إسلام ويب

الإيمان والكفر [25]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لأن يخطئ المرء في الاعتذار عن الآخر بالجهل خير له من أن يخطئ في الحكم عليه بالكفر ويخرجه من الملة، فيبني عليه أحكام المرتد، وباب العذر بالجهل باب دقيق لا يلجه إلا أهله المشتغلون به، فقد يعذر المرء في أمور كثيرة إن لم تبلغه الحجة وتقوم عليه.

    1.   

    التحذير من الخوض في الحكم بالكفر وعدمه

    سبق الكلام على خطورة الإسراع في إصدار الحكم بالتكفير على شخص من الأشخاص، وذكرنا أن للاندفاع في هذا الأمر آثاراً خطيرة في الدنيا والآخرة، أولها: أن من يحكم عليه بالردة عن الإسلام أو الخروج عن ملة الإسلام فإنه يستوجب أن يقتل على يد الحاكم المسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، رواه البخاري. ثانياً: ينفسخ بمجرد ردته عقد نكاحه، وتحرم عليه زوجته. ثالثاً: تبطل عباداته، ويحبط عمله. رابعاً: تنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، فلا يصبح ولياً لتزويج بناته، ولا يرث المسلمين، ولا يورث إذا مات، وتسقط حقوقه الخاصة به بوصفه مسلماً، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهذا حكمه في الدنيا. وأما في الآخرة فهو كافر خالد مخلد في النار أبداً، والعياذ بالله، فمن كان هذا شأنه فينبغي الاحتراز والتورع عن القول فيه بغير علم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، قال العلماء: أهل البدع. وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). وقال عمر رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتخلفت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم. فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: محدثان أحدثا في الإسلام: مترف يعبد الدنيا، لها يغضب وعليها يقاتل، ورجل ذو رأي سوء، رأى أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، فسل سيفه وسفك دماء المسلمين واستحل حرماتهم. ثم إن كثرة الخوض في هذه القضية بغير علم لها من الآثار السيئة ما لها، ففي تكفير الناس قطع للجسور الممتدة بيننا وبينهم؛ لأن التكفير عبارة عن سلوك أضيق طريق، بل قطع أي طريق يصل بين الدعاة وبين الناس، وهو طريق التكفير، وفيه إعراض عن الطريق الصحيح، وهو طريق التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبعض الناس يريدون أن يبرروا كسلهم عن تبعات الدعوة وواجباتها، فيريحون أنفسهم بالحكم بالتكفير، لينتهى واجبهم. فحينما نتعرض لقضية أثر عارض الجهل في الحكم بالكفر من عدمه نؤكد أن الإنسان حينما يتكلم في قضية العذر بالجهل فإن ذلك يكون انطلاقاً من تقليل خطر هذا الواقع الذي شاع فيه الجهل بين الناس، ولفت النظر إلى أهمية محاربة هذا الجهل، وإزالة غشاوته، ورفع حجابه بالعلم والتعليم والدعوة إلى الله، لا بالصد والتنفير، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيمن هو أقل من هذا من المبادرة إلى التكفير: (إن منكم لمنفرين) وقال صلى الله عليه وسلم: (بشروا ولا تنفروا). بل في القرآن أمر الله عز وجل نبيين من أنبيائه -موسى وهارون عليهما السلام- بأن يذهبا إلى فرعون الذي طغى وتجبر وقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، فإذا كان هذا الأدب مع الكافر فأولى ثم أولى أن يكون مع المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام. وإذا كان الله عز وجل أمر بالإحسان والرفق فذلك مع الناس عموماً، لقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، فتشمل اليهودي والنصراني، فبالأولى والأحرى أن تشمل إحسان القول فيمن انتسب إلى هذا الإسلام. ومن خطورة الانشغال بهذه القضية وكون الإنسان يتبوأ مقعد الحاكم على الناس، وتحديد مصائرهم في الدنيا -بل في الآخرة- أن يشيع خلق الكبر، والنظر إلى الناس من علو ومن فوق كأنه رب ينظر إلى العباد، فلا يكتفي بأن غيره عبد وينظر في حاله كعبد، لكنه يحاول أن يتحرى ما في قلبه، أو أن يعامله معاملة الرب للعبد لا معاملة العبد للعبد. إن معاملة العبد للعبد ينبغي أن تتوقف على ما يظهرون، أما الرب فهو الذي يطلع على ما في القلوب يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]. وليس أدل على ذلك من حال المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويصلون مع المسلمين، ويخرجون إلى الجهاد مع المسلمين، ويفعلون الأفعال الظاهرة مع المسلمين، وعصمتهم هذه الكلمة رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوحي إليه الوحي كان يُخبر عن وجود هؤلاء المنافقين، فمنهم من علمهم ومنهم من لم يعلمهم صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك كانت تجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام. ومن أصول أهل السنة: حسن الظن وحسن الرجاء لأهل القبلة أمواتاً وأحياء. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات؛ فلأن يخطئ الوالي في العفو أهون من أن يخطئ في القصاص) فلأن تخطئ في العفو أولى من أن تخطئ بعد أن تقيم الحد على شخص ويتضح بعد ذلك أنه مظلوم، فمتى وجدت الشبهة فلا بد من درأ الحدود بهذه الشبهات. فإذا كان هذا في قطع يد، أو جلد، أو أي حد من هذه الحدود التي غايتها الانتهاء في الدنيا فكيف بحكم يترتب عليه هذه الآثار الخطيرة التي أشرنا إليها؟! ألا وهو حكم التكفير والخروج من الملة. فحكم الكفر أولى بأن يدرأ بالشبهة، فمن الورع الواجب أن يحترز الإنسان عن التهور في إطلاق حكم التكفير بدون بينة. ونكرر التحذير من الإرهاب الفكري الذي يروجه بعض أهل البدع عندما يلوحون في وجه مخالفيهم بهذه القاعدة، وهي أن من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويضعونها في غير موضعها، وهي ليست آية في القرآن ولا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن صحت فإنها تحمل على من لم يكفر الكافر الذي قام على كفره دليل قطعي، أو من لم يكفر الكافر الذي نزل الوحي بكفره. أما شخص يختلف العلماء في حكمه هل هو كافر أم غير كافر فلا، وهل سمعنا أحداً من العلماء يكفر من لم يكفر تارك الصلاة بناء على هذه القاعدة؟! كلا. فالتلويح بهذه القاعدة هو محاولة من بعض أهل البدع لإزالة تلك الوحشة التي تصيبهم حينما يرون أنفسهم شاذين ومنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة، لكي يستأنسوا ويبرروا أفعالهم بالضغط بهذه القاعدة، وهي أنك إن لم توافقه على ما هو عليه في موضوع التكفير فأنت كافراً، ويلوحون -أيضاً- بأن الرضا بالكفر كفر.

    1.   

    قضية العذر بالجهل

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا دفع المرء الحكم بالكفر عن أخيه المسلم وعمن يظن أنه ليس بكافر، ودفعاً عن أخيه المسلم، فهذا قصد حسن يثاب عليه، بل هو إذا أخطأ في ذلك فهو مأجور، أو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

    الشاهد: أنه ليس كما يتصور الكثير من الناس الجرأة على التكفير نوع من البطولة، وإنما هو يكون عن جهل وقلة ورع.

