إسلام ويب

الإيمان والكفر [5]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان قول وعمل، فهو قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والأركان، وكل قول وعمل من الإيمان يقابله قول وعمل من الكفر والجحود والنكران، وذلك واضح من حديث جبريل عليه السلام، فقد قسم مراتب الدين إلى ثلاث: إسلام، ثم إيمان، ثم الإحسان، وللإيمان شروط صحة، وشروط كمال.

    1.   

    أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في الوقت الحاضر

    لقد تكلمنا فيما سبق عن الجذور التاريخية لبدعة تكفير المسلمين، وتكلمنا عن تطور هذه التوجهات المنحرفة في قضية التكفير، ابتداء بالشيعة ثم الخوارج ثم المعتزلة ثم المرجئة، وتكلمنا أيضاً عن أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في العصور الحاضرة، وذكرنا أن الظروف التي نشأت فيها هذه البدعة كانت ظروفاً خاصة، وكانت لأسباب منها: الاضطهاد السياسي الذي كان التكفير رد فعل مقابل له، ومنها: فقدان الثقة بعلماء السلطة، ومنها: محاولة جمع من الفتية أخذ الأحكام من القرآن مباشرة دون الرجوع إلى فهم أهل العلم لأدلة القرآن والسنة، وبسبب عدم تأهلهم ربما نظروا من خلال أطراف من النصوص مع إهمال البعض الآخر. ومن هذه الأسباب: الخلط بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، أما آخر أسباب هذه الظاهرة فهي تعلق هؤلاء ببعض ما قاله الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله، والشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى؛ وذلك أن الشيخين صدر منهما في بعض المؤلفات عبارات فهمت خطأ، أو تكون هي نفسها إذا عرضت على ميزان عقيدة أهل السنة والجماعة يكون فيها بعض النظر، خاصة ما ورد في مقدمة سورة الأنعام في تفسير الظلال، وما جاء في كتاب (المصطلحات الأربعة) للشيخ: أبي الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، والقاعدة التي أرساها الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ بل حكاها عنه الشافعي حينما حضر عليه في المسجد النبوي بالمدينة، كان يجلس الإمام مالك رحمه الله بجوار قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما ناقشه أحد في قضية خالف فيها الدليل، فكان الإمام مالك يمد يده ويقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويشير أو يضع يده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فنناقش إن شاء الله تعالى بالتفصيل موقف المودودي وسيد قطب رحمهما الله في قضية الكفر والإيمان، وما هي المواضع المحددة المعينة التي أدت إلى تغذية فكر التكفير من خلال عبارات معينة صاغها الشيخان. يرى الشيخ المودودي في كتابه: (المصطلحات الأربعة) أن هناك فهماً للمصطلحات الأربعة التي هي: العبادة، والرب، والدين، والإله. هذا الفهم كان عند العرب موجوداً بحكم السليقة العربية، وفقههم لمعاني الكلام في اللغة؛ فلذلك كان أحدهم إذا نطق بكلمة التوحيد؛ فإنه كان يدرك تماماً ما يستتبعها من معان ولوازم، فإذا ما جاء بعد ذلك من ليس على نفس هذه السليقة العربية ونطق بكلمة التوحيد دون أن يحيط علماً بمعانيها ومرامها ولوازمها فهذا لم يدخل في الإسلام أصلاً. وهذا الكلام الغريب لم يعهد من قبل، ولم يصدر فيما نقل من كلام العلماء إلا فيما ذهب إليه العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتابه: (تطهير الاعتقاد عن أدران الكفر والإلحاد) فقد قال من قبل هذه المقولة، وأنكر عليه كثير من العلماء حين قال: إن من لم يحط علماً بلوازم هذه الكلمات: العبادة، والرب، والدين، والإله كما كان السلف أو كما كان الصدر الأول، بسبب علمهم باللغة العربية؛ فمن نطق بها ولم يعلمها كما علموها فهو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام أصلاً، ولا شك أن في هذا مصادمة صريحة لنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تثبت الإسلام لمن نطق بالشهادتين. وردد الأستاذ سيد قطب رحمه الله في مواضع كثيرة عبارات المودودي رحمه الله؛ ونظراً لأن الاكتظاظ في الكلام في هذه المواضع قد يؤدي إلى سوء فهمها نرجئها إلى موضعها المناسب، ونتكلم فيها إن شاء الله بعد ذلك بالتفصيل.

    1.   

    أصول أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر

    أما عن أصول أهل السنة والجماعة في قضية الإيمان فهي متعلقة بمعنى كلمة الإسلام والإيمان، وخلاصة الكلام في تعريف الدين أنه عبارة عن قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح. والقول بالقلب هو التصديق، وأن يوقن الإنسان بأحقية هذا الذي يؤمن به ويصدقه، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين. أما عمل القلب فهو ما لا يؤدى إلا بالقلب كالنية، الإخلاص، الخوف، الرجاء، المحبة، الإنابة، الإخبات، التوكل، الانقياد، الإقبال على الله، ولوازم هذه الأعمال القلبية. أما عمل اللسان فهو ما لا يؤدى إلا باللسان من العبادات، كالذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، والتهليل، والحوقلة، والحلف، والنذر وهكذا. وعمل الجوارح فهو ما لا يؤدى إلا بالجوارح، كالصيام، والصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد وغير ذلك، فهذا هو جماع معنى الدين، قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح. أما الكفر فهو على أنواع أربعة مقابلة لأنواع الإيمان التي هي: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، فإذا انتفى التصديق الذي هو قول القلب؛ فسوف يكون هذا هو النوع الأول من الكفر، وهو كفر الجهل والتكذيب؛ لأنه انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق. النوع الثاني: كفر الجحود، وهو كتم الحق مع العلم بصدقه، هذا نوع آخر من الكفر، فهو يعلم أن هذا حق؛ لكنه يكتمه، وهذا هو كفر الجحود: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]. النوع الثالث: كفر العناد والاستكبار، فينفي في هذا الكفر عمل القلب والجوارح مع المعرفة للقلب والاعتراف باللسان، فهو يعرف أن هذا حق؛ لكن ينتفي عمل القلب من الانقياد والمحبة، والخوف والرجاء .. إلى آخر أعمال القلب، فينفي عمل القلب، وينتفي عن صاحبه عمل الجوارح مع وجود المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان أن هذا حق، هذا مثل كفر إبليس وأغلب اليهود لعنهم الله، ومثل كفر من ترك الصلاة عناداً واستكباراً، ويوضع السيف على رقبته ويقال له: إما أن تصلي أو تقتل فيختار القتل، فما من شك أن هذا لا يمكن أن يكون في قلبه تصديق؛ لأن الصلاة فرض من فروض الدين؛ ولأنه إذا وجد التصديق في القلب لوجد العمل، فإذا انتفى مع وجود هذه الحالة يخير بين القتل وبين الصلاة، فيختار القتل على الصلاة، فحصل هذا العناد منه بسبب غياب التصديق في قلبه. النوع الرابع: كفر النفاق، وفي هذا النوع ينتفي عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة، ففي النفاق تنقاد الجوارح الظاهرة؛ لأن المنافق يظهر شعائر الإسلام، يصلي ويصوم ويزكي ويفعل جميع الأفعال الظاهرة؛ لكن ينتفي عمل قلبه. إذاً: أنواع الكفر كل منها على حدة يخرج من الملة بالكلية، فإذا انضمت كلها ووجدت في شخص واحد فهي ظلمات بعضها فوق بعض وزيادة في الكفر، كفر الجهل والتكذيب، كفر الجحود، كفر العناد والاستكبار، كفر النفاق.

