إسلام ويب

الإيمان والكفر [2]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله لكلمة التوحيد العظيمة شروطاً ضمنها كتابه، وشملتها سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهي وإن لم يأت دليل يعدّدها لكنها مبثوثة منشورة في نصوص الوحي، وكل منها مكمل للآخر، وهي: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة.

    1.   

    الإيمان والكفر والقضايا المتعلقة بهما

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فقد شرعنا في دراسة متعلقات قضية الكفر والإيمان، وتكلمنا في فضائل كلمة التوحيد، وشرعنا في ذكر شروط كلمة التوحيد، وهذه السلسلة ما من شك أن لها حساسية خاصة، وتحتاج إلى أن يكون البناء فيها طبقاً فوق طبق في التثقيف؛ بحيث نمر على أغلب القضايا المهمة المتعلقة بها.

    وسوف نناقش حكم تارك شيء من أركان الإسلام العملية، ولا شك أن الإجماع منعقد على كفر من أخل بالشهادتين، فهو لا يعد مسلماً، أما من أتى بالشهادتين وأتى بشيء من الأركان الإسلامية بالذات الصلاة، وغيرها من الأركان كالزكاة والحج وغيرها، فسنذكر التفاصيل في ذلك بإذن الله، وسنذكر حكم تارك الصلاة، وهل يعد كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة، أم لا؟

    أيضاً نناقش القواعد، إذ لابد من الإحاطة بها، حتى نحكم على الفعل أنه كفر -إذا كان وصف في الأحاديث بأنه كفر- وهل هو كفر أكبر أم أصغر؟

    كذلك نثبت انقسام النفاق إلى أكبر وأصغر، والشرك إلى أكبر وأصغر، كذلك انقسام شعب الإيمان، وشعب الكفر، وما هو الميزان الذي به نحكم على الفعل إن كان مخرجاً من الملة أم لا؟

    كذلك نعقد -إن شاء الله- باباً واسعاً في معنى لا إله إلا الله، وأنواع التوحيد، وكيف نوحد الله تبارك وتعالى؟

    ثم نعقبه بكلام مفصل في ما يضاد التوحيد وهو الشرك، وأغلب صور الشرك منتشرة بين الناس، والتي منها مثلاً: الحكم بغير ما أنزل الله.

    كذلك أيضاً نتعرض لظاهرة المجازفة في إطلاق الحكم بالتكفير أو الكفر، وخطأ الاندفاع أو التهور في إطلاق الكفر بدافع الحماس، أو النظرة الجزئية لبعض النصوص مع إهمال الأخرى.

    ثم نناقش الردة وأسبابها، أو بتعبير آخر: ما يخرج من الملة، ونواقض التوحيد؛ لأنها أمور محصورة منذ زمن بعيد، والعلماء حصروا تماماً ما هي الأشياء التي يخرج بها فاعلها من الملة، ويصير كافراً، فماذا يترتب على الحكم بالكفر؟ سواء من الأحكام في الدنيا أو الآخرة.

    كذلك إن شاء الله نناقش قضية أهل الفترة، ومن في حكمهم، وماذا عن مسئولياتهم تجاه الدعوة إلى التوحيد في الدنيا والآخرة.

    ثم تلك القضية التي ابتلينا بها والتي تتفجر من آن لآخر، ويكثر الإخوة السؤال والكلام حولها، وهي: قضية العذر بالجهل، وقضية حد الإسلام.

    ثم بعض المسائل المتعلقة بالإيمان كمعنى الإيمان والإسلام، ومسألة أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد، وأن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، وهذه القضايا بالذات من القضايا التي تفترق فيها الفرق؛ فلذلك نفردها بالذكر، فتجد أهل السنة في قضايا القدر وسط بين الفرق، كما أن أهل القبلة وأهل الإسلام وسط بين أهل الديانات الأخرى، وإفراط وتفريط المرجئة والخوارج والجبرية والقدرية، كذلك نجد على ظرفي نقيض المعتزلة الوعيدية من جانب، والمرجئة المتساهلين من جانب آخر، فهذه المسائل التي يخالفون أهل السنة فيها، أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد بالقلب، وأن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، ثم الكلام على فاسق أهل القبلة، ونثبت أنه مؤمن ناقص الإيمان، وأنه لا يكفر بالمعصية.

    أيضاً نناقش قضية أن العاصي الموُحد لا يخلد في النار، وأمره إلى الله، وأن المؤمن لا يكفر بالمعاصي إلا إذا استحلها، والتوبة إذا استكملت شروطها فهي مقبولة من كل ذنب حتى الكفر.

    ثم نذكر بعض الفرق الأساسية في قضية الكفر والإيمان التي حادت عن منهج أهل السنة والجماعة، ونظرت إلى قسم من النصوص وأهملت النصوص الأخرى مثل الخوارج والمعتزلة والمرجئة، وغيرهم.

    ثم نناقش ظاهرة التكفير التي ظهرت في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر من جديد نفس هذه الفرق، ولكن في ثوب جديد، وتحت أسماء جديدة، كما هو معروف سواء جماعة التوقف والتبيّن، أو ما سمي بالتكفير والهجرة أو غير ذلك من الاتجاهات، فنناقش الدوافع التي دفعت إلى ذلك، ونناقش أيضاً تفاصيل هذه الحقائق، فهذا مجمل مختصر لعامة القضايا التي سنمر عليها بإذن الله، وفي أثناء ذلك أيضاً هناك قضايا أخرى نتعرض لها بإذن الله في حينها.

    وأوصي الإخوة لو استطاعوا أن يدرسوا كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه من أعظم الكتب في هذا الباب.

