إسلام ويب

الغلو في الدين [1]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغلو في الدين قضية قديمة قِدَمَ الأديان على هذه الأرض، فقد ابتلي به أناس على مدار التاريخ البشري، وقد كان ذلك إما بدافع الحرص على تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه، فأدى بهم حرصهم هذا إلى الخروج عن الطريق السوي الذي ارتضاه الله لعباده، وإما بسبب الاتباع والتقليد الأعمى للرؤساء الضالين عن الطريق السوي.

    1.   

    استعراض مجمل لكتاب الغلو في الدين للشيخ اللويحق

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فسنقوم بتلخيص البحث القيم الذي كتبه الشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق وهو بعنوان: (الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة).

    وكالعادة فنحن نختار أحياناً بعض الكتب والبحوث القيمة التي لا تتوافر مع الإخوة، فنحاول نشر ما فيها من الفوائد بإذن الله، فهذا البحث في الحقيقة موضوعه يكاد يكون هو موضوع الساعة، ونحتاج لوقفة حتى نستخلص حقائق الغلو في الدين وتحديد الكلام في هذا الأمر.

    فيذكر المؤلف هنا في مقدمة الكتاب أنه قبل هذا العصر الذي نعيشه كان البحث في الغلو ينصب على غلو الصوفية كعبدة القبور، وعقائد الشيعة مثلاً، ونحو هؤلاء من الغلاة، ولكنه في العصر الحديث توجه وجهة أخرى.

    أي أن الغلو فيما مضى كان يختص بأهل الأهواء وأهل البدع الذين غالوا وتطرفوا في تناولهم لبعض قضايا الدين، مثل القضايا العلمية أو القضايا السلوكية، أما في العصر الحديث فقد توجه البحث في الغلو وجهة أخرى، حيث وقعت بعض المذاهب التي تنتمي إلى الدعوة الإسلامية في الغلو وغير ذلك من الأوصاف المنفرة كالتعصب والتطرف والتشدد وغير ذلك، مما جعل أعداء الإسلام اليوم يستغلون هذه الانحرافات من أجل محاربة الإسلام نفسه، تحت شعار محاربة التطرف والغلو وغير ذلك.

    حقيقة الأطراف المتعلقة بالغلو

    تجاذب هذا الموضوع أطراف متعددة، منهم الجفاة الذين يتهمون أهل التمسك بالدين بالغلو.

    ومنهم الأعداء الذين يتخذون مهاجمة الغلو ذريعة لمهاجمة الإسلام.

    ومنهم الغلاة أنفسهم الواقعون في الغلو حقيقة، ومع ذلك ينفون هذا الغلو عن ذاتهم ويتهمون غيرهم بالمروق من الدين.

    إن أبرز ملامح هذا العصر ما يسمى بثورة المعلومات ووسائل الاتصالات، وهذه الوسائل أدت بدورها إلى نشر هذا الموضوع بكثافة شديدة جداً بين العامة والخاصة، وأضحى هذا الموضوع حديثاً للدهماء والعلماء دون أن يحكم بشيء من الضوابط والمعايير، فمن هنا تكمن أهمية تناول هذا الموضوع بإنصاف وتجرد.

    أهمية موضوع الغلو وتعلقه بمستقبل الدعوة الإسلامية وضوابطه

    يقول المؤلف حفظه الله: إن لهذا الموضوع أهمية بالغة في ذاته وفي زمنه، وفيما يتعلق بمستقبل الدعوة الإسلامية، فمن حيث الموضوع ذاته فهو يتعلق بعقيدة المسلمين وتنقيتها من شوائب الغلو من جانب، ويتعلق بالدعوة الإسلامية والدعاة من جانب آخر.

    أما من حيث زمن الموضوع فإن البحث كتب في الظروف الآتية:

    أولاً: بروز بعض أعمال الغلو وآراء الغلو من بعض المنتمين إلى التيارات الإسلامية، ولا شك في أن مثل هذه الانحرافات تحتاج إلى نقدها وكشفها نصحاً للمسلمين.

    ثانياً: غياب معنى الغلو في الشريعة عن أذهان معظم الناس، فهم لا يعرفون ما معنى الغلو في شريعة الإسلام، وسحبوا على الإسلام مفهوم الغلو الموجود عند النصارى، فالنصارى يعبرون عن الغلاة بلفظة الأصوليين، هؤلاء هم الغلاة عند النصارى، فسحبوا نفس هذا اللفظ على الإسلام، مع وجود البون الشاسع بيننا معشر المسلمين وبين حقيقة هذا الإطلاق الخبيث كما سنبين إن شاء الله تعالى بالتفصيل.

    إذاً: فغياب معنى الغلو عن معظم أذهان الناس جعلهم يأخذون مفهوم الغلو عند النصارى الذي يعبرون عنه بالأصولية أو يعبرون عنه بالتطرف، مما يؤكد الحاجة إلى بيان المعنى الصحيح حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.

    ثالثاً: اتخاذ محاربة الغلو ذريعة لمحاربة الإسلام، مما يستلزم رفع الستار عن أخطر ميادين الصراع بين الإسلام وبين الكفر، فلو أنهم ظهروا بأنهم يريدون تحطيم الإسلام وحرب الإسلام والتنفير من الإسلام ذاته لواجهوا مقاومة شديدة من المسلمين، لكن استغلوا بعض الغلو من بعض الناس فاتخذوه ستاراً كي يغطوا الزحف الذي يحاولون من ورائه القضاء على دين الله تبارك وتعالى.