    1.   

    تعريف الإسلام والإيمان لغة واصطلاحاً

    هناك تعريف لغوي للإسلام والإيمان لغوي وتعريف اصطلاحي. الإسلام في اللغة: الانقياد والإذعان. أما الإسلام في الشرع فيأتي على حالين: الأول: يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فحيثما أطلقت كلمة الإسلام ولم يقترن بها لفظ الإيمان، فحينئذٍ يراد به الدين كله، أصوله وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله. الثاني: إذا أطلق الإسلام مقترناً بالإيمان، أو مقترناً بالاعتقاد فينصرف فقط إلى الأعمال والأقوال الظاهرة. أما الإيمان لغة: فهو التصديق. أما الإيمان شرعاً: فيطلق أحياناً على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام؛ فيراد به هنا الدين كله، أو تأتي كلمة الإيمان وتطلق مقرونة بالإسلام، فهنا يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة. وبالتالي: ينطبق علينا القول المعروف: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. إذا اجتمعا في لفظ واحد، كما في حديث جبريل، فيكون الإسلام عبارة عن الأفعال الظاهرة، والإيمان عن الأشياء الباطنة، أما إذا أتت كلمة الإسلام مطلقة بدون ما تقرن بالإيمان، أو أتت كلمة الإيمان مطلقة بدون أن تقترن معها الإسلام، فبهذه الحالة كل منهما على حدة ينصرف إلى كل أمور الدين والظاهر والباطن والاعتقادات وغير ذلك، وكما أن الإيمان المقيد الذي يأتي مع الإسلام في لفظ واحد يكون تصديقاً بأمور مخصوصة، والإسلام يكون إظهار أعمال مخصوصة، كما أن العالم لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اعتقد؛ فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلا إذا عمل، وسيأتي إن شاء الله ذكر التفصيل في ذلك.

    1.   

    أركان الإسلام والإيمان

    تفنيد مذهب المنحرفين في تعريف الإيمان

    يقول بعضهم الإيمان هو مجرد التصديق فقط بما عند الله. وهذا الذي قاله ابن الراوندي ، ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم. أما الجهم بن صفوان فزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط. والمرجئة والكرامية قالوا: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، وقال آخرون: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان. أما الخوارج والعلاف ومن وافقهم فقالوا: الإيمان هو الطاعة بأسرها فرضاً كانت أو نفلاً. وقال الجبائي وأكثر المعتزلة: هو الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وقال الباقون من المعتزلة: هو العمل والنطق والاعتقاد، ونحاول أن نوضح المخالفات الموجودة في كلام كل منهم على حدة. أما الكلام في مسمى معنى الدين والإسلام والإيمان، فنحتاج أن نصدره بالحديث الشهير حديث جبريل عليه السلام، وقد رواه مسلم بسنده عن ابن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف، قال ابن عمر : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف عليه عبد الله بن عمر ؛ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! -ولكن من أدب الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتريثون ولا يتعجلون الاستفصال عن هذا، لكنهم كتموا في أنفسهم هذا التعجب، كيف يسأله ثم يقول له: صدقت؟!- قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر ! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وروايات هذا الحديث كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية.

    تفنيد مذهب المنحرفين في الإيمان

    بعضهم يقول: الإيمان هو مجرد التصديق فقط بما عند الله. وهذا الذي قاله ابن الراوندي ، ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم.

    أما الجهم بن صفوان فزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط.

    والمرجئة والكرامية قالوا: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، وقال آخرون: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.

    أما الخوارج والعلاف ومن وافقهم فقالوا: الإيمان هو الطاعة بأسرها فرضاً كانت أو نفلاً.

    وقال الجبائي وأكثر المعتزلة: هو الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وقال الباقون من المعتزلة: هو العمل والنطق والاعتقاد، ونحاول أن نوضح المخالفات الموجودة في كلام كل منهم على حدة.

    أما الكلام في مسمى معنى الدين والإسلام والإيمان، فنحتاج أن نصدره بالحديث الشهير حديث جبريل عليه السلام، وقد رواه مسلم بسنده عن ابن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف، قال ابن عمر : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف عليه عبد الله بن عمر ؛ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.

    ثم قال: حدثني أبي عمر الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! -ولكن من أدب الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتريثون، ولا يتعجلون الاستفصال عن هذا، لكنهم كتموا في أنفسهم هذا التعجب، كيف يسأله ثم يقول له: صدقت؟!- قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البينان، قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر ! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

    وروايات هذا الحديث كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية.

    يقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول:

    اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل

    اعلم بأن الدين، يعني: الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ورضيه لأهل سماواته وأرضه، وأمر أن لا يعبد إلا به، ولا يقبل من أحد سواه، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، ولا أحسن ديناً ممن التزمه واتبعه.

    اعلم بأن الدين قول وعمل: قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، فهذه أربعة أركان جامعة لأمور دين الإسلام.

    1.   

    الأركان الجامعة للدين

    يقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه (معارج القبول): اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: اعلم بأن الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه، وأمر ألا يعبد إلا به، ولا يقبل من أحد سواه، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، ولا أحسن ديناً ممن التزمه واتبعه. اعلم بأن الدين قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، فهذه أربعة أركان جامعة لأمور دين الإسلام.

    الركن الأول: قول القلب

    وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33] * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:34]، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، يعني: صدقوا بالله ورسوله، ثم لم يشكوا في هذا التصديق، وفي حديث الدرجات العلا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قوم على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والمرسلون، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)، والشاهد قوله: (وصدقوا المرسلين)، وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، أي: يصدقون بالغيب، وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:136]، وقال تعالى: وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [الشورى:15]، وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن من الإيمان قول القلب بالتصديق واليقين.

    وفي حديث الشفاعة يقول عليه الصلاة والسلام: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)، وفي الحديث الآخر فيقال: (انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة، أو شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان)، فالشاهد هنا قوله: (في قلبه).

    وقال تبارك وتعالى في المكذبين: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، يعني: لا يصدقون، وقال تعالى في المرتابين الشاكين: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:167]، وقال فيهم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41]، وقال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، لماذا؟ لأنهم يقولون هذا بلسانهم، أما قلوبهم فليس فيها تصديق ولا يقين: (( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ))، أي: في قولهم: نشهد، فهم كذبوا، لا يشهدون بذلك بقلوبهم، وإنما هو بألسنتهم تقية ونفاقاً ومخادعة.

    فهذا هو الركن الأول من الدين، وهو أنه قول بالقلب.

    الركن الثاني: قول اللسان

    هذه الأركان لابد من وجودها جميعاً في كل مؤمن، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان.

    أما قول اللسان: فهو النطق بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ [القصص:53]، وقال تعالى: وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [الشورى:15]، وقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف:86]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذه الشهادة تكون باللسان.

    الركن الثالث: عمل القلب

    هناك فرق بين قول القلب وبين عمل القلب، قول القلب: التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو العبادات القلبية التي لا تؤدى إلا بالقلب، مثل: النية، الإخلاص، المحبة، الانقياد، الإقبال على الله عز وجل، التوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، يقول تبارك وتعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]، أين عمل القلب هنا؟ في قوله: (( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ))، وقال عز وجل: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل:19] * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:20]، هذا هو عمل القلب، وقال تبارك وتعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان:9]، هذه أيضاً أعمال القلب، النية والإخلاص لله، وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، فهنا ذكر من أعمال القلب: (( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ))، فوجل القلب والخوف من الله تبارك وتعالى من أركان الإيمان.

    وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، معلوم أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الذين يؤتون ما آتوا: هل هم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون المحرمات ويشربون الخمر، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يا ابنة الصديق ! بل هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، يخافون أن لا يتقبل منهم)، فهذا هو تفسير النبي عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا ))، يعني: من الأعمال الصالحة، ومع ذلك هم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم، لقوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    فالشاهد هنا في قوله: (( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ))، فالوجل والخوف من أعمال القلب.

    وقال عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، وقال أيضاً: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وقال عز وجل: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، والإخلاص عمل قلبي، وقال أيضاً: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وهذا عمل قلبي: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14]، والنية عمل قلبي، وقال أيضاً: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، الحب عمل قلبي: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، والحب عمل قلبي.

    فهناك أعمال في القلب لابد أن تؤدى، وحتى تحقق التوحيد في الأعمال القلبية: ينبغي أن لا توجهها إلا إلى الله تبارك وتعالى، كما أن من أعمال البدن: السجود، الركوع، الصيام، الجهاد، هذه كلها من أعمال البدن، حتى توحد الله بأعمال البدن لا توجه هذه العبادات إلا إلى الله تبارك وتعالى، فلا تسجد ولا تركع إلا لله تبارك وتعالى؛ كذلك أعمال القلب ينبغي أن لا توجه إلا إلى الله عز وجل، فلا تخاف إلا الله، ولا تحب إلا الله عز وجل وفي الله، ولا تتوكل إلا على الله، فإن وجهت التوكل إلى غير الله ففي هذه الحالة تكون اتخذته شريكاً مع الله تبارك وتعالى, يقول الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] وقال عز وجل: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]، وقال أيضاً: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، وقال: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22]، وقال: فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34]، وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى [النساء:65] -انظر إلى الغاية- حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، هذا الدليل واضح جداً في اشتراط عمل القلب في الإيمان، ولا يعلم الإيمان حتى تجتمع فيهم هذه الأشياء: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ))، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    (إنما الأعمال بالنيات)، يعني: الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، لكننا نحتج بالحديث على أن من يعمل عملاً مخالفاً للشرع ثم يقول: نيتي صحيحة؛ كمن يسرق ليتصدق؛ إذ لابد أن يكون العمل صالحاً: إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، ولو عمل عملاً صالحاً يريد به غير وجه الله لا ينفعه أيضاً، فلابد من الاثنين أن يكون العمل صالحاً موافقاً للشرع، وأن يكون خالصاً يبتغى به وجه الله تبارك وتعالى. وتقدم الكلام على ما ينافي الإخلاص من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر.

    ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحبوا الله من كل قلوبكم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، هذا أيضاً عمل قلبي، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، فهذا غاية الانقياد؛ إذ لم يكن له هوى غير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع وغير ذلك من أعمال القلوب فأدلتها كثيرة جداً يطول الكلام بإحصائها واستقصائها.

    الشاهد: كما أن قول القلب هو بالتصديق واليقين بالحق؛ كذلك لابد أن ينضم إليه: قول اللسان بالنطق بالشهادتين.

