إسلام ويب

الإيمان والكفر [20]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن توحيد الحاكمية جزء لا يتجزأ عن التوحيد، فما ذكر في القرآن إلا مقروناً به، وأما القوانين الوضعية ومحاكمها الحالية، فهي مما لم شهده المسلمون وفرض عليهم في هذا العصر، وإن كانت هناك أحكام بغير ما أنزل الله من قبل إلا أنها لم تكن عامة مفروضة مقننة، ولكنها كان عن هوى ومعصية، وقد حكم علماء المسلمين على القوانين الوضعية بالكفر، ولا مجال للشك في ذلك عند المطلع على حقيقتها، العالم بمقاصدها.

    1.   

    توحيد الحاكمية وصلته الوثيقة بالتوحيد

    نخوض الآن في قضية الحكم بما أنزل الله أو قضية الحاكمية، وسبق أن ذكرنا أن لقضية الحاكمية صلة وثيقة بالتوحيد بنوعيه: العلمي الخبري، والعملي التشريعي العبادي، وسوّى الله تبارك وتعالى بين الشرك في العبادة والشرك في الحاكمية، فقال عز وجل: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، (لا) هنا النافية، وفي قراءة ابن عامر من القراء السبعة: ((ولا تشرك في حكمه أحداً))، على أنها (لا) الناهية، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك يا أيها المخاطب في حكم الله تبارك وتعالى أحداً، هذا في الحكم، كذلك قال في العبادة: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، فالأمران كلاهما سواء؛ شرك بالله العظيم في قضية الحاكمية والعبادة.

    الفرق بين كفر العين وكفر النوع

    وكما أشرنا من قبل نحن نفرق في قضية التكفير بين النوع وبين العين. أما كفر النوع: فهو الحكم على الفعل في ذاته، وما ينبغي أن يعتقده كل مسلم في هذا الموضوع الذي نتناوله. أما الحكم على الشخص الذي قام بهذا الفعل، هل هو كافر أم غير كافر؟ فهذه إلى حد بعيد قضية تتعلق بإجراءات من المفروض أن يتخذها القضاء الشرعي إن وجد، أما إن لم يوجد قضاء الشرعي فيكل الإنسان الأمر إلى أهل العلم ليقولوا فيه قولتهم، ولا يجترئ على الكلام من عند نفسه حتى لا يقع تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فإذا دفع الرجل الحكم في الكفر عمن يعتقد هو في نفسه أنه مسلم، وأنه مبرأ من الكفر، ولو أخطأ في هذا الأمر الذي فعله ذاباً عن عرض أخيه المسلم، فإنه يثاب في ذلك حتى ولو لم يصادف الحق، ولم يوافق الصدق في هذه الجزئية، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -وكما سننقله عنه إن شاء الله فيما بعد بالتفصيل- فمن اجتهد في دفع الحكم بالكفر على من يحسن به الظن من المسلمين؛ فإنه يثاب على ذلك ولا يؤثم فضلاً عن أن يكفر، تطبيقاً للقاعدة التي يساء فهمها، وبالتالي يساء تطبيقها: من لم يكفر الكافر فهو الكافر. من لم يكفر الكافر: إذا كان رضاً بكفره، أو من لم يكفر الكافر الذي قام دليل قطعي على كفره مثل فرعون أو أبا لهب، أو اليهود والنصارى وهكذا.

    أما من اختلف العلماء في كفره مثلاً كتارك الصلاة، هل العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة يعتبرون في نظر العلماء الذين يكفرون تارك الصلاة كسلاً.. هل يقولون لهم: من لم يكفر تارك الصلاة فهو كافر؟ هل الإمام أحمد يكفر الشافعي وأبا حنيفة ومالك وغيرهم من الأئمة الذين لا يكفرون تارك الصلاة كسلاً؟ إن هذا فتح لباب عظيم من الفوضى، والاعتداء على حرمات الله تبارك وتعالى، ففي موارد الاجتهاد، أو في المواضيع الإجرائية هذه الخلاف فيها أمر له شأن آخر سنتكلم عليه بالتفصيل في قضية العذر بالجهل إن شاء الله.

    علاقة الحاكمية بالتوحيد

    إن الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فهو أن ينكر هذه المنكرات، وأن يصحح عقيدته في هذه القضايا، ويعلم الحق فيها من الباطل، فقضية الحكم بما أنزل الله من القضايا التي تمس العقيدة من حيث إنها ركن من أركان قضية التوحيد، ولا نقول: إنها كل قضية التوحيد، بحيث نحصر معنى العبادة في قضية الحاكمية كما يحصل من كثير من الاتجاهات الإسلامية، خاصة ممن تأثروا بكتابات بعض الأفراد من المتأخرين الذين وضعوا على أعينهم منظاراً اسمه الحاكمية، ونظروا من خلال الحاكمية إلى كل نصوص القرآن وكل قضايا الإسلام، وبالتالي أهملوا كثيراً من القضايا الحيوية التي تمس العقيدة، وكثيراً جداً من قضايا التوحيد المهمة في بنية المسلم. إن منهج النظر من خلال منظار الحاكمية له اتجاهات شتى بين الجماعات الإسلامية، وبالذات عند الشيخ سيد قطب رحمه الله، وعند المودودي اللذين كان لبعض كتابتهما أثر كبير في أن أساء كثير من الشباب فهم كلامهما، فبالتالي وضعوا من هذه المواضع التي فيها نظر أسساً وأصلوا أصولاً وقواعد قد يكون فيه شيء من النظر. فنحن نركز على بيان قضية الحاكمية كاعتقاد وتصور يجب أن يحتفظ به كل مسلم في قلبه، ويعقد عليه قلبه حتى يصحح هفوته كما يصححها في كل قضايا التوحيد، فإن الله تبارك وتعالى وصف من أشرك به في العبادة بالشرك، وكذلك من أشرك بالله في الحكم أيضاً وصفه بأنه مشرك، قال عز وجل: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، فالحلال حلال الله والحرام حرام الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غير الله باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه، فمن قدم القوانين الوضعية أو أي تشريع يخالف شرع الله تبارك وتعالى على شرع الله، سواء اعتقد أنه مثل شرع الله أو أنهما سواء، فضلاً عن أن يعتقد أنه أفضل من شرع الله، فهذا لا نزاع في كفره وخروجه من الملة، وكل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله، وإن كان أعطاه حق التشريع فهو يقع تحت قوله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137]، فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد، وقال عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، فقد سمى الله تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء، أيضاً الشيطان سيقول للذين كانوا يشركون به في الدنيا: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، وبين في نفس الآيات في سورة إبراهيم أن هذا الإشراك لم يكن زائداً على مجرد أنه أمرهم فأطاعوه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي [إبراهيم:22].

    الأدلة على قضية الحاكمية

    أما الأدلة على أن لا حكم إلا لله سبحانه تعالى فهي أكثر من أن تحصر يقول تبارك وتعالى حاكياً عن يوسف عليه السلام: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40]، وقال عز وجل: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى:10].. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقال أيضاً: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، وقال عز وجل: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70] ، وقال عز وجل: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، وقال عز وجل: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:49-50]، وقال عز وجل: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام:114]، فبهذه النصوص يظهر غاية الظهور أن كل من يتبع القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله عز وجل على ألسنة رسله، فهذا كفر عظيم بواح ناقل عن ملة الإسلام، ولا يخالف في هذا إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي من أمثال هؤلاء. يقول الله عز وجل: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116] الحرام هو الذي حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله، اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]، ويقول عز وجل:إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105] يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26].