    أما من حيث مستقبل الدعوة فإن لهذا الموضوع أهمية عظيمة جداً؛ لأن التجرد من الغلو وكشف استغلال الأعداء لكلمة الغلو لاشك في أن له أثراً عظيماً جداً في تصحيح مسار الدعوة الإسلامية.

    فبحث هذا الموضوع -موضوع الغلو- يمكن أن يساعد على ذلك، وذلك من عدة نواح:

    أولاً: بالتأصيل، وذلك بوضع القواعد التي تحكم المواضع التي يحصل فيها الخلط بين التمسك بالدين وبين الغلو.

    ثانياًًً: بالتحصين، فإن الغلو -في الحقيقة- ليس مشكلة آنية وقتية فقط، لكنه مشكلة قد تتكرر في كل وقت وفي كل زمان، فالحادث يمكن أن يزول، لكن قد يطرأ مرة أخرى إذا وجدت عوامله، فلابد من بيان جذور الغلو التاريخية وأصل النشأة؛ حتى تقطع المشكلة ويحصن الدعاة بضدها فلا يتكرر نموها مرة أخرى.

    ثالثاً: من أجل حماية الدعوة الإسلامية؛ لأن وجود الغلو سبب عرقلة الدعوة الإسلامية، ولقد أوجد الغلو المسوغات لضربها، فلابد من إبعاد هذه العوائق عن طريق الدعوة الإسلامية وحمايتها من كل ما يتسبب في عرقلتها والوقوف في طريقها.

    بيان مجمل لما يتضمنه كتاب الغلو في الدين

    ذكر المؤلف أهمية الموضوع وذكر الموضوعات الأساسية التي سيتناولها بالبحث والتمحيص والتحقيق، فذكر في الفصل الأول تحديد مصطلحات البحث، وبيان وسطية الإسلام، ويسر الإسلام وسماحته، ومعنى الغلو في اللغة ومعنى الغلو في الشريعة.

    وفي الفصل الثاني تكلم عن جذور الغلو في الدين، وطبيعته في حياة المسلمين المعاصرة في مبحثين:

    أولاً: جذور الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، وذكر فيه ثلاثة مطالب: الأول: الجذور التاريخية للغلو.

    الثاني: الجذور الفكرية، الثالث: الجذور النفسية.

    ثانياً: طبيعة الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، وحجم الغلو في الدين أيضاً، ومفهوم الغلو في الدين عند العلماء المعاصرين؛ لأن بعض العلماء لهم في بعض المواضع وجهة نظر في استعمال كلمة الغلو، كما سنبين إن شاء الله تعالى.

    كما ذكر مفهوم الغلو في الدين عند العلماء اليوم، وفي الفصل السابق ذكر معنى الغلو في اللغة، ثم معنى الغلو في الشرع، وهنا ذكر تعريف العلماء المعاصرين للغلو.

    ثم ذكر -أيضاً- مفهوم الغلو في الدين عند العالم اليوم؛ لأن التمسك بالدين في عصرنا صار غلواً وما عليه المجتمعات من الانحرافات هو الوسط، فأي انحراف عن هذا الواقع الذي تعيشه هذه المجتمعات يسمى تطرفاً وغلواً، ومن ثم ذكر مفهوم الغلو عند الغربيين.

    أما الفصل الثالث -وهو من أهم الفصول في الحقيقة- فتكلم فيه عن مظاهر الغلو العقدية والتشريعية.

    فذكر -أولاً- الغلو في قضية الولاء والبراء، باعتبارها قضية من أهم قضايا أصول الدين بعد التوحيد، فذكر أن هذه القضية طرأ فيها نوع من الغلو عند كثير من الناس.

    ثم ذكر الغلو في مفهوم الجماعة؛ لأن بعض الجماعات غلت وشوهت بجمال الإسلام، وقسمت الإسلام إلى أحزاب وشيع متناحرة بسبب تحزبها وتعصبها لمفهوم الجماعة، وذكر أمثلة من نقول بعض المنتمين لهذه الجماعات تعكس مدى الغلو الشديد في هذا المفهوم.

    ثم تكلم عن الغلو في التعصب للجماعة، بجعل الجماعة مصدر الحق، والغلو في القائد، والغلو في البراءة من المجتمعات المسلمة.

    ثم ذكر في المبحث الثاني الغلو في التكفير، وذكر فيه أحد عشر مطلباً، أولها: معنى الغلو وخطورة التكفير، ثم التكفير بالمعصية، ثم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق بدون تفصيل، ثم تكفير الأتباع المحكومين بغير ما أنزل الله بإطلاق، ثم تكفير الخارج عن الجماعة، ثم تكفير المقيم غير المهاجر، ثم تكفير المعين دون مراعاة الضوابط الشرعية، ثم تكفير من لم يكفر الكافر بزعمهم، ثم بدعة التوقف والتبين، ثم القول بجاهلية المجتمعات المسلمة المعاصرة، ثم الغلو فيما يتعلق بالحكم على ديار المسلمين اليوم وبأنها ديار كفر وحرب أو ديار إسلام، وما يترتب على ذلك من تداعيات في منتهى الخطورة.