    الركن الرابع: عمل اللسان والجوارح

    عمل اللسان هو ما لا يؤدى إلا به، مثل العبادات التي مناطها اللسان: كتلاوة القرآن، والأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل، والتكبير والدعاء والاستغفار ونحو ذلك.

    أما عمل الجوارح فما لا يؤدى إلا بها، كالقيام في الصلاة والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله عز وجل كالخطى إلى المساجد، وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإيمان.

    قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [فاطر:29]، يتلون: أي عمل باللسان، ويمكن أن يكون عمل بالجوارح على اعتبار أن اللسان أحد الجوارح.

    إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [فاطر:29]، هذا عمل اللسان، وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، وقال تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف:27]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:42]، وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205]، وقال تبارك وتعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء:111]، فهذا أمر بالعمل باللسان.

    وقال: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، وهي كما جاء في الحديث الصحيح: (خذوا جنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات -من الجنبين تحيط الإنسان ومن قدامه ومن خلفه- وهن الباقيات الصالحات)، هذا الحديث نص في أن الباقيات الصالحات هن هؤلاء الكلمات.

    وقال تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، وقال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191]، وقال: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] القيام من عمل جوارح، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78]، وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64]، وقال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9]، فهذه فيها أعمال القلب والجوارح.

    وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:111]، هذا بالجوارح: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111] إلى آخره، ثم قال عز وجل: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]، فالآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً في أن أعمال الجوارح ركن من أركان الدين وداخله في مسماه.

    أنواع الكفر المخرجة من الملة

    إن أصل أصول الدين هو: أن الإيمان قول وعمل؛ قول بالقلب وباللسان، وعمل بالقلب وبالأركان بما فيها اللسان، فإذا حقق الإنسان هذه الأمور الأربعة تحقيقاً بالغاً، وعرف ما يراد بها معرفة تامة، وفهم فهماً واضحاً، ثم أمعن النظر في أضدادها ونواقضها، تبين له أن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة:

    كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق، وكل واحد منها يخرج من الملة بالكلية، وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض -والعياذ بالله من ذلك- لأنه إما أن تنتفي هذه الأمور كلها، فلا هو عنده قول القلب ولا عمله، ولا قول اللسان ولا عمل الجوارح، أو ينتفي بعضها، فإن انتفت كلها فقد اجتمعت أنواع الكفر غير النفاق، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7]، فإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق، فهذا كفر الجهل والتكذيب، قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39]، فلما انتفى تصديق القلب مع الجهل بالحق فهذا هو كفر الجهل والتكذيب، وقال تبارك وتعالى: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا [النمل:84]، كذب وجهل بالحق، فهو جمع بين التكذيب والجهل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:83] * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84]، فإذا كتم الحق مع العلم به وبصدقه فهذا كفر الجحود والكتمان، يعني: قلبه يعلم بالحق؛ لكنه يكتمه ويجحده، فهذا كفر الجحود والكتمان، كما قال عز وجل في فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14]، وقال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ [البقرة:89] -اليهود- مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89]، هم يعرفون أن الرسول حق، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً؛ لكنهم جحدوا واستكبروا، وقال عز وجل: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146] * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147].

    أما إذا انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح، يعني: في الظاهر جوارحه منقادة؛ فهو يصلي ويصوم ويزكي ويشهد الشهادتين؛ لكن انتفى عمل القلب، فلا نية، ولا إخلاص، ولا محبة، ولا إذعان بالقلب؛ لكن الجوارح في الظاهر منقادة، فهذا هو كفر النفاق؛ سواء وجد التصديق المطلق أو انتقى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك، يقول عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10] إلى قوله تبارك وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20].

    وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان، كمن لا يوجد له عمل قلب ولا عمل بالجوارح؛ لكن عنده معرفة بالقلب واعتراف باللسان؛ فهذا كفر العناد والاستكبار، ككفر إبليس؛ لأن قلبه لم ينقد لأمر الله تبارك وتعالى، وانتفى عمل الجوارح؛ لأنه لم يتمثل الأمر بالسجود، مع معرفته بقلبه أن هذا الأمر بالسجود صادر من الله تبارك وتعالى، فهو يصدق أن هذا أمر الله.

    وكذلك كفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود هو من هذا الباب، وكذا كفر من ترك الصلاة عناداً واستكباراً.

    1.   

    معنى قول أهل السنة: الإيمان هو التصديق

    محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

    فمن هنا يتبين لك أن من قال: من أهل السنة في تعريف الإيمان: هو التصديق، فعلى ظاهر اللغة، كما قال الله: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، يعني: ما أنت بمصدقنا، فمن قال من أهل السنة: إن الإيمان هو التصديق إنما يقصد التصديق الذي يستلزم الانقياد والإذعان لا مجرد المعرفة كما يقول المرجئة؛ كما في قوله تبارك وتعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [الصافات:104] * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:105] ومعلوم أن هذه الرؤيا كانت وحي من الله فقط، وما أطلق عليه تصديقاً حتى انضم إليها الانقياد بأن أسلم هو وولده وتله للجبين؛ حينئذ: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [الصافات:104] * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:105]، لما انضاف إلى التصديق بالمعرفة العمل والانقياد والإذعان، فالقلب هو ملك البدن، فإذا وجد عمل القلب بالإذعان، فلابد أن يذعن في الظاهر بأعمال الجوارح، والدليل هذا الحديث: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، يعني: إذا صلح القلب انقادت الجوارح، إذا وجد عمل القلب من الإذعان، والخضوع، والانقياد، والمحبة إلى غير ذلك ينعكس ذلك على الجوارح، فهذا عكس ما يردده أغلب الناس ويسيئون تطبيق هذا الحديث بعد أن يسيئوا فهمه، فيقولون: الإيمان في القلب، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله)، نعم هذا الحديث حجة عليه، كما قال شيخ الإسلام : أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية وحديث لإثبات باطله إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه، وهذه من آيات الله: أنك إذا عكست الدليل عليه تجد الحجة قائمة عليه تماماً؛ فكذلك هنا: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، فالقلب يؤثر في البدن، والظاهر أيضاً يؤثر في القلب، هناك تفاعل مشترك بين الأمرين؛ فمثلاً: الذي يحلق لحيته ويقول: إن الأعمال بالنيات، وإن قلبي سليم! نقول له: كذبت وخالفت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلح القلب صلح الجسد، وانعكس على ظاهره الأعمال الصالحة سواء من إعفاء اللحية، والتمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وسائر الأعمال الظاهرة، فهذه تكون عنواناً على سلامة هذا القلب؛ كذلك القلب السليم ينضح بهذه الأعمال الصالحة.

