إسلام ويب

الإيمان والكفر [15]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرى علماء الإسلام في أحكامهم العامة على الناس بما يظهر لهم، ولم يخصوا معيناً بكفر أو فسق أو ظلم إلا بعد أن يجتمع فيه الشروط وتنتفي الموانع، ويعتبر عارض الجهل أحد أهم هذه الموانع، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن العوارض الصارفة أيضاً للحكم بالكفر أو الفسق: عارض التأويل السائغ.

    1.   

    اعتبار عارض التأويل في التكفير

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فقد تقدم كلام صاحب كتاب حد الإسلام التفصيلي في تقريره لما أسماه حد الإسلام، والذي ذهب إلى أنه يتكون من ثلاثة أركان: الحكم والولاية والنسك، وأن مقصوده بركن الحكم: قبول شرع الله ورفض ما عداه، ومقصوده بالنسك: إفراد الله بالعبادة، ومقصوده بالولاية: موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين. هذا ما سماه حد الإسلام والذي لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، والذي يتوقف على استيفائه منذ البداية ثبوت عقد الإسلام، وصححنا هذا الكلام على أساس أن الذي ذكره ليس هو حد الإسلام الذي يتوقف على تحققه بادئ ذي بدء ثبوت عقد الإسلام، وإنما هذه هي حقيقة الإسلام الذي يتوقف عليها بقاء الحكم بالإسلام. أما ما يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام فهو الإقرار المجمل بتوحيد العبادة، والالتزام المجمل بتوحيد الألوهية، وهو الذي يكفي في التعبير عنه كلمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فجاء يقارن هذا المعنى الذي أراده الفقه، فمن أقر بالشهادتين ظاهراً وباطناً فقد ثبت له عقد الإسلام، ثم تأتي بعد ذلك تفاصيل هذا الإجمال، وتعلمه الناس تباعاً، ولا يتوقف الحكم بالإسلام على الإحاطة بها منذ البداية، لكنها تشترط بقاء الحكم بالإسلام واستمراره بعد ثبوت العقد المجمل.

    وذكرنا أن هذا الإقرار المجمل هو الذي لا عذر فيه بالجهل، فكل من لم يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فليس بمسلم مهما كان مآله في الآخرة. أما تفاصيل ومفردات العبادة، وتفاصيل الشرك وصوره؛ فهذا الذي أتى ببيانه الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالإنسان ملتزم إزاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقر إقراراً مجملاً بتوحيد الألوهية، وإقراراً مجملاً بالعزم على الالتزام بما يشرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما يبلغه من هذه الشرائع، ثم إذا أردنا الحكم على الإنسان فيجب أن نضع في اعتبارنا أولاً عامل الجهل، وناقشنا هذا الكلام بشيء من التفصيل، وأثر الجهل والعذر به. أما العامل الثاني بعد عامل الجهل الذي ينبغي أن نراعيه فهو اعتبار التأويل، حينما نطبق تفصيلياً قضايا التبديع والتكفير في مجال الحكم على معين من الناس يجب أن نراعي قضية التأويل ففي مجال النسك مثلاً لابد أن نفرق بين من يجترءون على الوقوع في الشرك بغير تأويل ولا شبهة، وبين من يتلبسون بشيء من ذلك تعلقاً بتأويل الكاتب، أو انطلاقاً من شبهة عارضة مع استمساكهم بعقد الإسلام، وإيمانهم ظاهراً وباطناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الجهل قد يكون عذراً كما ذكرنا في بعض الأحوال، فكذلك التأويل قد يكون عذراً، فبإجماع علماء المسلمين المتأول لا يكفر الذي يتأول لا يكفر، وقد يأثم لقوله على الله بغير علم لكنه لا يكفر؛ لأن هناك فرق بين المتأول وبين المكذب تكذيباً صريحاً، وحينما نضرب الأمثلة التي نذكرها في قضية التأويل أو قضية الإكراه، فليس المقصود الدفاع عن هذه التأويلات، فنحن لا نشك أن هذه التأويلات كاذبة، لكن نحن ننظر إليها من جهة أخرى، وهي: أن هذا التأويل يعتبر عذراً لقائله، أو عذراً للآخذ به من حيث منع تكفيره بعينه، لا من حيث الاعتراض على فساد هذا التأويل منذ البداية.

    1.   

    أمثلة لاعتبار عارض الجهل

    نذكر مثالاً من الأمثلة.

    دعاء غير الله

    دعاء غير الله عز وجل، والتوجه إلى غير الله بطلب الحاجات، وهذا أعظم ما يقع فيه القبوريون من الشرك، لنرى ما عند هؤلاء القوم، أو نذكر نموذجاً مما يعتمدون عليه من الشبه والتأويلات التي تزين لهم هذا المنكر الأكبر، فالإنسان إذا استوعب وجهة نظر مخالفه، واطلع على فسادها؛ أمكنه تحديد موضع الداء وتشخيص الدواء والعلاج الصحيح له، فهناك كثير من الشبه التي يتلبس بها هؤلاء القبوريون في ما يقترفون من الشرك، ولا نشك في أن هذه شرك أكبر، فدعاء غير الله أو سؤال غير الله ما لا يقدر عليك إلا الله لا شك أن هذا هو الشرك، ولا شك أيضاً أن بعضها أغلظ من بعض، هؤلاء الذين يدعون الموتى أو الأولياء أو الصالحين المدفنين في قبورهم، هؤلاء يقولون: إننا نعتقد أن هؤلاء الصالحين هم في الحقيقة أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون ويسمعون، ومن أجل ذلك يعتمدون على تفسير بعض النصوص التي تثبت سماع الأموات لكلام الأحياء، وهذا خلاف معروف بين العلماء يذكره علماء التفسير في تفسير قوله تبارك وتعالى في سورة النمل: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22]، إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80]، وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل:81]، فيستدل الفريق هنا بما فيه خلاف بين المفسرين، فبعضهم يثبت أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا زار المقابر قال: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين)، ويخاطبهم بصيغة المخاطب، أو بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، حينما خاطبهم وقال له: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا، حتى إن بعض علماء السنة يذهب ويجنح إلى هذا، كالإمام الحافظ ابن قيم الجوزية في كتابه الروح ومن المعاصرين العلامة القرآني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله حيث فصل هذا البحث، وانتصر للقول: أن الموتى يسمعون كلام الأحياء ويحسون بهم، وربما اعتمد بعض المصنفين على بعض المنامات والحكايات في هذا الباب، المهم هذا كخلاف فقهي ليس له هذه الحاسية الخطيرة، لكن الخطر هو في أن بعض الصوفية يأخذون من هذا الخلاف منطلقاً إلى الغلو في الصالحين ودعائهم من غير الله عز وجل، ومن هنا يقعون في هذه الشبهة، ولعل من الكتب القيمة جداً التي حققت هذه المسألة، (الآيات البينات في حكم سماع الأموات) تأليف الشيخ نعمان الألوسي وهو ابن محمود الألوسي المفسر الكبير، صاحب كتاب: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وهو كتاب قيم بتحقيق وتعليق الشيخ: ناصر الدين الألباني يرحمه الله فليراجعه من شاء.

