إسلام ويب

فضائل يوم عرفةللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خص الله عز وجل يوم عرفة بفضائل عديدة، ومزايا حميدة، منها أنه يوم الحج الأكبر الذي يباهي الله فيه ملائكته بعباده، ويعتق الله عز وجل فيه جماً غفيراً من النيران، وقد بين الشيخ فضائل هذا اليوم وما يكون فيه، وتجد في هذه المادة قصيدة العلامة الصنعاني في الحج.

    1.   

    قصيدة ابن الأمير في وصف رحلته إلى الحج

    الحمد لله الذي أمر خليله أن أذن في الناس بالحج إلى البيت العتيق يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، والصلاة والسلام على من أنزل عليه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] ، وعلى آله وصحبه وذرية خليله الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع، فطابوا مقيلاً ولم تزل أفئدة من الناس تهوي إليهم وتطير بأجنحة الشوق بكرة وأصيلاً.

    أما بعد: فإن ذكريات رحلة الحج وزيارة المدينة النبوية المباركة من أشرف معالم العمر، وأعز وقائع الدهر؛ لأنها تنذر ذا القلب الساكن فترحل به إلى أشرف البقاع وأطهر الأماكن، وتحلق به في آفاق السمو الروحي الذي يضع عن نفس المسلم آصار التراب وأثقال الرغام، وأغلال الحطام، فتسمو به بعيداً وراء حدود الزمان، لتسترجع ذكريات شروق شمس الإسلام في تلك الأرض المباركة، وتستعيد فصول جهاد الرعيل الأول وقهرهم الشديد الذي قهر اليأس، وإيمانهم العميق الذي أذل الكفر، وهجرتهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالقلوب والأبدان، حين أخرجوا من البلد الحرام إلى حرم المصطفى عليه الصلاة والسلام، حيث أسست الدولة الإسلامية الأولى على تقوى من الله ورضوان، ومن قلب هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاستئصال الجاهلية، ومن قلب طيبة الطيبة بدأت الانطلاقة الأولى لمشعر الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ما أعظم الدروس التي يتلقاها المؤمنون في رحلتهم إلى مهبط الوحي! فيتعلمون منها كيف يربطون وجودهم بأهداب الرسالة التي ألفت في ربع قرن من الأميين الضائعين في صحراء المجهول خير أمة أخرجت للناس، ثم قذفت بهم إلى الدنيا كما تقذف الشمس بأشعتها حياة للأرض الميتة، وضياء للأعين الزائغة، ودفئاً للأكباد المقروحة، لتعود بجهادهم إلى الحياة بهجتها، وتشرق الأرض بعد ظلمة بنور ربها، وتحلق الذكريات بنفس المؤمن بعيداً وراء حدود المكان، تطيف بها في أرجاء تلك المشاعر المقدسة، والربوع الطاهرة، وكيف لا تنجذب الأفئدة إليها بخطاطيف الأشواق، وترحل نحوها قلوب أهل النواحي والآفاق، وفيها بيت الله الحرام الذي جعله مثابة يثوب إليه أهل الإسلام من أقطار الأرض على تعاقب الأعوام، فلا تشبع من زيارته القلوب، ولا ترتحل الأنفس إلا وهي بذكره طروب:

    لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا

    ومن الناس من بلغهم الله بيته الحرام فذاقوا وارتزقوا، وعرفوا واغترفوا، فمهما يترددون إليه لا يبغون عنه حولا، ولا يرون أنهم قضوا منه وطراً، إذا ذكروا بيت الله حنوا، وإذا تذكروا بعدهم عنه أنوا، ثم لا يزالون يجأرون إلى مولاهم بقلوب محترقة، ودموع مستبقة، أن يعيدهم إليه مرة، بعد مرة وكرة بعد كرة، ومنهم من فاته منه الدنو فهو يضمه بقلبه في كل حين وآن، ويول إليه وجهه حيث ما كان، قد حرم الوصول إلى البيت، وقلبه موصول برب البيت، عاقته المعاريض، ولم تساعده المقادير، فإذا أذن مؤذن الحج حي على الرحيل تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فأقاموا مأتماً لها، وأراقوا دموع الأسف، ما أطمع هكذا جرى المقدور، الجبر لغيري وأنا المكتوف أسير ذنبٍ مقيد مأسور، هل يمكن أن يبدل المذكور؟!

    ثم أما بعد: فهذه الليلة المباركة التي هي ليلة عرفات، التي يجتمع فيها عيد الجمعة وعيد الحج وموقف الحج الأعظم، نستكمل هذه الفرصة بتلاوة قصيدة عصماء رائعة البيان، خطها بقلمه السيال، وفكره الحلال، الإمام العلامة أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني رحمه الله تعالى، حيث سطر فيها ذكريات رحلته إلى حج البيت الحرام، وزيارة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعبر تجربته الشعورية الصادقة أنشأ هذه الأبيات التي تنوح بالشجون، وتكشف الوجد المكنون، وتستنفر الدمع الهتون، وتستمد ميلادها من شعلة الأشواق التي اتقدت في أحشائه، واضطرمت في ضلوعه وبين جوانحه، ثم فاضت منها المآقي كالسواقي:

    فيا عجباً لمالٍ رغمت في أحشائه ستفيض من أجفانه ينبوعا

    لهب يكون إذا تلبس بالأسى فيضاً ويظهر في الجفون ربيعا

    فنشرع بإذن الله تعالى في قراءة هذه القصيدة، والمفترض أن نشرح غريب القصيدة، ولكن في الحقيقة لو توقفنا عند كل كلمة نطرحها فإنه ستذهب حلاوة القصيدة، ومتابعة ما عليها، فنعتذر عن ذكر ألفاظ الغريب، وإن كان المعنى في الجملة واضح تستطيعون إن شاء الله تعالى متابعته، وليتسنى ذكر الحج وبركاته.

    يقول رحمه الله تعالى بادئاً بما كان اعتاد عليه أهل الجاهلية من الوقوف على الأطلال في أول الكلام ثم يدخل في الموضوع:

