إسلام ويب

مقتطفات الدعوة وأهدافهاللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال وأجل القربات، وهي مهمة الأنبياء والرسل عليهم السلام التي أرسلهم الله تعالى بها، وما دام أنها كذلك فلابد على من يسلك سبيلها أن ينطلق من منطلقات ثابتة تجعله ينجح في دعوته، وعليه كذلك أن يلتزم بالمنهج الصحيح في الدعوة وهو منهج الأنبياء عليهم السلام، وأن يبذل كل ما في وسعه، ولا يستعجل النتائج، فليس عليه إلا أن يعمل ويدعو، والهداية بيد الله تعالى.

    1.   

    شرح حديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ..)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .

    هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى) المثل المراد به هنا: الصفة العجيبة، وليس المراد به القول السائر.

    والهدى: هو الدلالة الموصلة إلى المطلوب، والمراد بالعلم هنا: معرفة الأدلة الشرعية لا الفروع المذهبية.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم) الهدى المذكور فيه هو الطريق الذي يدل على المقصود وهو الجنة، والعلم المقصود به علم الوحيين.

    وقوله: (كمثل غيث أصاب أرضاً) أي: كمثل مطر أصاب أرضاً (فكان منها طائفة طيبة) فهذه الأرض أنواع منها طائفة طيبة وهي أفضلها (قبلت الماء) أي: قبلت هذا الماء وشربته وارتوت به (وأنبتت الكلأ والعشب الكثير) الكلأ: هو النبت يابساً كان أو رطباً، فإنه يسمى بالكلأ، أما العشب فيختص بالنبت الرطب، فعطف العشب على الكلأ من باب عطف الخاص على العام.

    قوله: (وكان منها أجادب) هذا هو القسم الثاني من هذه الأرض و(أجادب) جمع جدباء، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء فلا تشربه سريعاً، وقيل: هي الأرض التي لا نبات بها. مأخوذة من الجدب وهو القحط.

    قال: (وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس) لأنها أمسكت الماء، لكنها لم تنبت شيئاً (فشربوا منها وسقوا وزرعوا) أي: بما أخذوه منها من الماء.

    قوله: (وأصاب طائفة أخرى منها) هذا هو القسم الثالث من الأرض، وهو أردؤها، قال صلى الله عليه وسلم: (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) والقيعان: جمع قاع، وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت.

    قال: (فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم)، وهو القسم الأول الذي علم العلم الشرعي فانتفع بعلم الوحي، ثم علم غيره (ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).

    يقول القرطبي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذلك علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، شبه من يستمع إلى ما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الأرض المختلفة حيث ينزل بها الغيث، فمنهم -أي: من هؤلاء الناس- العالم المعلم ، أي أنه يتعلم هذا الوحي ثم يعمل به ثم يعلم غيره، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم ينفعه فيما جمع له، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي لا تنتفع بالماء لكنها تمسكه بغيره.

    وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، أي أنه ذكر أولاً طائفتين ثم قال: (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان) فجمع بين الطائفتين لاجتماعها في صفة الانتفاع بهما.

    وذكر الطائفة الثالثة مذمومة لعدم النفع بها فقال عليه الصلاة والسلام: (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ).

    1.   

    نصوص ترغب في تعليم الناس ودعوتهم إلى الله

    لقد جاءت نصوص كثيرة جداً في الترغيب في التعليم، ودعوة الآخرين إلى طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    ومنها -أيضاً-: قول صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب) يعني: من شدة ازدحامهم عليه حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)، وقال في الحديث الآخر: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)، على الذين يعلمون الناس الخير.

    وإن من وجوه تفضيل العالم على العابد: أن العالم نفعه يتعدى إلى غيره، أما العابد فنفعه قاصر على نفسه، وأصل الحديث رواه أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال (ذكر لرسول صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال عليه الصلاة والسلام: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كالفرق في الفضل بين الرسول عليه السلام وبين أقل واحد من الصحابة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكأنه يذكر هذه الأفضلية-: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير) أي: ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فهذه من الأدلة التي بها يستدل على فضل العلم والتعلم ودعوة الآخرين إليه.

    يقول الله تبارك وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، فحكم على كل الناس بالخسران، ثم استثنى هؤلاء: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3]، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وفي الغالب إذا دعا الإنسان غيره إلى الحق فربما قوبل بالأذى، فيطلب منه الصبر على هذا الأذى، فقال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].

    1.   

    مفهوم الدعوة إلى الله

    الدعوة في اللغة: مأخوذة من الدعاء، وهو النداء لجمع الناس على أمر الله، فإذا كان عندك أناس تجمعهم على أمر الله فقد دعوتهم وحضضتهم على العمل به.

    والدعوة مطلقاً يراد بها: الدعوى إلى قضية يراد إثباتها، أي: الدفاع عنها حقاً كانت أو باطلاً، بغض النظر عن هذه القضية، فمن الدعوة إلى الباطل قول الله تبارك وتعالى: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف:33]، فقد كان النسوة يدعونه إلى ما حرم الله تبارك وتعالى، فهذا من استعمال كلمة الدعوة في اللغة في الدعوة إلى الباطل، ومن الدعوة إلى الباطل ما ورد أنه تخاصم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأراد كل منهما أن يستنصر بطائفته، فقال المهاجري: يا للمهاجرين. وقال الأنصاري: يا للأنصار. فقال صلى الله عليه وسلم حينما بلغه ذلك: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!) فسماها دعوى الجاهلية.

    أما الدعوة الحق فمثل قوله تبارك وتعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد:14]، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى هرقل عظيم الروم: (أدعوك بدعاية الإسلام) أي: بدعوة الإسلام. ومنها قول مؤمن آل فرعون: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر:41] فهنا وردت كلمة الدعوة بالمعنيين الحق والباطل: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ [غافر:41] فهذه دعوة حق، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر:41] هذه دعوة باطل.

    ومن معاني كلمة الدعوة: المحاولة القولية أو الفعلية والعملية لإمالة الناس إلى مذهب أو ملة. ومن معانيها: الابتهال والسؤال، تقول: دعوت الله أدعوه أي: أبتهل إليه بالسؤال وأرغب فيما عنده من الخير.