    وأما المبحث الثالث فهو يتكلم عن إحداث أصول تشريعية جديدة؛ لأن بعض أهل البدع وأهل الغلو أحدثوا واخترعوا أصولاً جديدة في الشريعة، فذكر -أولاً- الغلو في ذم التقليد، وفيه ثلاثة مطالب: الأول: الغلو في مفهوم التقليد وإنكار الإجماع، الثاني: الغلو في ذم المقلدين، الثالث: إلزام جميع الناس بالاجتهاد والتشديد على الناس.

    أما الفصل الرابع فيقول: خصصته لبيان مظاهر الغلو العملية، ووسمته بمجالات الغلو العملية والسلوكية.

    فالفصل الثالث كان في مجالات الغلو الاعتقادية، أما الرابع ففي القضايا عملية وسلوكية، وذكر فيه مباحث:

    المبحث الأول: الغلو في السلوك الفردي، وتكلم فيه عن أمرين: أولاً: التشديد على النفس.

    ثانياً: تحريم الطيبات.

    المبحث الثاني: الغلو في السلوك الاجتماعي، وذكر فيه قضية الخروج على الحكام والغلو فيها، وكذلك قضية تحريم التعليم والدعوة إلى الأمية والغلو فيها، وقضية تحريم الصلاة في المساجد بحجة أنها مساجد ضرار، وقضية إيقاف وتعطيل صلاة الجمعة بحجة أن البلاد بلاد كفر ولا يوجد إمام إلى غير ذلك من الكلام، وقضية اعتزال المجتمعات ومفاصلتها، وقضية هجرة المجتمعات ودعم القول بمرحلية الأحكام، وقضية القول بأننا نعيش في العهد المكي، وقضية تحريم العمل في الوظائف الحكومية ومظاهر الغلو في هذا الجانب.

    لقد كان المؤلف -في الحقيقة- إلى حد كبير جداً موفقاً في هذا البحث، مع كثرة المصنفات في هذا الجانب، لكن الغالب على الناس خاصة في هذه الظروف التي نعيشها الآن أنهم يحرصون على أن يحصلوا على شهادة حسن سيرة وسلوك بالنفاق والمداهنة في مثل هذه القضايا الحساسة، لكن هنا قد وفق المؤلف في هذا البحث، ونحسبه -إن شاء الله- أنه كان متجرداً في عرضه للقضايا والبحث العلمي.

    1.   

    معنى الوسطية في الإسلام ومظاهرها

    نشرع في ذكر المقدمة التي تحدث فيها عن وسطية الإسلام؛ لأننا نريد أن نتكلم عن الغلو، أو بتعبير آخر: عن الإفراط والتفريط، أو بتعبير ثالث: عن التطرف، وهو الأخذ بالأطراف.

    وحينئذٍ فلاشك في أننا نحتاج -أولاً- إلى أن نتحدث عن اتصاف الإسلام بالوسطية حتى نستحضر منذ البداية أن الوسط هو ما أنزله الله وهو الحق، وأن من حاد عنه صار متطرفاً.

    إذاً: فبدلاً من أن نقول عن الذي يمتنع عن التطرف إنه (متطرف) سنقول: إن المتطرف هو الذي يصافح النساء، وبدلاً من أن نقول: إن المتطرفين هم الذين يحاولون تسييس الدين نقول: المتطرف والملحد والزنديق هو الذي يريد أن يفصل الدين عن الحياة ويدين بدين العلمانية. وهكذا في كل قضية من القضايا سيخرج هؤلاء الذين تكالبوا على دين الإسلام عن وسطية الإسلام.

    1.   

    حقيقة اتصاف الأمة المحمدية بالوسطية

    إن وسطية الإسلام هي -في الحقيقة- من أبرز خصائص هذه الأمة المحمدية، فقد قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] فقوله: (أُمَّةً وَسَطًا) يعني: عدولاً. لذلك نجد الإسلام في كل قضية من القضايا العلمية أو العملية يقدم المنهج الوسط والعدل والمعتدل في كل شئون الحياة، بل لا يكتفي الإسلام بهذا، وإنما مع أخذه بالوسطية يحذر تحذيراً شديداً جداً من الانحراف إلى أحد الاتجاهين: الغلو أو التقصير، أو الإفراط أو التفريط.

    ونحن نكرر هذا الدعاء في اليوم والليلة على الأقل سبع عشرة مرة، وهو قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ولم يكتف سبحانه وتعالى بذلك، بل وصفه بقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] إذاً: الصراط المستقيم لا يمكن أن يكون مستقيماً إلا إذا خالف سلوك هذين الفريقين: أولهم: المغضوب عليهم وهم اليهود لعنهم الله.

    ثانيهم: الضالون وهم النصارى؛ لأن اليهود عصوا الله عن علم فاستحقوا الغضب، والنصارى عبدوا الله عن جهل فاستحقوا الضلال.

    فهذه الوسطية التي تميز الإسلام عما سواه من الأديان هي العدل، فإن معنى قوله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدولاً خياراً. والدليل على أن سياق الآية يفيد هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الوسطية علة لتكليف هذه الأمة بالشهادة على الأمم الأخرى؛ لأن الشاهد يشترط فيه العدالة، ولا تقوم الشهادة ولا تقبل إلا من عدل، وكذلك قوله تبارك وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فلذلك قلنا: إن (وسطاً) تشمل -أيضاً- معنى الخيرية في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدولاً خياراً.