    على أي الأحوال أول ما يعتمد عليه هؤلاء الذين يقعون في هذا الشرك من دعاء غير الله عز وجل: أن الصالحين أحياء في قبورهم، وأنهم يحسون، وأنهم يسمعون، ويقولون: إن دعاءنا الميت ليس أننا نطلب الميت نفسه لكننا نطلب دعاءه، ونطلب منه أن يشفع لنا إلى الله عز وجل، وبناءاً على هاتين المقدمتين: أن الأموات أو الصالحين في قبورهم أحياء ليسوا بموتى، وأنهم لا يدعون الميت نفسه، لكن يطلبون منه أن يدعو لهم الله عز وجل، وطلب الدعاء من الشخص الحي جائز بلا نزاع، فقالوا: لا وجه للتفريق بين الحياة في الدنيا والحياة في البرزخ. هذا كلام فيه فساد كبير، وإذا قلت لهم: لكنكم تتوجهون بالطلب إلى الميت مباشرة، وهذه هي حقيقة دعاء غير الله عز وجل، قالوا: الشخص الذي يفعل هذا مخطئ في التعبير يريد وساطة الميت أو شفاعته بالدعاء كما يشفع الحي من الناس إلى أخيه بالدعاء الصالح له، فهذا خطأ ينبه عليه من يفعله؛ لأن المقصود من الميت هو مجرد الدعاء والشفاعة إلى الله، ويقولون: نحن نجزم أن الميت لا يقدر بنفسه على شيء من النفع والضر، ولا التصرف في شيء من دون الله، والواسطة الشركية هي التي يعتقد مشاركتها في التأثير بالرزق، أو الخلق، أو الإحياء أو الإماتة، لا التي يستشفع بها ويطلب منها الدعاء.

    أيضاً قالوا: قد يأتي الاستشفاع بالشخص في صورة الطلب المباشر منه، فيكون من باب نسبة الشيء إلى سببه، ولذلك نظائره في السنة الشريفة. هذا كله محاولة للهروب من حقيقة هذا المنكر بدروب التأويلات المختلفة.

    ومما يلبسون به على الناس، ويستدلون به في هذا المقام: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل الصفة رضي الله عنه قال: (كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سلني -يعني أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يجازيه على هذه الخدمة التي يخدمها إياه-؟ فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، قالوا فهذا ربيعة يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرافقته في الجنة، وكان هذا جواباً منه عن قوله صلى الله عليه وسلم: سلني؟ ومعلوم أن الجنة والنار بيد الله عز وجل، وأن دور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو مجرد الشفاعة والدعاء، ما من شك أن ربيعة كان يعلم ذلك، فجاء طلب الشفاعة في صورة طلب المقصود من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، بل قال له: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فالمقصود: ماذا تريد أن أدعو الله لك به؟ والقياس هنا هو قياس مع الفارق؛ فهناك فرق بين الحياة البرزخية وبين الأحياء على الحقيقة في هذه الدنيا، فهم يقولون: يرجع الأمر النهائي إلى التوسل والتوسل موضع نظر، وقد أجازه كثير من أئمة العلم، المقصود من الكلام في هذا السياق: بيان ما يعتمد عليه القوم من الشبه والتأويلات في استجازة ما يدعون به من البدع والخرافات، فمع الجزم بأن هذه الشبه متهافتة، وأن هذا التأويل فاسد وباطل، لكن لا يسعنا إلا أن نسلك القوم في عداد المبتدعة مع وجود هذه الشبهات، خاصة إذا كانوا من العوام البسطاء الذين يلبس عليهم بالآيات وبالأحاديث بعد تحريفها عن معانيها، فلا نتردد في أن نسلكهم في مسلك المبتدعة المنحرفين، لكن نتردد أطول ونتوقف كثيراً كثيراً قبل تكفير شخص معين منهم بنحو هذا المنحى في مثل غير التأويل، فهذا النوع من التأويل نثبت عليه الأمر من باب الالتزام بطاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ما يفعله ليس منافياً للتوحيد الذي أقر به في كلمة الشهادة، فمثل هذه الأدلة التي تجدونها في كتب بعض الصوفية، وما كتب الغماري منكم ببعيد، إذا طالعت كتب أغلب العائلة الغمارية سواء أبو الفيض أو أبو الفضل تجدون كثيراً من الشبهات التي يدافعون بها عن مثل هذه الضلالات بشتى التأويلات والتمحلات.