    ثم إن هذه القضية التي نتعرض لها اليوم وجدت بصورة أخرى، لكن قد يكون ما نحن فيه الآن هو صدى من أصداء هذه الدعوة، فالتاريخ يعيد نفسه؛ فقد فجرت نفس هذه القضية؛ قضية العذر بالجهل، ومن نعذر ومن لا نعذر، وأول من فجرها رجل يدعى نجدة بن عامر الحنفي الذي تنسب إليه فرقة النجدة العامرية، وهي فرقة من فرق الخوارج، ويسمون النجدة نسبة إلى نجدة هذا، ويسمون العامرية لأنهم كانوا يقولون: الدين أمران: أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين، ويقصدون بالمسلمين من يوافقونهم، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.

    والثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام.

    فكان نجدة بن عامر يعذر من انتسب إليه من الخوارج، وتفصيل الكلام فيهم وفي محنتهم منشور في الملل والنحل في الجزء الأول، فقرة مائة وثلاثة وعشرين.

    أيضاً كثير من الناس يخلطون الأوراق في هذه القضية، ويطيلون النفس جداً فيما لا فائدة من ورائه، وما ليس علاقة له أصلاً بالموضوع، فنحن في الحقيقة لا نناقش حكم الكافر الجاهل؛ لأن للكفر أنواع: كفر الجحود، وكفر العناد، وكفر الجهل .. إلى آخره، ونحن لا نتكلم على الكافر الجاهل، ولا نتكلم على أدلة كفر اليهود والنصارى أو أي نوع من الكفار الأصليين بأنواعهم، نحن لا نتكلم أيضاً عن أهل الفترة ولا عن مصيرهم، وقد سبق بيان ذلك، ولا عن حكم المرتد الذي أصر على الكفر وانشرح به صدره، ولا على من ارتكب من المسلمين الشرك الأكبر، وأقيمت عليه الحجة الشرعية بشروطها، ثم أصر على هذا الشرك أو الكفر عناداً واستكباراً، لكن القضية التي هي محور الخلاف ومحور الكلام هي: حكم تكفير المسلم الذي صدر منه كفر يتعلق بالعقيدة وهو جاهل بأن هذا كفر، وجاهل بأن هذا يخدش عقيدته، هذه هي القضية وليس ما عداها.

    1.   

    تنبيهات تتعلق بالجهل والعذر به

    الجهل مذموم كله

    إن الجهل مذموم كله، والجهل جامع للرذائل كلها، ولا فضائل له، فلا يعني إعذار الجاهل بالجهل الرضا به، وإنما هذا لفت نظر بالنسبة للدعاة أو الذين لهم دور في مواجهة هذا الجهل، وأن لا يشتغلوا عن محاربته، ونحن لا نذكر هذا الأمر من أجل أن نطمئن الناس، ونقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذاً يتكلوا)، لماذا؟ لقصور عقول الناس عن فهم هذه الأشياء.

    ولا ينبغي أن يشاع الكلام في قضية العذر بالجهل كثيراً إلا على مستوى طلبة العلم، لئلا نقع في هذا المحور: (إذاً يتكلوا)، ويسيء الناس فهم هذا الكلام ولا تطيقه عقولهم فيتمادون ويتمادون في التفريط في حق الله وفي جنب الله تبارك وتعالى.

    ونحن أيضاً كما نرفض أن نقول: الغاية لا تساوي الوسيلة، فهل يشفع للإنسان أن يكفر الناس بالمعصية؟ هل تشفع له نيته أنه يريد أن يخوف الناس من المعاصي أن يقول لهم: من فعل المعصية كفر؟ هل يشفع له ذلك؟ كلا، هو يقول له: المعصية حرام، وعقوبتها كذا وكذا، فإذا اقتضتها الحال ووجد مثلاً من يكفر المعصية، تضطر أنت أن ترد وتقول: لا ليس بكافر بأدلة كذا وكذا، وإن كان هذا يخدش وينقص من إيمانه، لكن لا يحبطه بالكلية، فرد الأمور إلى نصابها ووزنها بموازينها من أدلة القرآن والسنة بقصد الاعتدال، والقصد، وإحقاق الحق، ووضع الأمور في نصابها هو المسلك الذي ينبغي أن يسلك، فنحن خوفنا من أن الناس يسيئوا فهم قضية الجهل، والتمادي فيه تفريطهم لا ينبغي أن يضطرنا إلى الكلام في توضيح هذه الأمور، ووضع الأمور في نصابها، وخاصة أن قضية الجرأة على تكفير الناس فيم هم معذورون به يترتب عليه أمور نحن لمسناها في الواقع، وتداعيات نحن نراها أعياناً في كثير من الأماكن، كما قال بعض السلف: (يوشك أن يظهر الجهل ويقل العلم؛ حتى إن الرجل ليرفع سيفه على أمه من الجهل)، فهذا نلمسه في واقع نعيشه وليس مجرد ترف فكري، فالواقع يثبت أن الكثير ممن ينزلقون في قضية التكفير وينحرفون في ذلك ينعكس هذا في سلوك عملي لهم تجاه بعض المسلمين، ولا نريد أن نكثر ذكر الأمثلة كالذي قتل أباه وانتهك أعراض الناس بتأويلات فاسدة بسبب قضية التكفير وما آل إليها، ليس هذا محله.

    ليس كل من عذر بالجهل عارياً عن الإثم

    هناك تنبيه مهم جداً، وهو: ليس كل من عذر بالجهل عارياً عن الإثم، وليس معنى أن إنساناً عذر بالجهل أننا لا نكفره، فمثلاً: الشخص الذي يجهل فروض الأعيان يحكم العلماء بفسقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، فهناك علم واجب على كل مسلم وفرض لازم عليه أن يتعلمه، وهو علم لا يتم الواجب إلا به، مثل: كيف تصح صلاته، وكيف يصح وضوؤه، وكيف يصح صيامه؟ إلى آخر ذلك. فالجاهل بفروض الأعيان فاسق كما قال العلماء. قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى: العابد إذا كان عارياً عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابداً، بل فاسقاً. فإذا وجد شخص مجتهد في العبادة لكنه عار عن العلم ومقصر في طلب العلم فإنه لا يسمى في الشرع عابداً، بل يسمى فاسقاً؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقاً؛ لأنه يرتكب معصية يستمر فيها، وهي هجره لطلب العلم الواجب عليه، فهذا فسوق وخروج عن أمر الله بتعلم ما تصح به العبادات. يقول: العابد إذا كان عارياً عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابداً، بل يسمى فاسقاً؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقاً، كما أشار إليه بعض علمائنا الأجلاء بقوله: وجاهل لفرض عين لم يجز إطلاق صالح عليه فاحترز لأنه بتركه التعلما لم ين فاسقاً يقول العلماء يعني أن الشخص الذي يقصر في طلب العلم الواجب عليه -وهو علم فروض الأعيان- لم يجز أن يسمى صالحاً، ولا يمدح بذلك، فاحترز، يعني: احترز عن أن تصفه بهذه الصفات؛ لأنه بتركه التعلما لم ين -أي: لم يزل- فاسقاً، يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقاً بتركه التعلم الواجب عليه. فالصالح لا يطلق شرعاً إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم، وقد أشار الناظم المذكور إلى هذا بقوله: وقائم بحق ربه وحق عباده فصالحاً قد استحق فالصالح مرادف للعابد؛ لأن عبادة العابد بدون علم لا تسمى عبادة؛ لأن ما يفسده صاحبها أكثر مما يصلحه، كما أشار إليه الناظم بقوله: إن الذي بدون علم يعبد لا يحسن العمل لكن يفسد فترد أعماله ولا تقبل لخلوها عن العلم، كما أشار إليه العلامة الشيخ أحمد بن رسلان الشافعي في خطبة نظمه المسمى بالزبد بقوله: وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل ونعود إلى أصل التنبيه، وهو أن العذر بالجهل ليس على الإطلاق؛ فإنه لابد من نوع مؤاخذة إذا كان هناك تقصير. وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حين عذر الحبشية التي زنت مع عدم علمها بحرمة الزنا مع أنها فرطت في التعلم، وكذلك عذر الصحابة الذين شربوا الخمر متأولين، لعدم تقصيهم معرفة الحلال والحرام. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورياسته ولذاته ومعاشه، فهذا مستحق للوعيد، وآثم بترك ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته. انتهى كلام ابن القيم . فالقول هنا لا يكفر هذا الشخص بل يؤثمه؛ لأنه ليس بمعرض عن الشريعة بالكلية، ولم يكذب الرسول صلى الله عليه وسلم، بل مراده اتباعه، وخالف النبي عليه الصلاة والسلام عن جهل مع تمسكه بشيء من الشرع، ومع هذا لم يعرض عن الشرع جملة، ففرق بينه وبين من لم يقصد اتباع الدين أصلاً.