    فبين وصف الأمة بالخيرية ووصفها بالوسطية تلازم؛ إذ إن الوسط في لغة العرب الخيار، كما سيأتي إن شاء الله، أما السنة فجاء الخبر فيها صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بتفسير الوسطية بالعدالة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب. فتسأل أمته. هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من شهودك -يا نوح- على أنك أبلغتهم؟ فيقول نوح: محمد وأمته عليه الصلاة والسلام) لأن هذه الأمة تؤمن بجميع الأنبياء، وتعظم جميع الأنبياء، وتنزه جميع الأنبياء عما لا يليق بهم، إلى غير ذلك من اعتقادها النقي في حق الأنبياء؛ لأن من أركان إيمان أمة محمد أنهم يؤمنون بنوح وغيره من الأنبياء عليهم السلام عن طريق القرآن والوحي الذي أخبر أن نوحاً أتى قومه وبلغهم وحصل معهم كذا وكذا وكذا، فلذلك هذه الأمة تشهد عن علم يقيني، وهو الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فلذلك لما ينكر قوم نوح ويقولون: ما جاءنا من نذير. يظنون أن هذا الإنكار ينفعهم في هذا الموقف، قال صلى الله عليه وسلم: (فيقول: من شهودك؟ فيقول نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: محمد وأمته. فيجاء بكم فتشهدون. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] قال: عدلاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]) هذا الحديث رواه البخاري وأحمد رحمهما الله تعالى.

    1.   

    معنى الوسط في كلام العرب

    يقول ابن جرير رحمه الله: وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار، يقال: فلان وسط الحسب في قومه أي: متوسط الحسب. إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه.

    وورد عن أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه وصف المهاجرين في يوم سقيفة بني ساعدة بقوله: (هم أوسط العرب داراً) والمقصود به أنهم خير العرب.

    ومن ذلك أيضاً قول زهير بن أبي سلمى :

    وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي العظائم

    فقوله: (وهم وسط) يعني: هم عدول .

    ومن معاني الوسط الشيء الذي يكون بين طرفين، وليس هناك تعارض بين القول بأن الوسط هو العدل وبين القول بأن الوسط هو الجزء بين الطرفين؛ لأن الجزء بين الطرفين في موضع اعتدال من الجانبين، وهذا من حيث اللغة.

    قال الطبري رحمه الله تعالى: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلو بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوه فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله عز وجل أوسطها.

    وكذلك العدل يأتي دوماً وسطاً بين طرفين ذميمين، قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: ( اتقوا الله يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم، والله إن سبقتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدا ) وهذا إشارة إلى نفس هذا المعنى.

    وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتاباً إلى عامل من عماله فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف: ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، لقد قصر بينهم إخوان فجفوا، وطمع عنهم قوم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

    1.   

    حكم استبدال الألفاظ الشرعية بغيرها من ألفاظ البشر

    يحاول بعض الناس الاعتياض عن هذه التعبيرات الشرعية العظيمة بكلام يسمونه الحكمة، كقولهم مثلاً في محاولة وضع حد لتعريف الوسطية: إن الفضيلة وسط بين رذيلتين. والخطأ في هذه العبارة هو جعل هذه المقولة معياراً بشرياً للحكم على الرذائل والفضائل، وهذا ليس بصحيح؛ لأن تحديد الفضيلة والرذيلة ليس من شأن البشر، وإنما هو إلى الله سبحانه وتعالى، ولأن الذي جعلنا الأمة وسطاً هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ [البقرة:143] فإذاً: الميزان هو شرع الله تبارك وتعالى في تحديد الوسطية والفضيلة والرذيلة.

    ولأن تحديد الوسط بالنسبة للعقل البشري شيء صعب جداً، فمن الصعب أن يتفق الناس على شيء وسط.

    يقول أرسطو : إن إدراك الوسط في كل شيء أمر صعب جداً. ويقول الغزالي : إن إدراك الوسط هو من أعقد الأمور وأعصاها، كذلك تحديد الوسط أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص، ولذلك قال ابن سينا : ليس وسط الشيء عينه، بل الوسط بالنسبة إلينا.

    إذاً: الوسطية ليست معياراً بشرياً، ولكنها ميزة تميز بها هذا الدين وتميزت بها شرائعه، فالدين وأهله براء من الانحراف، سواء الجانح إلى الغلو أو الجانح إلى التقصير.

    إن مظاهر هذه الوسطية في الدين كثيرة جداً؛ إذ هي شاملة لجميع جوانب الحياة، فكل أمر من أوامر الإسلام جاء على وفق العدل.

    1.   

    الوسطية ومواقف الناس فيما يتعلق بالسلوك المادي

    نذكر هنا بعض الأمثلة لبيان أن مواقف الناس تتأرجح فيما يتعلق مثلاً بالسلوك المادي، فهناك موقفان متطرفان: الأول: زاغت طائفة فرأت أن المال هو الهدف الأسمى والغاية القصوى، كما هو معروف عن اليهود الذين وصفهم تبارك وتعالى بقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] ومعروف حب اليهود للمال، وهو مما يتندر به الشعراء، حتى إن أحدهم يصف جمال امرأة بأنه ينسي اليهودي الذهب، وهذا يدل على إسراف اليهود في حب المال وعبادته.