    1.   

    شروط كلمة التوحيد

    هذه الشروط التي جمعها الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في كتابه معارج القبول وهو شرح لمتن يسمى سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد شرحه الناظم في كتابه العظيم: معارج القبول بشرح سلم الوصول.

    يقول رحمه الله:

    وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقاً وردت

    فإنه لم ينتفع قائلها بالنطق إلا حيث يستكملها

    العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول

    والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبه

    هذا يجمع الشروط السبعة لكلمة التوحيد:

    قوله هنا: (وبشروط سبعة قد قيدت)، أي: قيد انتفاع قائلها بها في الدنيا والآخرة، من الدخول في الإسلام، وعصمة الدم والمال، والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، أما من لم يستوف هذه الشروط حتى وإن قالها بلسانه، ولفظ بها، فلا ينجو بذلك.. بالذات في الآخرة.

    وأقرب ما يتطرق إلى أذهاننا حينما نذكر ذلك هم المنافقون، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله، ليعصموا بها أرواحهم وأموالهم في الدنيا، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (وحسابهم على الله).

    (وفي نصوص الوحي حقاً وردت) يعني: هذه الشروط ليست محدثة ولا مخترعة، ولا باجتهاد المؤلف، وإنما هي وردت وقيد انتفاعه بها بتوفر هذه الشروط بأدلة من القرآن والسنة.

    (فإنه لم ينتفع قائلها)، أي: لا إله إلا الله.

    (بالنطق إلا حين يستكملها). لا يكفيه النطق بها، ولا تنفعه حتى يستكمل هذه الشروط السبعة، والمعنى: أن يجمعها في قلبه، ويلتزم هذه الشروط دون أن يأتي بما يناقض شيئاً منها، وليس المراد بالشروط السبعة: أن يعدها ويحصيها ويحفظها ويسردها سرداً، كلا، بل المقصود الالتزام بها، وبراءته مما يناقضها، وكم من رجل عامي اجتمعت فيه هذه الشروط وإذا سألته ما هي شروط لا إله إلا الله؟ لا يدري، لكنه ينتفع بها، وتستكمل هذه الشروط قلبه ويلتزمها، ولو قيل له: اعددها؟ لم يحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، ومع ذلك تراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله، وبه سبحانه وتعالى المستعان.

    ثم شرع يفصل هذه الشروط، ويذكر أدلتها من القرآن والسنة فقال:

    العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول

    والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبه

    العلم المنافي للجهل

    أول هذه الشروط: العلم: المراد بالعلم بمعنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، وهذا العلم ينافي الجهل، فلابد للإنسان أن يعلم معنى لا إله إلا الله، فإن الله عز وجل قد أمر نبيه وهو خير من قال: لا إله إلا الله، وخير من أدى شروطها، ومع ذلك قال له تبارك وتعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، وقال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] يعني: شهد بلسانه بلا إله إلا الله، وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه، وهذا أيضاً دليل على اشتراط العلم، فهم: شهدوا بلا إله إلا الله، وهم يعلمون معنى ما نطقت به ألسنتهم من أن لا إله إلا الله، فلا يكون الإنسان مثل جهاز التسجيل الذي يتكلم وينطق، من الممكن أن تسجل عليه لا إله إلا الله، لكن هذا جهاز جامد لا يفقه ما يقول، كذلك الشخص الذي يرددها دون أن يعيها فما من شك أن ذلك لا ينفعه، وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، يعني: وشهد أولو العلم أيضاً بهذه الشهادة العظيمة بأن لا إله إلا الله، وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، وقال عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وقال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، لكن أوضح دليل على اشتراط العلم، هو قوله تعالى هنا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، هذا الحديث وأمثاله مما يأتي مما فيه ذكر هذه الشروط، وهو مقيد لمطلق الأحاديث التي فيها مثلاً: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، هذا لا نفهمه وحده، لكن نفهمه بضميمة هذه الأحاديث التي قيدت لا إله إلا الله بقيود معينة منها: العلم، وسائر الشروط المذكورة، فدليل العلم، ودليل تقييدها بالعلم: قوله عليه الصلاة والسلام هنا: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله) يعني: يقول: لا إله إلا الله، ويكون عالماً بمعناها، (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).

    اليقين المنافي للشك

    الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك: وذلك بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يكون فيه إلا علم اليقين، لا علم الظن، وما من شك أن الظن أعلى من الشك، ومع ذلك الإيمان لا يصلح فيه الظن، ولابد من اليقين، فإذا دخل الريب والشك في القلب نقض الإيمان، ولا يلتفت في ذلك إلى الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب المؤمن، وإنما هذه حيل من الشيطان ليدخل القلب ليسرق منه الإيمان، فقد يوسوس للإنسان أحياناً بعض الأفكار، لكنها لا تستقر في قلبه، إنما تمر مروراً عابراً حين يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه من علامات الإيمان الصريح، كما قال عليه الصلاة والسلام حينما شكا له الصحابة منه، فقال: (ذلك صريح الإيمان)، ولا يجزع الإنسان إذا ابتلي بشيء من هذه الوساوس، لكن يفزع إلى الذكر، وأن يكف عن هذه الوساوس؛ لأن السارق لا يدخل بيتاً يعلم أنه بيت خرب، لا يوجد فيه أي شيء له قيمة، ولماذا يدخله؟ وماذا يسرق منه؟ لكنه يدخل البيت الذي يحتوي على الأشياء الثمينة حتى يسرقها، فكذلك الشيطان -رد الله كيده- وعلى المؤمن أن يصبر على وسوسته، فإذا ذكرت الله انخنس وهرب؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام لما شكا له الصحابة أيضاً ذلك قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، لا يستطيع أكثر من ذلك، فلا عبرة بهذه الوسواس التي تطرق قلب المؤمن من فعل الشيطان الرجيم، وإنما الذي يناقض اليقين هو الريب والشك في أمر الله، والعياذ بالله أن يشك إنسان في وحدانية الله، أو في وجود الله، أو في أن عيسى هو الله .. إذا شك في عقيدة من هذه العقائد المعلومة من الدين بالضرورة نقض إيمانه وهدمه تهديماً، يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، شرط: لا يرتاب أبداً فيما لديه من الإيمان؛ ولذلك أصل كلمة العقيدة من العقد أو العقدة العروة الوثقى، حينما تربط العقد وتعقده عقدة هذه العقدة المفروض أنك تدخل الإيمان في قلبك وتعقد عليه بحيث لا يستطيع القلب أن يتفلت من هذه الأعقاد. هذا معنى العقدة التي يعقدها الإنسان في قلبه فلا ينقضه ولا يحله أبداً، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله: كونهم لم يرتابوا، أي: لم يشكوا، أما الريبة فمعلوم أنها من شأن المنافقين الذين يشكون في إيمانهم، وقد قال الله عز وجل فيهم: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة:45].

    وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا أدخله الجنة).

    واليقين ليس شرطاً نأتي به بدون دليل، وإنما يفهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله) وهو يعلم معناها، بضميمة هذا الحديث الأول إليه: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) كذلك يضاف إليه أيضاً، من مات وهو يقول هذه الكلمة بلسانه، ويعلم معناها، ويوقن بها غير متردد في صدقها وأحقيتها، والدليل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)، وفي رواية: (لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما لا يحجب عن الجنة)، أي: لا يحجب عن الجنة من لقي الله وهو موقن غير شاك بهاتين الشهادتين.

    وفي الصحيح عنه أيضاً رضي الله عنه في حديث طويل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه بنعليه، فقال: من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقناً بها قلبه، فبشره بالجنة)، فاشترط في دخول قائلها الجنة: أن يكون مستيقناً بها قلبه غير شاك فيهما، ومعلوم أنه إذا انتفى الشرط انتفى المشروط.

    هذه الشروط التي نذكرها لابد من اجتماعها كلها، ولا يصلح بعضها مع فقدان واحد منها.

    القبول لما اقتضته كلمة التوحيد

    الشرط الثالث: القبول: أي: قبول ما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله عز وجل علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلنا، فمعلوم أن هذه الكلمة قد أنجت كثيراً الأمم، وانتقم ممن ردها وأباها، كما قال تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، يفخرون بأمجاد الآباء والأجداد، وهم حطب من حطب جهنم، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24] * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:25]، يعني: المكذبين بلا إله إلا الله، وقال عز وجل: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:103]، وقال أيضاً: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].

    كذلك أخبرنا بما وعد به القائلون لها من الثواب، وما أعده لمن ردها من العذاب، فقال عز وجل: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات:22] * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:23] * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:24]، ثم قال عز وجل في نفس السياق: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، يستكبرون عن أن يقولوها، وينقادوا لما تقتضيه، هذا معنى الاستكبار: استكبار عن الانقياد، فهؤلاء لم ينقادوا لما تضمنت وما تقتضيه كلمة لا إله إلا الله من القبول بالقلب واللسان، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35] * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36]، فجعل الله علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، فلم ينفوا ما نفته، (لا إله): كفر بكل إله يعبد من دون الله من الطاغوت، وتعريف الطاغوت: من طغى، وأصل الكلمة من الطغيان، والطغيان هو المجاوزة للحد، كما قال تبارك وتعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11]، فكل من تجاوزت به حده فقد اتخذته طاغوتاً، كل شيء من المخلوقات سواء كان حجراً أو شجراً أو شمساً أو كواكب أو أصناماً أو إنساناً أو غير ذلك وتجاوزت به حده الذي ينتهي إليه، وحد العبودية لله عز وجل، إلى أن تتخذه هو نفسه إلهاً وتعبده من دون الله، فقد اتخذته إلهاً من دون الله، فهذا معنى أن هذا نوع من الطغيان، طغى عن حده: صعد إلى أن ادعى الألوهية ونازع الله في الربوبية، ويأتي إن شاء الله ذكر أنواع الطاغوت بالتفصيل.

    فهم لم ينفوا ما نفته كلمة التوحيد، ولم يثبتوا ما أثبتته لا إله إلا الله، بل قالوا إنكاراً واستكباراً: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فتجد حال الكفار كما قال عز وجل: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93]، هل أحد يعبد عجلاً؟!! وهل ثَم إنسان عاقل مكرم يعبد العجل! أو يعبد البقرة، ومع ذلك تجدهم أشربوا حب هذا العجل وزين لهم سوء عملهم، بل قد يقاتلون ويضحون بالأموال والدماء والأنفس وكل شيء في سبيل هذه العقيدة الباطلة، ولعلكم سمعتم بما يحصل في إحدى الولايات الهندية من حرب ضارية بين المسلمين وهؤلاء الكافرين من الهندوس الذين يريدون أن يهدموا مسجداً ويعيدوا بناء معبد هندوسي على أنقاض هذا المسجد، ومصير هذه الحرب الضارية التي لا تتوقف لا يعرف، والتي أطاحت بالحكومة الجديدة، وما زالت المشكلة قائمة حتى الآن، فهم يحاولون من جديد هدم المسجد ويشنون حملة من أجل هدمه، وبناء هذا المعبد، تدرون لماذا؟ لا لأنهم غاضبون من أجل البقر؛ بل لأنهم يعتقدون أن إلههم مدفون تحت هذا المسجد، سبحان الله! إله ميت مدفون، فانظر إلى هذا السخف؟ وكيف أن الكفر يغطي على بصائر القوم: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وذكرنا من قبل في مناسبة أخرى عن هؤلاء الهنود: أن بعض الشيوخ اطلع على قصر من الرخام الأبيض في منتهى الفخامة يعبدون فيه الفئران!