    فالمقصود: أن من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق؛ فإنما أراد التصديق على أساس أصل اللغة؛ لكن في الاصطلاح: الإيمان هو التصديق المستلزم للانقياد.

    وهذا مقياس في الظاهر والباطن، ليس فقط في الظاهر، فلم يعنوا مجرد التصديق، والدليل: أن إبليس لعنه الله لم يكذب أن الأمر له بالسجود من عند الله، وما كان يشك إبليس أن الأمر بالسجود هو من عند الله تبارك وتعالى، وإنما الذي تخلف عن إبليس هو عمل القلب بالانقياد في هذا الأمر، لذا كان إباؤه كفراً واستكباراً.

    كذلك اليهود: كانوا يعتقدون صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتبعوه جحوداً وعناداً، وفرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك موجودة في القرآن الكريم، وهي كثيرة منها قوله تبارك وتعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، ويقول تبارك وتعالى في آخر سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا [الإسراء:101]، فماذا أجاب موسى؟ قال: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ [الإسراء:102]، وموسى صادق مصدوق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، فهذا دليل على أن فرعون كان مؤمناً، وعنده يقين ومعرفة أن هذا رسول الله حقاً وصدقاً؛ لكنه لم ينقد له.

    وهناك آيات أخرى في سورة الأعراف وغيرها من السور فيها إثبات أن القوم لما كان ينزل بهم سخط الله وعذابه كانوا يهرعون إلى موسى، يقول: (يا موسى) أو يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف:49]، ثم ينقضون العهد بعد ذلك كما هو معلوم في سورة الزخرف والأعراف أيضاً.

    فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون صدق الرسول؛ لكن لم ينقادوا إليه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد له، بل جحد بآيات الله ظلماً وعلواً، فأين هذا التصديق من تصديق من قال الله تعالى فيه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]؟ وحتى تتمثل الأمر بوضوح؛ لأنه ربما يلتبس على الإنسان الفرق بين قول القلب وعمله، نقول: فرعون كان عنده القول بالقلب؛ وإبليس كان عنده القول بالقلب، واليهود الذين صدقوا بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام كان عندهم قول بالقلب، لكن لم يوجد عمل بالقلب، وهو الانقياد والإذعان والمحبة وغير ذلك من الأعمال القلبية، وتذكر قوله عز وجل في حق فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وقارن هذا التصديق الذي كان عليه فرعون وقومه بالتصديق الذي جاء في قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]، قارن أيضاً تصديق اليهود الذين قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:46]، و: قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76]، فقارن بين هذا التصديق من تصديق الذين قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، فلابد أن نفرق بين قول القلب وبين عمل القلب، قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو الانقياد والمحبة والإذعان لما أمر الله تبارك وتعالى به، فهذا خلاصة شرح قول صاحب سلم الأصول:

    اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل

    يعني: ما اشتمل عليه هذا الكلام من أن الإيمان قول وعمل: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.

    1.   

    مراتب الدين

    قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله:

    كفاك ما قد قاله الرسول إذ جاءه يسأله جبريل

    على مراتب ثلاث فصله جاءت على جميعه مشتمله

    الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان

    كفاك، يعني: كفاك يا طالب الحق ما قد قاله الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذا جاءه يسأله، يعني: حين جاءه يسأله عن مراتب الدين وشرائعه، وهو جبريل عليه السلام كما في الحديث الصحيح السابق.

    على مراتب ثلاث فصله، أي: بتلك الأجوبة الصريحة.

    جاءت: يعني الثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان.

    على جميعه: على جميع الدين مشتملة؛ ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمور كلها: الدين، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

    والكلام في قضية الإيمان أيضاً يصبح رداً قوياً جداً على الناس الذين يصفون هذه الأعمال سواء كانت أعمال القلب أو غيرها، يقول: أنتم تهتمون بأمور نظرية فلا يترتب عليها عمل، كلا. هذه عمل في الحقيقة، كما ذكرنا عمل القلب بالانقياد والإذعان، فهذه فيها عمل، كما يقول عز وجل: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:225]، فالقلب له كسب وعمل أيضاً.

    الإسلام: مفصل من مجمل مراتب، وهو بدل بعض من كل.

    على مراتب ثلاث فصله جاءت على جميعه مشتمله

    الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان

    مرتبة الإسلام

    هذه هي المرتبة الأولى في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن وافقه من الصحابة حينما سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام.

    نأتي أولاً بالمعنى اللغوي، ثم بالمعنى الاصطلاح، فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان.

    وأما في الشريعة: فلإطلاقه حالتان:

    الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، هنا أتى الإسلام مفرداً دون أن يقترن بلفظ الإيمان، فيشمل كل أمور الدين، الباطن والظاهر والأقوال والأعمال والاعتقادات، وكل شيء يدخل تحت مسمى الدين يدخل هنا بكلمة الإسلام؛ لأنها أتت مفردة مطلقة دون أن ترتبط بلفظ الإيمان في وقت واحد: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، ومثلها: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فيشمل هنا كل أمور الدين، وقوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208]، السلم هنا المقصود به الإسلام، أي: التزموا بجميع أمور الدين والإسلام سواء الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة.

    وهذه الآية من أقوى الأدلة التي نرمي بها في نحور الذين يقسمون الدين إلى أمور نظرية، ويفترون على الله حينما يسمونها تافهة، ويسخرون منها وهي من أركان الإيمان؛ لأن قوله: (كافة) يعني: جميع ما يتعلق بالإسلام من الأقوال والأعمال والنيات والأحوال وغير ذلك، هذا كله مأمور بالدخول فيه، سواء في ذلك العقيدة أو الفقه والعمل.