    الثاني: زاغت طائفة أخرى وهم النصارى، فحرموا على أنفسهم حقها من الحياة فابتدعوا الرهبانية، يقول عز وجل عنهم: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27].

    وجاء الإسلام أمام هذين الانحرافين بالعدل، وأعطى كل ذي حق حقه، فقال عز وجل: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] وقال عز وجل: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

    ونهى عن الإفراط في حب المادة، فقال عز وجل: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] ونهى -أيضاً- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التشديد على النفس والترهب كما يفعل النصارى، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).

    فإذاً: كل ما يثبت عن الدين فلابد من أن نقطع بأنه هو العدل وهو الوسطية والخيرية، وأن نكل هذا الأمر إلى الدين وليس إلى العقول البشرية، فهو دين الوسطية والاعتدال، وهذه هي الميزة التي ميزت الإسلام عن سائر الأديان في كل القضايا بلا استثناء.

    1.   

    اليسر والسماحة في الإسلام

    إن من خصائص الإسلام أنه دين قد بني على اليسر وعلى السماحة، وهذه -أيضاً- مقدمة مهمة جداً قبل الخوض في مناقشة أطراف الغلو كما ذكرنا.

    فيسر الإسلام وتيسيره من سماته التي تميز بها عما سواه من الأديان، فإن الله سبحانه وتعالى جعل من إحدى الحكم التي بعث من أجلها عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

    يقول تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

    كذلك جاءت الشريعة برفع الحرج والتضييق على الناس أو التعنت في تكليفهم، فليس الحرج معروفاً في الشريعة، بل نزه الله سبحانه وتعالى هذا الدين عنه بقوله عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] يعني: في الدين الذي أنزله الله. ولا يصح لبعض الناس أن يتهاونوا في أحكام الشريعة وأن يفرطوا بحجة أن لا حرج في الدين؛ لأنه الدين الذي لا حرج فيه هو الذي أنزله الله ليس الدين الذي تخترعه أنت لنفسك.

    وبعضهم إذا أنكرت عليهم شيئاً خطئاً يقولون لك: الدين يسر. فأي دين هذا هو اليسر؟! أهو الدين الذي أنزله الله والذي شرعه الله، أم الدين الذي اخترعتموه لأنفسكم من ترك للصلوات الخمس وغير ذلك؟!

    إن اليسر هو في الدين الذي أنزله الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم من خلق، ويعلم طاقة الناس، فهو سبحانه لم يكلفنا بالصلاة إلا ونحن نستطيع أداء الصلاة، يقول عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فهذا هو معنى أن الدين يسر، وأن الله لا يكلفنا إلا بما نطيق، وهناك بعض الحالات الاستثنائية، كأن يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً، فشرع سبحانه من الرخص ما يخفف عن الإنسان هذه المشقة الطارئة، لكن ليس هذا هو الأصل.

    الموقف الشرعي العملي من المبتدعة والعصاة

    لقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)

    فالدين يسر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في ذي الخويصرة التميمي : (يخرج من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم …..) وقال صلى الله عليه وسلم لقائمي الليل: (ليقم أحدكم ما استطاع، فإذا فتر عن ذلك فليقعد) إلى آخر الحديث، فكان ينكر على الغلاة حسب الحال وحسب الآثار التي تترتب على هذا الانحراف.

    وعلى هذا فإننا نستحضر معنى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه مع العصاة يتلطف وينصح برفق، لكن مع المبتدعين يقسو عليهم أشد القسوة؛ لأن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية.

    ففي الحديث: (أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام نادماً وذكر له ما فعل، فنزل قوله تبارك وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي)

    وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا في القتل وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68]، ونزل قوله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53]) فتجد في هذا الرفق والتلطف مع العصاة.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه. قال أبو هريرة رضي الله عنه: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( جاء أعرابي فبال في المسجد) فتخيل الموقف! يبول داخل المسجد الذي هو أطهر بقاع الله، وفي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وبحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام وأمام الناس!

    قال: (جاء أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

    فتخيل لو أن هذه الحادثة حصلت الآن في زماننا، فماذا سيحصل من الناس؟ سترى الغلظة في التعامل، وبهذا ندرك الفرق بين رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على الأمة ورفقه بهم عليه الصلاة والسلام، وبين من ينتسبون إليه وهم لم يفقهوا بعد روح الإسلام من حيث السماحة واليسر والتلطف مع الناس حتى لو كانوا عصاة أو مخالفين، فقال لهم: (دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) فبين أن همهم بالوقوع في الرجل من باب التشديد المخالف لسماحة الدين ويسره، وبين لهم أن هذا البول يراق عليه دلو من الماء ويطهر بالمكاثرة، وبهذا علمنا أحكام النجاسات وكيف تزول النجاسة.

    وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، قال: فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) وانتهى الأمر، فانظر إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه بالصحابة! فلو أن واحداً اصطحب معه ابنه الصغير إلى المسجد فمعلوم أن هذا الطفل الصغير قد يلهو أو يبكي، فبمجرد أن ينصرف الإمام من الصلاة إذا بالأصوات ترتفع لدرجة أفظع بكثير من صوت هذا الصبي الصغير، ويحدثون ضوضاء أشد من ضوضاء ذلك الصبي الصغير المعذور، وهم غير معذورين.