    وجه اقتران صفة إفراد الله بالحاكمية بصفات الرب تبارك وتعالى

    لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز في كثير من الآيات صفات من يستحق أن يكون له الحكم وحده، وذلك ليلفت أنظارنا إلى أن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله تبارك وتعالى إذا كانوا يملكون مثل هذه الصفات فيكون لهم الحق في أن يشرعوا ويحلوا ويحرموا، بل ويعبدوا من دون الله، سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! هذا إن كانت لهم هذه الصفات التي سلكوها، أما إن ظهر لنا يقيناً أنهم أحقر وأذل وأضل وأصغر من ذلك، فيقف الإنسان بهم عند حدهم ولا يجاوز بهم إلى مقام الربوبية. ولقد اقترنت دائماً صفة إفراد الله عز وجل بالحاكمية بصفات الرب تبارك وتعالى، وفي هذا إشارة إلى أن من اتصف بهذه الصفات هو الذي يستحق أن يكون له الحكم من دون الله قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الشورى:10-11]، ومن أجل ذلك لا حكم إلا لله؛ لأنه هو الذي فطر السماوات والأرض، كما قال تعالى في الآية الأخرى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] أي: له الخلق وله الأمر؛ لأنه الذي خلق، أما أن يخلقنا الله ويرزقنا فنتجه بالعبادة وبالتوحيد وبالحاكمية إلى غير الله فهذا كفران بنعم الله عز وجل، وصرف للعبادة إلى الأنداد والأضداد من دون الله تبارك وتعالى. فانظر إلى الصفات التي ذكرها الله عز وجل، ثم أعقبها قوله عز وجل: (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )) من هو الذي له الحكم وحده؟ (( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي ))[الشورى:10] هو ربي الذي خلقني، فهل هؤلاء أرباب، أم هم الذين خلقونا؟ (( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )) من هو أيضاً؟ (( فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))، هل عبد الرزاق السنهوري ، أو أبو جهل العربي أو المصري أو أي إنسان ممن شرعوا من دون الله ووضعوا القوانين التي تحاد شريعة الله؟! هل يتصف بصفة واحدة من هذه الصفات؟ هل هو فاطر السماوات والأرض؟! هل جعل لنا من أنفسنا أزواجاً؟ هل ليس كمثله شيء، أم أنه عبد حقير ذليل ليس له إلا أن يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم الله؟ فانظر كيف كفر العباد بدين ربهم تبارك وتعالى، وضللهم عن أصول هذا التوحيد. فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:11-12]، هل في المشرعين من يستحق هذه الصفات؟! يقول عز وجل: لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، وقال تبارك وتعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] هل الذين يشرعون من دون الله ينطبق عليهم قولنا: لا إله إلا هم، أو كل شيء هالك إلا وجوه هؤلاء، أم أن هذه الصفات يستأثر بها الله تبارك وتعالى؟! ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، هل فيهم من يتصف بأنه علي وكبير؟ وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:70-73]. وقال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57]، هل في هؤلاء الأنداد الأرباب الذين يعبدون من دون الله حين يحلون ويشرعون بأهوائهم، هل فيهم من يقص الحق وهو خير الفاصلين؟! هناك جملة من الآيات تقترن فيها صفات الله تبارك وتعالى؛ تلك الصفات التي لا يوصف بها أيُّ من الفجرة الكفرة المشرعين للنظم الشيطانية، ولا يدعيها أي أحد منهم؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وأيضاً لما كان التشريع وجميع الأحكام سواء كانت أحكاماً شرعية أو أحكاماً كونية قدرية هي من خصائص الربوبية، فكل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله فقد اتخذ ذلك المشرع رباً وأشركه مع الله، فمتى أعطيت حق التشريع وأقررت به لهؤلاء الذين تعلم أنت أنهم يضادون حكم الله ويخالفون شرع الله تبارك وتعالى، وأطعتهم في ذلك بنفس التفصيل الذي قدمناه من قبل فقد اتخذتهم شركاء وأنداداً من دون الله تبارك وتعالى. إن الشيطان أوحى إلى أوليائه فقال لهم: سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة، من الذي قتلها؟ فمما يروى أنه أجابهم أن الله هو الذي قتلها أو أخذ روحها، فقالوا: الميتة إذاً ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام، مع أنكم تقولون: إن ما ذبحتموه بأيديكم حلال؟! فهل أنتم أحسن من الله؟ فأنزل الله عز وجل بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، يعني: الميتة، حتى وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب، وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، يعني: أن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه خروج من طاعة الله واتباع لتشريع الشيطان، ثم قال: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، فهذه فتوى سماوية من الله عز وجل بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله العظيم. ويقول عز وجل: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:100]، وقال تبارك وتعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61]، فكل من اتبع هذه التشريعات الشيطانية التي يوحيها الشيطان إلى أوليائه يكون قد عبده من دون الله تبارك وتعالى. ويقول تبارك وتعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31]، لما سأل عدي بن حاتم : كيف اتخذوهم أرباباً؟ أجابه عليه الصلاة والسلام فقال: (إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله)، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً من دون الله. ومن أصرح الأدلة في أن الكفار كانوا إذا أحلوا شيئاً يعلمون أن الله حرمه، وإذا حرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله، فإنهم بذلك يزدادون كفراً جديداً مع كفرهم الأول، قوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ [التوبة:37]، فقد كان الجاهليون يستحلون شهر المحرم ويحرمون بدله شهر صفر، فهذا هو النسيء، فهذا من تشريعاتهم الباطلة، فلذلك قال تبارك وتعالى في حقهم: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ، معاندة ومضادة لتشريع الله تبارك وتعالى، مع أنهم كانوا كافرين أصلاً إلا أنهم لما وقعوا في هذا الأمر الجديد زادوا كفراً على كفرهم.

    وجوب الكفر بالطاغوت

    قال الله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [التوبة:37]، ورأس الطاغوت هو الشيطان؛ لأن كل معصية تقع في الوجود إنما تكون بتحريض هذا الشيطان وباتباع أوامره وأوليائه، فهو شرط في صحة الإيمان، كما يقول عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256]، العروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، والطاغوت مشتقة من مادة طغى من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11]، فالطغيان فيه مجاوزة الحد، لأن من أطاعه في هذا الشرك وهذا الكفر قد طغى، وجاوز به حده بصفته مخلوقاً مربوباً لله إلى أن اتخذه إلهاً من دون الله، فهذا هو معنى الطاغوت.

    فيفهم من هذه الآية: كفر من لم يكفر بالطاغوت، فينبغي أن يعتقد كل مسلم بقلبه بطلان هذه القوانين، وفي أن هذا كفر ومعاندة ومضادة لتشريع الله تبارك وتعالى.

    ويقول عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60]، يقول أيضاً عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    أيضاً أوضح الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة حال الذين يكرهون ما أنزل الله عز وجل، فقال تبارك وتعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ [الشورى:13]، وهذا واضح من حال العلمانيين أعداء الشريعة في كل بلاد الدنيا، فهم يكبر عليهم ويشق عليهم ما تدعوهم إليه من تحكيم شريعة الله عز وجل.

    ويقول تبارك وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ [يونس:71]، وقال أيضاً: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:7]، فانظر إلى شدة بغض الكفار لما كان يدعوهم إليه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ))، وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ [البقرة:221]، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، فنوح عليه السلام يدعوهم ليغفر لهم وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:7].

    أيضاً يقول تبارك وتعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [الحج:72]، وقال عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، شوشوا عليه والغوا فيه، لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78]، وقال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9]، وقال تبارك وتعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6])) * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية:7] * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية:8]، وقال تبارك وتعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5]، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25] * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26]، فعلى كل مسلم أن يتدبر هذه الآيات، وأن يحذر حذراً كاملاً مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيراً من الناس في هذا الزمان بلا شك وأولهم العلمانيون أعداء دين الله وأعداء رسل الله، وأعداء شريعة الله في كل البلاد داخلون في هذا الوعيد؛ لأنهم يكرهون ما أنزل الله، وهذا حالهم مع شريعة الله تبارك وتعالى، فكل من قال لمن يشرعون تشريعاً مخالفاً لدين الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في هذه الآيات، فأولى ثم أولى من يقول: سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتعبون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فهؤلاء يبشرون -والعياذ بالله- بسوء الخاتمة، وأنهم إذا أتتهم الملائكة عند خروج أرواحهم يضربون، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد:27]؛ لأنهم اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط الله تبارك وتعالى أعمالهم.

    جواز اتخاذ القوانين الإدارية التنظيمية التي لا تخالف الشريعة

    ينبغي أن نفرق هنا بين أمرين: فالنظام والتشريع قسمان: قسم إداري وآخر شرعي، أما النظام الإداري فهو الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، مثل نظم العمل ونظم المرور، والقوانين التي أولاً: لا تصطدم مع الشرع في شيء. ثانياً: تحقق مناط الشريعة الإسلامية، وتتلائم مع المصالح التي شرعتها وثالثاً: تعين على ضبط الأمور وإتقانها، فهذا لا يعد من التشريع أو الحكم بغير ما أنزل الله، كما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه فقد استحدث نظماً إدارية كثيرة في خلافته لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وإذا تأملنا ما حصل في غزوة تبوك لما تخلف كعب بن مالك وصاحبيه، فلم يكن عندهم قوائم تضبط أسماء الجنود حتى يعلم من حضر ومن غاب، فما علم بتخلف كعب بن مالك إلا بعد أن وصل تبوك، لكن في عهد عمر وجد ديوان الجند، وفيه ضبط وإثبات للجنود.. إلى آخره.