    قال الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، قال في لسان العرب: ودعاء الله خلقه إليها كما يدعو الرجل الناس إلى مدعاة، أي: إلى مأدبة يتخذها وطعام يدعو الناس إليه. فمعنى الدعوة هنا في قوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25] كالدعوة التي يوصلها من يدعو الناس إلى مأدبة أو وليمة، أو شيء من هذا حتى يشرفهم بتناوله.

    فدعوة الله عز وجل عباده إلى دار السلام هي دعوته عباده إلى أسباب دخولها وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25] يعني: يأمركم أو يطلب منكم ويدعوكم إلى أن تتخذوا الأسباب التي توصلكم إلى دار السلام، وهي الالتزام بدينه تبارك وتعالى، فمن استجاب صار من حزب الله أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

    أما المعرضون فهم أتباع الشياطين، يقول الله تعالى حاكياً عن إبليس: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، فبين إبليس المقصود من الشرك الذي وقعوا فيه: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، وقد كان الشرك بمجرد أنه دعاهم فاستجابوا له: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22]، فسمى هذه الدعوة والاستجابة له شركاً، أي أنهم أشركوا مع الله تبارك وتعالى.

    وقال تعالى عن إبليس: إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، فكل طائفة لها دعوة.

    وقال عز وجل أيضاً: أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ [البقرة:221]، فعلى كل إنسان أن ينتمي إلى أحد الحزبين: حزب الله أو حزب الشيطان، فكل إنسان يدب على هذه الأرض إما أنه من حزب الله المفلحين، وإما أنه من حزب الشيطان الخاسرين، وكل الأحزاب -سواء أكانت أحزاباً سياسية، أم أحزاباً طائفية، أم أي نوع من الأحزاب- التي تخالف ما عليه الكتاب والسنة، وتخالف منهج الفرقة الناجية ومنهج النبوة هي قطعاً من حزب الشيطان.

    والذي لا ينتمي إلى الدعوة إلى الله، ولا ينتمي إلى أي اتجاهات سياسية أو فكرية مخربة أو مدمرة، ويظن أنه بهذا لا له ولا عليه هو منتمٍ في الحقيقة لحزب الشيطان، وإعراضه عن دعوة الله إياه إلى دار السلام يجعله ممن أعرض عن خالقه وبارئه تبارك وتعالى، وإن كان دون غيره في الضلال، لكن النار دركات والجنة درجات.

    1.   

    مفهوم لفظ الدعاة

    الدعاة واحدهم داع وداعية، فالهاء تدخل عليها للمبالغة، والداعي -أيضاً- إما داعٍ إلى الحق وإما داعٍ إلى الباطل، فمن استعمال كلمة الداعي إلى الحق قوله تبارك وتعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:46]، ومنها قوله عن الجن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:31]، ومن الدعوة إلى الحق قوله صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه).

    أما الداعي إلى الباطل فكما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، يعني: يزينون للناس الأفعال التي تقودهم إلى أبواب جهنم، وهذا أيضاً يكون من أولياء الشيطان في كل زمان ومكان، وأبواب جهنم يتنوع الآتون إليها، فمنهم من يأتي من جانب الأمور الكفرية كالردة والطعن في الإسلام، ومنهم من يأتي من جانب البدعة، ومنهم من يأتي من جانب الشهوات، فأبواب جهنم تتنوع بحسب تنوع هذه الدلالات.

    ومن ذلك -أيضاً- قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه آثام من تبعه).

    1.   

    منطلقات الدعوة إلى الله تعالى

    أما منطلقات الدعوة فالمقصود بها المنطلقات التي ينبغي أن ننطلق منها إذا أردنا أن نسلك هذا الطريق الذي يجازي الله تبارك وتعالى من يسلكه بالأجر والمثوبة.

    أعمال الدعوة إلى الله عبادة

    أول هذه المنطلقات أن أعمال الدعوة عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل، فالدعوة مثل أي عبادة أخرى، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر، فالدعوة عبادة، وليست تقصر عن تعريف العبادة، فلا يعملها المسلم لهوى في نفسه، أو لرغبة في العلو في الأرض، فلا يدع إلى الله لأنه يريد العلو في الأرض، أو لأنه يريد أن يشتهر، أو لأنه يريد أن يجتمع الناس حوله، أو لأي شيء من هذه الأغراض؛ فإن هذا يعد انحرافاً عن المنطلقات الصحيحة التي ينبغي أن تنطلق منها الدعوة، بل عليه أن ينتمي إلى هذه الدعوة وينقاد إليها امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى؛ لأنه كما أمره بالصلاة وكما أمره بالزكاة والصيام؛ أمره -أيضاً- بالدعوة إليه ودلالة الخلق عليه تبارك وتعالى.

    والله تعالى يثيب الإنسان في البهائم كما في الحديث: (في كل ذات كبد رطبة أجر)، فإذا كنت مأجوراً إذا أحسنت إلى حيوان أو بهيمة فسقيتها أو أنقذتها من الهلكة فما بالك إذا أنقذت إنساناً أو أنقذت مسلماً من الهلكة إن أوشك على الغرق أو الحرق أو التلف فأنقذت روحه؟! وقد قال تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] والحياة هنا حياة البدن، فما بالك بمن يحيي روح هذا الإنسان وقلبه ويدرجه ضمن أولياء الله وعباد الله الصالحين حتى يسلك الطريق إلى دار السلام؟! لا شك أن ثوابه أعظم.

    ومع ذلك نجد أننا في غفلة عن هذا النفع الذي ينتفع به جميع خلق الله تبارك وتعالى لأجل العمل الصالح، فهل أحد منا يشعر أن النملة في حجرها تستغفر لمن يعلم الناس الخير؟! لقد أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وحتى الحيتان في البحر تستغفر لمعلم الناس الخير، فأي فضل فوق هذا؟! فنحن في غفلة عن هذا، وكل ما خلق الله تبارك وتعالى يدعو للداعي إلى الله تعالى كما في الحديث الذي ذكرناه آنفاً: (إن الله تعالى وملائكته، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون -أي: يستغفرون ويدعون- على معلم الناس الخير)، فأي فضل فوق هذا؟! ومن يزهد في مثل هذا؟!