    عدم تكفير السلف للضالين بسبب الشبهات

    إذا كان السلف قد عذروا الجهمية والمعتزلة رغم ما ذهبوا إليه من تعطيل صفات الله عز وجل، وعذروا من أنكر الشفاعة، وليس المعنى أنهم لم يؤثموا ولم يبدعوا ولم يفسقوا، لكن المعنى: لم يكفروهم بأعيانهم؛ لأجل شبهة التأويل التي وقعوا فيها؛ فالخوارج مثلاً: أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحاب الكبائر، وأنكروا أيضاً كثيراً من أحوال الآخرة، والمعتزلة أنكروا رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، فالسلف عذروا أهل الأهواء في الجملة فلم يكفروهم بأعيانهم، فإذا صلح التأويل عذراً مع اثنتين وسبعين فرقة من ضُلاّل هذه الأمة فينبغي ألا يتخلف هذا العذر مع هؤلاء الصوفية الجهال، خاصةً العوام منهم الذين لا علم عندهم، وإنما يلبس عليهم بمثل هذه الشبهات وهذه التأويلات الفاسدة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها -ولو دعا الناس إليها- كافراً في الباطن إلا إذا كان منافقاً، فأما من كان في قلبه إيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وقد غلط في بيان بعض ما تأوله من البدع؛ فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ونحن إذا طالعنا الأحاديث التي وردت في الخوارج، وكيف تنبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروجهم حينما قال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)، وقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقوله: (اقتلوهم فإن في قتلهم ثواباً أو أجراً لمن قتلهم). وهكذا أمر عليه الصلاة والسلام بمقاتلة الخوارج، وبالفعل وقع ذلك من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومع ما كانوا عليه من الاجتهاد في العبادة، وكانوا من أظهر الناس بدعة بنص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشد الناس قتالاً للمسلمين كما جاء في صفاتهم في بعض الأحاديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، ووصفهم أيضاً بأنهم: (سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان)، أي: شباب طائش حديث السن، وبنفس الوقت سفهاء العقول والأحلام والنُهى، ووصفهم بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، هذه سنتهم وطريقتهم في كل زمان، حتى الخوارج المعاصرون اليوم تجدهم مع اليهود مع النصارى والفساق في منتهى الرقة والأدب والتلطف والبشاشة، وتجد الواحد منهم مع المسلمين -وبالذات الملتزمين بدينهم منهم- فضاً غليظ القلب، ومن جرب حالهم وسبر أغوارهم فإنه يعرف هذا الأمر منهم، وقد رأينا هذا منهم كثيراً، فهذه صفتهم، وكانوا أشد الناس قتالاً للأمة، وتكفيراً لها، ولم يكن من الصحابة من يكفرهم رضي الله تبارك وتعالى عنهم مع كل هذا، لا علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وهو الذي قاتلهم بنفسه- ولا غيره، مع ما يفعلونه من الفساد في الأرض، وقتل أولياء الله الصالحين، وسئل علي رضي الله عنه أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. يقول شيخ الإسلام : بل حكموا -أي: السلف- فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقاً فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقاً -بل كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن- لم يكن كافراً في الباطن وإن أخطأ في التأويل، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة منهم، كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل وخالف إجماع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات. هذا في النموذج ذكرناه فيما يتعلق بالتأويل في قضية العبادة ودعاء غير الله، وما يتذرع به القوم من الشبهات في باب الحكم.

    اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين

    يجب أيضاً اعتبار التأويل عند إجراء الحكم على معين من الناس، إذ هناك فرق بين المسلك الذي ينبغي أن نسلكه عند دعوة الناس إلى الدين، والمسلك الذي نسلكه عند معاملة أعيان الناس وآحادهم عندما نأتي إلى نصوص الوعيد، فمثلاً: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر)، وغير ذلك من النصوص التي فيها تكفير تارك الصلاة، فأنت في بيان الدعوة تترك النصوص كما هي كي تعمل مفعولها في ترهيب الناس من ترك الصلاة، لكن لا يناسب أن تأتي للناس وتخبرهم أن تارك الصلاة مسلم عاصٍ إلا في مجال طلبة العلم، وبيان الحق إذا ظهر، لكن في مجال الدعوة تتكلم بعموم النصوص، مثلاً قضية الحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى: تبين أن نوع هذا الفعل والإعراض عنه على أقسام؛ فمنه ما هو كفر أكبر، ومنه ما هو معصية، ومنه ما يكون خطأً معفواً عنه، فمثلاً الحاكم الذي يرفض أصلاً التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتطبيق شريعة الإسلام؛ اعتقاداً منه بأن القوانين الغربية أو الوضعية أفضل من القوانين والشرائع الإلهية فهذا كافر، أو حاكم آخر يحكم بغير ما أنزل الله، ومعرضاً عن شريعة الله، معتقداً أن شريعة الله مثل القوانين الوضعية يضعهما سواءً بسواء. هذا أيضاً كافر، لكن هناك شخص يحكم بغير ما أنزل الله في قضية من القضايا، وهو يعرف حكم الله فيها، ويقر به، ويؤمن به بقلبه: أن هذا حكم الله، لكن يعرض عن تطبيق حكم الله نتيجة هوى في نفسه أو محسوبية أو رشوة أو هوى أي غرض من المقاصد الدنيوية، فهذا فسق ومعصية، وكفر دون كفر، كما قال بعض السلف، وقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله صدر من عند الإمام المجتهد وظن أن هذا حكم الله بعدما بذل وسعه في الاجتهاد؛ فتبين أن حكم الله يخالف ما ذهب إليه هذا المجتهد، فهذا بنص الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، فيعفى عن خطئه، فعدم موافقة حكم الله له أسباب شتى، فالحكم بغير ما أنزل الله شعب متفاوتة ليست كلها على درجة واحدة، تبدأ هذه الشعب من الاجتهاد الخطأ المعفو عنه، وتنتهي إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة، بعض هذه الصور قد يلتبس ببعض، والتفريق بين المناط المكفر والمناط غير المكفر مما يحتاج إلى علم وفقه، ولا تزال بعض صور هذا الأمر موضع الجدل بين علماء هذا الزمان، فكيف بعامة الناس أو أشباه العامة؟ فكيف بعد هذا الكلام يأتي من يقول: إن التكفير بكل هذه الأشياء كلها على مرتبة واحدة؟ ما دامت متعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فإن تكفير هؤلاء من أصل الدين لا يكون المرء مسلماً إلا باستيفائه، وأنه لا عذر فيه بجهل ولا بتأويل، ثم يجعل من ذلك معياراً في حكمه على العامة من الناس، والسلسلة التي يتدرج الشيطان بها مع هؤلاء الجرآء على حدود الله معروفة، فقد يتفاوتون فالبعض يكفر مثلاً الجهاز التنفيذي، الجهاز التشريعي، الجهاز القضائي، ويقف عند هذا الحد، وبعضهم يقف عند أشخاص بأعيانهم، وبعضهم ينزل مثلاً فيقول: البوليس والجيش من رتبة رائد فما فوق كافر، وما تحته لا يكفر، ويتدرج الأمر فيقول: المشارك في أي هيئة من هيئات الدولة يعد كافراً، وبعضهم يصنف تصنيفاً والآخر يخالفه، فربما كفروا من يعمل موظفاً في الحكومة، وربما يتدرج الآخر بما هو أبعد من ذلك، فيقول: إن كل من يعيش في هذه البلد كفار؛ لأن هذه ديار كفر، وهذه القضية لها حساسية خطيرة جداً؛ لأن بعض الشباب أحداث الأسنان يكون أحدهم حديثاً جداً على قضية الالتزام والدين وربما ما زال يتعلم كيف يصحح طهارته وصلاته، ثم إذا به في اليوم الثاني مباشرة يتكلم ويسأل: هل هي دار إسلام أم دار كفر؟ ويعمد إلى بعض الكتب، ويطبق أحكام أهل الكفر على هذه البلاد، إذاً لا تجب صلاة الجمعة؛ لأن الأصل في أهلها أنهم كفار، وربما وصل به الأمر إلى استحلال الدماء والأعراض، إلى آخر تلك المآسي التي نحفظها، ففي الحقيقة القضية ليست بهذه السهولة، وربما من كان بهذه المثابة وما زال يحبوا في أولى خطوات طلب العلم، ويقفز مباشرة إلى مثل هذه القضايا الحساسة والخطيرة وذات الآثار البعيدة، ربما كانت هذه من علامات عدم الإفلاح، فمتى ما فتح عينه على الضلالات والبدعة والجرأة على حدود الله بهذه الطريقة حتى يصل به الأمر أنه يستحل الحرمات، ويكفر عموم الناس، ويكون لإخوانه الملتزمين بدينهم نصيب أوفى من التكفير والعدوان واستحلال الحرمات، فلذلك ندعو الإخوة للصبر معنا على هذه السلسلة، لكن الصبر عليها وإن كانت قد تكون قاسية، أو نكون أحوج إلى رقائق أو آداب شرعية أو ما هو أعظم نفعاً، لكن الإنسان إذا عاش في مجتمع أو في زمان لاسيما في مثل هذه الضلالات يجب عليه أن يتعلم ما يدفع به هذه الشبهات ليردها ويعتصم بالله تبارك وتعالى منها، فندعو الإخوة للصبر علينا حتى نعطي هذا الموضوع حقه ونوفيه قدره.