    أيضاً هذه الآية دليل ضد ما يعمله البعض من تحقير بعض أمور الفقه أو العلم، ويسخرون في ذلك من طلاب العلم، ويقولون: متى تخرجون من فقه دورة المياه؟ يسخرون من فقه الطهارة، أو يسخرون من بعض العلماء أو طلاب العلم، ويقولون: علماء الحيض والنفاس، ولا يدرون أنهم بذلك يهلكون؛ لأن هذه تدخل في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208]، لا يسمى أبداً شيء من أمر الدين، أو أمر به النبي عليه الصلاة والسلام أو أقره لا يمكن أن يسمى: تافه أو سخيف، إنما يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)، مع أن الأمور مقاصد الدين، أما السفساف: فهي أمور الدنيا الحقيرة؛ لكن أن تعمد إلى قضية من قضايا الدين وتسخر منها أو تقول: هذه قشور، أو أمور شكلية، أو مظاهر لا حاجة لنا بها، فهذا كله إعراض عن المقصود الشامل من قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208]، أي: في كل ما يتعلق بالدين والإسلام.

    ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما سأله معاوية بن حيدة : (ما الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي لله)، إلى آخر الحديث، وحديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله عز وجل، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل)، الحديث هنا يعتبر كدليل على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت مفردة غير مقترنة بلفظ الإيمان فإنها تشمل كل أمور الإسلام، وكل أمور الدين، والظاهر والباطن وغير ذلك.

    ويروى أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله عز وجل، -فأدخل فيه عمل القلب- وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك -هذا عمل الجوارح واللسان- قال: فأي الإسلام أفضل؟)، إذاً: الإسلام كلمة عامة، ثم يسأل عن أفضل ما يدخل في هذه الكلمة الشاملة الإسلام، قال: (فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان)، ففي هذا الحديث أطلقت كلمة الإسلام ويدخل في معناها أيضاً الإيمان بهذا النص، (قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت)، فهذا دليل واضح على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت وأفردت دون أن تقيد بالإيمان تشمل الظاهر والباطن.

    فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان جزءاً من الإسلام وهو أفضله، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها)، فالانقياد ظاهراً بدون إيمان لا يكون حسن إسلام، بل هو النفاق، فكيف تكتب له حسنات أو تمحى عنه سيئات؟ فقوله هنا: (حسن إسلامه) يشمل كل أمور الإسلام باطناً وظاهراً.

    ولابد أن نفهم أن معنى قوله: (حسن إسلامه) أي: حسن باطنه وظاهره، أما إذا حسن الظاهر فقط فهذا شأن المنافقين الذين كانوا يخرجون مع المسلمين في الجهاد، وكانوا يصومون ويصلون الجماعة ويحجون ويفعلون كل هذه الأشياء، فهو حسن إسلام في الظاهر وانقياد ظاهري، ولكن تخلف الانقياد الباطني الذي هو عمل القلب، فلا يمكن أن يكون بالمقصود من قوله: (فحسن إسلامه)، صلاح الظاهر فقط، بل لابد أن يكون في ظل هذا الحديث اشتراط حسن الإيمان القلبي والانقياد الباطني، فهذه الحالة الأولى من حالة ورود لفظة الإسلام.

    الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأقوال والأعمال الظاهرة فقط، إذا جاءك نص قرن فيه بين الإسلام والإيمان، ينطبق عليه قاعدة: إذا اجتمعا في لفظ واحد افترقا في المعنى، لكن إذا افترقا اجتمعا.

    إذاً: الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالاعتقاد فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، هنا اقترن الإيمان بالإسلام.

    وربما يقول قائل: حديث عمرو بن عبسة أليس فيه إدخال الإسلام بالإيمان؟ نقول: نعم؛ ولكن جاءت قرينة تدل على أن الإسلام في أول الحديث المقصود به كل أمور الدين؛ لأنه نص على أن الإيمان جزء من الإسلام، والإسلام يشمل هذا ويشمل ما عداه: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، فهنا أتى بالإسلام مقترناً بالإيمان، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له سعد رضي الله عنه: (ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أو مسلماً)، يعني: هلا أطلقت عليه لفظة الإسلام لا لفظة الإيمان؟ لأنك تخبر عن علمك أنت، فعلمك يكون حسب الظاهر، فلا تقل: مؤمناً، لكن قل: مسلماً. يعني: أنك لم تطلع على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، فهنا: (إني أراه مؤمناً)، قصد بالإيمان الأمر الباطن، والرسول عليه الصلاة والسلام قصد بالإسلام الأمر الظاهر.

    وفي رواية النسائي : (لا تقل: مؤمناً، وقل: مسلماً)، وكحديث عمر أيضاً الذي سقناه في بداية الكلام، قال: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -كلها أعمال ظاهرة- وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -هذه أعمال باطنة بالقلب- بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

    مرتبة الإيمان

    الإيمان لغة: التصديق، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، يعني: ما أنت بمصدق لنا.

    أما في الشريعة فللإيمان أيضاً حالتان:

    الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذ يراد به الدين كله، كقوله عز وجل في الذين آمنوا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، (فآمنوا) هنا تشمل الظاهر والباطن.

    وقوله تبارك وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16]، وقوله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122]، تشمل أيضاً الظاهر والباطن، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، هنا تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها مفردة غير مقيدة بالإسلام؛ ولهذا حصر الله الإيمان في من التزم الدين كله باطناً وظاهراً، في قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، يعني: لا يوجد الإيمان إلا في هؤلاء؛ فانظر إلى صفتهم وأفعالهم، وسوف تجد أفعالهم وأعمالهم باطنة وظاهرة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2] هذه باطنة: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، أيضاً باطنة: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، أعمال باطنة بالقلب: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3]، ظاهرة: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4]، فأطلق الإيمان وحصره في من جمع بين الظاهر والباطن، وقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، هذه أعمال قلبية: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، لكن أين (في سبيل الله)، عمل قلبي بالنية؛ لأنه يريد إعلاء كلمة الله.