    فالشاهد أن أعمال الدعوة هي عبادة يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى كأي عبادة أخرى، وليست دعوة إلى العصبية، أو إلى الحزبية، أو إلى العلو في الأرض والارتفاع على الآخرين، أو استجابة لداعية الهوى، إنما يعملها المسلم انقياداً لأمر وتكليف جاء من الله عز وجل في قوله تبارك وتعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، ويقول عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    كما أنه يعملها طمعاً في ثواب الله عز وجل الذي أشرنا إليه آنفاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وفي رواية: (خير لك مما طلعت عليه الشمس)، خير من أن تقتني كل ما على وجه هذه الأرض، بل كل ما طلعت عليه الشمس. وقال صلى الله عليه وسلم: (الدال على الخير كفاعله).

    إذاً: هذا هو المنطلق الصحيح الذي ينبغي أن ينطلق منه كل داعٍ إلى الله عز وجل.

    وإذا أردنا أن تتضح الصورة أكثر فبالضد تعرف الأشياء، فما هي العوامل أو الأشياء التي تقدح في الانطلاق من هذا المنطلق؟ ما هي مظاهر الانحراف عن هذا المنطلق؟ هي عدة أمور:

    أولها: هيجان الرغبات النفسية والشخصية، وقيام حجاب الأنانية، وحب الذات فيمن يسير على هذا الطريق، وهذا علاجه أن يديم الإنسان ذكر الله عز وجل بقلب حاضر، ويكون كما قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، وقوله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    ومن مظاهر الانحراف عن هذا المنطلق: تحول هذه العبادة بمرور الزمن إلى مجرد فكرة أو مذهب سطحي يقارع به المذاهب الأخرى، دون أن يعيش في الحقيقة الإسلامية الكلية المتمثلة في قوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام:162-163].

    ومن مظاهر هذا الانحراف: التناقض بين الفكر والعمل، فبعض الناس يتذاكرون أمور الدعوة إلى الإسلام، وينفقون الساعات الطوال في مناقشة أمور الدعوة وأحوال المسلمين، وينسون في غمار حديثهم أهم الواجبات الدينية، كالقيام إلى الصلاة في أول وقتها، ثم لا يقومون إليها إلا آخر الوقت متثاقلين، أو يصلون بسرعة خاطفة شأن من يريد أن يسرع ليتخلص من عبء يلازمه.

    أن بعض الناس يسهرون الليل الطويل في مناقشة الدعوة ومشكلات المسلمين وما حدث لهم، ويظن أحدهم أنه بهذا يعمل في الدعوة للإسلام، فهذا لا بأس به، لكنه قرب الفجر بقليل ينام وقد سهر الليل الطويل ويضيع صلاة الفجر، فهذا -أيضاً- من مظاهر الانحراف، فلا ينبغي أن يناقض الفكر الذي يدعو إليه السلوك العملي الذي ينبغي أن تطبقه في نفسك.

    فهذا هو المنطلق الأول، وهو أن أعمال الدعوة تنبعث عبادة يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، لا يعملها لهوى في نفسه أو رغبة في العلو في الأرض.

    الشعور بالشفقة والرحمة على عباد الله تعالى

    المنطلق الثاني:

    أن تنبعث أعمال الدعوة من شعور غامر بالشفقة والرحمة على عباد الله أجمعين، فعليك أن تنطلق من هذا المنطلق وأن تشعر أنك رحمة للناس ولست عذاباً ينصب عليهم، وهذه الرحمة هي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن المشركين: (لو لعنتهم يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعاناً) رواه مسلم .

    بل كان صلى الله عليه وسلم يشفق شفقة كبيرة على قومه إذ لم يستجيبوا له وأعرضوا عنه، فكان يشتد به الحزن ويلم به الوجد عليهم، حتى كاد يهلك نفسه عليه الصلاة والسلام، لقد كاد أن يموت ويهلك من الحزن والحسرة عليهم أنهم لم ينجوا من عذاب الله تبارك وتعالى، حتى نزل الوحي يهون عليه أكثر من مرة انفعاله بإعراضهم عنه صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تبارك وتعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] أي: لعلك تهلك نفسك أسفاً على هؤلاء إذ لم يؤمنوا بك. وقال تبارك وتعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، وقال عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8].

    فلهذا ينبغي أن يستقر هذا المعنى في قلوبنا، وهو أن تنبعث أعمال الدعوة من شعور غامر بالرحمة لعباد الله تبارك وتعالى، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها)، فهو يريد أن ينقذ هذه الفراش من النار وهي رغم ذلك تنجذب إلى ناحية الضوء ولا تدري أن في ذلك هلاكها، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ينجي الناس من أن يقتحموا النار ويهلكوا أنفسهم في النار والحال أنهم تجذبهم الشهوات التي تورد النيران فينجذبون إلى النار وإلى ما يؤدي إلى دخول النار من الشهوات والضلالات، وهو يردهم شفقة وخوفاً عليهم، فيمسك هذا من يده وهذا من جانبه وهذا من قميصه، يريد أن ينجي من استطاع من عذاب النار، لكنهم يقاومونه رغماً عنه ويلقون بأنفسهم في جهنم، والعياذ بالله!

    فانظر كيف صور النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث صفة الرحمة، يقول تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فهو رحمة لجميع الأمم، رحمة للمسلمين الذين آمنوا به، ثم رحمة لليهود، ورحمة للنصارى، ورحمة لكل أنواع الكفرة والمشركين، حتى البهائم والحيوانات، فقد شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرحم حتى هذه العجماوات، قال صلى الله عليه وسلم: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، حتى الحيوان إذا أردت أن تذبحه فلا تعذبه بذلك.