    أيضاً اشترى عمر رضي الله عنه دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً في مكة المكرمة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجناً ولا أبو بكر رضي الله عنه.

    أي أن الأمور الإدارية التي تفعل من أجل أن تتقن الأمور ولا تخالف الشريعة، فلا بأس بتنظيم شئون الموظفين، وإدارة الأعمال على وجوه لا تخالف الشريعة، وتقع تحت قواعد الشريعة التي تراعي المصالح العامة للمسلمين، أما النظام الشرعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بالله عز وجل فهو النظام المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فهذا تحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛ كدعوى: أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف. هذا كفر بواح يخرج من الملة تماماً، فمن يصف حكم الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] بأنه غير عدل، وأنه لا يناسب العصر، أو أن هذا فيه هضم لحقوق المرأة، أو إلى آخر هذه الدعاوى الشيطانية، فهذا لا شك في كفر القائل به.

    أيضاً دعوى أن تعدد الزوجات ظلم، أو انتقاد حكم الله تبارك وتعالى في إباحة تعدد الزوجات، فهذا أيضاً كفر بالله العظيم. دعوى أن الطلاق ظلم للمرأة، أو أن الرجم -للزاني المحصن- وقطع يد السارق، هذه أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، فمن هذه هي نظرته إلى شريعة الله في نفوس الناس وأموالهم، وأعراضهم وأنسابهم وعصورهم وأديانهم، هذا كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بما يصلحها سبحانه وتعالى أن يكون من دونه مشرع آخر، فهذه بعض المقدمات فيما يتعلق بقضية الحكم بما أنزل الله تبارك وتعالى.

    1.   

    القوانين الوضعية

    قصة القوانين قصة طويلة، وتاريخ إدخالها في بلاد المسلمين لا نطيل بذكره؛ لأنه يستهلك وقتاً طويلاً.

    فساد واضعي القوانين

    من أجمع ما كتب في هذه القضية كتاب: الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية للدكتور: عمر سليمان الأشقر ، لكن نجتزئ منه بعض المواضع، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتاب الأصلي، فقد ذكر تحت عنوان: نظرتنا إلى القوانين الوضعية أولاً: أن القوانين الوضعية عاجزة عن تحقيق الأهداف المرجوة منها، فالقوانين الوضعية عبارة عن ترجمة وانعكاس لآراء المقننين، فهي في الحقيقة لا تحقق الأهداف التي ترجوها للارتقاء بالمجتمعات وعلاج أمراضها وعللها، لكن الواقع أن القوانين الوضعية لا تمثل هذه المعاني الرفيعة التي يجب أن يحققها القانون، وإنما تمثل تلك القوانين آراء الحكام والمقننين، وتترجم عن أنانيتهم وشرعهم، وتسجل عليهم سوء النية، وسوء التفكير، والتضحية بالمعاني الرفيعة إرضاءً للأطماع، وإشباعاً للغرور، فمن الذي وضع القوانين الوضعية؟ وضعها البشر، وما صفات هؤلاء البشر؟ القصور، الظلم، الانحراف، هذه صفة الإنسان الظلوم الجهول.

    إن القوانين الوضعية حينما تعالج مشكلة من المشاكل ونظراً للقصور الذي في طبيعة البشر من عدم الإحاطة بأمور كثيرة تغيب عن العلم البشري؛ فإنهم يتصرفون في خلال ما عَنَّ لهم فقط من أمور، لكن تغيب عنهم أشياء بعد ذلك حينما يطبق القوانين، فتظهر هذه الأشياء فيعدلون القوانين حسب ما يتجدد من علمهم، فيغيب عن هذه الحقائق كثير من الأشياء، أما شريعة الإسلام.. شريعة الله عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فالذي خلق الإنسان أنزل هذا الشرع من أجل إصلاح حاله، فهو أعلم بما يصلح الناس، فلا يمكن أبداً أن تند أو تغيب أو تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.

    أيضاً القوانين الوضعية تهدر تماماً حق الله، وهذا من أخبث الأشياء في القوانين الوضعية، فهي لا تعرف شيئاً اسمه: حق الله تبارك وتعالى، بل هناك حق المجتمع.. حق الأطراف البشرية، لكن حق الله غير مراعى عندهم؛ ولذلك يسقطون في المجتمعات العلمانية قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! كل إنسان حر ما لم يضر، أنت حر تفعل ما شئت ما دام أن المعاصي تتم بالتراضي، وعقود الربا تتم بالتراضي، إلى غير ذلك مما يخالف شريعة الله، فهم لا يضعون في اعتبارهم حق الله، وأن هذا حرام لحق الله، أنك تغار على حرمات الله حينما ترى المعصية، وبالتالي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ لأن هذا حق الله، أما القوانين الوضعية فتهدر تماماً حق الله تبارك وتعالى وتلغيه، انظر إلى الأخلاق وإلى العقيدة ولا تنظر للإنسان نظرة شاملة.

    فساد المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية

    والإنسان إذا نظر إلى أرقى المجتمعات التي يسمونها متحضرة، وبالذات العالم الغربي تجد أن نسبة الإجرام فيها متزايدة ومرتفعة، مع أنهم وضعوا هذه القوانين التي يتشدقون بها من أجل الأمان والرفاهية والرخاء والتقدم، إلى آخر هذه الدعاوى، ثم إذا نظرت إلى واقع هذه المجتمعات تجدها عبارة عن غابات يعيش فيها مجموعة من الوحوش، لا يصح نسبتهم إلى البشر، يعيشون في حالة من الهمجية والتردي والضياع لا يستطيع أن يتخيلها إنسان، ولو قدر أن يكشف النقاب عن التزوير الذي يحصل في نقل صورة المجتمع الغربي لفوجئ الناس بالذات هنا في البلاد الإسلامية أننا في حالة رقي أخلاقي واجتماعي وعقائدي، وبيننا وبينهم مفاوز وفلوات تنقطع دونها أكباد الإبل، لا تحلم أمريكا ولا الغرب بعشر معشار ما عليه المجتمعات الإسلامية الآن ببركة بقايا الإسلام الموجودة، فما ظنك إذا كان كل الإسلام مطبقاً في مجتمعاتنا؟ هم لا يحلمون بما نعيش فيه، نحن الآن هنا في هذه البلاد لا نشعر بالنعم؛ لأننا لم نفقدها، لكن اسألوا من يذهب إلى هذه البلاد، ويرى الضياع الذي إذا تكلم الإنسان فيه يستغرق ساعات وساعات، فأعلى نسب الإجرام موجودة في هذه المجتمعات التي وضعت هذه القوانين، والتي تزين لنا هذه القوانين!

    إذا ذهبت إلى المدينة المنورة أو إلى مكة المكرمة منظر نتحدى به العالم أجمع، هذا المنظر هو منظر الرجل الصراف الذي يجلس في السوق أمام الحرم المكي أو المدني.. رجل بسيط يجلس على الرصيف وأمامه أكوام من الأموال والدولارات، والريالات والجنيهات، عملة جميع بلاد العالم موجودة أمامه في هذه الأكوام، والناس يغدون ويروحون بالآلاف من أمامه، والرجل في حال من الأمان بثمرة وبركة الإسلام وتربية الإسلام لهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، اسألوا أي إنسان يعيش في مدينة نيويورك، وتخيلوا لو أن مثل هذا الرجل في أفخم حي في العالم وهو منهاتن في نيويورك صاحبة ناطحات السحاب، فإن الأمر لا يحتاج سوى وقت يسير حتى يقتل هذا الرجل وينهب هذا المال نهباً، فهذا مما نفاخر به الدنيا، هذا منظر يسير جداً يعكس مدى الأمن رغم انحراف المسلمين عن حقيقة الإسلام إلى حد بعيد، فلا يأمن إنسان يستطيع أن يمشي بحقيبة فيها نقود، لابد أن تضع يدك في جيبك حينما ترى رجلاً مقبلاً في الطريق حتى توهم من يأتي عليك أن معك مسدساً، حتى لا يحاول أن يقتلك أو يأخذ منك شيئاً على ما نحن عليه من البعد عن الإسلام، ومع بقايا الإسلام التي بقيت في مجتمعاتنا، فكيف بنا إذا طبق الإسلام بكامله في هذه المجتمعات؟ فأكثر بلاد الدنيا أمناً هي أقربها إلى بقايا الشريعة الإسلامية، وأكثر البلاد إجراماً هي هذه البلاد التي تدعي الحضارة والتقدم، وتزين قوانينها الكفرية، وتحارب شريعة الله تبارك وتعالى، ويقولون: حقوق الإنسان.