    وعلى أي الأحوال لا نستطيع أن ندرج كل صورة تخالف التيسير والسماحة التي شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أنصح البشر للأمة على الإطلاق، فعلينا نحن -المسلمين- أن نتبعه في تسامحه وتيسيره ولا نتشدد؛ لأن الانحراف عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأشياء يعتبر تشدداً وتنطعاً وتطرفاً.

    يقول المؤلف: وليست هذه الأحاديث إلا صوراً عملية لبيان أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية معاملة العصاة والمخالفين، وإلا فالدين كله شاهد على أن العاصي لا يعامل بالتكفير، وإنما إن عوقب فأقيم عليه الحد فهو كفارة له وطهرة، وتطهير للمجتمع، ومن ستر الله عليه وتاب فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه).

    وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يبعثني معنفاً ولا متعنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) صلى الله عليه وآله وسلم.

    مشروعية الرخص

    هناك أشياء أخرى بجانب أدلة القرآن والسنة نستدل بها على يسر هذا الدين وسماحته، منها: ما ثبت من مشروعية الرخص، وهذا أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة، فإن هذا نمط من التشريع يدل قطعاً على رفع الحرج والمشقة، ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف، والرخص كثيرة جداً، منها: قصر الصلاة في السفر، والمسح على الجوربين أو الخفين، والتيمم في حال فقدان الماء وعند تعذر استعماله لمرض وغيره، والفطر في الصيام للمريض أو للمسافر أو غير ذلك، وصلاة الإنسان وهو مريض جالساً أو حسب ما يستطيع، إلى غير ذلك.

    ولقد حث الشرع في الأخذ بهذه الرخص، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) إذاً: الشرع لا يقصد بهذه التكاليف الشرعية أن يعنفنا وأن يوقعنا في الحرج وفي المشقة.

    وقد أجمع العلماء على عدم وقوع الحرج في التكليف، وهذا يدل على عدم قصد الشارع له، وهذا متقرر باستقراء آحاد الأحكام.

    نهي الشرع عن التنطع والتشدد في جميع الأمور

    ومن جانب آخر وجدنا نصوصاً شرعية فيها وصف الدين باليسر وبالسماحة وبالرفق مع العصاة وغير ذلك، وبالمقابل نجد في الشريعة النهي عن التشديد في الأمور، بحيث صار النهي عن التشدد وعن التنطع وعن التطرف والتعصب وغير ذلك من الأصول القطعية للشريعة الإسلامية.

    والرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ التيسير منهجاً شاملاً عاماً في حياته، كما جاء في الحديث أنه (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم) كذلك أيضاً كان آخذاً نفسه بالرفق داعياً إليه، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فكان عليه الصلاة والسلام ألطف الناس في دعوته وأرفق الناس بالناس، وكان صلى الله عليه وسلم يأمر دعاته ورسله باليسر والتيسير، فقد قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا) وهذا التيسير المقصود به التيسير الجاري على وفق الشرع والعدل لا على وفق الأهواء.

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) وحكمة هذا اليسر أن هذا الدين دين الفطرة، وأمور الفطرة مستقرة في النفوس يسهل عليها قبولها؛ لأنه متطابق تماماً مع الفطرة البشرية، كما قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] قال: يأتي نور الإسلام متطابقاً تماماً مع نور الفطرة. وصاحب الفطرة السليمة ينفر من الشدة ومن العنف.

    التعامل باللين مع المخالفين

    وكما أن الإسلام هو دين اليسر والسماحة فهو دين اللين، وأبلغ مظاهر سماحة الإسلام تبرز في نطاق الدعوة ونشر الدين، وفي معاملة العصاة والمخالفين، فقد جعل الله سبحانه وتعالى الأصل في الدعوة هو اللين وليس الشدة، حتى لو كان الشخص الذي توجه إليه الدعوة من أعتى خلق الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    قال الحافظ ابن كثير : والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق يكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع.

    وذلك لأن المقصود ليس هو أن تكشف عوراته وأن تبين له بأنك أعلم منه أو أنك أقوى منه أو كذا، لكن المقصود هو أن تأخذ بناصيته إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تهدي قلبه إلى الحق، فتسلك الطريق الأسهل والأقرب، وهو النصيحة بالرفق وباللين وبالتي هي أحسن.

    يقول تبارك وتعالى واصفاً لنبيه صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده طريق الدعوة ومنهجها: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:125]، فأرشده سبحانه إلى القيام بالدعوة بإحدى طرق ثلاث: بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالجدال بالتي هي أحسن، وهذا من باب التأكيد على معنى السماحة في الدعوة وعدم التشديد والتعنيف فيها.

    وقال عز وجل: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] يقول الطبري : أي: لا تجادلوا -أيها المؤمنون بالله وبرسوله- اليهود والنصارى -وهم أهل الكتاب- إلا بالتي هي أحسن، إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حدوده.

    1.   

    حقيقة الجهاد في الإسلام وعدم منافاته لسماحة الإسلام

    أما الجهاد لنشر الإسلام الذي هو جهاد الطلب وهو جهاد النصر لدين الله وجهاد الدفاع عن الأديان والمقدسات والأعراض والأموال فليس فيه منافاة للسماحة، فهو لا يكون إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى؛ إذ هو لنشر الإسلام وإبعاد الشانئين الصادين عن سبيل الله، ولذلك فإن مظاهر السماحة فيه بينة، وهذا ما توجهه الفقرة التالية، فيذكر هنا المؤلف سماحة الإسلام في الجهاد، ويذكر حديث بريدة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله) .