    وقال سبحانه وتعالى في شأنه صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    إن بعض الناس يتصور أن القوة في الدين إنما تكون بالغلظة والجفاء والقسوة على خلق الله، بل والتكبر عليهم والاستعلاء ومعاملتهم بالقسوة، ولا يدري المسكين أن قلبه بيد ربه يحوله متى شاء، كما قال عز وجل: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، تبينوا فضل الله عليكم، فهو الذي هداكم، فلا تستكبر على خلق الله ولا تتعالَ على عباد الله، فأنت ليس بيدك شيء، وهذا الفضل أعطاك الله إياه وحرم هذا الشخص منه، وهو عز وجل قادر على أن يعكس الأمر فتضل أنت ويهتدي هذا الشخص، فالعبادة فضل من الله ومنة من الله تبارك وتعالى.

    وكذلك لا ينظر الإنسان إلى الناس في ذنوبهم كأنه رب يطلع عليهم وسوف يحاسبهم ويعذبهم، فإنما هو مثلهم عبد مذنب خطاء، وخير الخطائين التوابون.

    صور من رحمة الأنبياء عليهم السلام بأقوامهم

    وإذا نظرنا إلى سيرة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام نرى حقيقة هذا المعنى، معنى الخوف على الناس من عذاب الله والشفقة والرحمة بهؤلاء القوم، فمثلاً: فرعون الذي طغى وتجبر وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]، فهل هناك ذنب أعظم من أن يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] أن يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]؟! فشر الناس في زمانه كان فرعون لعنه الله، فإذا بالله تبارك وتعالى يبعث إليه رسولين هما موسى وهارون عليهما السلام، ويقول لهما: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، فإن القول اللين يكون أقرب إلى قبوله، فباستطاعتك أن تلين قلبه ويستجيب لك، فهل هذا ضعف في الدين؟ هل هذا تنازل من موسى وهارون لفرعون بلين ورفق وحكمة؟ كلا!

    إذاً ينبغي أن لا يكون هذا الفكر هو الذي يسيطر على أذهان بعض الناس، وهو أن الأصل في الدعوة الغلظة والشدة والجفاء مع الناس، بل الأصل هو الرفق، كما عليه الصلاة والسلام: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله)، وكأن كلمة (يحرم) معناها: الحرمان من شيء عظيم، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).

    ولا يعني هذا أن الداعية يقر المنكرات أو يحب أعداء الله، لكننا نخاف على خلق الله من عذاب الله، ونترفق بهم، وننوع أساليبنا في رفق ولين وحكمة حتى يستجيبوا لداعي الله تعالى.

    إن الذي يريد أن يروج بضاعته إذا أردت أن تشتري منه يترفق بك، ويلين لك القول، ويبتسم في وجهك، ومن هنا فقد تعجبك السلعة كلما كان البائع ناجحاً في عرض بضاعته وترغيب الناس فيها، وهو يدعو إلى سلعة! فكيف بالذي يدعو إلى الله ويدعو إلى الجنة؟ لا شك أنه ينبغي أن يكون تاجراً حاذقاً ماهراً حتى يوفقه الله تبارك وتعالى.

    وفي قصة نوح عليه السلام يقول الله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59]، فهل كان نوح عليه السلام يفعل نوعاً من التكتيك السياسي أو العسكري أو نحوه؟ كلا.

    يقول نوح عليه السلام: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59]، وهو صادق في هذه الكلمة عليه السلام.

    ويقول تبارك وتعالى -أيضاً- حاكياً عن نوح عليه السلام: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:61-63] قال: (لعلكم ترحمون) فهو حريص على أن يرحموا من عذاب الله عز وجل، ولكنهم شتموا نوحاً عليه السلام -كما في سورة نوح- وفعلوا به العجائب، وأعرضوا عنه أشد الإعراض، ولكن انظر إلى نبي الله نوح عليه السلام في جوابه لهم، فهو لم يغضب لنفسه، إنما أجابهم جواباً مصبوغاً بالرحمة والشفقة واللطف، قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:61-63].

    وإذا تأملنا في قصة حبيب النجار حينما دعا قومه إلى الله عز وجل سنجد ذلك المعنى، قال تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:20-25]، فقتلوه بعد هذا الخطاب العظيم، فكان مشفقاً عليهم في حياته وبعد قتله، فبعدما انتقل إلى الجنة قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    أي: لو أن قومي علموا حسن عاقبتي وما لقيت عند ربي من الإكرام والفضل العظيم لما فعلوا معي ذلك، ولما أعرضوا عن دعوة الأنبياء، ولما تركوا الاستجابة لربهم عز وجل، فأشفق على قومه في الحياة الدنيا وبعدما قتلوه.

    وأكثر ما يسبب انحراف المنحرفين عن الحق وعن اتباع الحق ما قد يشعرون به في الداعية من التعالي والأنانية وحب الانتصار للنفس أو للجماعة، فيكون رد الفعل تعالياً أشد، وأنانية أقوى، واندفاعاً أسرع إلى الانتصار للذات.

    هذا ما يتعلق بالمنطلق الثاني، وهو أن أعمال الدعوة ينبغي أن تنبعث من شعور غامر بالشفقة والرحمة على عباد الله أجمعين.

    القيام بأعباء الدعوة إلى الله من جملة التكاليف الشرعية

    المنطلق الثالث:

    اليقين بأن القيام بأعباء الدعوة واجب من جملة التكاليف التي خاطب الله بها المسلمين، بغض النظر عن النتائج والآمال، فأعباء الدعوة من البيان والحكمة والموعظة الحسنة، والتضحية في سبيل هذه الدعوة، كل هذه الأعمال هي واجب من جملة التكاليف التي خاطب الله عز وجل بها المسلمين؛ بغض النظر عن النتائج والآمال، فبعض الناس يحملون أنفسهم ما لم يكلفهم الله تعالى به؛ جلباً للنتائج، وتطلعاً إلى الغايات، وربما قفزوا ووثبوا في ظل تطلعاتهم فوق كثير من الأسباب والوسائل الواجبة عليهم مما يدخل تحت إمكانهم ويخضع لطاقاتهم مما لا نشك أن الله أوجبه علينا.