    أيا عذبات البان من أيمن الخنا رعى الله عيشاً في رباك قطعناه

    سرقناه من شرخ الشباب وروقه فلما سرقنا الصفو منه سرقناه

    وجاءت بيوت البين يخدمها القضاء فبدد شملاً بالحجاز نظمناه

    حرام به الدنيا دوام اجتماعنا فكم صرمت للشمل حبلاً وصلناه

    فيا أين أيام تولت على الحمى وليل مع العكاس فيه سمرناه

    ونخل لجيران المحصب ديرة نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه

    ونخلو بمن نهوى إذا رقد الورى ويدنو علينا من نحب محياه

    فقرب ولا بعد وشمل مجمع وكأس وصال بيننا قد أبرناه

    فهاتيك أيام الحياة وغيرها مناة فياليت النوى ما شهدناه

    فيا ما أمر البين ما أخشن الهوى أما يا الهوى إن الهنا قد سلبناه

    فوالله لم يبق الفراق لذاذة فلو من سبيل للفراق فرقناه

    فكم من قتيل بيننا بسهامه فلو أننا نعطى الخطاق قتلناه

    فأحبابنا بالشوق للحب بالجوى لحرمة عقد عندنا ما حللناه

    لحق هوانا فيكم وودادنا لميثاق عهد صادق ما نقضناه

    أعيدوا لنا أعيادنا بربوعكم ووقت كروب في حماكم قضيناه

    فما العيش إلا ما قضينا على الحمى فذاك الذي من عمرنا قد عددناه

    فياليت عنا أغمض البين طرفه ويا ليت وقتاً للفراق فقدناه

    وترجع أيام المحصب للمنى ويبدو ثراه للعيون وحصباه

    وتفرح فيه العيس بين ثمامة وتستنشق الأرواح نشر خزاماه

    ونشكو إلى أحبابنا طول شوقنا إليهم وماذا بالفراق لقيناه

    فلا كانت الدنيا إذا لم يعاينوا هم القصد في أولى المشوخ وأخراه

    عليكم سلام الله يا ساكني الحمى بكم طاب رياه بكم طاب سكناه

    وربكم لولاكم ما نوده ولا القلب من شوق إليه أذبناه

    أسكان وادي المنحنى زاد وجدنا بمغنى حماكم زاد مغنى شرفناه

    نحن إلى تلك الربوع تشوقاً ففيها لنا عهد وعقد عقدناه

    ورب برانا ما سلونا ربوعكم وما كان من ربع سواه تلوناه

    فيا هل إلى ربع الأعاريج عودة فذاك وحق الله ربع حببناه

    قضينا مع الأحباب فيه مآرباً إلى الحشر لا تنسى سقى الله مرعاه

    فشدوا مطايانا إلى الربع ثانياً فإن الهوى عن ربعه ما تليناه

    ذكر البيت والطواف:

    ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه

    يطوف به الجاني فيُغفر ذنبه ويسقط عنه ظلم خطاياه

    فكم لذة كم فرحة لطوافه فالله ما أحلى الطواف وأهناه

    نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نسيناه

    فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه

    فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه

    فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه

    ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذك الحمى قبل المنية نغشاه

    ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذا مسراه

    وقد نفيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه

    تراءت لنا أعلام وصل على اللوا فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه

    جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومن دونه خلف الظهور نبذناه

    وسرنا نشق البيد للبلد الذي بلهب وشق للنفوس بلغناه

    رجالاً وركباناً على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه

    نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه

    ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتنسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه

    ولا صدنا عن خطبنا بُعد أهلنا ولا هجر دار أو حبيب ألفناه

    وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نُبقِ شيئاً منهما ما بذلناه

    عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه

    فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه

    فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة ولّاه

    فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبذل يسير يعملان ذريناه

    وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه

    ولو قيل إن النار دون مدارك دُفعنا إليها والعدول دفعناه

    فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله

    تكاثفت الأشواق وأضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحساه

    وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نسيناه

    الإحرام من الميقات:

    ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه

    ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه ملبي ربنا لا حرمناه

    ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه

    وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه

    ولا لهو لا صيد لا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كلاً رفضناه

    وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه

    لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجون رحماه

    ينادونه لبيك لبيك ذا العلى وسعديك كل الشرك عنك نفيناه

    فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذا الحال في حال مرآه

    وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه

    لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من جذع المعاصي خلعناه

    وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه

    إلى زمزم زمت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه

    نأم مقاماً للخليل معظم إليه استبقنا والركاب حثثناه

    ونحن نلبي في القعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقىً رقيناه

    وكم نجز عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه

    نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه

    دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه

    أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه

    ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه

    فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه

    وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه

    إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم كد كد في سواد خرقناه

    كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهاراً وليلاً عيسنا ما أرحناه

    إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهب نسيم بالوصول نفسناه

    ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه

    رؤية البيت:

    وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه

    فضجت بيوت الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه

    وقد كادت الأرواح تزهق فرحة بما نحن من عظم السرور وجدناه

    تصافحنا الأملاك من كان راكباً وتعتنق الناسي إذا ثم تلقاه

    طواف القدوم:

    فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه

    كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثل ما طاف طفناه

    وكانت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه

    ونحن بيوت الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله سكناه

    فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا فقروا عيوناً فالحجيج قبلناه

    غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم مع نعيم ذكرناه

    فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثلما قد كتبناه

    وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه

    ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه

    سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه

    فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إلي حججتم لا لبيت بنيناه

    عليّ الجزاء مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه

    فطيبوا سروراً وافرحوا وتذاكروا وتيهو وهيموا بابنا قد فتحناه

    ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه

    فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه

    المبيت بمنى والمسير إلى عرفات:

    وبتنا بأقطاب المحصب من منى فياطيب ليل بالمحصب بتناه

    وفي يومنا سرنا إلى الجبل الذي من البعد جئناه لما قد وجدناه

    فلا حج إلا أن نكون بأرضه وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه

    إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا فلولاه ما كنا لحج سلكناه

    وسرنا إليه قاصدين وقوفنا عليه ومن كل الجهات أتيناه

    على علميه للوقوف دلالة فلا زالتا تحمى وتصرف أرجاه

    وبينهما جزنا إليه بزحمة فياطيبها ليس الزحام رجعناه

    ولما رأينا تعالى عجيجنا نلبي وبالتهليل مما ملكناه

    وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا وما كان من ثقل المعاصي حملناه

    الوقوف بعرفة:

    وبعد زوال الشمس كان وقوفنا إلى الليل نأتي والدعاء أطالناه

    فكم حامد كم ذاكر ومسبح وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه

    فكم خاضع كم خاشع متبلد وكم سائل مدت إلى الله كفاه

    وساوى عزيز بالوقوف ذليلنا وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه

    ورب دعانا ناظر لخضوعنا خبير عليم بالذي قد أردناه

    ولما رأى تلك الدموع التي جرت وطول خشوع مع خضوع خضعناه

    فدلا علينا بالمكان وبالرضا وباهى بنا الأملاك حين وقفناه

    وقال انظروا شعثا وغبراً جسومهم أجرنا أغثنا يا إلهاً دعوناه

    وقد هجروا أموالهم وديارهم وأولادهم والكل يرفع شكواه

    إلي فإني ربهم ومليكهم لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه

    ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه

    فقد بدلت فيك المساوي محاسناً وذلك وعد من لدنا وعدناه

    فياصاحبي من مثلنا في مقامنا ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه

    على عرفات قد وقفنا بموقف به الذنب مغفور وفيه محوناه

    وقد أقبل الباري علينا بفضله وقال ابشروا فالعفو فيكم نثرناه

    وعيش ضمنا كل تابعة جرت عليكم وأما حقنا فوهبناه

    أقلناكم من كل ما قد جنيتموا وما كان من عذر لدينا عذرناه

    فيا من أتى يا من عصى لو رأيتنا وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله

    وددت بأن لو كنت بين رحالنا وترجو رحيماً كلنا يترجاه

    وقفنا لديه سائلين من الخطا وغفراننا من ربنا قد طلبناه

    أمرنا بحسن الظن والله حثنا عليه وهذا في الحديث رويناه

    عليه اتكلنا واطمأنت قلوبنا لما عنده من وسع عفو عرفناه

    فطوبى لمن ذاك المقام مقامه وبشراه في يوم التغابن بشراه

    ترى موقفاً فيه الخزائن فتحت ووالى علينا الله منها عطاياه

    فصالح مهجوراً وقرب مبعداً وذاك مقام الصلح للصلح قمناه

    ودار علينا الكأس بالفضل والرضا سقينا شراباً مثله ما سقيناه

    فإن شئت تسقى ما سقينا على الحمى فقلل وما واقصد مقاماً قصدناه

    وفيه نصبنا للرحيل صفوفنا فقال كفيتم عفونا قد بسطناه

    وأعتقنا كلاً وأهدر ما مضى فقال لنا كل العتاب طويناه

    ذكر خزي إبليس اللعين:

    فإبليس مغموم لكثرة ما يرى من العتق محكوراً ذليلاً دحرناه

    على رأسه يحثو التراب منادياً بأعوانه ويلاهم ذا اليوم ويلاه

    وأظهر منا حسرة وندامة وكل بناء قد بناه هدمناه

    تركناه يبكي بعد ما كان ضاحكاً فكم مذنب من كأسه قد سللناه

    وكم أمل لله يوم وقوفنا وكم من أسير للمعاصي فككناه

    وكم قد رفعنا للإله مطالباً ولا أحداً ممن نحب نسيناه

    وخصصت الآباء والأهل بالدعا وكم صاحب بان وناءٍ ذكرناه

    كذا فعل الحجاج هاتيك عادة وما فعل الحجاج فيه فعلنا

    وظل إلى وقت الغروب وقوفنا وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه

    الإفاضة والمبيت بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام:

    أفيضوا وأنتم ذاكرون إلهكم إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه

    وسيروا إليه واذكروا الله عنده فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه

    وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها ترى عائداً جمع لجمع جمعناه

    وبتنا به حتى نقصنا دماغنا ورباً شكرناه على ما هداناه

    ومنه أفضنا حيث ما الناس قبلنا أفاضوا وغفران الإله طلبناه

    ونحو منىً نلنا بها كان عيدنا ونلنا بها ما القلب كان تمناه

    فمن منكم بالله عيد عيدنا فعيد منى رب البرية أعلاه

    وفيه رمينا للعقاب جمارنا ولا جرم إلا مع غمار رميناه

    وفي الجمرة القصوى بدأنا وعندها حلقنا وقصرنا لشعر حظرناه

    ولما حلقنا حل لبس مخيطنا فيا خلقة منها المخيط لبسناه

    وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا وإبليس لما أن نحرنا نحرناه

    ومن بعدها يومان للرمي عادلاً ففيها رمينا والإله دعوناه

    وإياه أرضينا برمي جمارنا وشيطاننا المرجوم ثم رجمناه

    وبالغيث أعطانا الإله أمامنا وأذهب عنا كل ما نحن نغشاه

    النفر من منى:

    وردت إلى البيت الحرام وفودنا نحنُّ له كالطير حنَّ لمأواه

    وطفنا طوافاً للإفاضة حوله وفزنا به بعد الجمار وزرناه

    ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه

    ونلنا أمان الله عند دخوله كما أخبر القرآن فيما قرأناه

    فيا منزلاً قد كان أبرك منزل نزلناه في الدنيا وبيتاً حججناه

    ترى حجة أخرى إليه ودخلة وهذا على رب الورى نتمناه

    فإخواننا ما كان أحلى دخولنا إليه ولبساً في ذراه لبسناه

    طواف الإفاضة:

    نطوف به والله يحصي صلاتنا ليسقط عنا ما نسينا وأخطاه

    وبالحجر الميمون عدنا فإنه لرب السما والأرض للخلق يمناه

    نقبله من حبنا لإلهنا وكم لثمه طي الطواف لثمناه

    وذاك لنا يوم القيامة شاهد وفيه لنا لله عهد عهدناه

    ونستلم الركن اليماني طاعة ونستغفر المولى إذا ما لمسناه

    وملتزم فيه التزمنا لربنا عهوداً وعهد الله فيه لزمناه

    وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا دعونا به والقصد فيه نويناه

    وصلى بأركان المقام حجيجنا وفي زمزم ماءً طهوراً وردناه

    وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا بما نحن ننويه إذا ما شربناه

    رأينا الصفا المروة الوفد قد سعى فإن تمام الحج تكميل مسعاه

    فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه

    نهرول في أثنائها كل مرة فهذاك من فعل الرسول فعلناه

    وبعد تمام الحج والنسك كلها حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه

    فمن شاء وافى الطيب والطيب والنساء فقد تم حج للإله حججناه

    ولما اعتمرنا كان أبرك عمرنا زمان نراه باعتمار عمرناه

    ولما قضينا للإله مناسكاً ذكرناه والمطلوب منه سألناه

    فمن طالب حظاً بدنيا فما له خلاص لأخراه إلى الله لاقاه

    ومن طالب حسنى بدنيا لدينه وحسناً لأخراه وذاك يوفاه

    وآخر لا يبغي من الله حاجة سوى نظرة في وجهه يوم عقباه

    طواف الوداع:

    وبات حجيج الله بالبيت محدقاً ورحمة رب العرش إنذاك تغشاه

    تداعى رفاق بالرحيل فما ترى سوى دمع عين بالدعاء مددناه

    لفرقة بيت الله والحجر الذي لأجلهما صعب الأمور سلكناه

    وودعت الحجاج بيت إلهها وكلهم تجري من الحزن عيناه

    فلله كم باكٍ وصاحب حسرة يود بأن الله كان توفاه

    فلو تشهد التوديع يوماً ببيته فإن فراق البيت مراً وجدناه

    فما فرقة الأولاد والله إنه أمر وأدهى ذاك شيء خبرناه

    فمن لم يجرب ليس يعرف قدره فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه

    لقد صدعت أكبادنا وقلوبنا بما نحن من مر الفراق شربناه

    ووالله لولا أن نؤمل عودة إليه لذقنا الموت حين فجعناه

    ذكر الرحيل إلى طيبة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم:

    ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه

    ووالله لو أن الأسنة أشرعت وقامت حروب دونه ما تركناه

    ولو أننا نسعى على الروح دونه ومن دونه جفن العيون تركناه

    وتملك منا بالوصول رقابنا ويسلب منا كل شيء ملكناه

    لكان يسيراً في محبة أحمد وبالروح لو يشرى الوصال شريناه

    ورب الورى لولا محمد لم نكن لطيبة مسعى والركاب شددناه

    ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا ولولاه لم نهو المدينة لولاه

    هو القصد إن غنت بنجد الهدى حداثنا وإلا فما نجد وسلم أردناه

    وما مكة والخيف قلي ولا منى وما عرفات قبل شرع أراناه

    به شرفت تلك الأماكن كلها وربك قد خص الحبيب وأعطاه

    لمسجده سرنا وشدة رحالنا وبين يديه شوقنا قد كتبناه

    قطعنا إليه كل بغي ونهِ نهِ ولا كابر إلا وعنا قطعناه

    كذا عزمات السائرين لطيبة رعى الله عزماً للحبيب عزمناه

    وكم جبل جزنا ورمل وحابل ولله كم واد وشعب عبرناه

    ترمحنا الأشواق نحو محمد فنسري ولا ندري بما قد سريناه

    ولما بدا جذع العقيق رأيتنا نشاوى سكارى فارحين برؤياه

    كمنا نسيماً جاء من نحو طيبة فأهلاً وسهلاً يا نسيماً كمناه

    فقد ملئت منا القلوب مسرة وأي سرور مثل ما قد سررناه

    فواعجباه كيف قرت عيوننا وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه

    ولقياه منا بعد بعد تقارب فوالله لا لقيا تعادل لقياه

    وصلنا إليه واتصلنا بقربه فلله ما أحلى وصولاً وصلناه

    وقفنا وسلمنا عليه وإنه ليسمعنا من غير شك فديناه

    ورد علينا بالسلام سلامنا وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه

    كذا كان خلق المصطفى وصفاته بذلك في الكتب الصحاح عرفناه

    وثمَّ دعونا للأحبة كلهم فكم من حبيب بالدعا قد خصصناه

    وملنا لتسليم الإمامين عنده فإنهما حقاً هناك ضبيعاه

    وكم قد مشينا في مكان به مشى وكم مدخلٍ للهاشمي دخلناه

    وآثاره فيه العيون تمتعت وقمنا وصلينا بحيث مصلاه

    وكم قد نثرنا شوقنا لحبيبنا وكم من غليل في القلوب شفيناه

    ومسجده فيه سجدنا لربنا فلله ما أعلى سجوداً سجدناه

    لروضته قمنا فهاتيك جنة فيا فوز من فيه لفضلي وبشراه

    ومنبره الميمون منه بقية وقفنا عليها والفؤاد كررناه

    كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا إليه كما ود الحبيب وددناه