    وكان غاندي يمتدح البقرة ويفضلها على أمه، وأنه ينبغي أن نشكر البقرة؛ لأنها ترزقنا وتفعل وتفعل، الحاصل: أن كل هذه الحرب حتى يهدم المسجد، وبالذات هذا المسجد؛ لأن إلههم في تصورهم مدفون تحت أطباق الثرى في أعماقه، فسبحان الله! الكفر فنون!

    على أي الأحوال هذا حال هؤلاء الكافرين: يستكبرون عن قول لا إله إلا الله، ويكذبون من جاء بها، ولا ينفون ما تنفيه، ولا يثبتون ما أثبتته، بل يواجهون الحق إنكاراً واستكباراً، أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص:7]، وقالوا هاهنا: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36]، فكذبهم الله عز وجل ورد عليهم دفاعاً عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:37]، وهذا اليقين الذي تكلمنا عنه آنفاً جميع الخلق سوف يشاهدونه، لكن في دار الجزاء، العبرة بأن يكون عندك يقين وأنت هنا في دار الامتحان، أما في دار ظهور النتائج فما ينفعك اليقين، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]. (إِنَّا مُوقِنُونَ ) هذا لات حين مندم، وحين لا ينفعه الندم، ولا ينفعه اليقين في الدار الآخرة؛ ولذلك تقبل توبة العبد ما لم يغرغر؛ لأنه إذا غرغر انتقل إلى دار الآخرة وعاين الملائكة، وما كان يسمعه من قبل أن الملائكة تأتي وتقبض الروح، يراه، وقد انكشفت الحجاب، وبان له زيف ما كان عليه، وصار يقيناً لما هو مقبل عليه من عذاب الله وغضبه وسخطه، وهذا اليقين لا ينفعه، العبرة باليقين في دار الامتحان، وليس في دار ظهور النتائج.

    ثم قال عز وجل في شأن من قَبِلَ لا إله إلا الله: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:40] * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات:41] * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ [الصافات:42] * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات:43]، وقال تبارك وتعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) ذكرنا أن الحسنة هي: لا إله إلا الله ( فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ )، يعني: له ثواب عظيم.

    وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به).

    هذا مثل في اختلاف قلوب الناس في تقبل كلمة التوحيد، وما يتفرع عنها، فمن الناس من تنبت في قلبه الأعمال الصالحة، كما قال عز وجل: (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ))، قلب المؤمن، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24]؛ فهذا الحديث مما يضرب مثلاً لتفاوت الناس في تقبل هذا الحق، والانفعال به.

    الانقياد لما دلت عليه كلمة التوحيد

    الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه: وهذا الانقياد ينافي ترك ذلك، قال الله عز وجل: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54]، وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، وقال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22] والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان:22] ومعنى (يُسْلِمْ وَجْهَهُ)، أي: ينقاد إلى الله تبارك وتعالى، ومن لم يسلم وجهه إلى الله، ولم يك محسناً، فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو المعني بقوله تبارك وتعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [لقمان:23] * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24]، وفي حديث مختلف في صحته -ولعله يكون حسناً إن شاء الله- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، وهذا هو تمام الانقياد وغايته.

    الهوى أصلاً مذموم، وأغلب النصوص الهوى مذموماً فيها، لكن في مثل هذا النص لا يكون المقصود به الهوى المذموم، وهو مثل قول عائشة رضي الله عنها: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك)، أو كما قالت رضي الله عنها.

    الصدق المنافي للكذب

    الخامس: الصدق المنافي للكذب: الصدق في قولك: لا إله إلا الله، يعني يقولها بلسانه ويواطئ القلب اللسان في النطق بها، ولا يكون كالمنافقين الذين يقولونها بألسنتهم وترفضها وتأباها قلوبهم، يقول الله عز وجل: [العنكبوت:1] * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] صدقوا بظهور أمارات الصدق في أعمالهم.

    وقال تبارك وتعالى في شأن المنافقين الذين قالوا: لا إله إلا الله، لكن بغير صدق مع الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ -النفاق- فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10]، قالوا: آمنا وهم كاذبون، وقالوا: لا إله إلا الله وهم غير صادقين في تلك الشهادة، ومعلوم ما ذكره الله تبارك وتعالى من شأن المنافقين، وكم أفضى وأعاد في كشف أستارهم وهتكها، وأبدى فضائحهم في غير ما موضع من كتابه، فمن السور التي فيها مظان الكلام على المنافقين وأحوالهم وصفاتهم: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء والتوبة، والأنفال، وسورة كاملة باسمهم هي سورة المنافقون، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؛ صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار)، فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقاً من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.

    وفي الصحيحين أيضاً من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما من قصة الأعرابي ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام فأخبره، قال: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع قال: والله لا أزيد عليها، ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)، وفي بعض الروايات: (إن صدق ليدخلن الجنة)، انظر إلى هذا الشرط: (أفلح صدق) فعلق الفلاح على الصدق.

    الإخلاص

    الشرط السادس: الإخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله تبارك وتعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وقال عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال تبارك وتعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2]، لا تقصد بعبادتك إلا وجه الله وحده تبارك وتعالى، وأن تمحص العمل وتمحضه لوجه الله.