    كفر الإعراض والعناد خارج دائرة العذر بالجهل

    من التنبيهات المهمة في هذا الأمر: أن كفر الإعراض والعناد لا دخل للجهل فيه، والكفر أنواع: فهناك كفر الجهل، وكفر الإعراض والعناد.

    كفر الجهل مثل كفر النصارى وكفر الجحود والعناد ككفر اليهود.

    يقول الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله: العذاب يستحق بسببين:

    أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها، والعمل بموجبها.

    الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد.

    وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها؛ فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بالرسل، وهذا متعلق أكثر بقضية أهل الفترة ومن يلحق بهم.

    بين أيضاً ابن القيم رحمه الله تعالى: أن أتباع الكفرة من النساء والصبيان هم كفار وإن كانوا جهالاً، قال: فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً، أو تقليداً لأهل العناد، وهؤلاء لا يكون التقليد عذراً لهم، كما قال تبارك وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة:170]، وقال تعالى: قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    وفي الحديث حين يسأل الكافر في قبره: (من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال له: محمد عليه الصلاة والسلام، فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فهذا ليس بعذر له.

    فكما نبهت في المقدمة أن الكافر الأصلي لا يعذر بجهله، لماذا؟ لأنه أصلاً لم ينقد، ولم يعلن التزامه المجمل بدين الإسلام، فمن الظلم التسوية بين الكافر الجاهل وبين المسلم الجاهل كما سنبين إن شاء الله بعد.

    كفر الاستهزاء خارج عن دائرة العذر بالجهل

    كفر الاستهزاء بالله تبارك وتعالى، وبآيات الله، وبأنبياء الله ورسله، وبكتاب الله.. لا دخل للعذر بالجهل فيه أيضاً، فلا يعذر من سب دين الإسلام، أو استهزأ بالله تبارك وتعالى، أو سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعل أي شيء من أفعال الاستهزاء بالله عز وجل، أو ما ينسب إلى الله عز وجل من الكعبة أو الرسل أو الكتب أو غير ذلك، فهذا كفر مخرج عن الملة، وإن صدر ممن يدعي الإسلام، وإذا قال فاعله: أنا جاهل بهذا الحكم لا يلتفت إليه؛ لأن هذا فيه استهانة بالله عز وجل، وتعظيم الرب تبارك وتعالى لا يحتاج إلى علم، ولا يجهله أحد حتى اليهود والنصارى، ما من أحد إلا وهو يدين بتعظيم الله عز وجل، حتى الطفل الصغير حينما يسمع صبياً لم يربه أهله على الدين واحترام الدين فيسب الدين؛ وهذا الصبي الصغير إذا زجرته عما يفعل، يقول: ماذا أفعل له لقد كفرني، وحتى الطفل يعرف أن هذا كفر، وأن سب الدين يخرجه من ملة الإسلام، فهذا مما هو معروف، ولا أحد يجهل تعظيم الله، وتعظيم رسل الله، وتعظيم أنبيائه وكتبه وكل ما ينسب لله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66]، فإذاً كل من كان على غير الإسلام، وبلغه أمر الإسلام وسمع بالنبي وبالقرآن ولم يدخل في دين الإسلام فهذا كافر.

    ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ أو صدر عنه كفر وهو جاهل به فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها، قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام وتعني كلمة بالاضطرار: علم بالضرورة من دين الإسلام. وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فبذلك يصير الكافر مسلماً.

    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن عباس رضي الله عنهما: وفيه الاستدلال في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين.

    التفريق بين كفر الفعل وكفر الفاعل

    نحتاج ونحن ندرس هذه القضية إلى أن نذكر بما سبق أن أسلفنا القول فيه، وهو التفريق بين كفر الفعل وكفر العين، فالفعل قد يكون كفراً لكن فاعله لا يسمى كافراً إلا بحصول شروط وانتفاء موانع، فلذلك قد يتكلم الإنسان في الكلام العام المجرد عن أحوال معينة فيقول: من فعل كذا فهو كافر. لكن لا يعني شخصاً؛ لأنه لا يستلزم الحكم على الفعل بأنه كفر أن يكون صاحبه كافراً، فكفر الفعل غير كفر العين، وهو هذا الشخص، وإن كان تكفير المعين ضرورة من ضرورات الدين، وهذا -أيضاً- مما ينبغي أن نتفطن له، فليس معنى ذلك أن باب التكفير مسدود حتى في حق من أتى بالكفر الأكبر والشرك الأكبر وأقيمت عليه الحجة، لكن هذا الأمر يوكل إلى أهله، ولا تترك المسألة مفتوحة يطرقها كل من شاء، وكل شخص يحسن الظن بنفسه ويرى أنه أصبح الحجة ليستقل بمقاضاة الناس وإصدار الأحكام عليهم، فإن باب التكفير ليس مغلقاً، وتكفير شخص بعينه واسمه ليس مغلقاً، لكنه مفتوح لأهله من أهل العلم والقضاة الشرعيين حتى لا يصير الناس في فوضى ويستحل بعضهم أموال بعض، ويقتل بعضهم بعضا ويسفكون دماء بعضهم بمجرد الدعوى ويصير الأمر فيه كثير من الخلط. فتكفير المعين باسمه ضرورة من ضرورات الدين، وإلا لزم إلغاء باب الردة ونصوص الردة، لكن السؤال هو عمن يملك سلطة تكفير المعين، وتطبيق حدود الله تبارك وتعالى عليه. وخلاصة الكلام أن تكفير المعين لابد منه، ولكن هذه مهمة القاضي الشرعي والحاكم.

    قضية العذر بالجهل من القضايا العملية وليست من قضايا العقيدة

    أيضاً من الأمور المهمة والتنبيهات: أن قضية العذر بالجهل هي بين القضايا الفقهية العملية، وليست من مسائل العقيدة.

    وفي ضوء الكلام الذي أسلفناه آنفاً: أن هذه قضية إجراءات تتم في الدولة المسلمة ومن قبل القضاء الشرعي ويستوفي القاضي معه هذه الأشياء ويسأله إن كان عنده شبهة يزيلها ويقيم عليه الحجة، أو العالم أو الحاكم أو من بيده هذه السلطة، ثم يترتب عليها فعل عملي.

    فالقضية تتعلق أكثر ما تتعلق بالقضاة لا بالدعاة، أما في الأوضاع التي نحن فيها الآن فينبغي استفراغ الوقت في إزالة عارض الجهل عن الناس، هذا الذي لا نشك فيه: أننا مطالبون بمحاربة الجهل، لكن ومقاضاة الناس بهذه الصورة التي تحصل من كثير من الإخوة، فهذا مما فيه نظر كثير.