    وزرنا قبا حباً لأحمد في المسا عسى قدم يخطو مقاماً تخطاه

    لنبعث يوم البعث تحت لوائه إذا الله من تلك الأماكن ناداه

    وزرنا مزارات البقيع فليتنا هناك دفنا والممات رزقناه

    وحمزة زرناه ومن كان حوله شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه

    ولما بلغنا من زيارة أحمد منانا حمدنا ربنا وشكرناه

    ومن بعد هذا صاح بالبين صائح وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه

    سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا فيا ما أمر الصوت حين سمعناه

    وقمنا نؤم المصطفى لوداعه ولا دمع إلا للوداع صببناه

    ولا صبر كيف الصبر عند فراقه وهيهات إن الصبر عنه صرفناه

    أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد فلا والذي من قاب قوسين أدناه

    فواحسرتا من وداع محمد وأواه من يوم التفرق أواه

    فأبكي عليه قدر جهدي بناظري من الشوق ما ترقى من الدمع رباه

    فيا وقت توديعي له ما أمره ووقت اللقا والله ما كان أحلاه

    عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً فياحبذا قرب الحبيب ومدناه

    فيارب فارزقنى لمغناه عودة تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه

    رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا فكم جسد من غير قلب طلبناه

    ولما تركنا ربعه من ورائنا فلا ناظر إلا إليه رددناه

    فلا عيش يهنى مع فراق محمد أأفقد محبوبي وعيشي أهناه

    دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة وخطوا على قبري بأني أهواه

    فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت وهذا الذي في حجنا قد عملناه

    فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى لتنظر آثار الحبيب وممشاه

    وتحظى ببيت الله من قبل منعه كأنا به عما قليل منعناه

    أليس ترى الأشراط كيف تتابعت؟ فبادر واغنمه كما قد غنمناه

    إلى عرفات عاجل العمر واستبق فثم إله الخلق يسبغ نعماه

    وعيد مع الحجاج يا صاح في منى فعيد منىً أعلاه عيداً وأسماه

    وضح بها واحلق وسر متوجهاً إلى البيت واصنع مثلما قد صنعناه

    وكن صابراً إنا لقينا مشقة فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه

    لقد بعدت تلك المعالم والربى فكم من رواح مع غدو غدوناه

    فبادر إليها لا تكن متوانياً لعلك تحظى بالذي قد حظيناه

    وحج بمال من حلال عرفته وإياك والمال الحرام وإياه

    فمن كان بالمال المحرم حجه فمن حجه والله ما كان أغناه

    إذا هو لبى الله كان جوابه من الله لا لبيك حجاً رددناه

    كذلك جاءنا في الحديث مسطراً ففي الحج أجر وافر قد سمعناه

    ومن بعد حج سر لمسجد أحمد ولا تخطه تندم إذا ما تخطاه

    فو أسف الساري إذا ذكر الحمى إذا رفع خير المرسلين تخطاه

    ووالهف الآتي بحج وعمرة إذا لم يكمل بالزيارة ممساه

    يعزى على ما فاته من مداره فقد فاته أجر كثير بأخراه

    نظرناه حقاً حين بانت ركابنا على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه

    وزادت بنا الأشواق عند دنونا إليها فما أحلى دنواً دنيناه

    ولما بدت أعلامها وطلولها تحدرت الركبان عما ركبناه

    وسرنا مشاة رفعة لمحمد حثثنا الخطا حتى المصلى دخلناه

    لنغنم تضعيف الثواب بمسجد صلاة الفتى فيه بألف يوفاه

    كذلك فاغنم في زيارة طيبة كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه

    فإما رأيت القبر قبر محمد فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه

    وقف بوقار عنده وسكينة ومثل رسول الله حياً بمثواه

    وسلم عليه والوزيرين عنده وزره كما زرنا لتحمد عقباه

    وبلغه عنا لا عُدمت سلامنا فأنت رسول للرسول بعثناه

    ومن كان منا مجيراً بسلامنا فإنا بإدلاء السلام سبقناه

    فيا نعمة لله لسنا بشكرها نقوم ولو ماء البحور مددناه

    فنحمد رب العرش إن كان حجنا لزورة من كان الختام ختمناه

    عليك سلام الله ما دامت السماء سلام كما يبغي الإله ويرضاه

    فهذا هو الشق الأول من حديثنا الليلة.

    ذكر البيت والطواف

    ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذة كم فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نفيناه فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاه ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراه وقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه تراءت لنا أعلام وصل على اللوى فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه وسرنا نشق البيد للبلد الذي بجهد وشق للنفوس بلغناه رجالاً وركبانا على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه ولا صدنا عن قصدنا بعد أهلنا ولا هجر جار أو حبيب ألفناه وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة وُلاه فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبر بسير اليعملات بريناه وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه ولو قيل إن النار دون مزاركم دفعنا إليها والعذول دفعناه فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله ترادفت الأشواق واضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحشاه وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نفينا

    الإحرام من الميقات

    ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه نلبي ربنا لا حرمناه ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه ولا لهو لا صيد ولا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجّون رحماه ينادونه: لبيك لبيك ذا العلا وسعديك كل الشرك عنك نفيناه فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناه وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه إلى زمزم زُمَّت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه نؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناه ونحن نلبي في صعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقى رقيناه وكم نشزٍ عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم سدَّ سَدٌّ في سواد خرقناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهبّ نسيم بالوصول نشقناه ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه

    رؤية البيت

    وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة لما نحن من عظم السرور وجدناه تصافحنا الأملاك من كان راكبا وتعتنق الماشي إذا ثم تلقاه

    طواف القدوم

    فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثلما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا وقروا عيونا فالحجيج قبلناه غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم معْ نعيم ذخرناه فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثل ما قد أثبناه وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إليّ حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه

    المبيت بمنى والسير إلى عرفات

    وبتنا بأقطار المحصب من منى فيا طيب ليل بالمحصب بتناه وفي يومنا سرنا إلى الجبل الذي من البعد جئناه لما قد وجدناه فلا حج إلا أن نكون بأرضه وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا فلولاه ما كنا لحج سلكناه وسرنا إليه قاصدين وقوفنا عليه ومن كل الجهات أتيناه على علميه للوقوف جلالة فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه وبينهما جزنا إليه بزحمة فيا طيبها ليت الزحام رجعناه ولما رأيناه تعالى عجيجنا نلبي وبالتهليل منا ملأناه وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا وما كان من ثقل المعاصي حملناه

