوة كاذباً.

    يقول الغزالي : فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب. فهذا كلام الغزالي في فيصل التفرفة بين الإيمان والزندقة.

    ومنهم من قال في هذا الصنف: يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وصحت النصوص في ذلك كما أشرنا إليها من قبل، وذهب إلى القول به عدد كبير من أهل العلم: كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن حزم وابن كثير والبيهقي ، ونسبه أبو الحسن الأشعري إلى أهل السنة والجماعة، واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات على الفطرة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً).

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق النصوص التي تشير إلى امتحان هؤلاء في عرصات يوم القيامة: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.

    وأجاب عمن ضعفوا هذه الأحاديث بقوله: إن أحاديث هذا الباب -التي هي امتحان أهل الفترة يوم القيامة- منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإن كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها.

    وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله: أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه وسلم، فإن كان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له نار يوم القيامة فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجى، ومن أبى هلك.

    وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة -التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ - هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا. فوجه الجمع بين الأدلة: هو عذرهم بالفترة، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، فبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضاً.

    1.   

    أقوال العلماء في العذر بالجهل

    يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر. وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الطاعات كما تسمى إيماناً كذلك المعاصي تسمى كفراً، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً لا يلتبس على مثله وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعياً يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع. وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: صح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل، أو عمل ما شاء الله أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل فلا شيء عليه أصلاً حتى يبلغه، فإن بلغه وصح عنده فإن خالفه مجتهداً فيما لم يتبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة، كما قال عليه السلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)، وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعلمه معانداً للحق معتقداً بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه معانداً بقلبه أو قوله فهو مشرك كافر، سواء في ذلك المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردناها، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وبه نقول وبالله التوفيق. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهياً أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، فأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر ، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما ونعذرهم لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم. ويقول القرطبي رحمه الله تعالى: فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع. وقال الشوكاني رحمه الله: لا اعتبار بما وقع من فوارق عقائد الشرك، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه. فهذه نصوص عن بعض العلماء في هذه القضية، أما هؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة على وجهها وماتوا فقد ذكر العلماء أنهم فريقان، فمنهم من أطلق القول بعذرهم، وأن الرحمة تشملهم ابتداء، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون. الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون. الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا -أيضاً- منذ الصبا أن -والعياذ بالله- كذاباً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له: المقفع بعثه الله تحدياً بالنبوة كاذباً. يقول الغزالي : فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب. فهذا كلام الغزالي في فيصل التفرفة بين الإيمان والزندقة. ومنهم من قال في هذا الصنف: يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وصحت النصوص في ذلك كما أشرنا إليها من قبل، وذهب إلى القول به عدد كبير من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن حزم وابن كثير والبيهقي ، ونسبه أبو الحسن الأشعري إلى أهل السنة والجماعة، واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب! جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات على الفطرة فيقول: يا رب! ما أتاني رسولك. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولاً أن: ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق النصوص التي تشير إلى امتحان هؤلاء في عرصات يوم القيامة: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وأجاب عمن ضعفوا هذه الأحاديث بقوله: إن أحاديث هذا الباب -التي هي امتحان أهل الفترة يوم القيامة- منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإن كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله: أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه وسلم فإن كان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد لهم نار يوم القيامة فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجى، ومن أبى هلك. وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة -التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا - هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، فوجه الجمع بين الأدلة هو عذرهم بالفترة، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، فبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضاً.

    1.   

    قيام الحجة وشروطها ومعناها

    إذاً: ينحصر الكلام في بعض النقاط: منها:

    قيام الحجة على المعين

    هل قامت الحجة على الشخص بعينه أو في قضية بعينها أم لم تقم؟ !

    هذا في الحقيقة هو من موارد الاجتهاد والنزاع بين العلماء، فعندما يعين بعض الناس شخصاً باسمه، ويقولون: فلان معذور أم غير معذور. فلان في هذه القضية بعينها قامت عليه الحجة أم لم تقم. فإذا ثبت أصل العذر بالجهل فالمنازعة قد تقع في قضية بعينها، أو بالنسبة لشخص بعينه، هذا مما تتفاوت فيه التقديرات، وهو من موارد الاجتهاد أيضاً بلا نزاع، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أشار إلى هذا في بعض كتبه فقال: إن الشخص إذا دفع الحكم بالكفر عن شخص معين يعتقد إسلامه ويحسن الظن به، ويدفع عنه شبهة الكفر تحسيناً للظن بهذا الشخص، ويكون قد أخطأ بالفعل في هذه القضية، يقول شيخ الإسلام : فإنه لا يكون آثماً في ذلك بل هو مثاب لحسن ظنه في أخيه المؤمن، بل استدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وخطؤه معفو عنه)، أو كما قال.