    عذر السلف لكل المخالفين

    إذا كان السلف قد عذروا الجهمية والمعتزلة رغم ما ذهبوا إليه من تعطيل صفات الله عز وجل، وعذروا من أنكر الشفاعة، وطبعاً ليس المعنى أنهم لم يؤثموا ولم يبدعوا ولم يفسقوا لكن المعنى: لم يكفرهم بأعيانهم؛ لأجل شبهة التأويل التي وقعوا فيها؛ فالخوارج مثلاً أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحاب الكبائر، وأنكروا أيضاً كثيراً من أحوال الآخرة والمعتزلة أنكروا رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، فالسلف عذروا أهل الأهواء في الجملة فلم يكفروهم بأعيانهم، فإذا صلح التأويل عذراً مع اثنتين وسبعين فرقة من ضلال هذه الأمة فينبغي ألا يتخلف هذا العذر مع هؤلاء الصوفية الجهال خاصة العوام منهم الذين لا علم عندهم، وإنما يلبس عليهم بمثل هذه الشبهات وهذه التأويلات الفاسدة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه، ولا بدعة ابتدعها ولو دعا الناس إليها كافراً في الباطن إلا إذا كان منافقاً، فأما من كان في قلبه إيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وقد غلط في بيان بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة، وتكفيراً لها، ونحن إذا طالعنا الأحاديث التي وردت في الخوارج، وكيف تنبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروجهم حينما قال: {يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم}، وقوله: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} وقوله: {اقتلوهم فإن في قتلهم ثواباً أو أجراً لمن قتلهم}، وهكذا أمر عليه الصلاة والسلام بمقاتلة الخوارج، وبالفعل وقع ذلك من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومع ما كانوا عليه من الاجتهاد في العبادة، وكانوا من أظهر الناس بدعة بنص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشد الناس قتالاً للمسلمين كما جاء في صفاتهم في بعض الأحاديث: {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان}، ووصفهم أيضاً بأنهم: {سفهاء الأحلام، حداث الأسنان}، شباب طائش حديث السن، وبنفس الوقت سفهاء العقول والأحلام والنهى، ووصفهم بأنهم يقتلون الإسلام ويدعون أهل الأوثان، هذه سنتهم وطريقتهم في كل زمان، حتى الخوارج المعاصرون اليوم تجدهم مع اليهود مع النصارى والفساق في منتهى الرقة والأدب والتلطف والبشاشة وتجدهم مع المسلمين -وبالذات الملتزمين بدينهم منهم- فضاً غليظ القلب، ومن جرب حالهم وسبر أغوارهم يعرف هذا الأمر منهم، وقد رأينا هذا منهم كثيراً، فهذه صفتهم، وكانوا أشد الناس قتالاً للأمة، وتكفيراً لها، ولم يكن من الصحابة من يكفرهم رضي الله تبارك وتعالى عنهم مع كل هذا لا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قاتلهم بنفسه ولا غيره. مع ما يفعلوه من الفساد في الأرض، وقتل أولياء الله الصالحين، وسئل علي رضي الله عنه أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.

    يقول شيخ الإسلام : بل حكموا، أي: السلف فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنيتين والسبعين فرقة من كان منهم منافقاً فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقاً بل كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافراً في الباطن وإن أخطأ في التأويل، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة منهم، كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل وخالف إجماع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات.

    هذا في النموذج ذكرناه فيما يتعلق بالتأويل في قضية العبادة دعاء غير الله، وما يتذرع به القوم من الشبهات في باب الحكم.

    1.   