    فبعض الناس يضعون تطلعات وأهدافاً بعيدة هي ليست مستحيلة، لكنها بعيدة بالنسبة لواقع هؤلاء الدعاة، فهم يقفزون فوق هذه الأسباب حتى يصلوا إلى هذه التطلعات، ولأنها بعيدة جداً قد يسقطون في منتصف الطريق، في حين أن هناك واجبات لا يشك ولا يختلف اثنان في وجوبها على كل من ينتظم في سلك هذه الدعوة.

    فمن هذه الواجبات: تزكية المرء نفسه، أن يزكي المرء نفسه، وأن يوجه هذه الدعوة قبل كل شيء إلى نفسه قبل أن يخاطب بها الآخرين؛ لأنه لا يستقيم الظل والعود أعوج، وشواهد ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، وقال تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88] وهكذا.

    ومن ذلك أيضاً: الالتجاء الشديد إلى الله تبارك وتعالى، وكثرة ذكر الله عز وجل في الخلوات والجلوات، ومراقبة النفس، والسعي إلى تزكيتها بكل الوسائل.

    ومن تلك الواجبات التي لن يقوم بها غيرك: مراقبة الدعاة لبيوتهم، والقيام بدقة على إصلاح حال الأهل والأولاد، وإشاعة ذكر الله وعبادته بين أعضاء الأسرة، هذا واجب، فهل تنتظر غيرك ليقوم به؟! كلا! فلا بد من أن يقوم به رب البيت، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

    فإذا صدق أهل كل أسرة الإسلام واستقاموا عليه، ثم فعلوا ذلك مع أهليهم ومن يقومون عليهم يكافئهم الله تبارك وتعالى بالتمكين؛ لأن هذا اجتهاد في تغيير النفس، اجتهاد في تحقيق الشرط الذي شرطه الله تعالى فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، وقال عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55].

    وقال أيضاً: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5]، فالتمكين في الأرض مكافأة على الاستقامة على طريق الله تبارك وتعالى، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ) فهي منة من الله تعالى ومكافأة منه عزّ وجل.

    الدعوة إلى الإسلام لكونه ديناً لا لبيان أفضليته على النظم الأرضية

    ليست طبيعة دعوة الإسلام كغيرها من المذاهب والأنظمة، فأصحاب هذه المذاهب لا يعتمدون إلا على أنفسهم في تطبيقها وإشاعتها في المجتمع؛ لأنها مذاهب وضعية ابتدعوها، وهم المسئولون عنها وعن تطبيقها والتزام المجتمع بها.

    وهذا نلمسه كثيراً في الدعوات الأرضية الوضعية، أهلها هم الذين يكونون مسئولين عنها وعن تطبيقها وعن إشاعتها وعن رعايتها، وإذا ضاعوا ضاعت معهم هذه الدعوة، ونجد أنه في المقابل ينجرف كثير من المسلمين الذين يمارسون الدعوة إلى الإسلام إلى السبيل ذاته، ويسعون في الطرق والأساليب نفسها، فتراهم يتنافسون أو يتصارعون هم وأصحاب المذاهب الأخرى على طريق واحدة من الأسلوب والمعالجة والتصور، وينسون في الحقيقة أنهم ليسوا إلا دعاة إلى الله جل وعلا، للقيام بمهمة معينة تدخل في حدود طاقاتهم مقابل ما يمتن الله به عليهم من تحقيق المجتمع الإسلامي المنشود.

    وآية ذلك أنك ترى بعضهم في غمار هذا التقليد والنسيان لهويتهم لا يهتمون من الإسلام إلا بما فيه من الواجهة الاجتماعية الطهورية -على سبيل المثال- ليقارعوا به الأنظمة الأخرى.

    فمثلاً: هناك أناس يقولون: النظام الاجتماعي في الفكرة الشمولية أحسن نظاماً من الإسلام، ويذكرون محاسنه، فتجد في المقابل الذين ينتمون لهذه الدعوة يقعون في هذه الفخ، ويسلكون نفس الطريق، فيقولون: النظام الاجتماعي في الإسلام أفضل، ويتكلمون في هذا الجانب من خلال نفس هذه الزوايا الضيقة التي يعرضون منها الإسلام لمقارعة المذاهب الأخرى، وعندئذ يسقط الفرق بينهم وبين أولئك الآخرين في ميزان الله تعالى وحكمه؛ إذ لا قيمة لشيء من الأحكام والأنظمة الإسلامية إلا من حيث كونه ديناً يخضع الإنسان من خلاله لسلطان الله وألوهيته، فينبغي أن يدخلوا هذا الدين من باب العبودية لله تبارك وتعالى، لا لأن الإسلام سيحل لهم مشاكلهم الاقتصادية.

    ولا شك أن طاعة الله من بركاتها كثرة الخيرات ورفع المحن والآفات، لكن المدخل الذي ينبغي أن يدخل منه الإنسان إلى الإسلام ليس لأن في الإسلام الرفاهية، وليس لأن في الإسلام العدالة الاجتماعية، وليس لأن في الإسلام كذا وكذا من هذه الميزات الضيقة التي تمتاز بها بعض المذاهب الأرضية، فينبغي أن يدعى الناس إلى الإسلام بوصفه ديناً شاملاً لكل حياتهم، يدخلون من باب العبودية لله تبارك وتعالى، أما مقارنة الإسلام بمذهب مثل الشيوعية أو الرأسمالية أو غيرها من المذاهب الأرضية فهذا هو كما يقول الشاعر:

    ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    فهل تمدح السيف عندما تقول: إن السيف أمضى من العصا وتقارنه به؟

    فلا يقاس دين إلهي ونظام إلهي بهذه النظم الأرضية، ولا يصح أن ندخل من نفس هذه الزاوية الضيقة إلى قلوب الناس، وهذا هو السر في أن كثيراً من الناس لا يفهمون من معنى (الحكم بما أنزل الله) في نطاق الدعوة الإسلامية إلا ما يظهر منه فقط في واجهة المجتمع، ويتكون منه النظام العام، ويتبادر إلى أذهانهم أن الحكم بما أنزل الله في الحدود، وفي إقامة الشريعة، وفي الأحكام الظاهرة في المجتمع، وينسون أن هناك مسئولية واجبة عليهم بجانب الحكم بما أنزل الله في إقامة الحدود وغيرها من المجالات هي الحكم بما أنزل الله في كل ما يخصك من حياتك، وأنَّه ما من حالة تكون أنت فيها إلا ولله سبحانه وتعالى فيها حكم، فالمجلس الذي تجلسه له حكم عند الله، فهو إما واجب أو مستحب حين يكون مجلس علم وذكر، والجلوس أمام الأفلام والتلفزيون حكمه أنه حرام أو مكروه على الأقل، وهكذا كل شيء من الأفعال والتصرفات يدخل تحت حكم من الأحكام، ونومك له حكم من الأحكام، وهو أنه من المباحات، وإن أضفت إليه نية التعبد يصبح عبادة تتقرب بها إلى الله عز وجل.