    الوقوف بعرفة

    وبعد زوال الشمس كان وقوفنا إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه فكم حامد كم ذاكر ومسبح وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه فكم خاضع كم خاشع متذلل وكم سائل مدت إلى الله كفاه وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه ورب دعانا ناظر لخضوعنا خبير عليم بالذي قد أردناه ولما رأى تلك الدموع التي جرت وطول خشوع معْ خضوع خضعناه تجلى علينا بالمتاب وبالرضا وباهى بنا الأملاك حين وقفناه وقال انظروا شعثاً وغبراً جسومهم أجرنا أغثنا يا إلهاً دعوناه وقد هجروا أموالهم وديارهم وأولادهم والكل يرفع شكواه إلي فإني ربهم ومليكهم لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه فقد بدلت تلك المساوي محاسنا وذلك وعد من لدنا وعدناه فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه على عرفات قد وقفنا بموقف به الذنب مغفور وفيه محوناه وقد أقبل الباري علينا بفضله وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه وعنكم ضمنا كل تابعة جرت عليكم وأما حقنا فوهبناه أقلناكم من كل ما قد جنيتم وما كان من عذر لدينا عذرناه فيا من أسا يا من عصى لو رأيتنا وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله وددت بأن لو كنت بين رحالنا وترجو رحيماً كلنا يترجاه وقفنا لديه سائلين من الخطا وغفراننا من ربنا قد طلبناه أمرنا بحسن الظن والله حثنا عليه وهذا في الحديث رويناه عليه اتكلنا واطمأنت قلوبنا لما عنده من وسع عفوعرفناه فطوبى لمن ذاك المقام مقامه وبشراه في يوم التغابن بشراه ترى موقفاً فيه الخزائن فتحت ووالى علينا الله منها عطاياه فصالح مهجوراً وقرب مبعداً وذاك مقام الصلح للصلح قمناه ودار علينا الكأس بالفضل والرضا سقينا شراباً مثله ما سقيناه فإن شئت تسقى ما سقينا على الحمى فقلل وما واقصد مقاماً قصدناه وفيه نصبنا للرحيل صفوفنا فقال كفيتم عفونا قد بسطناه وأعتقنا كلاً وأهدر ما مضى وقال لنا كل العتاب طويناه

    ذكر خزي إبليس اللعين

    فإبليس مغموم لكثرة ما يرى من العتق محقوراً ذليلاً دحرناه على رأسه يحثو التراب مناديا بأعوانه : ويلاه ذا اليوم ويلاه وأظهر منا حسرة وندامة وكل بناء قد بناه هدمناه تركناه يبكي بعدما كان ضاحكاً فكم مذنب من كفه قد سللناه وكم أمل نلناه يوم وقوفنا وكم من أسير للمعاصي فككناه وكم قد رفعنا للإله مطالبا ولا أحداً ممن نحب نسيناه وخصّصت الآباء والأهل بالدعا وكم صاحب دانٍ وناء ذكرناه كذا فعل الحجاج هاتيك عادة وما فعل الحجاج فيه فعلناه وظل إلى وقت الغروب وقوفنا وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه

    الإفاضة والمبيت بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام

    أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه وسيروا إليه واذكروا الله عنده فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها ترى عائداً جمعاً لجمع جمعناه وبتنا به حتى لقطنا جمارنا ورباً شكرناه على ما هداناه ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا أفاضوا وغفران الإله طلبناه ونحو منى ملنا بها كان عيدنا ونلنا بها ما القلب كان تمناه فمن منكم بالله عيّد عيدنا فعيد منى رب البرية أعلاه وفيه رمينا للعقاب جمارنا ولا جرم إلا مع جمار رميناه وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه ولما حلقنا حل لبس مخيطنا فيا خلقة منها المخيط لبسناه وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا وإبليس لما أن نحرنا نحرناه ومن بعدها يومان للرمي عاجلاً ففيها رمينا والإله دعوناه وإياه أرضينا برمي جمارنا وشيطاننا المرجوم ثَم رجمناه وبالخيف أعطانا الإله أماننا وأذهب عنا كل ما نحن نخشاه

    النفر من منى وطواف الإفاضة

    وردت إلى البيت الحرام وفودنا نحنُّ له كالطير حنّ لمأواه وطفنا طوافا للإفاضة حوله وفزنا به بعد الجمار وزرناه ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه ونلنا أمان الله عند دخوله كذا أخبر القرآن فيما قرأناه فيا منزلاً قد كان أبرك منزل نزلناه في الدنيا وبيتاً حججناه ترى حجةً أخرى إليه ودخلةً وهذا على رب الورى نتمناه فإخواننا ما كان أحلى دخولنا إليه ولبثا في ذراه لبثناه نطوف به والله يحصي طوافنا ليسقط عنا ما نسينا وأخطاه

    ذكر استلام الحجر الأسود والركن اليماني

    وبالحجر الميمون عدنا فإنه برب السما والأرض للخلق يمناه نقبله من حبنا لإلهنا وكم لثمه طي الطواف لثمناه وذاك لنا يوم القيامة شاهد وفيه لنا لله عهد عهدناه ونستلم الركن اليماني طاعة ونستغفر المولى إذا ما لمسناه وملتزم فيه التزمنا لربنا عهوداً وعهد الله فيه لزمناه وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا دعونا به والقصد فيه نويناه وصلى بأركان المقام حجيجنا وفي زمزم ماءً طهوراً وردناه وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا لما نحن ننويه إذا ما شربناه

    ذكر السعي بين الصفا والمروة والتحلل من الإحرام

    وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى فإن تمام الحج تكميل مسعاه فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه نهرول في أثنائها كل مرة فهذاك من فعل الرسول فعلناه وبعد تمام الحج والنسك كلها حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا فقد تم حج للإله حججناه ولما اعتمرنا كان أبركَ عمرنا زمان نراه باعتمار عمرناه ولما قضينا للإله مناسكاً ذكرناه والمطلوب منه سألناه فمن طالب حظاً بدنيا فما له خلاق بأخراه إذا الله لاقاه ومن طالب حسنا بدنيا لدينه وحسنا بأخراه وذاك يوفاه وآخر لا يبغي من الله حاجة سوى نظرة في وجهه يوم عقباه

    طواف الوداع

    وبات حجيج الله بالبيت محدقاً ورحمة رب العرش إذ ذاك تغشاه تداعى رفاق للرحيل فما ترى سوى دمع عين بالدعاء مددناه لفرقة بيت الله والحجر الذي لأجلهما صعب الأمور سلكناه وودعت الحجاج بيت إلهها وكلهم تجري من الحزن عيناه فللَّه كم باك وصاحب حسرة يود بأن الله كان توفاه فلو تشهد التوديع يوماً لبيته فإن فراق البيت مراً وجدناه فما فرقة الأولاد والله إنه أمرّ وأدهى ذاك شيء خبرناه فمن لم يجرب ليس يعرف قدره فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه لقد صدعت أكبادنا وقلوبنا لما نحن من مُرّ الفراق شربناه ووالله لولا أن نؤمل عودة إليه لذقنا الموت حين فجعناه