    قوانين حقوق الإنسان الوضعية وانحرافها

    لو تكلمنا أيضاً في ما يسمى بحقوق الإنسان، وموقف الإسلام من وثيقة حقوق الإنسان لطال الكلام جداً، فهم يرتكبون في حق البشرية أعظم جريمة حينما يصدون عن دين الله، لماذا؟ لأنه أعظم حق من حقوق الإنسان الذي لا يختلف عليه اثنان: ألا يحال بينه وبين سعادة الدنيا والآخرة، ألا يحال بينه وبين الإسلام، ألا يشوه الإسلام في نظر الناس، فيصدونهم عن دين الله تبارك وتعالى، من الذي أمر بهذه الشريعة؟ هو الله عز وجل، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نقارن بين شريعة الله وشريعة هؤلاء المتوحشين.

    استغلال الأمة ومواردها عن طريق القوانين الوضعية

    القوانين الوضعية إنما اتخذت وسيلة لتمكين أعداء الله تبارك وتعالى في ديار المسلمين، فأتي بهذه القوانين حتى تحطم عناصر القوة في هذه الأمة، ولا يغيب عنا ما وقع من الانجليز في مصر من إفساد في المجتمع المصري؛ من أجل التمكين لمصالح أعداء الله الانجليز، فقد بين ذلك الشيخ عبد القادر عودة في كتابه: الإسلام وأوضاعنا الكونية، وأطال في الكلام، وذكر أمثلة كثيرة جداً من الاستغلال الذي كانت انجلترا تستغل فيه مصر، وتخرب مصر باسم القوانين الوضعية، وأيضاً يذكر شيئاً منها عبد القادر عودة رحمه الله فيقول: إن القوانين المصرية قامت على أساس خدمة الاستعمار، ومحاباة الأجانب، وتمكين الجميع من امتصاص دماء الشعب المصري، وصرف المصريين عن طريق الخير، وإبقائهم إلى أطول وقت ممكن فريسة الجهل والضعف، فالقوانين الجمركية والمالية التي تحمل اسم مصر تؤخذ من جيوب المصريين الفقراء لتضخيم جيوب الانجليز الأثرياء، ولا يخطئ الإنسان كثيراً إذا قال: إن الهدف الأول من هذه القوانين، هو: حماية التجارة الانجليزية، وقد أتى علينا زمن كانت السلع الرخيصة تمنع فيه من دخول البلاد المصرية إذا كانت تزاحم برخصها سلعة انجليزية.

    أيضاً القوانين تلزمنا أن ننشئ طرقاً ونعدها للانجليز، وأن ننشئ السكك الحديدية وننفق عليها لصالح الانجليز، وننشئ الموانئ ونوسعها لتأوي إليها مراكب الانجليز، وأن نمد خطوطاً تلفونية وتلغرافية لخدمة الانجليز، وبالرغم من ذلك تدخل إلى مصر حاجات الجيوش الانجليزية، إلى آخره.

    القوانين المصرية تسمح للأجانب المثقفين الأغنياء أن يعاملوا بالربا المصريين الجهلاء الفقراء، وغير ذلك أمثلة كثيرة، إباحة الزنا، إباحة بيع الخمر، إلى غير ذلك من الأشياء، أيضاً من النماذج التي وقع فيها الضرر الكبير على يد هؤلاء محكمة دنشواي وما وقع فيها من الظلم الفاحش، والظلم البين الذي وقع بالمسلمين في هذه البلدة، ولعلكم إذا رجعتم أيضاً إلى الوراء، وتذكرتم قصة سليمان الحلبي الذي قتل كليبر الفرنسي ، وما فرنسا؟ حاملة لواء الحرية، وصاحبة قانون نابليون الذي يفتخرون به، ماذا حصل مع سليمان الحلبي وصاحبة قانون نابليون الذي يفتخرون به؟ قالوا: حاول الفرنسيون معه بالطريقة الأوروبية الراقية في التحقيق، فلم يفد معه ذلك شيئاً، يقول: فسلكنا معه سلوك أبناء البلد، يعنون بذلك التعذيب، فعذبوه عذاباً شديداً، وانتزعت منه الاعترافات، وحصل أن قطعوا يديه وشووها أمامه، ثم بعد ذلك قتلوه أشنع قتلة، هذا من النماذج، والنماذج يطول الكلام فيها.

    استحالة الالتقاء بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية

    بعض الناس يظنون أنه يمكن أن يحصل لقاء بين التشريع الإسلامي وبين القانون الوضعي، ولا يمكن أن تصدر هذه الدعوى من شخص يؤمن بالله، ويؤمن بهذه الشريعة، ويعلم خصائصها، فالشريعة غنية عن أن تحتاج إلى القوانين الوضعية كما يزين شياطين القانون الوضعي، ويقولوا: ممكن أن يحصل لقاء بين الشريعة الإسلامية وبين هذه القوانين الوضعية، ويقولون بعبارة أخرى رددها إخوانهم المنافقون من قبل: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62]، توفيق بين الشريعة الإسلامية والشرائع الطاغوتية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60] * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:61] * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62] * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63]، ولعل من يتابع التحول الجذري الذي يحصل الآن في اليمن بعد اتحاد اليمن الشيوعية مع اليمن الشمالية، وما يحصل من تزوير وتزييف وضغط على العلماء والمسلمين في اليمن من أجل هذا الدستور العلماني الجديد، تجد حيل وأساليب المنافقين تعود من جديد من أجل فرض هذه القوانين الكفرية على بلاد المسلمين.

    1.   

    الكفر الاعتقادي في الحكم بغير ما أنزل الله

    فصل الشيخ محمد بن إبراهيم متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل كفراً مخرجاً من الملة، فذكر أن الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين: كفر اعتقادي، وكفر عملي، ثم فصل القول في الكفر الاعتقادي، وذكر أنه ستة أنواع:

    جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي

    أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي عن ابن عباس ، واختاره ابن جرير : أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم: أن من جحد أصلاً من أصول الدين، أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعياً، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة، وهذا كفر الجحود.

    اعتقاد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله

    ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله، فهو يعتقد ويؤمن بأن هذا الحكم من عند الله، لكن يعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع إما مطلقاً وإما بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث، إما أن يرى هذا مطلقاً وإما أن يقول: بالنسبة للحوادث التي تجددت فحكم غير الشرع أفضل من حكم الشرع وأحسن؛ نتيجة تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب في كفره؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار على حكم الحكيم الحميد.

    وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قل نصيبهم، أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، يعني: تغير الأحكام بتغير الأزمان هذه القاعدة ليست على إطلاقها، هذه الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام التي تكون أسست على العرف، والعرف متغير ومتبدل، فما كان من الأحكام راجع إلى العرف فإنه يتغير بتغير الأزمان والبيئات، أما الأحكام الشرعية المؤسسة على الأدلة، فهذه لا يمكن تغييرها بحال من الأحوال.

    اعتقاد أن حكم غير الله يساوي حكم الله

    ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين الذي قبله في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    هذه الحالات الثالث:

    الحكم الأول: الجاحد: هذا ينكر حكم الله، ويكذب بآيات الله، فهذا لا نقاش بشأنه.

    النوع الثاني: أن يعتقد أنه حكم الله، ويقر بأنه من عند الله، لكنه يرى أن حكم غير الله، أو حكم غير شرع الله أفضل وأحسن من حكم الله.

    الحالة الثالثة: يقر بأنه من عند الله، لكن يرى أنه مثله. فهؤلاء سواء في الكفر.

    اعتقاد جواز الحكم بغير حكم الله

    النوع الرابع: أنه لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله، فضلاً عن أن يعتقد أنه أحسن منه، لكنه اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو غير جاحد والفرق بين هذا النوع والنوع الثاني: أن هذا يقول: أنا أقر بحكم الله، لكن حكم غير الله أحسن من حكم الله، ولا هو من النوع الثالث الذي يقول: أقر بحكم الله، ولا أقول: إن حكم غير الله أحسن من حكم الله، لكن أقول هو مثله.