    فالحكم بما أنزل الله يدخل في معاملة الإنسان نفسه وأهل بيته وأسرته وأولاده، ويدخل في علاقاته مع الآخرين، فما أكثر ما يغفل هؤلاء الناس عنه، بل قد يعرضون عنه تماماً، فترى ازدواجية في الشخصية، حيث ترى الشخص الذي يطالب بحكم الله هو الذي يضيع -مثلاً- صلاة الفجر، ولا يكون أميناً في تعاملاته، ولا يحكم بما أنزل الله في نفسه، وهو الشخص الذي لا ينكر على أهله ولا يعاتبهم بالمعروف كما أمر الله تبارك وتعالى.

    فالحكم بما أنزل الله أعم من أن يكون في الحدود وفيما يتعلق بالآخرين؛ بل هو عام لكل مسلم في نفسه وفي رعيته.

    ومع ذلك نجزئ الإسلام ونخصه بهذه الزاوية الضيقة تقليداً لغيرنا من السياسيين أو الحزبيين أو نحوهم، فالإسلام نظام شامل لكل حياة المسلم، يحكم المسلم في كل أحواله وأموره.

    وإذا نظرنا نظرة واحدة إلى مبحث الحكم في أي كتاب من كتب أصول الفقه ندرك عموم كلمة (الحكم) وكيف أنها تشمل كل حياة المسلم الفرد، والمسلمين مجتمعاً ودولة، ولا يخلو المسلم -كما ذكرنا- في شيء من تصرفاته عن حكم من الأحكام الشرعية المعروفة.

    1.   

    مصادر الدعوة إلى الله تعالى

    القرآن الكريم

    ما هي المصادر التي ننتقي منها الأساليب التي نسلكها في الدعوة إلى الله عز وجل؟

    أول هذه المصادر هو القرآن الكريم، فإن الله عز وجل فصل أخبار الرسل الكرام وما جرى لهم مع قومهم، وما قص الله علينا ذلك إلا لنستفيد منه ونتزود من معانيه، كما قال عز وجل: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120]، أي أنهم أسوة لك في ذلك، كما قال عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، فهم أسوة لك، وأنت أسوة لأمتك.

    ثم قال في آية أخرى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111]، وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، أمره بالتأسي بهم، فكيف يصبر مثلهم إن لم يعرف شيئاً من سيرتهم وآثارهم؟!

    السنة النبوية وسير السلف والاستنباطات الفقهية الدعوية

    المصدر الثاني: السنة النبوية التي حوت مادة غزيرة من أساليب الدعوة، خاصة إذا ضممنا إليها السيرة الصحيحة، فمن عرف ذلك استفاد كيف يتصرف فيما يلاقيه من مواقف؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ لأنهم كانوا أعلم من غيرهم بفقه الدعوة إلى الله عز وجل، ولما اختصهم الله به من الفضائل العظيمة.

    وكذلك استنباطات الفقهاء من الأدلة الشرعية، كما في أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد والدعوة. وكذلك التجارب التي يمر بها الإنسان وتمر بها الدعوات ينبغي الاستفادة منها، وذلك يكون في الأمور الاجتهادية، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، سواء كانت تجارب خاصة للشخص نفسه أم تجارب للآخرين.

    ولا يصح التمسك بالمذهبية في الدعوة؛ لأن المنهج الصحيح في الدعوة هو الذي يتلقى من المصادر السابقة التي أشرنا إليها، والمسلم مطالب بأن يتمسك بما يقضي به دينه.

    1.   

    ضرورة التزام المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله

    التزام النهج الصحيح هو الذي يقرب من الغاية، بخلاف غيره من المناهج الخاطئة.

    كذلك التزام النهج الصحيح وبذل الوسع فيه يعفي المسلم من المسئولية عن النتائج، يقول الله تبارك وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فإذا سلكت المسلك الصحيح احتراماً للسنن الشرعية والسنن الكونية فأنت في هذه الحالة غير مطالب بالنتائج، فإذا قدر لك البلاء في الطريق فاصبر عليه وسوف تعان عليه من الله تبارك وتعالى، أما إذا استحمق الإنسان وتصرف تصرفات تخل بالسنن الشرعية وتخل بالسنن الكونية ولا تحترمها فحينئذٍ سيقال: على نفسها جنت براقش. وهو الذي يجني العاقبة السيئة لهذه التصرفات، وبالتالي يكون محاسباً أمام الله عز وجل على تقصيره.

    فإذا سلكت المنهج الصحيح، وعرفت أن هذا هو المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله، فليس لك أن تنحرف عنه أبداً بحجة صعوبته وأنه طريق صعب، فهذا ليس عذراً، ثم هل هذا هو منهج الأنبياء أم ليس منهج الأنبياء؟ فإن كان هو منهج الأنبياء فليس لك عذر في التنكب عن هذا الصراط بحجة صعوبته، أو لأنه طريق طويل، أو لأن الناس لا يقبلون عليه ويحاربونه ويؤذون من يسلكه، أو تتعجل الغاية وتقول: أنا عجل، أريد أن أرى الثمار بسرعة، فتتعجل هذه الغاية.