    وقال عز وجل: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة:15] * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، فسرهم بمن اتصف بذلك كله أيضاً في قوله عز وجل: [البقرة:1] * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:4] * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5]، ووصفهم أيضاً بالإيمان في قوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] إلى آخر الآيات، وقال عز وجل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:156]، إلى آخر الآيات.

    ثم قال جل وعلا: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157]، وقال أيضاً -وهي من أوضح الأدلة في ذلك-: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، الذين من صفاتهم: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:4] * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5] * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9] * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [المؤمنون:10] * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:11]، وقال أيضاً: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل:2] * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3]، وغير ذلك من الآيات.

    بل أتى أيضاً نصاً صريحاً جداً فسر الإيمان بهذه الأعمال كلها، كما في قوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177].

    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أبا ذر رضي الله عنه سأله فقال له: (ما الإيمان؟ فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177] إلى آخر الآية)، فأتى بهذه الآية جواباً عن سؤاله عن الإيمان، ثم قال له أيضاً: (ما الإيمان؟ فتلاها عليه، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك)، يعني: هذه أيضاً علامة من علامات الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن)، هذه علامة من علامات الإيمان.

    وأيضاً فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالباطن والظاهر، كما في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما: (آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، هذه عادة الصحابة في الجواب حينما يسألون أن يقولوا: الله ورسوله أعلم، بعض الناس يكررون هذه الكلمة الآن في غير موضوعها، تسأله عن الشيء الفلاني حصل أو لم يحصل؟ يقول: الله ورسوله أعلم، أين الكتاب الفلاني؟ الله ورسوله أعلم. كلا. كيف: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته كان ينزل عليه الوحي فيخبره بهذه الأشياء؛ لذلك كان يقول الصحابة: الله ورسوله أعلم، لكن هل الرسول يعلم كل شيء؟ نعم، حتى بعد موته صلى الله عليه وسلم لا يجوز أبداً أن تقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء. (قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس)، فهذه أعمال ظاهرة دخلت في مسمى الإيمان، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام رمضان إيماناً واحتساباً من الإيمان، وكذا قيام ليلة القدر، وأداء الأمانة، والجهاد والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، تماماً مثل كلمة الإسلام في قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها غير مقترنة بالإسلام وقد أتت مفردة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة، منها ما هو من قول القلب، ومنها ما هو من عمل القلب، ومنها ما هو من قول اللسان، ومنها ما هو من عمل اللسان أو الجوارح، ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان وعمل اللسان وعمل الجوارح، سماها الله تعالى إيماناً كما في قوله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]؛ لأن الصلاة مشتملة على جميع أنواع الإيمان، فقد روى سعيد بن منصور ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله : (إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بالغيب، ثم قرأ: [البقرة:1] * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3])، فهنا حمل معناها على: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] أي: يصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به دون أن يروه.

    والأحاديث في هذا أيضاً يطول ذكرها، فالمقصود التنبيه على ما وراء ذلك من أن الإيمان قد يطلق أحياناً إذا أتى غير مقيد على الإسلام، إذ أنه يشمل جميع أمور الإسلام الظاهرة والباطنة.

    فهذا المعنى هو الذي قصده السلف الصالح بقولهم: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وقد اختلفت العبارات بين السلف والمتقدمين؛ فبعض السلف إذا حكى أهل السنة والجماعة عنه أنه يقول: الإيمان هو التصديق، فلابد أن يحمل قوله على أن الإيمان هو التصديق المستلزم للانقياد والعمل.. فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60].

    يقول السلف: الإيمان اعتقاد وقول وعمل، اعتقاد: وهو قول القلب بالتصديق واليقين، وقول باللسان، فالأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، حكى الشافعي رحمه الله على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً، وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً، أي: بدعة: سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ويحيى بن أبي كثير ، والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، قال الثوري : هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره، وقال الأوزاعي : كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وهذا المعنى أيضاً من أن الإيمان قول وعمل هو ما أراده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان، وعليه بوب أبوابه كلها، فقال: باب أمور الإيمان... باب الصلاة من الإيمان... باب الزكاة من الإيمان... باب الجهاد من الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان... باب الحياء من الإيمان، وكما هو معروف أن تراجم أبواب البخاري فيها من الفقه الدقيق والعظيم ما تنفق فيه الأعمار. فقد أخذ من هذه كلها بيان أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان الشرعي، وكذا: باب قيام ليلة القدر من الإيمان، باب قيام رمضان من الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، وسائر أبوابه؛ وكذلك صنع النسائي في المجتبى، وبوّب الترمذي على حديث وفد عبد القيس: باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان.

    وكلام أئمة الحديث وتراجمهم في كتبهم يطول ذكرها، فهو أمر معلوم مشهور، ومما قصدوه بذلك: الرد على أهل البدع ممن قال: الإيمان مجرد التصديق فقط، كـابن الراوندي ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم، إذ على هذا القول: لو أن الإيمان مجرد التصديق لكان اليهود ممن أقروا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستيقنوها، ولكن هل يتبعوه؟ تخلى الانقياد والاتباع، إذاً: يلزم من هذا أن يكونوا مؤمنين في هذه الحالة، وقد نفى الله الإيمان عنهم؛ فدل على أن الإيمان ليس فقط التصديق؛ لأن ما كان عندهم هو المعرفة، وإلا فقد كان عندهم التصديق واليقين أن محمداً رسول الله حقاً، ولكن هل صاروا مؤمنين بذلك؟ لا حتى أبو طالب كان يعرف أن رسول الله حقاً عليه الصلاة والسلام، وقال:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    فلولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    فلو كان الإيمان مجرد التصديق واليقين بالقلب لكان هؤلاء جميعاً مسلمين.