    ومما يؤسف له أنني اطلعت على كتاب لبعض الإخوة يسمى: (العذر بالجهل عقيدة السلف)، ولماذا ينسبها إلى السلف؟ فهذه القضية ليس لها علاقة بالعقيدة، يعني: قضية العذر بالجهل هي قضية من القضايا العملية الفرعية، وليست من القضايا الأصولية، وليست من مسائل العقيدة.

    فالشخص في قضية العذر بالجهل يسلك مسلك من قال بتكفير تارك الصلاة، فهو قول من قولين قال به بعض الفقهاء، لكن لم يصل الأمر إلى درجة أن الفقيه الذي يكفر تارك الصلاة يكفر الفقيه الآخر الذي لم يقل بهذه المسألة، لكن لأن الذي شاع بيننا وفي واقعنا أن الذي لا يعذر بالجهل في الغالب يقترن بذلك غلو في بدعة التكفير، فارتبط في حسنا أنه لا يعذر بالجهل إلا هؤلاء الغلاة، فمن أجل ذلك أخذت هذا الحجم الكبير لأن الواقع أن حسنا ارتبط بأن من لم يعذر بالجهل يتجاسر ويتهور في موضوع التفكير.

    وفي الغالب لمسنا أن عرض عدم العذر بالجهل يكون في الغالب مقدمة لكثير من المضاعفات، كالتكفير بالعموم والتوقف والتبين إلى غير ذلك من المبالغات.

    ولهذا يجب التحذير من هذه الضلالات؛ لأنها ارتبطت في واقعنا بعدم العذر بالجهل.

    أيضاً تبيين الكفر وأنواع الكفر والأشياء التي تخرج الإنسان من الملة، ووعيد فاعل ذلك هذه من واجبات الشرع وأساسيات الدعوة، وشتان بين ذلك وبين الاجتراء على حرمة المسلمين ووصفهم بالكفر.

    العذر بالجهل أمر نسبي إضافي ليس على إطلاقه

    أن العذر بالجهل أمر نسبي إضافي ليس على إطلاقه، العذر بالجهل في هذه القضية التي ذكرناها أمر نسبي يتفاوت باختلاف الأشخاص وباختلاف المكان والأزمان.

    فقضية العذر بالجهل هي قضية نسبية حسب الظروف الزمنية والأحوال التي يسود فيها الجهل ويتصدر علماء السوء الذين يدلون الأعوام.

    فأصل اعتبار عارض الجهل والاعتداد به سواء الجهل أو الإكراه أو التأويل، كما أشرنا في الكلام عند إجراء الأحكام؛ لأن موضوع العذر بالجهل هو إجراءات، سواء كانت المخالفة أو الجدل في أمر من أصول دين العقيدة أو من فروع الدين، فالأصل هو الإعذار بهذه الأمور الثلاثة: الجهل التأويل الإقرار.

    فكل من ثبت له عقد الإسلام بأن أقر إقراراً مجملاً قبل ما يبدأ في طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصديقاً وانقياداً؛ فشهد لله عز وجل بالوحدانية ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام؛ فإنه يثبت له عقد الإسلام، فمثل هذا الشخص الأصل فيه: أن نعتبر ونعتد بعارض الجهل والتأويل والإقرار عند إجراء الحكم عليه.

    وأيضاً يجب التحقق من انتفاء هذه العوارض قبل دمغه بالحكم الذي يقتضيه مع ما تلبس به من المخالفة.

    1.   

    طريق معرفة الله وأسمائه وصفاته

    هنا سؤال نحتاج لتجليته، وهو: هل معرفة الله تبارك وتعالى، ومعرفة ما يجب إثباته لله تبارك وتعالى من صفات، وما يستحيل عليه تبارك وتعالى، هل ذلك يكون عن طريق العقل أم عن طريق الشرع؟! هذا سؤال اختلف فيه الناس، وهو موضع خلاف أساسي بين المعتزلة وأهل السنة. فالمعتزلة يقولون: إن معرفة الله تجب عقلاً، والطريق إليها هو العقل. وأهل السنة يقولون: إن وجوب المعرفة وطريقها هو الشرع. ثم تتعدد وتنقسم الفرق في هذا الباب أيضاً بعد ذلك، ولذلك نحذر من خطر الكلمة التي تشيع على ألسنة الناس عندما يقولون: عرفوا الله بالعقل، كلا؛ فالله لا يعرف بالعقل، إنما يعرف بالشرع عن طريق الوحي. فما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى، وما يجب له، وما يستحيل عليه لا سبيل للبشر إلى إدراكه ما لم يعرف ذلك عن طريق الوحي المعصوم، فالإنسان أسير للمحدثات التي يراها ويتصورها ويتخيلها، والله تبارك وتعالى فوق ذلك كله، كما قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]. وأي عقل سوف نتحاكم إليه؟! إن العقول تتفاوت، وبعض العقول تكون كاملة وبعضها تكون قاصرة، فما يتصوره شخص قد يعجز عن تصوره شخص آخر، فلا مخرج من التناقض حينما نرد الناس إلى العقل؛ لأننا لا نردهم إلى مصدر يحسم الخلاف، والله تبارك وتعالى حينما أخبر عن تنازع الناس قال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] فعند التنازع نتحاكم إلى الشرع؛ لأننا إذا تنازعنا فتحاكمنا إلى العقول فلن يسد باب التنازع، بل ربما تزداد المنازعات. قال الإمام اللالكائي في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة): (سياق ما يدل من كتاب الله عز وجل، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل) فقوله: (بالسمع) يعني: بالنقل والوحي. قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ خاص والمراد به العام: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، وقال تبارك وتعالى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106]، وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]. يقول الحافظ اللالكائي : فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد. وقال عز وجل: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50]. ودائماً يأتي في القرآن الهوى في مقابلة الوحي، كقوله تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. وكذلك استدل إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بأفعال الله المحكمة المتقنة على وحدانيته بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب واختفائها، ثم قال بعد ذلك: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:77] فعلم أن الهداية وقعت بالسمع، وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع، قال عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، وقال عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. وهنا لفتة، وهي أن بعض الناس يقولون: كيف نخاطب الناس بالقرآن وهم لا يؤمنون بالقرآن؟! وأقول: بل هذا هو المسلك الصحيح، فآيات الله أنزلت كي ينذر بها الذين أرسل إليهم هذا الرسول، وأنزل هذا الكتاب من أجل هدايتهم. فكما يستعمل الإنسان الآيات العقلية وغير ذلك من الآيات المبثوثة في الآفاق وفي أنفسنا فإنه كذلك يستعمل آيات الله عز وجل التنزيلية يتلوها على الكفار ويحذرهم بها، ولا يفت في عضده أن يقول بعض الناس: كيف تخاطب بالقرآن أناساً لم يؤمنوا بالقرآن؟! نقول: هكذا كان يفعل الرسول وهكذا كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم في تلاوة آيات الله عز وجل على المشركين. وعوداً على موضوع حديثنا عن ثبوت التوحيد ومعرفة الله وأحكامه بالشرع لا بالفعل نستشهد هنا بقوله تبارك وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] . وقال تبارك وتعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، يقول القرطبي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا : في هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة القائلة بأن العقل يقبح ويحكم ويبيح ويحرم. ويقول ابن القيم رحمه الله: إن الله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ، وهذا كثير في القرآن، حيث يخبر الله أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة. وقال الشنقيطي رحمه الله: والآيات القرآنية مصرحة بكثرة على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة وما ركز من الفطرة، بل إن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، فمن ذلك قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فإنه قال فيها: (( حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ))، ولم يقل: نخلق عقولاً وننصب أدلة ونركز فطرة. فالفطرة تهدي للتوحيد، والعقول تهدي للتوحيد، والآيات في السماوات وفي أنفسنا أمور تهدي للتوحيد، ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى قضى أنه لن يعذب أحداً حتى تبلغه حجة الرسل بالسمع وبالوحي.