    فإذاً هذا يؤكد أنه إذا كانت هناك شبهة الكفر، فالأولى أن تدفع شبهة الكفر عن آحاد المسلمين من أن تدرأ الحدود عنهم بالشبهات؛ لأن عواقب حكم الكفر أخطر من إقامة الحد خطأً، فإذا كنا ندبنا إلى الاحتياط في إقامة الحدود، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ادرءا الحدود بالشبهات؛ فلأن يخطئ الولي في العفو خير من أن يخطئ في القصاص) فلذلك أدنى شبهة تبطل الحد ولا يقام، فكذلك أدنى شبهة ينبغي للإنسان أن يتورع ولا ينظر إلى قضية الجرأة على التكفير أنها نوع من البطولة، ونوع من الشجاعة، ونوع من الاعتزاز بالدين.

    في الحقيقة أنت ينبغي أن تخاف على نفسك أكثر مما تخاف على هذا الشخص الذي يكون محل النزاع، فالمسألة ليس أنك راض بكفره بل لابد أن تصف الكفر بأنه كفر، أما قضية الإجراءات فهذه توكل إلى أهل العلم، وأحوط أن تكل الأمر إلى أهل العلم في الجزم عند التعيين، وتخاف على نفسك أنت؛ لأنك إذا أخطأت في الحكم بالكفر؛ فإنها تحور عليك وترتد إليك هذه الكلمة إذا كنت أنت المخطئ في هذا.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، فالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئاً ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة، كما جاء في الحديث.

    معنى إقامة الحجة وشروطها

    معنى إقامة الحجة أو صفة قيام الحجة كما قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: أن تبلغه، فلا يكون عنده شيء يقاومها. هذا معنى إقامة الحجة.

    ذكر بعض العلماء أن من شروط إقامة الحجة: أن تكون من إمام أو نائبه، من إنسان ذو سلطان هو الذي يبين ذلك، وقال بعض العلماء: بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائناً من كان.

    وقال بعض العلماء: الحجة على العامة لا تقوم إلا من خلال من يثقون به من أهل العلم؛ لأن العامة فرضهم سؤال أهل الذكر، ولا شأن لهم بالنظر في النصوص، أو استنتاج الأحكام الشرعية منها، وقد تقوم عليهم برجل ولا تقوم عليهم بآخر، ولا ضابط لمن ترد إليه الفتيا بالنسبة لهم إلا التسامع والاستفاضة، وفي مثل هذا تتفاوت الاجتهادات، والحجة على العامة غير الحجة على العلماء، فالعامة يثقون فقط بأهل الذكر، والواجب عليهم هو أن يسألوا أهل الذكر، والغالب عند العامة أن الشخص المعتد به عندهم هو: من استفاض وانتشر في المجتمع الشهادة له بالعلم، وبرز أمامهم كرمز للعلم الشرعي والفتيا وغير ذلك، في مثل هذا الأمر يتفاوت الاجتهاد هل قامت الحجة بهذا الشخص أو بهؤلاء الناس، أم لم تقم؟

    والحجة على أهل العلم ليست كالحجة على العامة، الحجة على أهل العلم تقوم بالأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد يحسن عرضها رجل ولا يحسن عرضها رجل آخر، فكم من حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، وكم من قضية عادلة أضاعها محامون فاشلون، فكذلك يكون الإنسان معه الحق لكن ليس عنده الأدوات التي تمكنه من الانتصار لهذا الحق، فبالتالي يعجز عن إقامة هذا الحق، وفي الحقيقة أن كثيراً من الناس يحسنون الظن بأنفسهم بمجرد أن يطلع ولو اطلاعاً بسيطاً، فإنه يغتر ويكون صاحب الشبر، وصاحب الشبر هو الذي إذا بدأ يتعلم أشياء بسيطة يغتر ويتكبر على الناس ويختال ويظن أنه صار شيخ الإسلام وعمدة الأنام، فإذا تعلم الإنسان شبراً آخر تواضع، فإذا تعلم شبراً ثالث علم أنه لا يعلم شيئاً، وعبر عن ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فقال:

    كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي.

    وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي.

    بالذات طلبة العلم الذين ليس لهم فيه قدم راسخة فإنهم يغترون، ويكفي أنه يظن بنفسه أنه أقام الحجة وهو لا يحسن إقامة الحجة كذلك المحامي الفاشل الذي أشرنا إليه، فلذلك لا ينبغي أن يحزم الإنسان بأنه أقام الحجة إلا إذا تحرر من الأهواء، وتسلح بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدفع جميع شبهات الخصم، وحيث لا يبقى له مدفع أبداً للحق الذي يبلغ له، فليس كل من حفظ دليلاً أو دليلين في مسألة تقوم بمثله الحجة، بل الأصل في الحجة أنها لا تقام إلا بالمجتهد أو بذي سلطان أو أمير مطاع، فهذا هو الذي عبر عنه الفقهاء بذي السلطان وهو في الحقيقة أقرب إلى عمل القضاء، فهي قضية إجرائية أكثر منها قضية تمس العقيدة، فتتبع الشخص الذي فعل الكفر هل كان معذوراً أم غير معذور، جاهلاً أم غير جاهل، ما تأويله، دفع هذه الشبهات، كل هذه الأشياء تقتضي وجود نوع من العلم الشرعي بدرجة عالية من العلم حتى نستطيع أن نجزم بأن فلاناً مثلاً قد قامت عليه الحجة التي يكفر من خالفها.