    تفنيد قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر

    على أي الأحوال فمن المغالطة والجرأة أن يأتي الإنسان لكل هذه الدرجات المتفاوتة من أنواع الحكم بغير ما أنزل الله ويجعلها كلها سواء بسواء، بل يجعل التكفير بها جميعها أصلاً من أصول الدين لا يصبح المرء مسلماً إلا باقتفائها، والحقيقة أن هناك بعض الكلمات التي تقول: إن الإنسان الذي يكون مستهتراً يحب أن يكون كل الناس مستهترين مثله، ويفضل دائماً أن يهلك غيره؛ لأنه يشعر بالوحشة، لذلك تجد القوم نتيجة الشعور بالوحشة بين أهل العلم وبين عباد الله الصالحين، وبين أهل السنة والجماعة تجدهم حريصين على ممارسة نوع من الإرهاب الفكري حتى يقصرك قصراً ويجبرك إجباراً على أن تطاوعه في ضلاله، فتجدهم نتيجة هذه الوحشة يريدون أن يزينوها بالاستئناس بإرهاب الناس فكرياً، فيرفعون شعار: من لم يكفر الكافر فهو كافر، يعني: أنت إن لم تطاوعني ولم توافقني على تكفير من أكفره فأنت أيضاً تصير كافراً، ويفسر هذا بأن الرضا بالكفر كفر، إلى آخر هذه الشبهات التي سوف نتعرض لها إن شاء الله فيما بعد، فهذا أيضاً من الأساليب الخبيثة في جر الناس إلى القول على الله عز وجل بغير علم، وانتهاك حرمات المسلمين. أما من ينظر بتجرد وموضوعية إلى هذه القضية؛ فإنه يدرك مدى الفتنة المشتملة عليها، فالحقيقة في كثير من بلاد المسلمين أغلب الطواغيت الذين يحكمون المسلمين لم يجرءوا حتى هذه اللحظة على إعلان رفضهم النهائي لشريعة الإسلام، ولم يعلنوا أنهم يردون شريعة الله مطلقاً ولكنهم يناورون بينما تمضي سيرتهم في الحكم وأسلوبهم الحقيقي العملي على أساس الكفر بهذه الشريعة، وإقصائها عن الحياة، فهم يعلنون في شتى المناسبات تمجيدهم لها، واعتزازهم بها، وانتماءهم إليها، وأنهم جادون في العمل على تطبيقها بعد تهيئة المناخ وتنحية العقبات، على أن يتم ذلك بتدرج وبحكمة، فهذه المناورات يقوم بها كثير من الحكام في كثير من بلاد المسلمين، وبقدر المناورة بقدر ما تعظم الفتنة على عموم المسلمين وبين الناس، فمن الناس من يستصحب مقالتهم، وواقعهم، ويتأول هذه المقالة بأنها للتلبيس والمخادعة، حينما يطبقون القول على الفعل؟ إذ يكون فيها نوع من التلبيس والمراوغة والمناورة، ومن هؤلاء الناس من استصحب أقوالهم وتأول أفعالهم، فالفريق الأول جعل أفعالهم هي الأصل، وجعل الكلام من باب المراوغة والمناورة، وفريق آخر من المسلمين جعل الأقوال هي الأصل، فأحسن الظن بهم، وتأول لأفعالهم، والتمس لها المخارج والتأويلات ولا شك أن القضية فيها قسط كبير جداً من الحرج والدقة.

    وإذا نظرنا إلى مختلف التأويلات المطروحة في هذا المقام واعتبارها حينما نتوجه بهذه القضية إلى إجراء الحكم على معين من الناس، فنلاحظ أن هذا مزلق خطير يحتاج إلى كثير من الحذر قبل أن نكفر من لم يوافق هؤلاء على تكفيرهم.

    هذا فيما يتعلق بالتأويل وإن كانت تأويلات فاسدة، ويجب بيان الحقيقة في فسادها، وكوننا نعذرهم بالتأويل لا يعني أنهم غير آثمين، كما نقول: فلان معذور بالجهل. لا يعني أنه غير آثم، معذور بالجهل في قضية تكفيره وعدم تكفيره لكن ذلك الشخص الذي يصلي صلاة بغير وضوء صحيح ويجهل واجبات الطهارة فهو آثم؛ لأن طلب العلم الذي تؤدى به الواجبات فريضة على كل مسلم، إذ كيف تصلي صلاة صحيحة قبل أن تتعلم واجبات الوضوء وأركانه؟ فإذا قصرت في التعلم مع إمكانيته فأنت آثم بذلك، فليس يعني إعذار هؤلاء في مثل هذه القضايا أنهم غير آثمين بل هم آثمون، لكن القضية الآن قضية الكفر من عدمها.

    مثال ذلك في باب العبادة والنسك: دعاء غير الله، ومن يتذرع به ممن يدعون غير الله عز وجل، وذكرنا مثالاً في قضية الحكم والتلبيس ومراوغة كثير من حكام المسلمين في هذا الزمان مما يوقع الناس في اللبس وانقسامهم إلى فريقين، وكل هذه القضايا سوف يأتي إن شاء الله تفصيل دقيق جداً لها فيما بعد، بقيت قضية الولاية كما يقسمها الكاتب في مسلكه التفصيلي، أيضاً ينبغي أن نفرق بين الالتزام المجمل بولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين، وبين تطبيق ذلك عملياً على آحاد الناس، فالقدر الأول محكم ولا يثير إشكالاً، ولا يتطلب تأويلاً؛ إذ إن كل مسلم ينبغي أن يكون عنده ولاء مجمل ولاء عام لكل مسلم مؤمن موحد بالله تبارك وتعالى، وأيضاً يكون عنده براء مجمل من الكافرين، فالقدر الأول وهو الالتزام المجمل بولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين أمر محكم ولا يصير إشكالاً ولا يتطلب تأويلاً. أما أن هذا الرجل بعينه من أهل الإيمان تجب موالاته، أو من أهل الكفر تجب معاداته فهذا موضع النظر والتأويل، وبقدر اختلاف الاجتهاد في الحكم على معين بأنه من أهل الكفر أو أهل الإيمان بقدر اختلاف النظر في الصلة به ولاء أو معاداة، فكثير من قضايا الإيمان والكفر كانت ولا تزال إلى زمننا هذا موضع جدل وخصومة بين أهل القلة، ولأهل السنة فيها منهج، ولأهل الأهواء فيها مناهج وطرق ومسالك ينقض بعضها بعضاً، ومن المحال أن نتصور اتحاد الرؤية والتقاء النظر في هذه القضايا بين هؤلاء جميعاً، فمن الناس من يوالي كافراً لا على أساس أنه كافر، لكنه يواليه لأنه لم يثبت عنده كفره، وأحسن الظن به فيما نسب إليه، وتلمس له التأويلات والمخارج وذلك كما فعل كثير من أهل العلم مع ابن عربي ، فـابن عربي نطق من الكفر بما هو شنيع جداً وله أشعار خطيرة جداً إلى الغاية، فمع ذلك نجد كثيراً من أئمة أهل العلم وقعوا في موالاة ابن عربي ، بل منهم من اعتقد حبه وإمامته، بل منهم من يلقبه بالشيخ الأكبر، هكذا مطلقاً ولا يذكر اسمه لشدة شهرته بين القوم فهذا الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى له رسالة سماها: تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي فرد على هذا الكتاب برهان الدين البقاعي في كتاب اسمه تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي. على أي الأحوال هذا الإمام السيوطي رحمه الله لا يرى في ابن عربي أنه كافر، فهل معنى ذلك أنه يوالي كافراً من دون المؤمنين؟ كلا؛ لكنه أحسن الظن به، فأول كلامه والتمس له شتى المخارج والتأويلات، فذكر الإمام السيوطي رحمه الله في هذه الرسالة: أن الناس افترقوا في ابن عربي فريقين، الفرقة المصيبة تعتقد ولايته والأخرى بخلافها، ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفريقين، وهي: اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه ومن هؤلاء الإمام الفقيه ابن عابدين الحنفي رحمه الله صاحب الحاشية المعروفة على الدر المختار، الذي عقد مطلباً في حاشيته عنون له بقوله: مطلب في حال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين ابن عربي نفعنا الله تعالى به، ودافع في هذا المطلب عن ابن عربي ، وقال: ومن أراد شرح كلماته التي اعترضها المنكرون فليرجع إلى كتاب (الرد المتين على منتقص العارف محي الدين) لسيدي عبد الغني النابلسي ، ومن هؤلاء الفقيه ابن حجر الهيتمي صاحب كتاب الزواجر الذي صرح بأنه يعتقد جلالته، وإن كان لا يعتقد عصمته، فهل نكفر أمثال هؤلاء الأئمة لموالاتهم لـابن عربي ، هم لم يكفروه باعتبار أنهم تأولوا كلامه وأحسنوا الظن به، بعضهم يقول: إن هذا الكلام مدسوس عليه، وهو لم يقله، في الحقيقة معروف إلحاد ابن عربي وكلامه في الوحدة الوجود، وهذه الكفريات الشنيعة، وكلامه في هذا بشع جداً، كقوله:

    وما الكلب والخنزير إلا إلهـنا وما الله إلا راهب في كنيسة

    تعالى الله عما يقول، ويقول أيضاً:

    العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف

    وإن قلت عبد فذاك رب وإن قلت رب فأنى يكلف

    وخلاصة كلامه: أن كل ما تقع عينك عليه فهذا هو الله ويرى أن أعظم الموحدين اثنين إبليس وفرعون، ويذكر كلاماً فظيعاً جداً في هذا، يعني يقول بإيمان فرعون، وأن فرعون مات مؤمناً، في الحقيقة كثير من الأشياء الشنيعة جداً التي ارتكبها ابن عربي ومع ذلك من العلماء من إما نفى عنه هذا الكلام، ولم يصحح نسبته إليه، أو تأوله له، واعتبر بأنه في حالة من الفناء؛ بحيث صار مغلوباً على عقله من شدة الوجد والمحبة والذوق، إلى آخر هذه التمحلات، لكن على أي الأحوال هل نكفر أمثال هؤلاء الأئمة؛ لأنهم لم يكفروا ابن عربي ؟ كلا. لأنهم لم يوالوه على أساس أنه كافر، لكن هم أحسنوا الظن به، ونفوا عنه قضية الكفر، فمن الناس من يعادي مسلماً، ويتبرأ من إنسان مؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا العداء لا لأنه مسلم.. بل لأنه مرق من الدين وفارق جماعة المسلمين، وهذا حال أهل الأهواء الذين يكفر بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وحسبك من براءة الخوارج من الصحابة، جعلوها شرطاً في صحة الإسلام لابد أن يتبرأ الإنسان من الصحابة، وتكفير الخوارج للصحابة وحملهم السلام عليهم، وهم خيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين.

    1.   

    دعاة القومية

    لا يقتصر اللبس والتأويل الفاسد في باب الولاية على حال الأشخاص موضع الولاء أو البراء، بل يرد كذلك على صور الموالاة نفسها؛ لأنها شعب متفاوتة تبدأ بالمعصية وتنتهي إلى الكفر، وقد تلتبس هذه الصور بعضها ببعض، وقد يتأول في بعضها المصلحة من جلب خير أو دفع شر، وقد يختلف النظر في بعض الصور هل هي من الصور المكفرة أم لا؟

    هناك مثلاً من يروج للدعوة إلى القومية، ويسخر قلمه وعقله للدفاع عن القومية العربية أو القومية الإقليمية حسب كل شعب، ويسود في الترويج للقومية العربية الصحائف والمطولات، ويكون مدخولاً عليهم في ذلك كله متوهماً عدم التعارض بين الدعوة إلى القومية والدعوة إلى الإسلامية أو ظاناً أن الدعوة إلى الوحدة على أساس القومية خطوة لا بد منها على طريق الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وهذا ما حرص دعاة القومية الأوائل على التمويه به عن الأمة.