    ذكر الرحيل إلى طيبة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه ووالله لو أن الأسنة أشرعت وقامت حروب دونه ما تركناه ولو أننا نسعى على الروس دونه ومن دونه جفن العيون فرشناه وتملك منا بالوصول رقبانا ويسلب منا كل شيء ملكناه لكان يسيراً في محبة أحمد وبالروح لو يشرى الوصال شريناه ورب الورى لولا محمد لم نكن لطيبة نسعى والركاب شددناه ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا ولولاه لم نهوى المدينة لولاه هو القصد إن غنت بنجد حداتنا وإلا فما نجد وسلع أردناه وما مكة والخيف قل لي ولا منى وما عرفات قبل شرع أراناه به شرفت تلك الأماكن كلها وربك قد خص الحبيب وأعطاه لمسجده سرنا وشدت رحالنا وبين يديه شوقنا قد كتبناه قطعنا إليه كل بر ومهمه ولا شاغل إلا وعنا قطعناه كذا عزمات السائرين لطيبة رعى الله عزماً للحبيب عزمناه وكم جبل جزنا ورمل وحاجز ولله كم واد وشعب عبرناه تروحنا الأشواق نحو محمد فنسري ولا ندري بما قد سريناه ولما بدا جذع العقيق رأيتنا نشاوى سكارى فارحين برؤياه شممنا نسيماً جاء من نحو طيبة فأهلاً وسهلاً يا نسيما شممناه فقد ملئت منّا القلوب مسرة وأي سرور مثل ما قد سررناه فوا عجباه كيف قرّت عيوننا وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه ولقياه منا بَعدَ بُعدٍ تقاربت فو الله لا لقيا تعادل لقياه وصلنا إليه واتصلنا بقربه فلله ما أحلى وصولاً وصلناه وقفنا وسلمنا عليه وإنه ليسمعنا من غير شك فديناه ورد علينا بالسلام سلامنا وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه كذا كان خلق المصطفى وصفاته بذلك في الكتب الصحاح عرفناه وثَم دعونا للأحبة كلهم فكم من حبيب بالدعا قد خصصناه وملنا لتسليم الإمامين عنده فإنهما حقاً هناك ضجيعاه وكم قد مشينا في مكان به مشى وكم مدخل للهاشمي دخلناه وآثاره فيها العيون تمتعت وقمنا وصلينا بحيث مصلاه وكم قد نشرنا شوقتنا لحبيبنا وكم من غليل في القلوب شفيناه ومسجده فيه سجدنا لربنا فلله ما أعلى سجوداً سجدناه بروضة قمنا فهاتيك جنة فيا فوز من فيها يصلي وبشراه ومنبره الميمون منه بقية وقفنا عليها والفؤاد كررناه كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا إليه كما ود الحبيب وددناه وزرنا قبا حبا لأحمد إذ مشى عسى قدماً يخطو مقاما تخطاه ليبعث يوم البعث تحت لوائه إذا الله من تلك الأماكن ناداه وزرنا مزارات البقيع فليتنا هناك دفنا والممات رزقناه وحمزة زرناه ومن كان حوله شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه ولما بلغنا من زيارة أحمد منانا حمدنا ربنا وشكرناه ومن بعد هذا صاح بالبين صائح وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا فيا ما أمر الصوت حين سمعناه وقمنا نؤم المصطفى لوداعه ولا دمع إلا للوداع صببناه ولا صبر كيف الصبر عند فراقه ؟ وهيهات إن الصبر عنه صرفناه أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد فلا والذي من قاب قوسين أدناه فواحسرتاه من وداع محمد وأواه من يوم التفرق أواه سأبكي عليه قدر جهدي بناظر من الشوق لا ترقى من الدمع غرباه فيا وقت توديعي له ما أمره ووقت اللقا والله ما كان أحلاه عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً فيا حبذا قرب الحبيب ومدناه فيا رب فارزقني لمغناه عودة تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا فكم جسد من غير قلب قلبناه ولما تركنا ربعه من ورائنا فلا ناظر إلا إليه رددناه لنغنم منه نظرة بعد نظرة فلما أغبناه السرور أغبناه فلا عيش يهنى مع فراق محمد أأفقد محبوبي وعيشي أهناه دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة وخطوا على قبري بأني أهو

    الحث على الحج بالمال الحلال

    فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت وهذا الذي في حجنا قد عملناه فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى لتنظر آثار الحبيب وممشاه وتحظى بيت الله من قبل منعه كأنا به عما قليل منعناه أليس ترى الأشراط كيف تتابعت فبادره واغنمه كما قد غنمناه إلى عرفات عاجل العمر واستبق فثم إله الخلق يسبغ نعماه وعيّد مع الحجاج يا صاح في منى فعيد منى أعلاه عيداً وأسناه وضح بها واحلق وسر متوجهاً إلى البيت واصنع مثل ما قد صنعناه وكن صابراً إنا لقينا مشقة فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه لقد بعدت تلك المعالم والربا فكم من رواح مع غدو غدوناه فبادر إليها لا تكن متوانيا لعلك تحظى بالذي قد حظيناه وحج بمال من حلال عرفته وإياك والمال الحرام وإياه فمن كان بالمال المحرم حجه فمن حجه والله ما كان أغناه إذا هو لبى الله كان جوابه من الله لا لبيك حج رددناه كذلك جانا في الحديث مسطرا ففي الحج أجر وافر قد سمعناه

    الحث على زيارة المسجد النبوي

    ومن بعد حج سر لمسجد أحمد ولا تخطه تندم إذا ما تخطاه فوا أسف الساري إذا ذكر الحمى إذا ربع خير المرسلين تخطاه ووالهف الآتي بحج وعمرة إذا لم يكمل بالزيارة ممشاه يعزى على ما فاته من مزاره فقد فاته أجر كثير بأخراه نظرناه حقاً حين بانت ركابنا على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه وزادت بنا الأشواق عند دنونا إليها فما أحلى دنواً دنيناه ولما بدت أعلامها وطلولها تحدرت الركبان عما ركبناه وسرنا مشاة رفعة لمحمد حثنا الخطا حتى المصلى دخلناه لنغنم تضعيف الثواب بمسجد صلاة الفتى فيه بألف يوفاه كذلك فاغنم في زيارة طيبة كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه فإذ ما رأيت القبر قبر محمد فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه وقف بوقار عنده وسكينة ومثِّل رسول الله حيا بمثواه وسلم عليه والوزيرين عند وزره كم زرنا لنحصد عقباه وبلغه عنا لا عُدمت سلامنا فأنت رسول للرسول بعثناه ومن كان منا مبلغا لسلامنا فإنا بإدلاء السلام سبقناه فيا نعمة لله لسنا بشكرها نقوم ولو ماء البحور مددناه فنحمد رب العرش إذا كان حجنا بزورة من كان الختام ختمناه عليك سلام الله ما دامت السما سلام كما يبغى الإله ويرضاه

    1.   

    فضائل يوم عرفة

    الشق الثاني في الحقيقة يتعلق بيوم عرفة والوقوف بعرفة، لا شك أن يوم عرفة يوم عظم الله سبحانه وتعالى أمره، ورفع على الأيام قدره، فقد أقسم الله سبحانه وتعالى به، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فقال عز وجل: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3] قال ابن عباس : (الوتر يوم عرفة، والشفع يوم الذبح) وقيل: إنه هو اليوم المشهود الذي أتى ذكره في سورة البروج، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة قال: ولا طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه الله منه).