    أو تنساق وراء العاطفة النبيلة والرغبة في الشهادة في سبيل الله، فتريد فقط أن تنال درجة الشهادة، فتفعل أشياء ظاناً أنها تزيد في هذه الدرجة بمجرد هذه الأماني فقط دون أن تنضبط بالضوابط الشرعية والضوابط الكونية، فأنت مسئول ومحاسب عن مشروعية العمل الذي تعمله هل يرضاه الله أم لا يرضاه الله؟

    إن بعض الناس يريد أن ينال الشهادة في سبيل الله فيقع في قتل بعض المسلمين، ويظن أن هذا هو طريق الشهادة في سبيل الله، ويترتب عليه ما يترتب من تأخير الدعوة وفتنة الناس عن دينهم، وما إلى ذلك.

    فهل مجرد هذه الرغبة الصادقة تبيح له أن يقتل مسلماً أياً كان ذلك المسلم حتى لو كان عاصياً أو فاسقاً؟!

    فينبغي الانضباط بمشروعية العمل، أن يكون الله تبارك وتعالى قد شرعه، فالخطأ لا يصير ثواباً بمجرد العاطفة النبيلة؛ لأن الوصول إلى المقصود لا يكون في السير على طريق لا يؤدي إليه، مهما كان السائر عليه جاداً حريصاً على الوصول إليه، فإنه في النهاية لن يصل إليه وإن كانت نيته صادقة في الوصول إليه.

    فالنية والعاطفة النبيلة لا تشفع لك، فلا بد من أن تتأكد أنك على الطريق الذي يؤدي إلى المقصود، وعلى الطريق الذي سلكه الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    من أمثلة ذلك: الجهاد، فإنه لم يشرع في مكة، والرسول عليه الصلاة والسلام كان مؤيداً بالوحي، وقد حصل أنه في منى طلب المسلمون أن يميلوا على المشركين ميلة واحدة فيقتلونهم، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (إني لم أؤمر بقتال)، كان تكليفاً من الله تبارك وتعالى.

    وصلح الحديبية لم تتسع له صدور كثير من المسلمين، حتى عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، ومع ذلك سماه الله عز وجل فتحاً مبيناً، وفيه نزل قوله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، مع أن كثيراً من المسلمين رأوا أن هذا إعطاء للدنية في دينهم، وأنه من التخاذل. فينبغي أن توزن الأشياء بموازين الشرع، وتنضبط بالضوابط الشرعية، بغض النظر عن أصحاب العواطف النبيلة والرغبات أو النيات الصادقة، فإذا تبينت الوسيلة الصحيحة للداعية فيجب عليه أن يسلكها، وإذا بان أن هذا هو الطريق فعليه أن لا يتأثر بالعواطف والقصود الطيبة والحماس لخدمة الإسلام؛ لأن الحماس لا بد له من وقود، ووقوده هو العلم والوعي، هذا هو الوقود الذي يمد العمل والدعوة في الحركة الصحيحة.

    الأضرار الناتجة عن الخروج عن المنهج الصحيح في الدعوة

    إذا تأملنا في الأضرار التي تنتج عن الخروج عن النهج الصحيح في الدعوة فإننا سنرى أن هذه الأضرار تقع ولو مع حسن نية أصحابها، فالخروج عن نهج الأنبياء يؤدي إلى الفشل وعدم بلوغ الغاية، حتى لو وصلها فسرعان ما يدفع عنها ويرمى بعيداً عنها.

    وأيضاً يؤدي الانحراف عن هذا المنهج إلى لحوق الأذى بالعاملين في الدعوة، وضياع جهودهم بغير طائل، وترك اللين في موضعه إلى الغلظة وإلى القسوة يؤدي إلى نفور المدعو، حتى لو كان الداعي مخلصاً، فينبغي أن يرفق ويلين مع من يدعوه، قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    لماذا يتبع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟

    ذكرنا أن الله عز وجل قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمنهج الأنبياء، فقال عز وجل بعدما ذكر جملة من الأنبياء في سورة الأنعام: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وقال عز وجل: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123]، وأرشد المؤمنين جميعاً إلى التأسي به صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وقال عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4].

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لكل المسلمين مهما اختلفت صفاتهم، أسوة حسنة للشاب المستقيم في شبابه، أسوة حسنة للمؤمن الداعية في دعوته، أسوة حسنة للزوج مع زوجته، أسوة حسنة للوالد مع أولاده في العاطفة وحسن الخلق، أسوة حسنة للمربي في تربية أصحابه، أسوة حسنة للمجاهد الشجاع، أسوة حسنة للقائد المنتصر، أسوة حسنة للسياسي الناجح، أسوة حسنة للجار الأمين، أسوة حسنة للمعاهد الوفي والحاكم المستقيم، والعالم العامل، وهذه صفات لا تجتمع أبداً في أي زعيم أو مصلح، ولهذا أمر الله عز وجل بطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة بلا قيود، فقال عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]؛ لأنه أسوة ونموذج كامل مطلقاً من كل الوجوه، وقال عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، وقال تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    أما غيره صلى الله عليه وسلم -كائناً من كان- فطاعته مشروطة بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وإنما خص الأنبياء بالأمر بالاقتداء بمنهجهم وهداهم لأمور:

    الأول: أن الأنبياء كانوا أسوة لرسولنا، ونحن أمرنا أن نأتسي برسولنا صلى الله عليه وسلم.

    الثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك والضلال والزيغ والأهواء والفسوق والعصيان، وهم أشرف الناس نسباً، وأفضلهم أخلاقاً، وأعظمهم أمانة، وأقواهم حجة، يقول الله تبارك وتعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]، ويقول في موسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41].

    الثالث: لأن جميع الأنبياء كانوا دعاة إلى نفس هذه الدعوة، وهي الإسلام، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    الرابع: جميع الأنبياء كانوا منتمين إلى حزب واحد هو حزب الله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]، فكان بين الأنبياء ولاء أقوى بكثير من أي ولاء يكون بين حزب من الأحزاب، فبعضهم أشياع لبعضهم، وهم فيما بينهم ونصراء، وكذلك كل المؤمنين الذين يسلكون نفس هذا السبيل، يقول الله تبارك وتعالى بعدما حكى قصة نوح عليه السلام: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات:83]، أي: من أنصاره وأهل حزبه.