    وقال تبارك وتعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14]، وقال تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146]، اشترط أيضاً الإخلاص، وغير ذلك من الآيات.

    وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو نفسه).

    وفي الصحيح عن عتبان بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل).

    هذا الشرط وهذا القيد إلى عموم الأحاديث التي فيها إنجاء كلمة لا إله إلا الله من قالها، (من مات وكان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، بشرط أن تتوفر فيها هذه الشروط والأدلة كما ذكرنا.

    المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلت عليه

    الشرط السابع: المحبة أي: محبة هذه الكلمة، ومحبة ما اقتضته ودلت عليه، ومحبة أهلها والعاملين بها، والملتزمين بشروطها، وبغض ما يناقض ذلك. أن تحب هذه الكلمة، وتحب معانيها، وحقوقها، وأهلها، وتبغض ما ينافيها من المعاني والألفاظ، قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، يعني: يتخذون الأنداد والأضداد والشركاء لله، فيحبونهم كحب الله، وليس معناه: أنهم يساوون في المحبة بين الله وبين هذه الأنداد، لكن المقصود هو كما قال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، فأخبرنا الله عز وجل: أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحداً؛ لأن أصل الإله من الألوهة، وهي المحبة الشديدة لله تبارك وتعالى، والمؤمنون لم يشركوا في محبة الله أحداً كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه. ونرى للأسف ممن ينتسبون زوراً إلى الإسلام من هو شديد المحبة للأنداد الذين يتخذون من دون الله، حتى وإن كانوا من أولياء الله الصالحين، تجد أن الناس يحلفون كذباً بالله تبارك وتعالى، بل يحلف اليمين الغموس الذي تغمسه في جهنم كاذباً بالله تبارك وتعالى، فإذا طلب منه أن يحلف على ذاك الشيء بـالبدوي أو الدسوقي يتلعثم ويرتعش، ويقر بأنه كان كاذباً، ويرفض أن يحلف بغير اسم الله تبارك وتعالى كاذباً، ويتجرأ ويتجاسر على أن يحلف بالله عز وجل وهو كاذب في ذلك، انظر -والعياذ بالله- إلى مدى بعد هؤلاء الناس عن حقيقة التوحيد. يقول الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]، فعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه. هذه علامة محبة الله عز وجل، وهذا شأن المحبوب دائماً، أما المحبة بدون طاعة وانقياد فلا تسمى محبة، فهذه كذب ودعوى، فكذلك من ادعى محبة الله تبارك وتعالى فعلامة صدقه في هذه المحبة: أن يقدم ما يرضي الله على ما تهواه نفسه، ويدفعه إليه هواه، ويبغض ما يبغضه ربه وإن مال إليه هواه. وقد حقق السلف معنى الولاء والبراء لله عز وجل أعظم التحقيق، ومحبة أهل لا إله إلا الله، وبغض من خالفهم، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رأى رجلاً نصرانياً، فأغمض عينيه، فقيل له: هل حرام أن تنظر إلى النصراني؟ قال: ليس حراماً، ولكني لا أطيق أن أملأ عيني ممن يشرك بالله، وهذه لا نقول: إنها سنة، أو إنها من الدين، وأنك إذا رأيت نصرانياً أو يهودياً تغمض عينيك، لكن انظر إلى هذا الانفعال والبغض للكفر وأهله، حتى أن الإمام أحمد ما أطاق أن يملأ عينه ممن يسب الله، هذا الرجل يشتم الله، ويقول: إن محمداً كذب على الله، وأنه ادعى الرسالة، وأن الوحي ينزل عليه، وأنه ألف هذا القرآن ونسبه إلى الله والعياذ بالله! ومع ذلك تجد المسلم في هذا الزمان يرى أشياء يعجب لها الإنسان، وعلامة حب العبد لربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، واقتفاء أثره، وقبول هداه. وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها، قال الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]. إذاً هذا مقتضى قولك: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله، فـ (لا) نافية للجنس، ولا يصح أن نقدر خبر (لا) النافية للجنس (بموجود) هنا فنقول: لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله كثيرة جداً، ونأتي بالأدلة من القرآن، قال الله تبارك تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، فكلمة إله أعم من لفظ الجلالة الله، فهي تطلق على إله الحق والباطل، أما لفظ الجلالة (الله) فهو علم على الذات المقدسة لا يمكن أبداً أن يسمى أحداً بهذا الاسم، فالهوى إله يعبد من دون الله، والدليل هنا قوله تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] إلى آخر الآية، فالمال إله كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، يدعو عليه عليه الصلاة والسلام بأنه إذا دخلت شوكة في جلده فلا تخرج، ويظل يتألم منها فهذا عبد المال. قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، هذه الآية تتزلزل لها القلوب، يقول أحد الصحابة رضي الله عنهم: ليحذر أحدكم يصير يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر؛ لهذه الآية: ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ )، فمن يواد ويوالي اليهود والنصارى فإنه منهم ويصبح كافراً مثلهم، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، وغير ذلك من الآيات. وقال عز وجل مشترطاً اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:31-32] وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ)، كما ذكر بعض السلف: أن هذه الآية حينما ادعى قوم محبة الله عز وجل امتحنهم الله وابتلاهم بهذه الآية؛ ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ، من أحب الله أحب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنك إذا أحببت الله معناه أنك تحب أن تعبد الله، وكيف تعبد الله؟ كيف تعلم كيفية الصلاة والصيام والزكاة؟ وكيف نكون منفذين لما يحبه الله؟ لا طريق لمعرفة ما يحبه الله وما يقرب إلى الله إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام علامة صدق هذه المحبة، ثم بين أنه يكافئهم بما هو أعظم: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)، فإن اتبعتموني كيف يكافئكم الله؟ ( يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )، فليس الشأن في أن يحب العبد ربه، هذا هو رد الفعل الطبيعي، والقلوب جبلت على محبة من يحسن إليها، فكونك تحب الله لما أنعم به عليك من النعم العظيمة والجسيمة، فهذا ليس فيه شأن كبير، هذا أقل ما ينبغي، أنت مقصر على كل الأحوال، لكن الشأن في أن يحبك الله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:31-32]، وصفهم بالكفر بسبب توليهم عن مقتضى اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، من أراد أن يذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان فلينظر أين هو من هذه الثلاث؟ أولاً: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، انظر إلى شدة بغضه للكفر والمعاصي، وكل ما يمقته الله ويمقت فاعله. وهذا الحديث في الصحيحين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، بل ولا يتم إيمانه حتى يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ )؛ بحيث إذا تصورت أنه يوشك أنك تموت من العطش، وأمامك جرعة ماء يمكن أن تنقذ حياتك إذا شربتها، فتكون على يقين جازم بأنه إذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام موجوداً معك الآن، ويريد أن يشرب هو هذا الماء، وأنت ستموت وتهلك وتخرج روحك إذا لم تشرب هذا القدر من المياه، فيجب عليك حتماً أن تقب