    ومن فضائله: أنه هو اليوم الذي أنزل الله فيه سبحانه وتعالى فيه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، وعن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لعمر رضي الله عنه: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناه عيداً فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت يوم عرفة، وإن والله بعرفة يوم جمعة) ، وهذا حديث متفق عليه.

    إذاَ: يوم عرفة هو يوم عيد لأهل الموقف، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة؛ لأن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)

    قال ابن حجر رحمه الله تعالى: استدل بهذا الحديث -أي: حديث عمر - على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام؛ لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم الأفضل، فاختار له أن يكون عرفة يوم الجمعة، فاجتمع عيد عرفة وعيد الجمعة.

    فالأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولاسيما على قول من قال: إنها بعد العصر، وهو الأرجح والله تعالى أعلم.

    أما ما روي من حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة، وافق يوم الجمعة وهو من أفضل من سبعين حجة من غيرها) فهو حديث لا أعرف حاله، هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

    أيضاً يوم عرفة فيه أخذ الميثاق قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، فأخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم بتوحيده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى)، وهذا الحديث صحيح.

    من فضائل هذا اليوم أن الله سبحانه وتعالى يباهي بأهله الملائكة، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، يقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء! جاءوني شعثاً غبراً) ، فهذا يقتضي الغفران وعموم التكثير؛ لأنه لا يباهي بالملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر، فلا يكون الحجاج مطهرين إلا إذا غفر الله سبحانه وتعالى لهم ذنوبهم مغفرة عامة وشاملة، وينتج من ذلك أن الحج يكفر حق المولى وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات، وهذا أشار إليه بقوله في قوله: (وعنكم ضمنا كل تابعة جرت)، وهو حق الخلق، فيغفره الله سبحانه وتعالى ويتحمله ويضمنه عن الحجاج.

    وفيه أفضلية عرفة حتى على يوم النحر، وهو ما عليه الأكثر، وإنما سمي الموقف عرفة قيل: لأنه عرف لإبراهيم عليه السلام فلما أبصره عرفه، أو لأن جبريل كان يدور في المشاعر، فلما رآه إبراهيم قال: قد عرفت، أو لأن الناس يتعارفون فيه.

    عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً أو أمة من الناس من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟).

    وعن بلال بن رباح (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: يا بلال أسكت أو أنصت الناس، ثم قال: إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

    الذي يخصنا نحن أكثر في هذا المقام هو بيان أن الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده جعل المتخلف لعذر شريكاً للسائل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك: (إن في المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، خلفهم العذر)، وقال الشاعر في ذلك:

    يا سائرين إلى البيت العتيق لقد سرتم جفوناً وسرنا نحن أرواحا

    إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ومن أقام على عذر كمن راح

    وربما سبق بعض من سار بقلبه وعزمه بعض السائرين بأبدانهم فليس الشأن فيمن صار ببدنه، إنما الشأن فيمن قعد بدنه لعذر وسار بقلبه حتى سبق الركب.

    1.   

    أعمال صالحة تقوم مقام الحج والعمرة

    ذكر الله سبحانه وتعالى

    وهناك أعمال قد تقوم مقام الحج والعمرة لمن عجز عنهما، فمنها ذكر الله سبحانه وتعالى دبر كل صلاة، فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بما لو أخذتم به لحقتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين).

    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (قلنا: يا رسول الله! ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج، ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم بأفضل ما يجيء به أحد منهم: تكبروا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحوه ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين في دبر كل صلاة) وهذا رواه الإمام أحمد والنسائي .

    إذاً: هذا مما يعوض من عجز عن الذهاب إلى البيت بعذر، فيستطيع أن يصل إلى رب البيت بالتقرب بهذا العمل وهو ذكر الله سبحانه وتعالى دبر الصلوات المكتوبة.

    صلاة العشاء والغداة في جماعة

    من ذلك أيضاً صلاة العشاء والغداة في جماعة، والغداة: في صلاة الفجر، عن أبي ذر رضي الله عنه: (أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -يعني: الأغنياء- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة؟!) وهذا رواه مسلم .

    قال أبو هريرة رضي الله عنه تعالى عنه لرجل: (بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ولا شك أن أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة وغيرهما، فما تقرب العباد إلى ربهم بمثل أداء ما افترضه الله عليهم، وكثير من النفوس يسهل عليها التنزه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقات، قال بعض السلف: ترك فعل الشيء مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة، يعني: هناك ما هو أولى من مجرد فعل الفرائض، وهو التعفف عن كسب الحرام، والتنزه عن المال الحرام، فهذا من أعظم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى.

    قال الفضيل بن عياض مبيناً باباً آخر من أبواب العبادة التي قد تفضل على حج التطوع: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حق اللسان، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد، وليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح، وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام.

    صلاة الفجر في جماعة ثم المكوث حتى تطلع الشمس لصلاة ركعتين

    مما يعوض أيضاً صلاة الفجر في جماعة، والذكر حتى طلوع الشمس، وصلاة الركعتين بعدها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)، وهذا رواه الترمذي وصححه الألباني .

    حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع

    من ذلك أيضاً حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة نافلة)، وهذا حديث حسن.

    المقصود بالمشي إلى صلاة التطوع: أن يمشي إلى المسجد يصلي مثلاً صلاة الضحى كما في رواية أبي داود ، قال المناوي : من مشى إلى أداء صلاة مكتوبة فليسرع.

    والخصلة كحجة يعني: كثواب حجة، ومن مشى إلى صلاة التطوع فهي كثواب عمرة، لكن لا يلزم التساوي في المقدار.

    الصلاة في مسجد قباء

    كذلك الصلاة في مسجد قباء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه، كان له عدل عمرة)، وهذا صحيح رواه أحمد في مسنده والنسائي والحاكم وصححه الألباني .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في مسجد قباء كعمرة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتى مسجد بني عمرو بن عوف -وهو مسجد قباء- لا ينزعه إلا الصلاة كان له أجر عمرة)، وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)، وهذا بدون سفر أو شد الرحال، فالإنسان يأتي المدينة لزيارة المسجد النبوي ثم من السنة أن يزور مسجد قباء.

    وهذا المسجد هو الذي نزل فيه وفي دياره قول الله سبحانه وتعالى: فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد رضي طهوركم يا أهل قباء).

    شهود صلاة العيدين

    كذلك مما يعوض فوات الحج والعمرة شهود العيدين: الفطر والأضحى، قال ابن رجب : قال مخنس بن سليم وهو معدود من الصحابة: (الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة).

    قال ابن رجب رحمه الله تعالى: رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجه، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! وينشد:

    فقلت دعوني واتباعي ركابكم أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد

    ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟!

    يقول الحافظ ابن رجب : إخواني! إن حبستم العام عن الحج، فارجعوا إلى جهاد النفوس، أو أحصرتم عن أداء النسك، فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رءوس أجيالكم بالذنوب، فإن الذنوب حالقة للدين وليست حالقة للشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخير، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد فليقصد رب البيت، فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.

    من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخير فليقم لله بحق الرجاء والخوف، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت؛ فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد، إن لم نصل إلى ديارهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم، إن لم نقدر على عرفات فلنستدرك ما قد فات، إن لم نصل إلى الحجر فلين كل قلب حجر، إن لم نقدر على ليلة جمع ومنى فلنقم بمكة من أسفها هنا، أين المريد المجد السابق؟! هذا يوم يرحم فيه الصادق، من لم ينب في هذا اليوم فمتى ينيب؟! ومن لم ينب في هذا الوقت فمتى ينيب؟! ومن لم يتعرف بالتوبة فهو غريب، أسفاً لعبد لم يغفر له اليوم ما جنى، كل ما هم بخير نفض الثوب وما بنى، حضر مواسم الأفراح فما حصل خيراً ولا اقتنى، ودخل بساتين الفلاح فما مد كفاً ولا جنى، ليت شعري من منا خاف ومن منا نال المنى!