    في بداية الدعوة إلى إيجاد الرابطة القومية، وبداية نشأة الجامعة العربية؛ ذلك الجهاز الخبيث الذي لا يفطن كثير من المسلمين إلى حقيقته، وغيره من الأجهزة الخبيثة فهم لبسوا على الناس في البداية حتى يبتلعوا هذا السم ويقبلوا قضية الرابطة القومية بديلاً عن الرابطة الإسلامية، ولم يصرحوا بذلك، لكن لبسوا عليهم وقالوا: نحن نجمع ونوحد العرب أولاً، ثم بعد أن يتوحد العرب ننطلق إلى الآفاق الأرحب والأوسع بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فبسبب هذا التلبيس خدع خلق كثير بهذا، فما من شك أن الدعوة إلى القومية في حقيقتها هي الدعوة إلى إقامة الولاء والبراء على أساس الجنس، على أساس الوطنية القومية، وليس على أساس الدين، فالمسلم لا يعرف الولاء والبراء إلا على أساس الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والإخلاص لدين الله عز وجل، فالإسلام أتى منذ اليوم الأول لهدم أي رباط غير رابطة الإسلام، منذ اليوم الأول أتى الإسلام وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لو طلب وحدة عربية لضم إليه أبو جهل وأبو لهب وغير ذلك من أشراف قريش الذين هم أحسن حالاً من أئمة القومية في هذا الزمان، ولكن الرسول عليه السلام عادى أقرب الناس إليه في سبيل هذا الدين، وكان المسلم الذي ينضوي تحت لواء هذا الدين يكون هذا اللواء حد فاصل بين عقيلته وبين قومه، وربما قاتل ابنه أو أباه في سبيل الله تبارك وتعالى، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما وقف على سفح عرفات يوم الحج الأكبر وخطب في الأمة خطبة الوداع، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، كل شيء من أمر الجاهلية: حمية الجاهلية، حكم الجاهلية، تبرج الجاهلية، دم الجاهلية، ربا الجاهلية، فمن أمور الجاهلية التنادي برابطة غير رابطة الإسلام.. نظام الأحلاف والتحزبات، إنسان يوالي من ينتمي إلى حزبه أو وطنه أو جنسه أو قبيلته، ويعادي على هذا الأساس من هو غير ذلك، وآثارها موجودة حتى الآن في بعض البلاد، وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار: فقال المهاجر يا للمهاجرين!- يستغيث بالمهاجرين تعالوا انصروني كأنها عصبية- وقال الأنصاري يا للأنصار: فكادت تقع مقتلة بين المهاجرين والأنصار، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ما بال دعوى الجاهلية، دعوها فإنها منتنة)، فالدعوة القومية العربية دعوى منتنة خبيثة، وضعها الرسول عليه السلام تحت قدمه، فكيف نرفعها رايات فوق رءوسنا؟ فما بال دعوى الجاهلية؟ سماها دعوى الجاهلية وماذا عن الدعوى الجاهلية، قال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، فهذه من دعاوى الجاهلية، وقال: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، وقال عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث: (دعوها)، وهذا أمر بالترك وظاهر الأمر الوجوب، فهذا يدل أيضاً على وجوب طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر بأي رابطة غير رابطة الإسلام، (فإنها منتنة) علل الحكم بأن التنادي بهذه الروابط دعوة خبيثة منتنة، فهي داخلة تحت قوله تبارك وتعالى في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، فهي محرمة لأنها منتنة وخبيثة، والنبي عليه الصلاة والسلام حرم علينا هذه الدعوى الخبيثة، رابطة الإيمان ورابطة لا إله إلا الله تربط المؤمن بإخوانه، كما تربط الكف بالمعصم، وكما تربط الساق بالركبة جسد بجسد واحد، المؤمنون كلهم جسد واحد: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى؛ إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، هذا هو الكرم، وهذا هو الحسب الذي ينبغي التفاخر به لا التفاخر بهذه الروابط الخبيثة التي تريد أن تقضي على الرابطة الإسلامية، ليس فقط تربط بين أهل لا إله إلا الله في الأرض، لكنها تعطف حملة العرش على أهل الإيمان في الأرض، يقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، فتجد رباط الإيمان يجعل أهل السماء حملة العرش أفضل الملائكة يدعون ويستغفرون للمؤمنين إخوانهم في هذه الأرض، فهذا هو الرباط: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين بشكل عام، لا على أساس التنادي بأي رابطة من هذه الروابط الجاهلية، تجد من عجائب الأمور: أن العلماء أجمعوا على أنه لو مات رجل مسلم وترك ميراثاً وليس له أي أحد يرثه سوى ابن كافر من صلبه، مات، فأجمع العلماء على أن هذا الابن لا يستحق أن يرث أباه، وإنما يئول المال إلى إخوانه المسلمين هم الذين يرثونه، لكن لا يأخذه أبداً ابنه الذي هو من صلبه؛ لأنه لا توجد ولاية بين المسلم والكافر، ولا توارث بين المسلم والكافر، فهذا أقوى دليل على رابطة الإيمان، ورابطة العقيدة أقوى من رابطة النسب كما قال الشاعر:

    لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

    وسلمان الفارسي عبد وغير عربي ومع ذلك رفعه الإسلام، وفي بعض الأحاديث وإن كان ضعيفاً (سلمان منا أهل البيت)، فلم يفرق النبي عليه الصلاة والسلام بين أبيض ولا أسود ولا عربي ولا عجمي، فهذه كلها دعوات تريد أن تضعف وتقضي على رابطة الإسلام بين أمة المسلمين، لماذا؟ هناك سبب واضح جداً فإذا تخيلت بلاد المسلمين هذه ذات القدرات العظيمة سواء بشرية أو اقتصادية أو عددية أو غير ذلك من أسباب القوة، ما يشك أحد إذا نظر نظرة واحدة فقط على خريطة العالم الإسلامي أن هؤلاء إذا اجتمعوا تحت لواء العقيدة لا يشك شاك في أنهم سيكونون أعظم أمم الأرض، والمسألة مسألة وقت حتى يأخذوا بأسباب النهضة المادية والروحية، فأمة تكمن فيها كل هذه الطاقات تجد الأعداء يتكالبون على تمزيقها وتفتيتها وتشتيت شملها.

    أحد الكتاب يقول: إن القول بالوحدة الإسلامية دون أن يسبقها العمل على تحقيق الوحدة العربية وتحقيقها يكاد يكون من الأمور المستحيلة، فلا يتصور أن تتحقق وحدة بين بلد إسلامي ينتمي إلى الشرق العربي، وبين بلد إسلامي لا ينتمي إلى العالم العربي دون أن يسبق هذه الوحدة في الوجود وحدة عربية، ومن ثم لا يجوز ولا يعقل القول بإمكانية قيام الوحدة الإسلامية بين مختلف بلاد العالم الإسلامي كله دون أن تسبقها في الوجود وحدة عربية تمهد لها الطريق، ثم يقرر في النهاية عدم التعارض بين الدعوتين فيقول: وإزاء ذلك فإنا نؤيد من ذهب إلى القول بأن الوحدة العربية لا تتعارض مع القول بالوحدة الإسلامية. كيف تتوافق الدعوى الجاهلية مع الدعوة الإسلامية.

    سارت مشرقة وسرت مغـرباً شتان بين مشرق ومغرب

    كيف يجتمعان؟ فمن يقول ويعارض الوحدة العربية باسم الوحدة الإسلامية، يكون قد غفل عن الوقوف على حقائق بديهية تبدو لأي دارس لأحوال العالمين الإسلامي والعربي على حد سواء.