    أما النوع الرابع فليس من هذا ولا ذاك، لكنه يعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجيز الحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى، فهذا كالذي قبله يصدق عليه باعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن ظن أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، فهذا كافر يجب قتله بعد استتابته، وهذا للأسف الشديد موجود عند بعض الصوفية، إذ حينما تناقشه بالأدلة وتبين له، يقول: أنت لكم طريقة، ونحن لنا طريقة، أنتم تأخذون من العلم والأدلة، ونحن نأخذ مباشرة عن الحي الذي لا يموت، وربما ادعى بعضهم أنه يطلع على اللوح المحفوظ، وفي الحقيقة ليست: لكم طريقة غير طريقة، وإنما هي: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]؛ لأن من جوز أن هناك طريقاً إلى الله بعد بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وطريقاً إلى حكم الله غير رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا حظَّ له في دين الإسلام، فمن جوز أن يأتي تشريع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مخالف لشريعته يجوز التعبد به، فهذا لا حظَّ له في دين الإسلام، ومن جوز ذلك مدعياً أنه في حاله هذه مثل الخضر مع موسى، فهذا أيضاً لا يقبل منه؛ لأن شريعة موسى لم تكن شريعة عامة، ولم تكن للناس كافة، والخضر بعث في نفس الوقت في طائفة آخرين -على القول الأرجح أنه كان نبياً- (كان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت للناس كافة)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ففي هذه الحالة كان يسع الخضر الخروج على شريعة موسى، لأن هذا له شريعة، وهذا له شريعة، والدين واحد: لا إله إلا الله، أما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكل الطرق إلى الجنة مسدودة إلا طريقاً على رأسه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجوز لمسلم أن يرتاب في هذه الحقيقة قيد شعرة، ولا يجوز أن تتزلزل أو تتزحزح هذه العقيدة، أو تهتز بأدنى شيء من الشك أو الريب، فكما أنك تقول: لا إله إلا الله، وتعتقد بطلان أي شرع غير شرع الله تبارك وتعالى، فموسى لم تكن دعوته عامة، ولم يكن يجب على الخضر اتباع موسى، بل قال الخضر لموسى: (إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من عند الله علمكه الله لا أعلمه)، فمصدر العلم هو الله، والشرائع كانت تتعدد في ذلك الزمان.

    يقول صاحب الطحاوية: إن اعتقد الحاكم أن الحكم بغير ما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.

    مضاهاة المحاكم الوضعية بالمحاكم الشرعية

    أما النوع الخامس وهو أعظمها وأصرحها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم: ومضاهاة المحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستندات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني, وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حاكمها بينهم بما يخالف حكم الكتاب والسنة من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، يقول الشيخ محمد بن إبراهيم : فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله بعد هذه المناقضة. ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء، وأولي النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نصاً أو استنباطاً؟!! فتدعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد. وخضوع الناس ورضوخهم لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب ألا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد الرءوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربئوا بنفوسهم عنه؛ لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض والأغلاط والأخطاء فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]. ومن تتبع قصة تطبيق القوانين الوضعية في بلادنا الإسلامية وجد المآسي والفضائح والخيانات المخزية، ففي الحقيقة لم يحصل دخول القوانين الوضعية نتيجة أن الأمة الإسلامية حريصة على ما يسمونه بالتقدم والرقي، وأخذ هذه القوانين العصرية، لا، بل حصل ذلك بالقهر والخيانة، كشأن كثير من القضايا التي تسربت إلى بلاد المسلمين؛ بسبب هذه الخيانة وهذا القهر والاستعباد الاستعماري الجديد.

    الحكم بالسلوم والأعراف القبلية دون حكم الله

    ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعادتهم التي يسمونها سلومهم؛ يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به، ويحرصون على التحاكم إليه عند التنازع إبقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبةً عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    فهنا صنفان من الناس كفروا في هذه القضية بلا شك: الصنف الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله، ووضعوا القوانين المخالفة لشرع الله، حيث يلزمون به العباد، والإجماع على كفرهم لا شك فيه، وهؤلاء هم الشركاء الذين عناهم رب العزة بقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، فمن شرع وأحل أو حرم خلاف شرع الله؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، وهذا هو الدليل، وكذلك قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

    عظم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جريمة هؤلاء، وهول أمرها، فبعد أن بين حكم الحاكم الذي يحكم بغير علم، والحاكم الذي يحكم بغير الحق وهو يعلم، وأنه من أهل النار، تحدث عن الفريق الذي يشرع غير ما أنزل الله، ويبدل دين الله، فقال: وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين فجعل الباطل حقاً، والحق باطلاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى عنه الله ورسوله، فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وآله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].

    ويقول شيخ الإسلام : والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    كلام الشيخ أحمد شاكر في القوانين الوضعية

    الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى باعتباره كان أحد القضاة الشرعيين، ومحدث الديار المصرية كما هو معلوم، يقول رحمه الله عز وجل في ذلك: هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً كلمات تقديس القانون، قدسية القانون، حرمة المحكمة، ويقولون: وحصل منه ذلك في حرم المحكمة ولا حرم في الدنيا إلا مكة والمدينة، حتى بيت المقدس لا يسمى حرماً، فالآن أهينت الكلمة ويقولون: الحرم الجامعي، بل يقولون: ممنوع إلقاء الزبالة في حرم سكة الحديد، كل شيء أصبح له حرم حتى هذه المحاكم، يقول: حرمة المحكمة، وحرم المحكمة، حتى المحامي تجده يصف القاضي بعبارات التفخيم والثناء والمديح، مثل: عدالتكم، وكيف يكون عادلاً وهو يحكم بغير ما أنزل الله؟! من أين يأتيه العدل إذا كان في أحكامه يرفع راية غير راية الإسلام، وشريعة غير شريعة الإسلام؟ فهذه القوانين ليس لها مكان غير تحت موضع القدم، حيث تداس الأقذار والنجاسات، والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام في أكبر محفل شهده مع الصحابة في حجة الوداع: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)هذه صيغة عموم، ربا الجاهلية، تبرج الجاهلية، حمية الجاهلية، ظلم الجاهلية، حكم الجاهلية، فهذا مكانها تحت الأقدام لا فوق الرءوس، فكيف نصف من يتحاكم إليه بعدالتكم وفخامتكم إلى آخره؟! يقول: وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية، وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها بكلمات الرجعية، والجمود والكهنوت وشريعة الغاب، إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين. ثم بين كيف تدرج الأمر بالمسلمين فصاروا يطلقون على هذه القوانين ودراستها كلمة: الفقه والفقيه، والتشريع والمشرع، حتى القوانين أصبح فيها فقيه في القانون ومشرع، ويكون المشرع الحكيم قصد من هذه العبارة الطاغوت الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، المحامي في نفاقه ودجله يمتدح المشرع ويقول: المشرع الحكيم. ثم بين الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أن المسلمين انحدروا درجة، وتجرءوا على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد، ثم بين كيف وصل الحال بهم إلى الدرك الأسفل، فنفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شرعت لقوم بدائيين غير متمدنين، فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني خصوصاً في الحدود المنصوصة في الكتاب والعقوبات الثابتة في السنة. إلى أن قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة واسعة المعرفة في هذا اللون من الدين الجديد الذي نسخوا به شريعتهم، ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوروبا، فصار للمسلمين من أئمة الكفر ما لم يبتل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور، وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكام الشريعة وما خالفها. يقول أيضاً: والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعطيل لكل ما في شريعة الله.