    فيا إخواني! إن فاتنا نزول منى فلننزل دموع الحسرات هاهنا، وكيف لا نبكي ولا ندري ماذا يراد بنا؟! وكيف بالسكون وما نعلم ما عنده لنا؟! فلذا الموقف أعددنا البكاء، ولذا اليوم الدموع تقتنى، أخي! لئن سار القوم وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

    لله در ركائب سارت بهم تطوي القطار الشافعات على الدجى

    رحلوا إلى البيت الحرام وقد شدا قلب المتيم منهم ما قد شدا

    نزلوا بباب لا يخيب نذيره وقلوبهم بين المخافة والرجا

    يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن:

    عرض بذكري عندهم لعلهم إن سمعوك سألوك عني

    قل ذلك المحبوس عن قصدكم معذب القلب لكل فنى

    إخواني! نفحت في أيام الحج نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعا.

    يا همم العارفين لغير الله لا تقنعي، يا عزائم الناسكين لدمع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك اخرجي وبين خوفه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي، يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي، وبين صفاء الصفاء ومروى المروة اسعي وأسرعي، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي، فإذا قرب القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي، فإنه قد وضح الطريق ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدعي.

    1.   

    فضل تلقي الحجاج ومصافحتهم

    أخيراً: ننوه إلى أن تلقي الحجاج مسنون، يعني: يستحب أن يتلقى الإنسان الحاج ويسلم عليه، ويطلب الاستغفار منه والدعاء له، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل المدينة)، كانوا يقابلونه بالصبيان وصغار أهل المدينة.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أقبلنا من مكة في حج أو عمرة فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهليهم إذا قدموا)، وقد كان السلف يدعون لمن رجع من حجه، فهذا خالد الحاج لما رجع، قال له أبو قلابة : بر العمل. يعني: جعله الله مبروراً.

    وعن ابن أبي ثابت قال: (خرجت مع أبي نتلقى الحجاج ونسلم عليهم قبل أن يتدنسوا) يعني: قبل أن يعودوا ويخالطوا الحياة من جديد، فهم رجعوا أنقياء أطهاراً من الذنوب، فهذا هو السبب ولعلك تحرص على دعائه لك؛ لأنه لم يخوض في الفتن والدنيا، فهذا حديث عن ابن أبي ثابت يقول: (خرجت مع أبي نتلقى الحجاج ونسلم عليهم قبل أن يتدنسوا).

    وعن الحسن قال: إذا خرج الحجاج فشيعوهم وزودهم الدعاء، وإذا قفلوا فالقوهم وصافحوهم قبل أن يخالطوا الذنوب، فإن البركة في أيديهم.

    وفي مسند البزار وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لو يعلم المقيمون ما في الحاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس). ما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين:

    هل الدهر يوماً بوصل يجود وأيامنا باللواء هل تعود

    زمان تقضى وعيش مضى بنفسي والله تلك العهود

    ألا كل زوار دار الحبيب هنيئاً لكم في الجنان الخلود

    أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاش وأنتم ورود

    أحب شيء إلى المحب سؤال من قدم من ديار الحبيب، أي: أحب شيء إلى المحب إذا أتى قوماً من ديار الحبيب أن يتلقاهم ليسألهم، فيقول:

    عرضان ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع

    واستملايا حديث من سكن الخيف ولا تكتباه إلا بدمعي

    فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي

    من يعيد الأيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي

    فهذا شاعر يعبر عن مشاعره فيقول:

    عرضان ركب الحجاز أسائله

    لأنه حرم من الحج والسؤال في الموسم يكون، يجعلوني في عرض الطريق حين يعود الركاب أو الحجاج من الحج، من طريق الحجاز.

    عرضان ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع

    أريد أن أسمع منهم الذكريات التي عاشوها هناك في أيام سلع وفي منى وفي هذه المواقع.

    واستملايا حديث من سكن الخيف، يعني: من سكن مسجد الخيف في منى، وأقام هناك فيها، أي: يكتبوا لي ويملوا علي حديث من سكن الخيف ولا يكتبوه إلا بأدمعي.

    واستملايا حديث من سكن الخيف ولا تكتباه إلا بدمعي

    فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أن أرى الديار بسمعي

    إذا تركتهم يحكون لي.

    من يعيد لي أيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي

    لقاء الأحباب لقاح الألباب، وأخبار تلك الديار أحلى عند المحبين من الأسمار:

    إذا قدم الركب يمنته أحيي الوجوه صدوراً وورداً

    وأسألهم عن عقيق الحمى وعن أرض نجدٍ ومن حل نجداً

    حدثوني عن العقيق حديثاً أنتم بالعقيق أقرب عهداً

    ألا هل سمعت ضجيج الحجيج على ساحة والعيد والعيد تحدى

    فذكر المتاعب والمروتين وذكر الصفا يطرد الهم طرداً

    والعقيق: هو الوادي المعروف الذي وصفه النبي عليه السلام بأنه واد مبارك، أرواح القبول تفوح من المقبولين، وأنوار الوصول تلوح على الواصلين:

    تفوح أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد للدار

    أهفوا إلى الركب تعلو لي ركائبهم من الحمى في أفيحات وأطمار

    يا راكبان قفا لي واقضيا وطري وحدثاني عن نجد بأخبار

    ولا يؤهل بالإكثار من التردد إلى تلك الآثار إلا محب مختار، يقول علي بن الموفق : حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكر في حالي وكثرة ترددي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل مني حجي أم رد، ثم نمت فرأيت في منامي قائلاً يقول لي: هل تدع إلى بيتك إلا من تحب قال: فاستيقظت وقد سري عني، أي: أنت لا تستضيف في بيتك إلا شخصاً تحبه.

    كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إن لم تقبلني فهبني لمن شئت من خلقك.

    وقال آخر: اللهم ارحمني فإن رحمتك قريب من المحسنين، فإن لم أكن محسنناً فقد قلت: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]؛ فإن لم أكن كذلك فأنا شيء، وقد قلت: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] ، فإن لم أكن شيئاً فأنا مصاب برد عملي وتعبي ونصبي فلا تحرمني ما وعدت المصاب من الرحمة.

    قال هلال بن يسار : بلغني أن المسلم إذا دعا الله فلم يستجب له كتب له حسنة.

    من كان في سخطه محسناً فكيف يكون إذا ما رضي

    وقدوم الحاج يذكر بالقدوم على الله سبحانه وتعالى، قدم مسافر فيما مضى على أهله فسروا به، وهناك امرأة من الصالحات فبكت وقالت: ذكرني هذا بقدومه القدوم على الله عز وجل.

    قال بعض الملوك لـأبي حازم : كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأما قدوم العاصي فكقدوم العبد الآبق على سيده الغضبان:

    لعلك غضبان وقلبي غافل سلام على الدارين إن كنت راضياً

    فاللهم اجعلنا ممن تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73].

    فنكتفي الليلة بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك!

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987066351

    عدد مرات الحفظ

    716287998