    1.   

    عارض الجهل وأثره في إجراء الأحكام

    بالنسبة لقضية عارض الجهل وأثره في إجراء الأحكام على من أتى شيئاً من الأفعال الكفرية جاهلاً بذلك، فالأصل في هذا أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف إلا إذا بلغه على الأظهر من أقوال العلماء.

    يقول عز وجل: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، يعني: ومن بلغه هذا القرآن، وقال عز وجل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعماراً رضي الله عنهما لما أجنبا فلم يصل عمر وصلى عماراً أن يعيد واحد منهما، ولم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجلس ويمكث أياماً لا يصلي، ولم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء، ولم يأمر من أكل من الصحابة حتى تبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، فأعذرهم بهذا الجهل.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه؟ في ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: قيل: يثبت، وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ، والأظهر لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد أن يبلغ الإنسان الحكم الشرعي؛ لقوله تعالى: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]. وقوله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    ومثل هذا في القرآن متعدد.

    أما العلم الثاني فهو علم الخاصة: وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، ولم يرد فيه نص قاطع أو إجماع صريح، وهذا الذي يعذر فيه الجاهل بجهله، وأمثلته كثيرة تتعلق بالفروع التفصيلية كالمتعلقة مثلاً بأحكام أو تفاصيل التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك.

    فأيضاً هناك نسبية في العذر بالجهل بالنسبة للدار أو بالنسبة للمكان، فما يعذر به في دار الحرب غير ما يعذر به في دار الإسلام، وما يعذر به من هو في بادية أو كان حديث عهد بالإسلام ليس كما يعذر به من نشأ وتربى بين المسلمين، ومن كان عريقاً في الإسلام.

    والعذر بالجهل أيضاً في الأزمنة التي نقصت فيها آثار النبوة وطويت خلافة النبوة التي كان فيها العلم ظاهراً والحدود تقام، والشرائع ظاهرة، والعلماء يبينون ويوضحون ويعيش المسلم في زمن التمكين بدين الله لا تستوي مع مثل هذه الأزمان التي نعيش فيها والتي طويت فيها أعلام السنة، وانتشر فيها دعاة الضلالة، ليس العذر بالجهل في ذلك كالعذر بالجهل في أزمنة التمكين وغلبة السنة وظهور دعاتها، فكل حالة بحسبها.

    فالعذر بالجهل أيضاً هو إما تتغير فيه الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ونحو ذلك.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوة، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، يعني: هو لا يعلم ذلك، وليس هناك أحد يبلغه، فمثل هذا لا يكفر.

    يقول شيخ الإسلام : ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة؛ فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء في الحديث: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجاً إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجاً لا صوم ينجيهم من النار).

    ثم ساق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قصة ذلك الرجل الذي أمر أولاده بإحراقه بعد موته وتذرية رماده في يوم ريح لعله يفلت من عقوبة الله عز وجل.

    يقول شيخ الإسلام أيضاً: ولهذا لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر الذي قال: إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً العالمين، مع شكه في قدرة الله تعالى عليه.

    وأصل الحديث: كان رجل في من قبلكم أسرف على نفسه بالمعاصي، وقال لأولاده: إذا أنا مت -لما حضره الموت- فاحرقوني، ثم خذوا الرماد المتبقي من حرق الجثة، وانتظروا يوماً شديد الرياح فيكون جزءاً منه في الريح، وجزءاً في البر، وجزءاً في البحر، ثم علل هذا فقال: فو الله لئن قدر الله علي -يعني أي: والله لو استطاع الله أن يجمعني بعدما يفعل بي ذلك- ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.

    فواضح جداً من السياق أن المقصود: أنه كان يشك في قدرة الله على بعثه إذا فُعل به ذلك بعد موته.

    فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: مع شكه في قدرة الله وآياته لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفره، والشاهد في الحديث: أنه بعدما فعل به ذلك قال الله عز وجل للأرض: اجمعي ما أخذت منه، وقال للريح كذلك، وقال للبحر كذلك حتى أنشأه الله عز وجل وخلقه خلقاً جديداً، وسأله قال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك! فغفر له.

    فهذا الرجل لو كان كافراً لن يغفر له؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فدل دخوله في مغفرة الله على عدم كفره، وإعذاره بجهله بهذه الصفة من صفات الله تبارك وتعالى.

    يقول شيخ الإسلام : ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.

    وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث في ذلك، فيطلق أن هذا القول كفر، فيكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها دون غيره، والله تعالى أعلم.

    ويقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في أصول الفقه: الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية هو جهل قوي؛ إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال: إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى إنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، ولم يؤد فروضاً من هذه الفرائض؛ لأنه لم يعرف أن هذا واجب عليه، فإنه لا يؤديها قضاء إذا علم.

    وقال زفر : يجب عليه أن يؤديها إذا علم، ويوجهه: أنه بقبوله الإسلام صار ملتزماً أحكامه وعليه أداءها، ويعذر إذا لم يؤدها في وقتها، لكن إذا علم فحكم الالتزام ثابت، ويجب عليه قضاء ما التزم.

    أما جمهور الفقهاء الذين يقولون: ليس عليه أن يقضي بعدما يعلم فوجهتهم: أن دار الحرب ليست موضع علم بالأحكام الشرعية، فلم تستقض فيها مصادر الأحكام ولم تنتشر، فكان الجهل جهلاً بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف إذا لم يتوجه الخطاب.

    الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله يقول في بعض محاضراته: هناك ثلاث مجتمعات:

    الأول: الإسلامي الذي فهم العقيدة الصحيحة، فمن عاش في هذا المجتمع لا يعذر بجهله.

    الثاني: المجتمع الكافر الذي قد يسلم بعض أفراده، فمن أين له أن يعرف العقيدة الصحيحة؟ فهو معذور بجهله.

    الثالث: مجتمع بينهما، فهو في الظاهر مسلم، وعلامات الإسلام ظاهرة عليه، لكن كبار أهله منحرفون عن العقيدة الصحيحة، فمن أين يتلقى أفراد هذا الشعب العقيدة الصحيحة؟ فيكونون والحال هذه معذورين.

    أيضاً من الأمور المهمة في هذا الموضوع: أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل ما يخالف دين الإسلام.

    فأكثر الذين كفروا بالله عز وجل كفروا عن طريق تقليد الآباء والأجداد، يقول الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]، ويقول عز وجل: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23]، ويقول: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78]، ويقول: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة:18]، ويقول: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:10]، أي: شك؛ فذم الله تبارك وتعالى المكذبين من الكفار فيما لا يحصر من أدلة القرآن والسنة.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.

    فغاية من الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إلا عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد.

    فهنا كلام ابن القيم وسياق الكلام هو في الكفار الأصليين الذين يخصهم بأنهم جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، ولم يتحقق لديهم الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، ومن كان كذلك لم يعذر بجهله بالاتفاق.