    1.   

    نصوص العلماء في عدم تكفير المعين

    هناك بعض النصوص لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في قضية عدم تكفير المعين، وعدم الاجتراء على ذلك، نتلو عليكم أيضاً بعضها.

    نبدأ بكلام لـابن الوزير في كتابه: إيثار الحق على الخلق، يقول رحمه الله: واعلم أن أقصى الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله عليهم السلام، أو لشيء مما جاءوا به إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوماً بالضرورة من الدين، ولا خلاف أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفاً مختاراً غير مختل العقل ولا مكره. يقول: وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع.

    يقول: وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا قارف المعلوم بالضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له وتأول، وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التصريح أو التبس علينا في حقه، وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضادة الأدلة الجلية عقلاً وسمعاً، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة، وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين.

    وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى أما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد، فهاهنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جره التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن ولا ببيان من الله ولا ببرهان، بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين، لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب في البقيع، فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة -يعني: الداهية- التي هي أعظم فواقر الدين، والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين، فأنت إن بقي فيك نصيب من عقل، وبقية من مراقبة الله عز وجل وحرقة من الغيرة الإسلامية؛ علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه: إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام، فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائناً من كان، فمن جاء بما يخالف هذا من ساقطي القوم، وزائفي العلم بالجهل، فاضرب به في جهه، وقل له: قد تقدم هذيانك. هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

    دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر.

    يقول الشيخ صديق حسن خان : وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام، فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلاً متواتراً، فمن كان هكذا فهو المؤمن حقاً، وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين، والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية. مثلاً إذا نظرنا أدلة تحريم الغيبة ووجوب حفظ عرض المسلم بأنواعها، نجد أنها من أكبر الذنوب وأكبر الكبائر، فكيف يكون الأمر إذاً؟ ليس مجرد غيبة مثلاً أن يقول على شخص: فلان قصير أو كذا أو كذا من صفاته، أو عاب ملابسه، أو ابنه، أو أي شيء يخصه، فهذا من الوقوع في عرض المسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم)، فهذا فيه تعظيم شديد جداً لعرض المسلم، فكيف بالطعن في دينه أصلاً، والانتساب إلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ !

    فما من شك أن الجرأة على التكفير أخطر من ذلك، والأمر الذي يرتاب فيه الإنسان يقول: أنا أقول ما يقول أهل العلم، أو أنا طالب علم، أما أن يخضع للإرهاب الفكري بمثل أن يقول شخص له: من لم يكفر الكافر فهو كافر، حتى يزيل الوحشة التي يجدها المبتدع، فلا ينبغي الالتفات لمثل هذه الأساليب.

    يقول الشيخ صديق حسن خان رحمه الله: والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية، فإن هذه جناية لا تعدلها جناية، وجرأة لا تماثلها جرأة، وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الصحيح أيضاً: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الصحيح أيضاً: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) وهو في الصحيح، وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية، فالهداية بيد الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره في تفسير سورة الحجرات في قوله تبارك وتعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، قال: وليس قوله: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)، بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.

    والحقيقة أهمية هذا الأمر التسرع بالذات في قضية التكفير ترجع إلى التداعيات التي تترتب عليها، والآثار الذي تنتج عنها، وهذا أمر محسوس، ونحن لمسنا بالواقع الحي نماذج له، وكثير من البلاد يعيشون مرارة هذه الانحرافات حتى اليوم، فإن منهم من وصل إلى حد تكفير أئمة، ولا أقول وصلوا إلى حد تكفير الأنبياء كما حكينا من قبل حينما كان ينكر بعض هؤلاء أن هناك ظلم دون ظلم، وكفر دون كفر، وجهل دون جهل وأنكروا ذلك، فاستدل بعض الإخوة وظنوا أن الحجج ستكون قاطعة تخرسهم، استدل بمثل قول يونس عليه السلام: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فعاند وأصر وقال: إن معنى: (كنت من الظالمين): أن يونس عليه السلام كفر ثم أسلم، وحمل على ذلك أي حديث، حتى نسبوا إلى آدم أنه كفر أيضاً بالذنب ثم أسلم، فالتوبة دخول في الإسلام من جديد، فهذا من الضلال والانحراف في العقيدة، كذلك ما نلمسه من آثار هذه البدعة تكفير العلماء، تكفير السلف، تكفير مثل الإمام البخاري ، فبعض هؤلاء الضالين كفر الإمام البخاري فقط؛ لأنه قال في كتابه: باب: كفران العشير وكفر دون كفر، فعد هذا كفراً، كفر البخاري وكفر مسلماً ، وكان يقول شكري مصطفى يجوز الاستدلال بأحاديث البخاري وإن كان كافراً، والكافر ممكن يكون صادق.