    ونحن نرفض تماماً أن يقارن الإسلام بغيره من النظم الوضعية؛ لأن البشر حينما يضعون مواثيق وعهوداً ونظماً فيما بينهم، ويتنازل بعضهم مع بعض في المبادئ، سواء أكانت هذه النظم مع أمم نصرانية أم أجنبية أم مع أي شيء كان، فدين الله لا يتساوى مع غيره من الأديان، وهذا لا يمكن قبوله أبداً، فأهل الباطل دائماً يكونون مستعدين للتنازل حتى يتعايشوا تعايشاً سلمياً كما يزعمون، فأهل الباطل عندهم الحل الوسط هو أن نلتقي في وسط الطريق، نعبد معك إلهك سنة أو شهراً وتعبد إلهنا سنة أو شهراً، وهذه هي المساومة من كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تبارك وتعالى بهذه الشدة وهذه الصرامة والوضوح: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون:1-6] أي: الذي هو الباطل. وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] أي: الذي هو دين الحق. وليس معناه أن تقول: لكم دينكم ولي دين، وكل واحد على دينه. لا، لكن المقصود بقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون:6] أي: دينكم الباطل. كقوله عز وجل: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41] يعني: كلانا على طريق آخر، ولا يحصل التقاء بين هذين الطريقين.

    وإنما ذكرنا هذا لأن هناك تلاعباً شديداً بعقول بعض المسلمين، حيث فهموا موضوع التسامح فهماً خاطئاً، حتى إن بعض الناس من المسلمين كتب مقالات في الجرائد فيها الحمية والحماس يقول فيها: كيف تصفون النصارى بأنهم كفار؟! وبعض العلمانيين كتب في هذا وقال: إن اليهود والنصارى والصابئين كلهم داخلون الجنة. واستدل على هذا بقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة:69] ونقول: هذا تحريف وإلحاد في آيات الله تبارك وتعالى.

    ونعود إلى موضوعنا، فقضية الجهاد جاءت به شريعة الله سبحانه وتعالى لمن كان مؤمناً بها، فلا يناقش، لكن يقول: سمعنا وأطعنا. فالله سبحانه وتعالى هو الذي فرض الجهاد، فهل تطيع الله أم تصطحب أي مذهب أو دين باطل؟!

    فالكفر كله الآن متحد ضد المسلمين، كل العالم بلا استثناء، فالمنافقون والزنادقة واليهود والنصارى والهندوس عباد البقر وعباد الأصنام متحدون ضد المسلمين، وهناك بعض الناس عندهم أمل في بطرس غالي على أساس أن هذا الرجل يتبع الأمم المتحدة والسلام والإنسانية إلى غير ذلك، وأقول: هذا خصم للإسلام، فهو في كل معركة بين الإسلام وأعدائه لابد من أن ينضم إلى أعدائه، فهل ينتظر من مثل هذا أن يكون عنده رأفة أو رفق بالمسلمين؟! هل ننتظر من الهندوس رأفة ورفقاً؟ انظر إلى الدساتير والقوانين التي لا تنفذ إذا كانت المعركة ضد المسلمين، هذا هو الوضع الحقيقي، حيث تجد أهل الباطل يتعايشون فيما بينهم، لكن لا يتعايشون مع الدين الإسلامي؛ لأن الوحي أوضح عقيدة الولاء والبراء بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] فالله سبحانه المطلع على ما في قلوبهم هو الذي يخبرنا بذلك.

    فإذاً: أهل الباطل فيما بينهم يتنازلون حتى يتعايشوا، أما مع الحق فلا يمكن أبداً أن يحصل التقاء في وسط الطريق بين عقيدة الحق وبين هذه الأديان المزيفة أو المحرفة.

    فبالنسبة لقضية الجهاد لا داعي لأن نتنازل ونقول: إن الجهاد في الإسلام كان جهاد دفاع لا جهاد طلب. كلا، إن الإسلام دين جهاد ومبادءة، ولذلك على المسلمين أن يكونوا أقوى الناس وأشد الناس أخذاً بأسباب القوة، حتى ينتصر أهل الحق على أهل الباطل، ولم يحصل أن الإسلام أكره أحداً على الدخول فيه، كما هو معروف، بل إن الدين الإسلامي خير المشركين بين دفع الجزية وبين القتال؛ لأن الهدف من هذا الجهاد هو حمل الأمة لهذه الرسالة إلى البشر؛ لأجل سعادتهم في الدنيا والآخرة، وحتى لا تقف جيوش الكفر على حدود هذه البلاد وتمنع من انتشار هذا النور الذي أنزله الله للعالمين رحمة للناس، بل الهدف من الجهاد أن يدخل الناس الجنة ويقادوا إلى الجنة ولو بالسلاسل.

    فهؤلاء الطواغيت يقفون بجيوشهم ليدافعوا حسب زعمهم عن الوطن وتراب الوطن المقدس وغير هذا.

    والملاحدة والزنادقة يصفون الفتح الإسلامي بأنه هدم، ويقولون: إن بلادنا ظلت مستعمرة منذ كذا سنة. ويقصدون بهذا أبهى فترة عاشتها بلادنا، وهي فترة العصر الإسلامي المشرق.