    هذا فيما يتعلق بالكافر الجاهل؛ لأنه مثل هذا الكافر الجاهل هو أصلاً لم يقر إقراراً مجملاً بالالتزام بحكم الإسلام ثم جهل شيء، يعني: فالخلل والخطر في الحقيقة هو قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين، أن تقيس من قال: لا إله إلا الله على من استكبر عن أن يقول: لا إله إلا الله، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، أن تقيس من قال عن القرآن: إنه سحر وكهانة وأساطير الأولين، ومن يعظم كتاب الله ويوقره ويؤمن به على أنه وحي من الله عز وجل.

    لا يستوي من وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كذاب أشر ساحر مجنون ..إلخ ومن عظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآمن برسالته ونبوته ومحبته.

    فلا يصح أبداً قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين؛ لأن عامة المسلمين وجهلاء المسلمين يقرون في الجملة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة، فلا نتخيل واحداً من هؤلاء الذين شهدوا بالشهادتين أنهم مثلاً يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، أو أن عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله، ونحو هذا مما يخالف الإقرار المجمل بإثبات الوحدانية لله عز وجل، فمثل هذا لا يقع من هؤلاء.

    فالحقيقة أن من أقروا في الجملة بالالتزام بدين الإسلام لم يجحدوا التوحيد، ولم يكذبوا الرسل، وإن خفيت عليهم بعض تفاصيل الدين.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيضاً: بل الواجب على العبد أن يعتقد: أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة واليقين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، أما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم.

    وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: وقد ذكر علماء الأصول من ذلك -أي: من الجهل الذي لا يعذر فيه صاحبه- جهل غير المسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية، إذا بلغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح، وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها؛ فإنهم قالوا: إن قال: هذه الأشياء جهلاً منه؛ فإنه لا يعذر بجهله. وهذا في الكافر الأصلي كما ذكرنا.

    1.   

    لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام

    ومن الأمور المهمة في هذا الموضوع أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل ما يخالف دين الإسلام. فأكثر الذين كفروا بالله عز وجل كفروا عن طريق تقليد الآباء والأجداد، يقول الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]، ويقول عز وجل: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23]، ويقول: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78]، ويقول: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة:18]، ويقول: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:10] أي: شك. فذم الله تبارك وتعالى المكذبين من الكفار فيما لا يحصر من أدلة القرآن والسنة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد. فسياق كلام ابن القيم هو في الكفار الأصليين الذين يخصهم بأنهم جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، ولم يتحقق لديهم الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، ومن كان كذلك لم يعذر بجهله بالاتفاق. فهذا فيما يتعلق بالكافر الجاهل؛ لأن هذا الكافر الجاهل لم يقر إقراراً مجملاً بالالتزام بحكم الإسلام ثم جهل شيئاً، فالخلل والخطر في الحقيقة هو قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين، أن تقيس من قال: لا إله إلا الله على من استكبر عن أن يقول: لا إله إلا الله، وأن تقيس من يعظم كتاب الله ويوقره ويؤمن به على أنه وحي من الله عز وجل بمن قال عن القرآن: إنه سحر وكهانة وأساطير الأولين. فإنه لا يستوي من وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كذاب أشر ساحر مجنون ومن عظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآمن برسالته ونبوته ومحبته. فلا يصح أبداً قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين؛ لأن عامة المسلمين وجهلاء المسلمين يقرون في الجملة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة، فلا نتخيل واحداً من هؤلاء الذين شهدوا بالشهادتين أن يقول: إن الله ثالث ثلاثة. أو: إن عيسى ابن الله. أو: عزير ابن الله. ونحو هذا مما يخالف الإقرار المجمل بإثبات الوحدانية لله عز وجل، فمثل هذا لا يقع من هؤلاء. فالحقيقة أن من أقروا في الجملة بالالتزام بدين الإسلام لم يجحدوا التوحيد، ولم يكذبوا الرسل، وإن خفيت عليهم بعض تفاصيل الدين. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيضاً: بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، واليقين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، أما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم. وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: وقد ذكر علماء الأصول من ذلك -أي: من الجهل الذي لا يعذر به صاحبه- جهل غير المسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية، إذا بُلِّغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح، وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها، فإنهم قالوا: إن قال هذه الأشياء جهلاً منه فإنه لا يعذر بجهله. وهذا في الكافر الأصلي كما ذكرنا.

    1.   

    قضايا في التوحيد يعذر فيها بالجهل

    هناك أمور في تفاصيل التوحيد يعذر فيها بالجهل، كالجهل ببعض صفات الله عز وجل.

    الوقوع في الشرك جهلاً به

    يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله عمن يحتجون بقوله: فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، ويقول: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله واتباع كل ما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.

    إذاً: هذه الكلمة من جهال الكفار أو كفار الجهل هي في الكفار الأصليين، فبعض الناس ينتزعون هذه العبارة من كلام ابن القيم ويطبقونها على المسلمين الجهال، ويقولون: قال ابن القيم : فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل، فنحتج عليه بقول ابن القيم بعد ذلك: فإن الكافر من جحد توحيد الله، وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً أو تقليداً لأهل العناد، وهذا الذي أقر إقراراً مجملاً بالإسلام لم يجحد توحيد الله، ولم يكذب الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

    يعني: من احتج بأن الإسلام لا يثبت عقده إلا بتحقق التوحيد والعبادة، وأن هذا القدر لا يعذر فيه بالجهل، احتج عليه بما ذكره ابن القيم بعد ذلك: بأن الكفر لا يتحقق إلا بجحود التوحيد، وتكذيب الرسل كما عبر عنها الطحاوي رحمه الله في قوله: ولا يخرج العبد من الإسلام إلا بجحود لا عذر له فيه.

    فهل من تلبس بشيء من الشرك من العامة وهو جاهل بحقيقته.. هل هو جاحد للتوحيد؟ هل هو مكذب للرسل؟ والجحود معروف بأنه الإنكار بعد العلم، فهذا لم يعلم أصلاً ولم تبلغه الحجة.

    حتى إذا طعن بعض الناس في جحوده للتوحيد، فهل هو كذب للرسول صلى الله عليه وسلم؟ هو لا يكذب الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما جهل فوقع في المخالفة التي لا يعرف أنها تضاد التوحيد الذي أقره الله عز وجل.

    الجهل ببعض صفات الله وأسمائه

    من الأمثلة المتعلقة بالتوحيد والتي ذكر العلماء أن فاعلها أو صاحبها يعذر فيها بالجهل: الجهل ببعض أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته.

    قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفاتاً لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    وقال ابن قتيبة : قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك.

    وقال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافراً إذا كان مسلماً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه.

    وقد استدل شيخ الإسلام بعض الاستدلالات قد يكون فيها بعض النظر، لكن أنموذج من القضية التي ندرسها مثل: الرجل الذي أوصى أولاده أن يحرقوه فإنه يوضح هذه المسألة، لأن أساس بعض العلماء قالوا: إنه كان يجهل صفة أن الله قادر على بعثه حتى لو فعل به ما أوصى به.

    لكن هذا المثال بعض الناس يشنعون على من يستدل به، فنترك التفصيل في الكلام حول هذا الحديث، لكن نحن الآن على إقرار من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو ممن استدل به في هذا المقام، وهو أنه فهم من بعض الأحاديث: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تجهل صفة من صفات الله عز وجل قبل أن يبلغها بذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك حين سألت النبي عليه الصلاة والسلام يوماً فقالت: (هل يعلم الله كل ما يكتمه الناس؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: نعم) قال شيخ الإسلام : وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا نهزها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتخافين أن يحيط الله عليك ورسوله؟)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها.