    أما الجهم بن صفوان فقال: هو المعرفة بالله فقط. هذا هو حد الإيمان عنده، المعرفة بالله.. الإيمان بوجود الله والمعرفة به، ولو كان هذا الإيمان إذاً لا يبقى على وجه الأرض -غالباً- كافر؛ لأنه لا يجهل الخالق سبحانه وتعالى أحد، ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته الكافية الشافية وهو يستعرض كلام هؤلاء وكلام الجهم الذي زعم أن الإيمان فقط هو المعرفة، وللأسف هذا المعنى موجود عند كثير من الناس؛ فكلمة (مؤمن) تعني: أنه يؤمن بوجود إله، هذا هو الإيمان في نظره، يؤمن بمعرفة الله فقط، لكن بدون أن يستتبع ما ذكرنا من تفاصيل أركان الإيمان، فقال ابن القيم في الرد على هؤلاء الذين يزعمون أن الإيمان هو مجرد الإقرار والمعرفة بالله:

    قالوا وإقرار العباد بأنه خلاقهم هو منتهى الإيمان

    والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان

    فاسأل أبا جهل وشيعته ومن والاهم من عابدي الأوثان

    وسل اليهود وكل أقلف مشرك عبد المسيح مقبل الصلبان

    واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم أعداء نوح أمة الطوفان

    واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ خلاق أم أصبحت ذا نكران

    واسأل شرار الخلق أقبح أمة لوطية هم ناكحو الذكران

    واسأل كذاك إمام كل معطل فرعون مع قارون مع هامان

    هل كان فيهم منكر للخالق الـ رب العظيم مكون الأكوان

    فليبشروا ما فيهم من كافر هم عند جهم كاملو الإيمان

    فهذا يهدم الدين، قالت المرجئة والكرامية: الإيمان: هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، فيكون المنافقون على هذا مؤمنين، وقد قال الله تعالى فيهم: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84]، إلى قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]، فمع أن هؤلاء المنافقين في حياتهم كانوا يقرون باللسان، لكن لم يوجد عمل القلب، فمع ذلك قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:80]، وقد نطقوا بالشهادتين، وكذبهم الله في دعواهم في غير موضع من القرآن.

    وقال آخرون: التصديق بالجنان والإقرار باللسان، فهذا يخرج أركان الإسلام الظاهرة المذكورة في حديث جبريل: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، فهذا مذهب أيضاً ظاهر البطلان، فلابد أن يكون في حد الإيمان الأعمال الظاهرة.

    وذهب الخوارج والعلاف ومن وافقهم: إلى أنه الطاعة بأسرها فرضاً كانت أو نفلاً، وهذا القول مصادم لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لوفود العرب السائلين عن الإسلام والإيمان، وكلما سأله السائل عن فريضة: (هل عليَّ غيرها؟ يقول: لا إلا أن تطوع شيئاً).

    وقال بعض الخوارج والعلاف ومن وافقهم: إن الإيمان هو بأسرها، الطاعة مطلقاً، يعني: أركان الإيمان: الطاعة مطلقاً سواء كانت نافلة أو فريضة؛ لكن أهل السنة يعتبرون الركن الأساسي من الإيمان هو الإتيان بالفرائض؛ لذلك بعض العرب لما كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة، فيقول: (عليك خمس صلوات في اليوم والليلة)، فمعنى هذا: أنه داخل في حد الإيمان الأساسي، بمعنى: ركن من أركان الإسلام، أما النافلة فلا تدخل في هذه الأركان، إنما هي من أسباب زيادة الإيمان وكماله.

    وكان كلما يقول السائل: (هل عليّ غيرها؟ يقول: لا، ليس عليك غيرها إلا أن تطوع شيئاً).

    وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية: إلى أن الإيمان هو الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وهذا يدخل المنافقين في الإيمان، وقد نفاه الله عنهم؛ لأنه لم يشترط عمل القلب وقول القلب.

    وقال الباقون منهم: هو العمل والنطق والاعتقاد، وهذا قد يشتبه بمذهب أهل السنة والجماعة؛ لكن ما الفرق بين قول هؤلاء وهؤلاء؟ الفرق هو: أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطاً في الصحة، بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان؛ لكن المعتزلة جعلوا كل الأعمال شرطاً في صحة الإيمان.

    هذا القول الأخير لبعض المعتزلة: أن الإيمان هو العمل والنطق، والاعتقاد، فكلمة العمل تشمل كل الأعمال، معناه: أن كل الأعمال شرط في صحة الإيمان. أما أهل السنة فلا يجعلون كل الأعمال شرطاً في الصحة، بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال؛ ولذلك يقولون في حد الإيمان: هو اعتقاد وقول وعمل، يأتون بها بصيغة النكرة أحياناً للدلالة على هذا؛ لوجود أعمال ليست شرطاً في صحة الإيمان؛ لكنها شرط في كماله.

    الحالة الثانية: أن يطلق الإيمان مقروناً بالإسلام، وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة، كما في حديث جبريل حيث جاء الإسلام مقترن بالإيمان فافترقا لما اجتمعا في النص، فالإسلام صار عبارة عن الأشياء الظاهرة، والإيمان صار عبارة عن الاعتقادات الباطنة، وكما في قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:82]، اقترن الإيمان بعمل ظاهر وهو الصالحات، وهكذا في غير ما موضع من كتاب الله تبارك وتعالى، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، فاقترن هنا نص الإسلام والإيمان.. الإسلام بالأفعال الظاهرة، والإيمان بالأفعال والاعتقادات الباطنة؛ وذلك لأن الأعمال إنما تتم بالجوارح؛ كالصلاة تتم بالجوارح، وإنما يتمكن منها في حالة الحياة؛ ولذلك قال: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام)، فهو يستعمل جوارحه في طاعة الله، أما على فراش الموت وعند خروج روحه فلا يستطيع أن يمارس إلا عملاً واحداً وهو قول القلب فقط، ولذلك قال: (ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)؛ لأن الإيمان بالقلب، وعمل القلب هو القدر المستطاع عند حضور الموت، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب).

    الحاصل: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ.. بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله، وإن فرق بين الاثنين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث الجليل وهو: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب)، وبما في حديث جبريل، والمجموع مع الإحسان هو الدين.