    فالحمد الله الذي وفق هؤلاء المجاهدين من الصحابة الذين قهروا جيوش الفرس والروم حتى تمكنوا من أن يدخلوا إلينا دين الإسلام، وهذا من بركة جهاد هؤلاء الصحابة الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم وأبنائهم حتى يصل إلينا هذا الدين، وهناك من يحقد على الصحابة ويصفهم بأنهم غزاة، كما قال إسماعيل صبري في الأربعينات أو الخمسينات، قال: إنني أمقت النقاب والحجاب مقتاً شديداً؛ لأن الحجاب يذكرني بأولئك الفاتحين الأجانب الذين أتوا إلى هنا ونشروا الحجاب.

    ويقصد بالفاتحين الأجانب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم أطهر أمة وخير أمة أخرجت للناس، فلما عتا الباطل وانتفش وكان معه سلاح وقوة وقهر وبطش وإعلام وغير ذلك أبرز وأظهر ما كان بالأمس يخفيه، لكن الباطل في النهاية لابد له من أن يضمحل ويذوب، والمؤمن في حالة الضعف ينبغي أن يكون واثقاً بربه صامداً كالجبل في اعتقاده واعتزازه بحكم الله، ومعلوم أن الباطل مثل زبد البحر لا يلبث أن ينفض فقاقيع تطفوا على السطح، وكم سمعنا ممن حاربوا الإسلام ونكلوا بدعاة الإسلام وشوشوا على الإسلام ثم صاروا في خبر كان، وإذا ذكروا فلا يذكرون إلا باللعنة وبالدعاء عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ الدين، وما وكل الله أحداً من الخلق بأن يحفظ دينه، قال عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] والقرآن يبطل مفعول كل هذه السموم، فأي فكرة خبيثة يحاولون نشرها ويجندون لها كل الطاقات لنشرها تأتي آية واحدة من القرآن تدحضها وتبطلها.

    وعلى كل حال فإن الجهاد لابد من أن نستحضر أنه حكم إلهي وهو عين العدل الإلهي، والعدول عنه هو التطرف في الحقيقة.

    يقول بريدة : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغدوا باسم الله في سبيل الله) وقوله: (في سبيل الله) يعني أنهم ما أرادوا مالاً ولا جاهاً ولا دنيا ولا شهرة، وإنما جاهدوا وضحوا في سبيل الله عز وجل، ولذلك رفع الله ذكرهم في العالمين، قال (اغدوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغدوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا) فنهي عن الغدر وعن التمثيل بالجثث، وقد روي أن المسلمين لما أرادوا فتح فارس مثل الخبثاء الفرس بجثث المسلمين، فقطعوا أعضاءهم وشوهوا جثثهم بعد قتلهم، فأقسم بعض المسلمين ليمثلن بهم كما مثلوا بقتلى المسلمين، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال لهم: (ومتى كان لنا في الفرس أسوة؟!) أي: نحن أسوتنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد غضب عليه الصلاة والسلام أشد الغضب حين وجد بين القتلى أطفالاً صغاراً وذرية، فقال صلى الله عليه وسلم: (ألم أنه عن قتل الذرية) فهذه هي الأخلاق، وهذه هي القيم، وهذه هي المثل والفضائل، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) إلى آخر الحديث

    1.   

    عهود المسلمين مع غيرهم وموقف الإسلام منها

    إذا أعطى المسلمون غيرهم عهداً من العهود أو الدخول تحت ذمة المسلمين أو أمانهم فإنه يجب الوفاء بالعهد، وأن يستقيم المسلمون على العهد ما استقام لهم الكافرون، ولذلك جاء النهي عن الغدر والأمر بالوفاء للمعاهد، ونصوص ذلك كثيرة في القرآن والسنة، يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، ويقول عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4] وقال عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))[الممتحنة:8-9] ويقول عز وجل: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    فالمسلمون هم الفئة التي إذا غلبت عدلت ولم تظلم، بخلاف غيرهم، فإنهم كما قال الله عز وجل عنهم: إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20] ويقول عز وجل: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] كما يحصل الآن في العالم كله من تواطؤ على ذبح المسلمين وإحراقهم وتجويعهم وإضعافهم وإنهاك قواهم، وهذا ليس جديداً علينا، فنحن نقرأ القرآن، وهذا موجود في القرآن فقوله تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [التوبة:8] أي: كيف إذا كان لهم الغلبة والعلو؟! لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:8].

    وإننا نلاحظ سماحة الإسلام في التعامل مع العصاة والمخالفين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم أتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) كما بين أن المعاصي درجات، وأن كل عاص يعامل حسب جرمه، وأنه لو عومل جميع الناس بالزجر والضرب والهجر لكان ذلك سبباً في نفورهم من الدين.

    يقول عز وجل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] فهذا هو رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول الله له: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فالشأن مع العاصي والمخطئ ليس زجره وتكفيره، بل دعوته إلى التوبة وتصحيح المسار وبيان وجه الخطأ الذي وقع فيه، فهذه كانت مقدمة فيما يتعلق ببيان سماحة الإسلام ويسره.

    ويبقى الكلام على معنى الغلو في اللغة ومعنى الغلو في الشرع.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987504361

    عدد مرات الحفظ

    716523175