    كلام العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية والأعراف الجاهلية

    تكلم العلماء في قضية تحكيم القوانين الوضعية؛ فنجتزئ من كلامهم بعض النصوص. يقول شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهذا كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى؛ كسوالف البادية، وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر؛ فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار. وقال: ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، وقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. ويقول ابن القيم رحمه الله كلاماً قريباً من كلام شيخ الإسلام فلا نطيل به. ومعروف كلام ابن كثير رحمه الله في نفس هذه القضية، نذكر بعضه. يقول بعد أن ذكر رحمه الله نتفاً من الياسق التي يحكم بها التتار، قال: وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين. ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، فكل امرئ حسيب نفسه. وقال رحمه الله تعالى: سيقول عني عبيد هذا الياسق العصري وناصروه: إني جاهل، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاءوا، فما عبئت يوماً بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول. ويقول أيضاً الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده، والعمل به؛ عالماً كان الأب أو جاهلاً؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به، ويعرض عن شريعته ألبتة؟ ما أظن مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة، قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة. وذكر مقالات لكثير من العلماء كلها تدور حول هذه المعاني في هذه القضية، فمن شاء فليرجع إلى الكتاب ففيه تفصيل أكثر بكثير عن تاريخ القوانين الوضعية إلى بلاد المسلمين، وبيان أن هذا ما تم إلا بالخيانة أيضاً، وما تم إلا بالإكراه كما حصل في كثير من القضايا الأخرى على يد من أرادوا أن يسلخوا المسلمين من دينهم وعقيدتهم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم المدين إن لم يجد الدائن

    السؤال: هناك بعض الناس لهم عندي نقود من أيام الجيش كسلف، ولم أعرف منازلهم: فهل أخرج حقهم كصدقة أم ماذا؟

    الجواب: عليه أن يتحرى ويجتهد، ويبذل أقصى وسعه في سبيل الوصول إلى أصحاب هذا المال، فإن عجز عن الوصول إليهم فيمكن أن يخرجه صدقة بنية أن يكون ثواب هذه الصدقة إلى هؤلاء، فإذا ما وقع على أحدهم في يوم من الأيام، ولم يجز ما فعله بالمال فعليه أن يضمنه له. والله أعلم.

    حكم معاملة المرتد وصلته وولايته

    سؤال: هل يجوز مؤاكلة والد ودعوته إلى طعام وقد صرح بالكفر وعدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وماذا يجب على زوجته المسلمة؟ وهل ابنته يجوز أن تتزوج بولايته؟ الجواب: إذا كان يصرح بأنه كافر ولا يؤمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فما من شك أن هذا أخ لـأبي جهل وأبي لهب ، ولا حظَّ له في الإسلام، فتنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن مع إخوانه من اليهود أو النصارى أو المشركين، ومن مظاهر انقطاع الولاية أيضاً أنه لا يرث قريبه المسلم ولا يورث أيضاً، والأمة تتبرأ منهم في كل صور البراءة، ومن مظاهر انقطاع هذه الولاية: أنه لا يجوز له أن يلي زواج ابنته، ولكن يليها أقرب الأقربين من العصبة في أمر الزواج، إذا كانت المرأة معها ابناً مثلاً يمكن أن يزوجها، أو أخوها أو عمها.. وهكذا حسب ترتيب العصبة المذكورين في الميراث. أما المعاملة فإن كان أبوها يؤذيها بسب الله مثلاً أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام فيقاطع ويهجر، وإلا فإنه يجوز إن كان هذا الكافر كفراً أصلياً أن يوصل، كما هو معروف حديث أسماء رضي الله عنها حينما أتت أمها تصلها، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا رسول الله! إن أمي مشركة وإنها قد أتتني، فهل أصلها؟ فنزل قوله تبارك وتعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8]).

    نصيحة لمرتكب الكبائر

    السؤال: رجل يرتكب أكبر الكبائر، فبم تنصحه؟

    الجواب: ينصح بالتوبة من هذه المعاصي، والمبادرة إلى التوبة قبل أن يأتيه الأجل، ثم إن الله تبارك وتعالى له بالمرصاد، فكل من انتهك حرمات الله تبارك وتعالى، وتعدى على أعراض الآخرين، فيحذر أن ينتقم الله منه بأن يقع ذلك في عرضه هو أيضاً.

    وننصح مثل هذا أن يقرأ كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فإنه قد وجه سؤال لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى عن رجل وقع في معصية، وأبهم السائل المعصية، واستحكمت عنده بحيث أنه لا يكاد يستطيع أن يفارقها، فكتب هذا الكتاب وسرد فيه عامة أنواع المعاصي المنتشرة، وأجاد وأبدع في التحذير من المعاصي، وبيان آثارها وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فننصح جميع الإخوة معاودة قراءة الكتاب بين وقت وآخر؛ لأنه مفيد وعظيم البركة.

    حكم حلق اللحية لتكبير حجمها

    السؤال: هل يجوز حلق اللحية من أجل تكبيرها؟

    الجواب: يقصد أن الحلق يهيج اللحية ويسرع بنموها. لا يجوز، ونص العلماء على أن ذلك لا يجوز، فالغاية لا تسوغ الوسيلة.

    حكم الإسلام في الآثار والتماثيل

    السؤال: ما حكم الإسلام في الأهرامات، والآثار المصرية القديمة؟

    الجواب: أما ما كان على هيئة التمثال لكائن حي، فقطعاً يجب قطع رأسه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة)، أما الأهرامات وآثار الفراعنة فالذي أعتقده في قلبي، وأدين الله تبارك وتعالى به: أن هذه الأشياء أكرم للشعب المصري أن يزيلها من الوجود تماماً وينسفها نسفاً، ويدمرها تدميراً؛ لأن هذه رمز الهوان والذل الذي يوصم به المصريون الذي كانوا يعبدون ملوكهم، فهي في الحقيقة رمز الذل والهوان، وليست مجلبة للفخر والاعتزاز، هذه حجارة أناس وثنين، وكل ما تركوه لنا هو هذه الأحجار، ما هي حضارة القدماء المصريين؟ قليل من الحجارة ووثنية وشرك، وعبادة الشمس، وعبادة الملوك.. فهذا أمر نبرأ إلى الله عز وجل منه فضلاً عن أن يفتخر به الناس، ويربى المسلمون على الاعتزاز بهذا التراث الحجاري لا الحضاري، والوثنية والشرك، فلا يصح إسلام مسلم حتى يتبرأ من هؤلاء الوثنيين المشركين.

    حكم صلة الأرحام من أهل البدع ومجالستهم

    السؤال: هناك إخوة أشقاء ظهر أنهم من بعض جماعات التكفير، فما حكم صلتهم وكيف تكون؟ الجواب: أول ما يجب أن ينصح هؤلاء به أن تقام عليهم الحجة على يد من يستطيع أن يقيم الحجة، ويدفع عنهم الشبهة، حتى لا يبقى لحججهم مدفع، فإن أصروا على هذه البدعة فينبغي أن يجتنب الإنسان مجالستهم، والمناظرة والمناقشة معهم، فإن كانوا ذوي علم ونشطين إلى هذه البدعة، فالأولى أن يجتنبهم الإنسان حتى لا يؤثروا في قلبه وهو لا يشعر، والله أعلم.

    حكم العمل في المصالح الضريبية والجمارك ونوادي الضباط

    السؤال: ما حكم العمل في المصالح الضريبية ومصالح الجمارك، وما حكم العمل في نوادي الضباط إذا كان العمل في الحسابات أو في الورش كتصليح العربات؟ الجواب: أما نوادي الضباط فليس فيها مشكلة والله أعلم، أما المصالح الضريبية ومصالح الجمارك فظلم ومكوس، لا يجوز، يقول عز وجل: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    حكم التبرع بالأعضاء بعد الموت

    السؤال: توجد جمعيات في كثير من الأماكن تدعوا أعضاءها لكتابة تنازل عن أعضائه عند وفاته: فما حكم في التبرع بالأعضاء مقابل المال؟

    الجواب: لقد أعطاك الله هذا الجسد وليست هذه عطية تمليك، فأنت لا تملك بدنك، هذه عارية، فالله عز وجل أعطاك النعمة والصحة والعافية والأعضاء للمنفعة، ولست أنت تملكها، والدليل: أنه لا يجوز لك أن تنتحر مثلاً، ولا يحوز للإنسان أن يعتدي على هذا البناء الذي بناه الله عز وجل، وهو هذا البدن والصحة والعافية ليست ملكاً لك، هذه عارية ملك لله، أما دورك أنت فلك الانتفاع بها فقط، أما أن تبيع كلية، وتبيع العين، وتبيع أعضاء الإنسان، فليس هو عبارة عن قطع غيار بشرية حتى يمتهن بهذه الصورة، وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة، لكن الذي أعلمه -والله أعلم-: أنه لا يجوز التصرف في الأعضاء؛ لأن الله عز وجل منحك إياها على سبيل الانتفاع بها، وأنت لست تملكها في الحقيقة حتى تبيعها أو تتبرع بها، الأحرى أنه لا يجوز التصرف في الأعضاء، وفي كتاب للدكتور عبد السلام السكري حفظه الله حكم نقل الأعضاء البشرية، وهو كتاب جيد في بابه انتهى فيه إلى عدم جواز بيع الأعضاء البشرية، وكذلك كتاب للشيخ الغماري على صوفيته رحمه الله، لكنه أجاد أيضاً في هذا الكتاب، وانتهى فيه إلى المنع، وهناك فتوى من المجمع الفقهي من السعودية يبيح الانتفاع بالأعضاء بشروط.