    المحبة للكلمة ولما اقتضته ودلت عليه

    الشرط السابع: المحبة: يعني محبة هذه الكلمة، ومحبة ما اقتضته ودلت عليه، ومحبة أهلها والعاملين بها، والملتزمين بشروطها، وبغض ما يناقض ذلك.

    أن تحب هذه الكلمة، وتحب معانيها، وحقوقها، وتحب أهلها، وتبغض ما ينافيها من المعاني والألفاظ، قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، يعني: يتخذون الأنداد والأضداد والشركاء لله، فيحبونهم كحب الله، وليس معناه: أنهم يساوون في المحبة بين الله وبين هذه الأنداد، لكن المقصود هو كما قال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، فأخبرنا الله عز وجل: أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحداً؛ لأن أصل الإله: من الألوهة، وهي المحبة الشديدة لله تبارك وتعالى، والمؤمنون لم يشركوا في محبة الله أحداً كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه.

    ونرى للأسف ممن ينتسبون زوراً إلى الإسلام من هو شديد المحبة للأنداد الذين يتخذون من دون الله، حتى وإن كانوا من أولياء الله الصالحين، تجد أن الناس يحلفون كذباً بالله تبارك وتعالى، بل يحلف اليمين الغموس الذي تغمسه في جهنم كاذباً بالله تبارك وتعالى، فإذا طلب منه أن يحلف على ذاك الشيء بـالبدوي أو الدسوقي يتلعثم ويرتعش، ويقر بأنه كان كاذباً، ويرفض أن يحلف بغير اسم الله تبارك وتعالى كاذباً، ويتجرأ ويتجاسر على أن يحلف بالله عز وجل وهو كاذب في ذلك، انظر -والعياذ بالله- إلى مدى بعد هؤلاء الناس عن حقيقة التوحيد.

    يقول الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]، فعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه. هذه علامة محبة الله عز وجل، وهذا شأن المحبوب دائماً، أما المحبة بدون طاعة وانقياد فلا تسمى محبة. هذا كذب ودعوى، فكذلك من ادعى محبة الله تبارك وتعالى فعلامة صدقه في هذه المحبة: أن يقدم ما يرضي الله على ما تهواه نفسه، ويدفعه إليه هواه، ويبغض ما يبغضه ربه وإن مال إليه هواه.

    وقد حقق السلف معنى الولاء والبراء لله عز وجل أعظم التحقيق، ومحبة أهل لا إله إلا الله وبغض من خالفهم، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رأى رجلاً نصرانياً، فأغمض عينيه، فقيل له: هل حرام أن تنظر إلى النصراني؟ قال: ليس حراماً، ولكني لا أطيق أن أملأ عيني ممن يشرك بالله، وهذه لا نقول: إنها سنة، أو إنها من الدين، وأنك إذا رأيت نصرانياً أو يهودياً تغمض عينيك، لكن انظر هذا الانفعال وهذا البغض للكفر وأهله، حتى أن الإمام أحمد ما أطاق أن يملأ عينه ممن يسب الله، هذا الرجل يشتم الله، ويقول: إن محمداً كذب على الله، وأنه ادعى الرسالة، وأن الوحي ينزل عليه، وأنه ألف هذا القرآن، ونسبه إلى الله والعياذ بالله، ومع ذلك تجد المسلم في هذا الزمان يرى أشياء يعجب لها الإنسان. وعلامة حب العبد لربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره، وقبول هداه.

    وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها، قال الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]، إذاً هذا مقتضى قولك: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله، (لا) نافية للجنس، وعلى خلاف هذا المعنى الإعراب اللغوي حينما نقدر خبر لا النافية للجنس بموجود كلا، في كلمة التوحيد لا نقول: لا إله موجود إلا الله، لماذا؟ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله كثيرة جداً، ونأتي بالأدلة من القرآن: قول الله تبارك تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، فكلمة إله أعم من لفظ الجلالة الله، فهي تطلق على إله الحق وإله الباطل، أما لفظ الجلالة الله فهو علم على الذات المقدسة لا يمكن أبداً أن يسمى أحداً بهذا الاسم، فالهوى إله يعبد من دون الله، والدليل هنا قوله تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] إلى آخر الآية، فالمال إله كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، يدعو عليه عليه الصلاة والسلام بأنه إذا دخلت شوكة في جلده فلا تخرج ويظل يتألم منها فهذا عبد المال.

    قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، هذه الآية تتزلزل لها القلوب، يقول أحد الصحابة رضي الله عنهم: ليحذر أحدكم أن يصبح أو يصير يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر؛ لهذه الآية: ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ )، فمن يواد ويوالي اليهود والنصارى فإنه منهم ويصبح كافراً مثلهم، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، وغير ذلك من الآيات.

    وقال عز وجل في اشتراط اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32] وقوله: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ )، كما ذكر بعض السلف: أن هذه الآية حينما ادعى قوم محبة الله عز وجل امتحنهم الله وابتلاهم بهذه الآية؛ ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ، من أحب الله أحب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنك إذا أحببت الله معناه أنك تحب أن تعبد الله، وكيف تعبد الله؟ كيف تعلم كيفية الصلاة والصيام والزكاة؟ وكيف نكون منفذين لما يحبه الله؟ لا طريق لمعرفة ما يحبه الله، وما يقرب إلى الله إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام علامة صدق هذه المحبة، ثم بين أنه يكافئهم بما هو أعظم: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي )، فإن اتبعتموني كيف يكافئكم الله؟ ( يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )، فليس الشأن في أن يحب العبد ربه، هذا هو رد الفعل الطبيعي، والقلوب جبلت على محبة من يحسن إليها، فكونك تحب الله لما أنعم به عليك من النعم العظيمة والجسيمة، فهذا ليس فيه شأن كبير، هذا أقل ما ينبغي، أنت مقصر على كل الأحوال، لكن الشأن في أن يحبك الله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32]، وصفهم بالكفر بسبب توليهم عن مقتضى اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، من أراد أن يذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان فلينظر أين هو من هذه الثلاث؟ أولاً: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، انظر إلى شدة بغضه للكفر والمعاصي، وكل ما يمقته الله ويمقت فاعله. هذا أيضاً في الصحيحين.

    وفيهما أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، بل ولا يتم إيمانه حتى يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ )؛ بحيث أنك إذا تصورت أنك يوشك أن تموت من العطش، وأمامك جرعة ماء يمكن أن تنقذ حياتك إذا شربتها، فتكون على يقين جازم بأنه إذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام موجوداً معك الآن، ويريد أن يشرب هو هذا الماء، وأنت ستموت وتهلك وتخرج روحك إذا لم تشرب هذا القدر من المياه، فيجب عليك حتماً أن تقبل على هذا الفعل، وأنت تحبه، وتؤثر رسول الله عليه الصلاة والسلام بهذا الماء، وتهلك أنت وتموت وتخرج نفسك، لماذا؟ لأن هذه الروح التي في بدنك رسول الله أولى بك منها؛ لقوله تبارك وتعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، ولو ذهبنا نستقصي تطبيق الصحابة رضي الله عنهم لهذا المعنى لرأينا ووجدنا عجباً، كيف كانوا يؤثرونه عليه الصلاة والسلام بكل شيء، ويفدونه بأرواحهم، وأبدانهم، وكل ما يملكون صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، ولو ذهبنا نستقصي علامات المحبة، وفتشنا في أنفسنا لراجعنا إيماننا من جديد، لو ننظر علامات المحب كيف يكون المحب مع من يحبه؟ كيف يكون سلوكه ناحيته؟ كيف يكون كثرة ذكره له؟ كيف يكون انقياده لطاعته؟ وانظر مثلاً إلى من يفتنون بالمغنين، سواء منهم الكفار أم الفاسقين، فيفعل مثل ما فعل، ويلبس ملابس من نوع معين، يلبسون كالقردة، لماذا؟ هذه آثار المحبة؛ لأنهم أشربت قلوبهم حب الممثلين، والرياضيين، والأشخاص المشهورين، فتجد هذه المحبة تنضح على ظاهرهم، فسبحان الله! كذلك من أحب رسول الله عليه الصلاة والسلام فعلامات المحبة أن تتشبه بمن تحب، وأن تفعل مثلما يفعل، وتجتنب ما يجتنب، وتكره ما يكره، وتحب ما يحب، وإلا كنت كاذباً في ادعاء هذه المحبة.

    فالذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الخبر عن الله، والأمر بما يحبه الله ويرضاه، والنهي عما يكره ويأباه، فإذا امتثل العبد ما أمره الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، وإن كان ذلك مخالفاً لهواه كان مؤمناً حقاً، فكيف إذا كان لا يهوى سوى ذلك، وكان هواه هو ما يحبه الله؟ كما يقول بعض السلف: دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة. أي: أنه كان يجد لذة ونعيماً في مجاهدة نفسه ابتغاء وجه الله، وإرضاء لله تبارك وتعالى؛ ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله).

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، وقد أصبح غالب مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً.

    وقال الحسن البصري وغيره من السلف: ادعى قوم محبة الله عز وجل فابتلاهم الله بهذه الآية: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32].

    وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا فليح قال: حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

    وعن جابر رضي الله عنه قال: (جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان -هكذا نوم الأنبياء، تنام عيونهم، ولا تنام قلوبهم- فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً، فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقها -فسروها له حتى يفقه ما معنى هذا المثل- فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس).

    أتى الله عز وجل يفرق به بين الناس؛ بسبب انقسامهم إلى مؤمنين وكافرين، وإلى سعداء وأشقياء وأولياء وأعداء الله، كما قال في الحديث القدسي، يقول سبحانه وتعالى: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).

    ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: إذا كان معنى لا إله حق إلا الله، وأننا لا نوجه عباداتنا إلا لله وحده، وأي شيء يدخل تحت العبادة لا نوجهه لغير الله، إذاً: كيف نعبد الله؟ الجواب يأتي في الشطر الثاني، ففي الشطر الأول من كلمة النجاة توحيد المعبود، وفي الشطر الثاني: توحيد الاتباع، أو توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فكل طريق يوصل إلى الله مسدود إلا طريق على رأسه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يقبل الله عملاً إلا إذا كان آتياً من طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك من أتى بعد بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزعم أن هناك طريقاً إلى الجنة غير طريقة الرسول فهو كافر بلا شك، كما يزعم بعض ضلال الصوفية حينما تحتج عليهم بشيء من الشرع، يقول لك: أنتم طريقكم العلم والأدلة والشرع. أما نحن فنتلقى من منابع أخرى، فالإلهام أو الوحي الشيطاني أو غير ذلك مما يضاد شريعة الله تبارك وتعالى، فهذا لا يمكن أبداً أن يجتمع مع الإيمان في قلب واحد .. اعتقاد أن هناك طريق إلى الجنة غير طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا غير ممكن.

    فإذا علم العبد أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه إلا باتباع ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصديقه ومتابعته؛ ولهذا قرن محبته بمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله عز وجل: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

    1.   

    الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد

    ثم اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب لدخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين تلك الأحاديث التي ورد فيها الوعيد، يعني: أن هناك مجموعة من النصوص فيها بيان أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، ولا إله إلا الله سبب للنجاة من النار، ثم بضميمة هذه الأحاديث التي ذكرناها والتي فيها المزيد من الشروط كما جمعناها في هذه الشروط السبعة؛ لكن هناك نصوص أخرى في أحاديث الوعيد: من فعل كذا دخل النار، لعن الله من فعل كذا، من فعل كذا استحق عقوبة كذا، ما العلاقة بين هذه النصوص وتلك التي ظاهرها التعاطف؟

    يمكن الجمع بين هذه النصوص، بأنها جنان كثيرة، مثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يلج حاضرة القدس مدمن خمر) (حاضرة القدس): مكان معين في الجنة، من شرب الخمر في الدنيا ومات على التوحيد فمآله في النهاية بعد أن يعذب قبل ذلك أولاً، فإنه إذا دخل الجنة لا يدخل مرتبة معينة من الجنة، وهي محرمة عليه؛ بسبب شربه الخمر، وكذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام. فإنه يدل على أنه لا يدخل مكاناً معيناً من الجنة، لكن لا نسلك سلوك الوعيدية الخوارج المبتدعين حينما يقولون: هذا دليل على كفره، لماذا أهل السنة هم الوسط والعدول؟ لأنهم يأخذون جميع أطراف النصوص ويجمعون بينها، فلا يفرطون ولا يفرطون، لا يغلون ولا يجفون، فهذه من الأمثلة التي فيها جمع بين النصوص مثل قوله هنا: (لا يدخل الجنة نمام أو قتات)، وكذا حديث مرور النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر: فكان يسعى بالنميمة بين الناس)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فوضع الجريدتين الرطبتين على القبرين، وقال: (اللهم خفف عنهما ما لم ييبسا)، ودخولهما تحت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنهما مسلمان، لو كانا مشركين لما جاز أن يترحم عليهما، أو أن يتشفع لهما، ويدعو لهما، فهذا يدل على أنهما وإن ماتا على الذنب، لكن ماتا على أصل التوحيد، وهذا يدل على أنهما موحدان يدخلان الجنة، لكن قوله عليه الصلاة والسلام مثلاً: (لا يدخل الجنة نمام)، يفيد أنه لا يدخل مع أول الداخلين، بل يتأخر، إما في العذاب في النار أو لغير ذلك في الحساب، وقوله: (لا يدخل الجنة)، يريد به منزلة معينة من الجنة لا يدخلها كما في حديث مدمن الخمر، ويمكن الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبأن أهل الجنة أيضاً متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل، فيتفاوتون في الأسبقية في دخول الجنة، ويتفاوتون بعد دخولها أيضاً في المنازل، كما قال عز وجل: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)[ آل عمران:163]، فيكون فاعل هذا الذنب يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه، أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب، وهذا مفهوم للعارف بلغة العرب.

    كذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار، وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمماً، لإمكان الجمع: بأن من مات على شيء من الكبائر أو الذنوب ولم يتب منها، ولو عذبه بدخول النار فإنه سيدخل الجنة؛ لأن من الموحدين من يدخل النار بلا شك، وهناك من تكون له الشفاعة، وإما برحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى، وإما بشفاعة الشافعين، ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة؛ حينئذ يحرمون على النار فلا تمسهم بعد ذلك، فيكون هذا معنى: (من قال: لا إله إلا الله، حرم الله جسده على النار)، فإذا دخلها وقد ارتكب ذنباً يستحق به دخول النار، فإنه يدخل لكنه لا يخلد فيها.

    أو يكون المراد: أنهم يحرمون مطلقاً على النار التي أعدت للكافرين؛ لأن هناك طبقة -والعياذ بالله- من النار لا يخرج منها من دخل فيها، فهم يحرمون على النار الخاصة بالكافرين التي من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، لا يموت فيها ولا يحيا، فهي ما عدا الطبقة العليا من النار، فالطبقة العليا من النار يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله سبحانه وتعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.