    أيضاً من أمثلة ذلك: جهل بعض الصحابة رضي الله عنهم برؤية الله عز وجل يوم القيامة، ولذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه، وكثير من الناس لا يعلم ذلك؟ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط، مثل هذا أيضاً لا تكفير فيه.

    التأويل وحسن الظن بأهل البدع

    وهنا مثال آخر، وهو جهل الذين يتأولون للحلوليين ويحسنون الظن بهم، مع أن هؤلاء الحلوليين يعتقدون أن الله يحل في المخلوقات أو يتحد بها، فهناك من العلماء من أحسن الظن بهؤلاء ولم يكفرهم، مثل الإمام ابن حجر الهيتمي، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، ونحو هؤلاء يدافعون في بعض المواضع عن محي الدين بن عربي، ويعظمون شأنه ومقالته، والحافظ السيوطي رحمه الله تعالى كتب رسالة سماها (تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي ) فذكر فيها أن الناس انقسموا في ابن عربي فريقين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفريقان، وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه. وابن عابدين صاحب الحاشية على الدر المختار عقد مطلباً في حاشيته عنون له بقوله: مطلب في حال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين ابن عربي نفعنا الله تعالى به. وقد دافع في هذا المطلب عنه وقال: ومن أراد شرح كلماته التي اعترض عليها المنكرون فليرجع إلى كتاب (الرد المتين على منتقص العارف محي الدين) لسيدي عبد الغني النابلسي. وابن حجر الهيتمي ممن لا يعذرون بالجهل في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) الملحق بكتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر)، فقد صرح بأنه يعتقد جلالة ابن عربي ولا يعتقد عصمته، بل الألوسي في (روح المعاني) لا تكاد تخلو تفسيراته الإشارية من النقل عن ابن عربي في (الفتوحات المكية) و(فصوص الحكم) وغيرها. ودائماً يقول الألوسي : قال الشيخ الأكبر قدس الله سره. وهو يعني بذلك ابن عربي . والألوسي في مثال من هذه الأمثلة يقول: ولمولانا الشيخ الأكبر قُدِّس سره في هؤلاء القوم ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى، فمن أراده فليرجع إلى (الفصوص) يرى العجب العجاب، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد. وانظر -أيضاً- إلى كلام الألوسي في عبارة أخرى: ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، فإنه قد هدي بها أرباب القلوب الصافية، وضل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وعطلوا الشرائع، واستحلوا المحرمات، وزعموا -والعياذ بالله تعالى- أن ذلك هو الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود التي هي معتقد القوم نفعنا الله تعالى بفتوحاتهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن قال: إن لقول هؤلاء سراً خفياً وباطن حق، وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص الخلق فهو أحد رجلين: إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرف حقيقة أمره، فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله. يعني: إذا وقفت على رجل يثني على ابن عربي فهل معنى ذلك أن تدمغه بأنه يعتقد كل ضلالات ابن عربي؟! كلا؛ فهو يحسن الظن به، وإن كان هذا الظن لا يقع موقعاً يستحسنه، لكن لا يأخذ الناس كلهم حكماً واحداً. يقول شيخ الإسلام : كل من كان أخبر بباطل هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفراً وإلحاداً، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ والعارفين الذين يتكلمون بالكلام الصحيح الذي لا يفهمه كثير من الناس فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء، وإحساناً للظن بهم، وتسليماً بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال ... إلى أن قال شيخ الإسلام : فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين.

    عوام المنتسبين لأهل البدع المكفرة

    أيضاً من أمثلة هؤلاء: عوام المنتسبين إلى بعض الفرق الغالية كالجهمية الاتحادية ونحوها ممن لا يعرفون أسرارهم وحقائقهم.

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس فكثير منهم كافر بالله ورسوله، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام ما يعرفه من عرفهم، وأما من كان فيهم من عامتهم لا يعرف أسرارهم وحقائقهم، فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم -يعني: أخذ الإسلام العام من إخوانه المسلمين لا من هؤلاء الضالين- فإن خواصهم مثل الشيخ سلول وجهلان والصهباني وغيرهم فهؤلاء لم يكونوا يوجبون الصلاة، ولا يشهدون للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فهذا بالنسبة لخواص الملاحدة والزنادقة.

    أما العوام فقد يتابعهم ويقلدهم وهو لا يعي حقيقة أقوالهم وما يقصدون إليه، وإن كان معه أصل الإسلام الذي عليه عموم الناس وعموم المسلمين، أيضاً جهل عوام القبوريين في بعض ما يتلبسون به من عبادة غير الله عز وجل حتى تقوم عليهم الحجة التي يكفر من يعاندها.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فكل عبادة غير معمول بها فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب؛ فإن لم يعلم لم يستحق العقاب. وإن اعتقد أنه مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها. وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به.

    يعني: أفعال الإنسان إما شيء منهي عنه فإن كان منهي عنه استحق العقاب، وإن لم يعلم أنها منهي عنها وفعلها لم يستحق العقاب لأنه لا يعلم، إن اعتقد أن هذا الشيء مأمور به وداخل في جنس الشيء المأمور به المشروع فهو يثاب عليها.

    لكن إن اعتقد شيئاً غير مأمور به، بل هذا الشيء ليس من جنس المشروع بل هو من جنس المنهي عنه مثل جنس الشرك، فالشرك ليس فيه أبداً شيء يمكن أن يكون مأموراً به، لكن قد يحسب بعض الناس ببعض أنواعه أنه مأمور به، فهو في هذه الحالة يقلد غيره من الشيوخ الذين يفعلون ذلك، إما فعلوه لأنهم جربوه فوجوده ينفع في زعمهم، أو اعتمدوا على حديث كذب أو باطل، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي عن هذه الأشياء لا يعذبون، وأما الثواب فإنه قد يكون ثوابهم لأنهم أرجح من أهل جنسهم.

    ويقول أيضاً شيخ الإسلام وانظر إلى هذه العبارة، يقول: ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود للميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تعليقاً على هذه المقولة: ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك: أن الحجة إنما تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق وحجة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله، وإسلام الوجوه له، وإنابة القلوب إليه، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، وقد مثل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية أو ولد في بلاد الكفار ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولهذا قال الشيخ: لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، وقد صنف رسالة مستقلة في أن الشرائع لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر العلماء يسلمون هذا في الجملة، ويرتبون عليه أحكاماً كثيرة في العبادات والمعاملات.

    يقول: فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له والجزم أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له إذاً إذنٌ في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله وجعل معه الأنداد والآلهة؛ لأن هذا بلغته الحجة الرسالية وقامت عليه، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا -يعني: لا يترددون في هذا الكلام- وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا، -الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداءً بهم، ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من يفهمه.

    ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نفسه: إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر ، والصنم الذي على قبة أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر، ولم يقاتل؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]!

    فهذه العبارة صريحة وهي قذى في أعين هؤلاء المبتدعين، قذى في أعينهم إذا سمعوا هذه العبارة، بل وصل الأمر ببعضهم في يوم من الأيام حينما تلوت عليه هذه العبارة أن قال: إذا قال محمد بن عبد الوهاب هذا الكلام فهو أيضاً كافر.