    حكم ختان المرأة

    السؤال: نشر في بعض الجرائد أن ختان المرأة ليس عليه دليل شرعي ويجب منعه؛ لأنه إهانة للمرأة ومذلة لها، وفي كتاب فقه السنة يقول: إن أحاديث الختان للمرأة كلها ضعيفة؟

    الجواب: سبق أن تكلمنا في دروس الفقه في هذه القضية، وبينا صحة بعض الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قد وجه أم عطية الأنصارية التي كانت حافظة بعض التوجيهات التي بها تتقى مضاعفات هذه المسألة، وقلنا: إن حكم ختان المرأة ليس في نفس قوة حكم ختان الرجل، إذ يجب ختان الرجل، بل من العلماء من شدد في ذلك حتى إنه لا تصح صلاة إلا به، ولا تؤكل ذبيحته… إلى آخره، الذي يبلغ وهو غير مختون، أما بالنسبة للمرأة فالأقرب والله أعلم أنها مكرمة، فهي مستحبة، لكن بشروط: إذا ولي هذه العملية من يتقن الطب والجراحة مثلاً، بحيث أنه لا يتجاوز الحدود التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله لـأم عطية : (اخفضي ولا تنهكي) أو (أشمي ولا تنهكي)، إذا تأملنا هذه الضوابط وهذه القيود، ونعلم وجود الضمانات الكافية حتى لا يقع ما يقع من الظلم أو العدوان من بعض الخافضات الجاهلات، فالمشكلة أن الناس يعهدون بهذا الأمر إلى الجاهلات من النساء أو غيرهم دون أهل الاختصاص، حتى كتب العلوم الطبية تفصح بأن هناك بعض الحالات ينصحون فيها بإجراء الختان لبعض النساء، وأيضاً هناك حالات لا تختن فيها المرأة، فعلى أي الأحوال القضية فيها كلام طويل، والدكتور عبد السلام السكري أيضاً له بحث قيم في هذه المسألة اسمه: ختان الذكور وخفاض الإناث، فيمكن أن يراجع، فكل ما يشوش به هؤلاء الذين يقومون بالحملات تلو الحملات من وقت إلى آخر حول قضية الختان، إنما هم يركزون على الأخطاء التي تقع من الجاهلين، والتي حرص الشرع على تجنبها، فبالتي تستوي عملية ختان الإناث مع أي عملية جراحية حتى مع ختان الذكور، والتي إن وكلت بمن هو جاهل بقوانين الجراحة أو التعقيم، فيمكن أن يحصل في أي عملية النزيف نتيجة هذا التقصير، أو يحصل تلوث، أو يحصل كذا أو كذا، فهذه مضاعفات تقع على يد أي إنسان غير خبير، لكن إذا وكل الأمر إلى أهل الخبرة والإتقان، فهم الذين يستطيعون تقدير هذه الأمور، والله تعالى علم.

    أصل كلمة القانون في اللغة ومعناها وحكم تقنين الشريعة

    السؤال: هل كلمة: (قوانين)، موافقة للشريعة وكلمة صحيحة؟ وهل يجوز تقنين الشريعة؟ الجواب: هذا يرجع إلى الكلام اللغوي في معنى كلمة القانون، وأصل كلمة القانون، ولا مشاحة في الاصطلاح، المهم المضمون، فالمضمون يجب أن يوافق حكم الله، وشريعة الله دون غيرها من القوانين الطاغوتية، أما تقنين الشريعة فتأكد لنا أن هذه عبارة من ألاعيب وحيل من يصدون الناس عن دين الله، وهي عبارة عن مسوغات أو مبررات للتكاسل والإهمال في قضية تطبيق الشريعة، وتعودنا على هذا كحجة فقط. تقنين الشريعة عبارة عن وضع الأحكام الشرعية في صورة قوانين مثل المتون، حتى يلجأ إليها القضاة، لكن الأقرب أن يوكل ذلك إلى القاضي الذي وصل إلى مرحلة الاجتهاد وسعة العلم، بحيث يرجع هو إلى الأدلة والتمحيص، لكن على الأقل إذا حكمونا بقوانين شرعية مقننة موضوعة في مواد، فهذا أهون من الحكم بالقوانين الطاغوتية الكافرة.

    تصيحة لمن تعلق قلبه بامرأتين

    السؤال: له زوجة، يتقي الله فيها حق تقاته، ويزكي هذه الأخت، لكنه كان من قبل خاطباً أختاً أخرى، فهو ما زال متعلقاً بها، فيسأل هل أطلق زوجتي وأعود إلى خطبة الأخت مرة أخرى؟

    الجواب: سبحان الله! هل هذا هو العلاج الوحيد، ليس العلاج الوحيد البتر بهذه الصورة، مادامت الأخت نعمة من الله عز وجل عليك، فاصبر معها في الله، حتى يزيدك الله فتتزوج الاثنتين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (لم ير للمتحابين مثل النكاح)، فأفضل علاج لتعلق القلب هو النكاح، ولا يخشى أي ضرر في ذلك، فإن الله تبارك وتعالى وعد الإنسان إذا كان فقيراً أنه سيغنيه، بل تكفل وضمن الله عز وجل كما جاء في الحديث: (ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف)، حق على الله أن يعينهم ويبارك لهم، منهم الناكح الذي يقصد بذلك العفاف عما حرم الله تبارك وتعالى، فيقول بعض السلف: التمسوا الغنى في النكاح، فعلاج الفقر أن يتزوج، ليس كما يصور بعض الناس أنه يخاف من الفقر، يقول تبارك وتعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ [النور:32].

    حكم الصلاة خلف إمام مبتدع

    السؤال: ذهبت لزيارة إخوة في الله في قرية مجاورة لي، وعندما كان وقت صلاة المغرب قلت لهم: هيا بنا نصلي في المسجد فامتنعوا، وعندما سألتهم عن السبب أجابوا بأن إمام المسجد مبتدع وصوفي، ولا تجوز الصلاة وراءه، وأقاموا الصلاة في منزل أحدهم، وذهبت وصليت في المسجد: ما حكم الدين في ذلك؟

    الجواب: قضية الصلاة خلف الفاسق أو المبتدع بدعة لا تكفره، ولا تخرجه من الملة، فيها تفصيل وذكرناها مراراً، وقاعدتها: أنك إذا كنت قادراً على تغيير الإمام المبتدع أو المتلبس بالمعصية، إن كنت قادراً على تغيير هذا الإمام فواجب عليك أن تغيره وتزيله، وتعين العدل مكانه، وإن كنت عاجزاً عن ذلك فإما أن تصلي في مسجد آخر إمامه رجل عدل منتظم بالشرع، وإن لم يوجد مسجد آخر ولا تقدر على تغييره إلا بإحداث فتنة في أهل المسجد، ففي هذه الحالة تصلي وراءه، فإذا صليت في بيتك فأنت المبتدع، والإمام أحمد كان يخرج ويصلي خلف الجهمية الذين كانوا يقولون بخلق القرآن، ثم يعيد في بيته، وأنا ما أقول: تعيد، ولكن الآن ليس هناك قوة اجتماعية تقهره، فأصبح من يتخلف عن صلاة الجماعة للأسف يتخلف، لكن المقصود أن المساجد كثيرة، فتحرى أعدل الأئمة وتصلي خلفه، إن كان في مسجد لك سلطان عليه، ولا تستطيع تغيره إلا بإحداث فتنة، فتصلي خلفه ما لم تكن بدعته تقدح في إسلامه، أما كلمة مبتدع وصوفي كجرح مجمل هكذا، لا بد أن يفصل الجرح، وإلا فبعض الناس كثيراً ما يطبقون كلام العلماء بطريقة غير صحيحة، فالصوفي صحيح اصطلاح مذموم، لكن لا بد أن تتبين ما المقصود من كلمة صوفي؟ كثير من الناس يريدون بكلمة صوفية الجانب الروحي، أو الجانب العاطفي، الاتجاه الذي يهتم بالتربية لتزكية النفس، بذكر الله، بأداء حقوق الخلق، باحترام المشايخ بكذا بكذا، فهذه المعاني هي معاني إسلامية، وهي من الحق، لكن بعض الناس يتجاوزن ويطلقون عليها وصف الصوفية، وبعض الناس يفهمون الصوفية بمفاهيم أخرى فيها كثير جداً من البدعة والضلالات، قد تصل في أقصاها إلى الكفر كوحدة الوجود والحلول وعبادة القبور، هذا كله يدخل تحت كلمة صوفية أيضاً، فالصحيح أننا ينبغي أن نحتجز عن استعمال هذه العبارات الموهمة، أخذاً من قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا [البقرة:104]، أمرهم باستعمال ألفاظ التي لا اشتباه فيها، لكن مع ذلك إذا حصلت مثل هذه الأوصاف وشخص يوصف بأنه صوفي، فما ينبغي الحكم عليه مثلاً بحكم الصوفي الكافر الخارج من الملة؛ بسبب عقيدته الصوفية، لكن الصوفي لا بد أن نسأله: ماذا تقصد بالصوفي؟ ما الذي يميز كون هذا صوفي؟ هل لأنه يذكر الله كثيراً، إذاً نحن كلنا صوفيون، لا بد أن تبحث عن معنى كلمة الصوفية، وماذا يقصد بصوفيته؟ فالجرح المجمل لا ينفع، كذلك مبتدع، ممكن بدعة واحدة في الإمام تقدح في إسلامه إذا كانت بدعة مكفرة، وممكن عشرات البدع في الإمام أو المؤذن لكن لا تقدح في إسلامه، فينبغي أن يكون الجرح مفسراً حتى يأتي الجواب الصحيح، وما دام ذلك الرجل لم يخرج من دائرة الإسلام، وإذا لم يوجد مساجد غير هذا المسجد، فمن صلى في بيته بعد سماعه الأذان فهو المبتدع.