    وكفروا أيضاً كثيراً من العلماء المعاصرين، ومنهم الشيخ ناصر الدين الألباني وغيره من أئمة الهدى، الشاهد: استحلال الأعراض، والدماء، والأموال، وعقوق الوالدين كما يقع، بل ربما إراقة دم الأب أو الأم، واستحلال الفروج، ممكن امرأة لضلالاتهم يأخذونها من زوجها ويزوجونها شخصاً آخر، فهل هناك جرأة أعظم من هذه الجرأة؟ ! ! هذا هو شؤم هذه الدعوة الضالة، بجانب فتح باب عظيم لأعداء الإسلام في الصحفيين والإعلاميين لتشويه الدعوة والتنفير منها؛ بحجة: أن هذا هو الذي يدعو إليه هؤلاء الناس، السخرية من العبادات، تكفير الذين يصلون في المساجد؛ لأنهم يأوون إلى معابد الجاهلية، ويشاركون الجاهليين في عبادتهم، فتخيلوا ديناً أو عقيدة أو نحلة وصل خذلان الله تبارك وتعالى لأصحابها إلى أنهم يتعبدون بهجرة المساجد، والله تبارك وتعالى يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114]، فكان شكري مصطفى يعتقد أن جميع المساجد على وجه الأرض مساجد ضرار لا يجوز الصلاة فيها ما عدا أربعة مساجد، المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبيت المسجد الأقصى، ومسجد قباء، وما عدا ذلك فلا يجوز الصلاة فيها لأنها كلها مساجد ضرار ومن يصلي فيها فهم كافرون، حتى بلغني أن بعضهم إذا سمع الأذان يقول: (هذا مكاء وتصدية المشركين)، فصارت عبارات الأذان ونداء التوحيد يسمى مكاء وتصدية عندهم، وهذا هو الذي حكاه الله عن المشركين في قوله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]، فهل هؤلاء يكون عندهم دين؟ هل هؤلاء يخافون الله عز وجل ويراقبونه؟ هل هؤلاء يعدون العدة ليوم الحساب حينما يعتدون على شعائر الله وعلى دين الله تبارك وتعالى بهذه الطريقة؟

    فالشاهد: أن هذه القضية قضية ليست بالهينة، ويترتب عليها من الآثار ما نلمسه في واقعنا من هذه المناكر.

    يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: إن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم: (أن من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: (من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله! وليس كذلك إلا حار عليه)، إن كان غير مستحق لهذا يعود هذا الأمر عليه، وفي لفظ في الصحيح: (فقد كفر أحدهما)، ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير، وقد قال الله عز وجل: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106]، فنهتم جداً بهذه العبارة.

    يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: فلابد من شرح الصدر بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه.

    نعيد هذه العبارة: فلابد من شرح الصدر بالكفر. حتى تحكم على إنسان بالكفر لابد أن يكون انشرح صدره وقبل هذا الكفر. وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106]، فلابد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، فلا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه.

    هذا ما تيسر من الكلام في قضية العذر بالجهل، ونكرر ما سبق الإشارة إليه: أن قضية العذر بالجهل هي قضية من قضايا الفروع، وليست من قضايا العقيدة، وهي قضية من القضايا الفقهية العملية وليست من مسائل العقيدة، يسلك مع المخالف فيها مسلك من قال بتكفير تارك الصلاة.. قول من قولين قال بكل منهما فقهاء لم يصل الأمر إلى حد أن يكفر بعضهم بعضاً أو أن يهجرهم، وقد ارتبط دائماً عدم العذر بالجهل بالتوسع في التكفير حتى وصل الأمر إلى تكفير عموم المسلمين، وحتى الملتزمين بدينهم، ثم اختراع بعض الفرق لشروط معينة حتى يحكم فيه على الإنسان بالإسلام.

    ففي الغالب التساهل في هذه القضية يؤدي إلى مضاعفات قد تصل إلى التكفير بالعموم، وأن الأصل في هؤلاء الناس هو الكفر إلا من ثبت عكس ذلك في حقه، فيعكسون القاعدة العادلة التي تقول: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهم يقولون: البريء متهم حتى تثبت براءته، فالأصل في المجتمع عند هؤلاء: أنهم كلهم كفار إلا من استوفينا منه شروطاً معينة بحيث يحكم بإسلامه.

    هذا ما تيسر من القضايا المتعلقة بقضية العذر بالجهل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.