    حكم من نشأ في بيئة تحيا على الشرك

    يقول الشيخ ناصر الدين الألباني -أيضاً- في نفس هذا الموضوع لما سئل: هل يعذر بالجهل من كان في بلد يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام، واعتقد أن هذا الرجل الذي يطاف حوله ينفع ويضر، وهذا هو الاعتقاد التعيس في ذلك البلد؟ فأجاب: هناك ثلاثة مجتمعات: مجتمع إسلامي صحيح، ومجتمع كافر، ومجتمع إسلامي اسماً، فالذي وجد في المجتمع الثاني والثالث معذور -يعني المجتمع غير الإسلامي والمجتمع الإسلامي بالاسم- وحجة الله عليه لم تقم، بمعنى أننا لا نحكم عليه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، وليس معناه أن يدخل الجنة، فإنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، كما قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع. ولكن أريد من قول (إنه معذور)، أي: لا يحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، فله معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار. وهناك من تفاصيل التوحيد ما يعذر فيه بالجهل، ومنها ما لا يعذر فيه بالجهل، مثلاً: رجل يدعي الإسلام ثم ينسب الصاحبة والولد إلى الله تبارك وتعالى، فهذا لا يعذر بجهله. ومثله شخص يعادي الإسلام ويعادي جميع المسلمين عداوة دينية وليست عداوة دنيوية بسبب مال أو أرض أو عرض من الدنيا، لكنه يعاديهم لأجل تدينهم ويبغضهم ويحرمهم بسبب التدين، فهذه -أيضاً- عداوة تنم عن كره وبغض لما أنزل الله عز وجل. وكذلك سب الله عز وجل، وسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل هذا مما لا يتصور ورود عارض الجهل فيه على أحد من المسلمين؛ لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.

    التحاكم إلى الشرائع فيما يظن أنه من أمور الدنيا

    التحاكم إلى الشرائع الوضعية فيما ظن أن الشريعة قد أحالت به إلى التجربة والخبرة البشرية باعتباره من الشئون الدنيوية، وما أكثر ذلك، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: {أنتم أعلم بشئون دنياكم} ، فهو ليس عنده علم بقضية الحاكمية وانفراد الله عز وجل بهذه الحاكمية وهذه الأشياء، لكن ربما انفرد في قبول بعض مبدأ التحكيم لغير شريعة الله في بعض هذه الأشياء التي لبست عليه على أنها ليست من الدين بل هذه من أمور الدنيا وأنتم أعلم بأمور دنياكم، ويذكرون الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير موضعه.

    كذلك موالاة من يجهل أحوالهم من المشركين والمرتدين ونحوهم.

    التأويل وحسن الظن لأهل البدع

    مثال آخر: جهل الذين يتأولون للحلوليين ويحسنون الظن بهم، مع أن هؤلاء الحلوليين يعتقدون أن الله يحل في المخلوقات أو يتحد بها، فهناك من العلماء من أحسن الظن بهؤلاء ولم يكفرهم، مثل الإمام ابن حجر الهيثمي والسيوطي والألوسي والقاسمي ونحو هؤلاء يدافعون في بعض المواضع عن محي الدين بن عربي ، ويعظمون شأنه ومقالته والحافظ السيوطي رحمه الله تعالى كتب رسالة سماها: (تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي ) فذكر فيها أن الناس انقسموا في ابن عربي فريقين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها.

    ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفريقان، وهي: اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه.

    مثلاً ابن عابدين صاحب الحاشية على الدر المختار، والذي عقد مطلباً في حاشيته عنون له بقوله: مطلب في حال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي نفعنا الله تعالى به، وقد دافع في هذا المطلب عنه وقال: ومن أراد شرح كلماته التي اعترض عليها المنكرون فليرجع إلى كتاب الرد المتين على منتقص العارف محي الدين لسيدي عبد الغني ..... ، وابن حجر الهيثمي ممن لا يعذرون بالجهل في كتابه (الإعلام بقوطع الإسلام) الملحق بكتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر)، صرح بأنه ما اعتقد جلالة ابن عربي ولا يعتقد ويشتمه، بل الألوسي في (روح المعاني) لا تكاد تخلو تفسيراته الإشارية من النقل عن ابن عربي في الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرها.

    ودائماً يقول الألوسي : قال الشيخ الأكبر قدس الله سره، وهو يعني بذلك ابن عربي .

    والألوسي في مثال من هذه الأمثلة يقول: ولمولانا الشيخ الأكبر قدس سره في هؤلاء القوم ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى، فمن أراده فليرجع إلى الفصوص يرى العجب العجاب، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

    وانظر أيضاً كلام الألوسي في عبارة أخرى: ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، فإنه قد هدي بها أرباب القلوب الصافية، ودل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وعطلوا الشرائع، واستحلوا المحرمات، وزعموا -والعياذ بالله تعالى- أن ذلك هو الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود، وهي التي معتقد القوم نفعنا الله تعالى بفتوحاتهم.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن قال: إن لقول هؤلاء سراً خفياً وباطن حق، وأنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص الخلق فهو أحد الرجلين: إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرف حقيقة أمره، فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.

    يعني: إذا وقفت على رجل يثني على ابن عربي هل معنى ذلك أنك تدمغه بأنه يعتقد كل ضلالات ابن عربي ؟ كلا هو يحسن الظن به، وإن كان هذا الظن لا يقع موقعاً يستحسنه لكن لا يأخذ الناس كلهم حكماً واحداً.

    يقول شيخ الإسلام : كل من كان أخبر بباطل هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفراً وإلحاداً، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ والعارفين الذين يتكلمون بالكلام الصحيح، الذي لا يفهمه كثير من الناس، هؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء، وإحساناً للظن بهم، وتسليماً بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال، إلى أن قال شيخ الإسلام : فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم، ومعرفة دين الإسلام؛ فهو كافر؛ كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين.

    من نشأ في بيئة تحيا على الشرك

    يقول الشيخ ناصر الدين الألباني أيضاً في نفس هذا الموضوع لما سئل: هل يعذر بالجهل من كان في بلده يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام وهذا في جميع البلاد، وأعتقد أن هذا الرجل الذي يطوف حوله ينفع ويضر، وهذا هو الاعتقاد التعس لهذا البلد.

    فأجاب: هناك ثلاثة مجتمعات: مجتمع إسلامي صحيح، ومجتمع كافر، ومجتمع اسماً إسلامي، فالذي وجد في المجتمع الثاني والثالث معذور -يعني: المجتمع الغير إسلامي والمجتمع الإسلامي بالاسم- وحجة الله عليه لم تقم، بمعنى: أننا لا نحكم عليه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، وليس معناه أن يدخل الجنة، فإنه لن يدخل الجنة {إلا نفس مؤمنة} كما قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع.

    ولكن أريد من قول: إنه معذور، أي: لا يحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، له معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.

    أيضاً هناك من تفاصيل التوحيد من يعذر فيها بالجهل، ومنها ما لا يعذر فيه بالجهل مثلاً: رجل يدعي الإسلام ثم ينسب الصاحبة والولد إلى الله تبارك وتعالى فهذا لا يعذر بجهله.

    مثلاً: شخص يعادي الإسلام ويعادي جميع المسلمين عداوة دينية ليست عداوة دنيوية.. ليست عداء للمسلمين بسبب مال أو أرض أو عرض من الدنيا، لكنه يعاديهم لأجل تدينهم ويبغضهم ويحرمهم بسبب التدين بسبب الدين، فهذه أيضاً عداوة تنم عن كره وبغض بما أنزل الله عز وجل.

    كذلك سب الله عز وجل، وسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل هذا مما لا يتصور ورود عارض الجهل فيه على أحد من المسلمين؛ لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.