    حدود عورة الرجل وحكم رؤيتها

    السؤال: هل يجوز لرجل ملتزم أن يشاهد عورة رجل مثله في التلفزيون؟ وهل المصارعة وكرة القدم حرام؟

    الجواب: أما عورة الرجل فمعروف الخلاف فيها من أحاديث كثيرة، والخلاف فيها أيضاً يطول، لكن الأحوط القول بأن الفخذ عورة، وهذا ثبت من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أن عورة الرجل ما بين ركبته وسرته)، هذه عورة الرجل، بعض العلماء أراد أن يجمع بين الأدلة المتقابلة في هذه المسألة فقالوا: إن من العورة ما يجوز كشفه ولا يجوز النظر إليه، فالعورة المغلظة لا يجوز كشفها ولا يجوز النظر إليها، أما خلاف ذلك من بين السرة والركبة فيجوز كشفه، لكن لا يجوز النظر إليه، فعلى القولين لا يجوز للإنسان أن ينظر لها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، فمثل هذه المناظر الفاضحة التي تكون في من يسمونهم المصارعون. هذه الأشياء مما لا يليق أبداً بأي إنسان عنده دين أن ينظر إلى هذه الأشياء؛ هذا إذا كان من الرجال، فما بالك إذا كان يجمع النساء والحريم فينظروا إلى هذه المناظر الفاضحة السيئة.

    أما كرة القدم فلا يشترط أن في كرة القدم تكشف الفخذ، فإذا لم يقترن بها شيء من المحرمات كتضييع وقت الصلاة، كأن تكون على مال معاوضة مالية، أو يرتبط بها سب وقذف وشتائم وعصبيات وهذه الأشياء، فقد تبقى على حكم الإباحة، إلا إذا استدللنا بعموم الحديث: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو أو باطل إلا ثلاثاً: ملاعبة الرجل لامرأته، ومشي الرجل بين الفرضين، وتأديب الرجل فرسه)، لكن -والله أعلم- قد يترجح أن اللهو المباح ليس منحصراً في هذه فقط، لكن ينبغي للإنسان أن يهتم بالرياضات التي تعود عليه بالنفع هو، فالنظر لا يعود عليه في الغالب بنفع كثير إلا تضييع الوقت، والوقوع في هذا الأذى من كشف العورات وغيره، لكن لأن المباريات من الرياضة التي تقوي على الجهاد، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقوي البدن كما كان يفعل الحبشة في لعبهم في الحراب فهذا مما لا بأس به، والله تعالى أعلم.

    حكم معاشرة المرتد وصلته

    السؤال: هل يجوز مآكلة والد ودعوته إلى طعام وقد صرح بالكفر وعدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وماذا يجب على زوجته المسلمة؟ وهل ابنته يجوز أن تتزوج بولايته؟

    الجواب: أما إذا كان يصرح بأنه كافر، ولا يؤمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فما من شك أن هذا أخ لـأبي جهل وأبي لهب ، ولا حظَّ له في الإسلام.. شخص يصرح أنه بريء من الإسلام، وأنه لا يؤمن برسالة الرسول فهذا كافر مشرك، فتنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن مع إخوانه من اليهود أو النصارى أو المشركين، ومن مظاهر انقطاع الولاية أيضاً: أنه لا يرث قريبه المسلم ولا يورث أيضاً، والأمة تتبرأ منهم في كل صور البراءة، ومن مظاهر انقطاع هذه الولاية: أنه لا يجوز له أن يلي زواج ابنته، ولكن يليها أقرب الأقربين من العصبة في أمر الزواج، إذا كانت المرأة معها ابن مثلاً يمكن أن يزوجها، أو أخوها أو عمها.. وهكذا حسب ترتيب العصبة المذكورين في الميراث.

    أما المعاملة: فإن كان يؤذيها بسب الله مثلاً أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام فيقاطع ويهجر، وإلا فإنه يجوز إن كان هذا الكافر كفراً أصلياً، فمعروف حديث أسماء رضي الله عنها حينما أتت أمها تصلها، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله! إن أمي مشركة وإنها قد أتتني، فهل أصلها؟ فنزل قوله تبارك وتعالى: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ))[الممتحنة:]، أما من كان محارباً لله ورسوله عليه الصلاة والسلام فلا يوصل، أما إن كان مشركاً بهذه الكيفية، وبهذه الضوابط التي ذكرت في سورة الممتحنة فلا بأس بصلته بالهدية، والله أعلم.

    حكم صلة الأرحام ومجالستهم إن كانوا مبتدعة

    السؤال: ما حكم صلة الأرحام، فهناك إخوة أشقاء ظهر أنهم من بعض جماعات التكفير، وإلى أي حد تكون الصلة بهم؟

    الجواب: أول ما يجب أن ينصح هؤلاء به: أن تقام عليهم الحجة على يد من يستطيع أن يقيم الحجة، ويدفع عنهم الشبهة، حتى لا يبقى لحججهم مدفع، فإن أصروا على هذه البدعة فينبغي أن يجتنب الإنسان مجالستهم، والمناظرة والمناقشة معهم، فإن كانوا ذوي علم ونشطين إلى هذه البدعة، فالأولى أن يجتنبهم الإنسان حتى لا يؤثروا في قلبه وهو لا يشعر، والله أعلم.

    حكم العمل في المصالح الضريبية والجمارك

    السؤال: ما حكم العمل في المصالح الضريبية ومصالح الجمارك، وما حكم العمل في نوادي الضباط إذا كان العمل في الحسابات أو في الورش كتصليح العربات؟

    الجواب: أما نوادي الضباط فليس فيها مشكلة والله أعلم، أما المصالح الضريبية ومصالح الجمارك فظلم ومكوس، والله أعلم لا يجوز وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    أصل كلمة القانون في اللغة ومعناها

    السؤال: هل كلمة: (قوانين)، موافقة للشريعة كلمة صحيحة؟ وهل يجوز تقنين الشريعة؟

    الجواب: هذا يرجع إلى الكلام اللغوي في معنى كلمة القانون، وأصل كلمة القانون، ولا مشاحة في الاصطلاح، المهم المضمون، فالمضمون يجب أن يوافق حكم الله، وشريعة الله دون غيرها من القوانين الطاغوتية، أما تقنين الشريعة فتأكدنا أن هذه عبارة من ألاعيب وحيل يصدون به الناس عن دين الله، وهي عبارة عن مسوغات أو مبررات للتكاسل والإهمال في قضية تطبيق الشريعة، وتعودنا على هذا كحجة فقط.

    تقنين الشريعة عبارة عن وضع الأحكام الشرعية في صورة قوانين مثل المتون، حتى يلجأ إليها القضاة، لكن الأقرب أن يوكل ذلك إلى القاضي الذي وصل إلى مرحلة الاجتهاد وسعة العلم، بحيث يرجع هو إلى الأدلة والتمحيص، لكن على الأقل إذا حكمونا بقوانين شرعية مقننة موضوعة في مواد، فهذا أهون من الحكم بالقوانين الطاغوتية الكافرة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987506251

    عدد مرات الحفظ

    716523637