    ثم يذهب إلى ما هو أبعد مدى من ذلك فيقول: لهذا يحق لنا أن ندعي أن كل من يعارض الوحدة العربية يكون قد عارض الوحدة الإسلامية، وأن من يعارض الوحدة العربية باسم الوحدة الإسلامية أو بحجة الوحدة الإسلامية يكون قد خالف أبسط مقتضيات العصر والمنطق مخالفة صريحة، كما يروى عن المسيح عليه السلام أنه سأله الحواريون: كيف نعرف الكذابين الذين يدعون النبوة؟ قال: من ثمارهم تعرفونهم، قال: إذا غضضنا النظر عن الأدلة من القرآن والسنة على تحريم المناداة بهذه الروابط القومية فلننظر إلى أدلة الواقع، فلننظر إلى ثمرة الحنظل المرة التي جناها المسلمون من القومية العربية أو غيرها من الروابط الإقليمية الجاهلية فهذا حزب البعث أشد الناس تعصباً للمناداة بالوحدة العربية إذ أنه يقيم دينه الجديد الكافر الملحد على أساس الرابطة القومية والعربية، فهذه الفتن التي تموج كموج البحر، والتي جعلت حكام العرب الآن كلهم يركعون أمام إسرائيل، وبل يسجدون أمام إسرائيل وأمريكا، فهذا الاستسلام والتخاذل والهوان الذي ما بعده هوان من الذي تسبب فيه؟ هؤلاء دعاة القومية العربية، من الذي نكس بدعاة الإسلام في مصر وفي غيرها؟ هم دعاة القومية العربية سواء عبد الناصر عليه من الله ما يستحقه أو غيره، فهذا كله باسم الوحدة العربية وباسم القومية العربية، وقد كانت علامة الولاء للشخص الذي ينتمي لحزب البعث الملحد أن يدوس على المصحف والعياذ بالله، حتى يثبت أنه معتقد في البعث وكافر بالله ورسوله، يثبت لهم بهذه العلامة التي تكشف لهم العدو من الصديق، فمن طاوعهم مع هذا الكفر المبين والإلحاد الظاهري فهو منهم له ما لهم وعليه ما عليهم، أما من رفض ذلك فهذا يكون قد كشف خبيئة نفسه، وأن في قلبه رصيداً من الحب والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ويقول قائلهم:

    هبوني عيداً يجعل العرب أمـة وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلام على كفر يوحـد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    ربنا يعطيه ما يطلبه، ويحقق له الأمنية، أعوذ بالله يقول:

    ويقول الآخر منهم:

    آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني

    فالولاء والبراء على غير العقيدة يأتي بمثل هذه الكفريات وهذه الأمور الخطيرة، فالولاء والبراء لا يتجزأ الناس الآن حينما تتكلم على حزب البعث كله ينصرف إلى الطاغية صدام حسين ، ويغمضون أعينهم ويخرصون ألسنتهم عن الطاغية وعدو الإسلام والمسلمين الملحد النصيري حافظ الأسد لأن الأوضاع السياسية هي التي تجزئ، وهؤلاء يكيلون بمكيالين وينظرون بمنظارين، فهذا بعثي وهذا بعثي، هذا حارب المسلمين ونكل بهم، وهذا أيضاً جزار يده مخضبة بدماء المسلمين التي سفكها من قبل، هذا التلبيس الذي يمارسه القوميون العرب أو البعثيون أو دعاة القومية العربية والوحدة العربية، بلا شك أنه قد يلتبس على كثير من المسلمين، فهل نستطيع أن نسوي بين رءوس الكفر من البعثيين والقوميين، وبين عوام المسلمين المساكين ضحايا هذا الدجل والخداع والتمويه؟ حينما يصدق أن الوحدة العربية هي الخطوة الحتمية لتحقيق الوحدة الإسلامية، وأن من يطالب بخلاف ذلك يكون قد ضل السبيل، فهذا لا شك أنه يستوجب نوعاً من الحذر عند محاكمة عموم الناس في قضية الولاء والبراء.

    إذا تجاوزنا قضية القومية ودعاتها إلى العلاقة بالطواغيت فإننا لا نستطيع استصحاب حكم واحد بالكفر على كل من أظهر ولاءً لهؤلاء الطواغيت؛ نظراً لاختلاف التأويل وتباين الاجتهادات، هناك من يشايع طواغيت الأرض على كفرهم، وهو يعرف أنه طاغوت كافر، وهذا له حكمه، فهو يتبع ويعلم ويسر له بذلك، وهناك من يظهر له؛ الولاء تألفاً له؛ ذهاباً إلى أنه لم يصل بعد إلى المناط المكفر، وأملاً في تقليل مفسدته على الأمة، أو جلب ما يمكن جلبه من النفع لها بناءً على قاعدة الشريعة في الترجيح بين المصالح والمفاسد عند تزاحمها، ومنهم من يواليه متأولاً عدم كفره من ناحية وملتمساً له العذر والتأويل فيما ينهمك فيه من الفسق والتفريط من ناحية أخرى، وقد يدخل عليه في ذلك من الأهواء والتلبيسات ما شاء الله، هناك العامة الذين لا يعرفون عن حقيقة أمره إلا أفكاراً مشوشة، فمنهم من يواليه تقليداً لمن يفعل ذلك من المنتسبين إلى العلم، ومنهم من يعاديه على الدنيا وهم في ذلك أخلاط وفئات، فمنهم من يواليه تقليداً لمن يفعل ذلك من المنتسبين إلى العلم الشرعي: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، ومنهم من يعاديه على الدنيا لأنه يرفع الأسعار أو يفعل كذا أو أي شيء من أمور الدنيا يفعله الحاكم فإنه يواليه ويعاديه على أساس الدنيا، فهم في ذلك أخلاط وفئات، والمناط المكفر في ذلك هو: أن يوالي الإنسان من عرف كفره بكفره، وهؤلاء فئات شتى والاجتهادات متباينة، ولا يسع منصفاً أن يستصحب في أمثالهم حكماً واحداً تنسحب آثاره على الجميع، من أجل هذا كله كان لا بد من اعتبار عدم التأويل عند الحكم بموجب هذه القضية على حال الناس.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.