    الخامس: لأن منهج الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام هو المنهج الوحيد الكفيل بإعادة الخلافة -بإذن الله تبارك وتعالى- على منهاج النبوة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر المراحل التي سوف تمر بها هذه الأمة ختمها بقوله عليه الصلاة والسلام: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، فبعد الانحدار والضعف والضياع الذي تمر به الأمة تعود خلافة لا على أي منهاج، وإنما المنهج الوحيد الذي يعيد الخلافة هو منهاج النبوة، الذي أوضحه الله في قوله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، وقال تبارك وتعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، فمنهاج النبوة هو منهاج الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، وهي الطائفة المنصورة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، وهذه الطائفة هم أهل السنة والجماعة، فالذي يمثل منهاج النبوة هو هذه الطائفة المنصورة التي تتمسك بالكتاب والسنة.

    1.   

    أهل السنة والجماعة

    مفهوم السنة

    السنة: هي الطريقة أو السيرة، حميدة كانت أو ذميمة، ومن استعمال السنة لهذا المعنى اللغوي العام قوله عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة ... ومن سن في الإسلام سنة سيئة)، وتطلق السنة ويراد بها السيرة الحميدة المستقيمة، يقال: فلان من أهل السنة، أي: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة.

    أما في الشرع فتطلق السنة على عدة معان:

    منها: أنها تطلق على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعند المحدثين: هي ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وعند الفقهاء: السنة ما ليس بواجب. أي: طلب فعله طلباً غير جازم، بحيث يثاب فاعله ولا يأثم تاركه، وتسمى: الإحسان، والنافلة، والندب، والمستحب، والسنة، هذا عند الفقهاء.

    وتطلق -أيضاً- على ما يقابل البدعة، كما قال الحافظ ابن حزم رحمه الله: وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة.

    ولا يعنينا الآن تتبع تلك الاصطلاحات، إنما الذي يعنينا أن نعرف بمصطلح السنة أو أهل السنة كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.

    يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: السنة طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات. ثم صار في عرف كثير من العلماء من أهل الحديث وغيرهم أن السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك مسائل القدر وفضائل الصحابة رضي الله عنهم.

    وصنفوا في هذا العلم تصانيف سموها كتب السنة، وخص هذا الاصطلاح السنة بأمور العقيدة؛ لأنها أهم فقه من الدين وأهم جزء من الدين، ولذلك صنف كثير من العلماء -خاصة في القرون الأولى- مصنفات تحت اسم السنة، وليس فيها إلا مسائل الاعتقاد، كالسنة لـابن أبي عاصم والشريعة للآجري، وهكذا، وإنما قصد هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة.

    وتطلق السنة على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، مسألة من أولى بالإمامة من غيره، والكف عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من الإطلاق للسنة على بعض مسمياتها، كما يقال: تسمى الصلاة إيماناً، والطهور إيماناً، فيطلق اسم الإيمان على جزئياته، وكذلك السنة تطلق على بعض مسمياتها؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وركن أكبر، كقوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، لكن هل الحج عرفة فقط؟ أي: هل الواجب الوحيد في الحج أو الركن الوحيد هو عرفة؟ كلا، فهناك أشياء كثيرة غير وقفة عرفات، لكن المقصود أن هذا أهم أركان الحج.

    أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم في الاعتقاد، فهو الذي يميز أهل السنة عن غيرهم من أهل البدع.

    وقد كان الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، فالقرآن هو المتبوع حقيقة، فحينما نقول: أهل السنة، أو: سنة النبي عليه الصلاة والسلام نجملها بقول عائشة : (كان خلقه القرآن)، فالسنة هي المبينة لكتاب الله تبارك وتعالى، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، فالمتبوع في الحقيقة هو القرآن، لكن السنة تأتي كمذكرة تذكيرية لما في القرآن، وقد تأتي -أيضاً- بأحكام مستقلة، فمن اتبع السنة اتبع القرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية التي روي في صفتها: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهم المقصودون في رواية أخرى مفسرة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (وهم الجماعة) لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، وقال أبو شامة : حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً والمخالف له كثيراً؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.

    فلفظ السنة -كما ذكرنا- ينبئ عن اتباع القرآن في شخص رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كان خلقه القرآن، وأيضاً لفظ السنة يتناول العبادات والاعتقادات، ثم خصت بالقسم الأهم وهو العقيدة، لاسيما المسائل التي شذ فيها أهل البدع.

    فالسنة أساساً هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين معاني القرآن، ثم السنة هي طريقة الصحابة الذين مدحهم القرآن والسنة وطبقوهما تطبيقاً عملياً، ثم السنة تشمل بعد ذلك العبادات والاعتقادات، ثم خصت بالاعتقادات؛ لأنها أشد خطراً من العبادات، ومما يميز أهل السنة الاعتقادات التي شذ فيها أهل البدع عن أهل السنة، فامتاز بها أهل السنة والجماعة، مثل: السنة والشيعة؛ لأن هذا الاصطلاح يراد به التمييز بين موقف كلا الفريقين من الصحابة ومن الأئمة.

    مفهوم الجماعة

    كذلك نجد لفظ الجماعة يعني موافقة الحق على وجه العموم، كما قال ابن مسعود : (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، ثم نجد أن كلمة الجماعة خصت -أيضاً- بمسائل العقيدة التي انحرف فيها المبتدعة، فمن ذلك -مثلاً- قول أبي حنيفة رحمه الله: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعلياً وعثمان ، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكفر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول: لا إله إلا الله وخلف من يقول: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين .. إلخ.

    فذكر أشياء اختص بها أهل السنة دون أهل البدع، رغم أن السنة ليست فقط هذه الأشياء، والعقيدة ليست فقط هذه الأشياء، لكنه ذكر أهم الأشياء التي تميز أهل السنة عن أهل البدع الذين كان يتكلم في شأنهم، فيقول: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً. لماذا؟ لأن أهل البدع خالفوا في ذلك، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله، وذلك لأن هؤلاء خالفوا في ذلك، فيراد بكلمة الجماعة أحياناً التميز العقائدي عن أهل البدع في بعض هذه القضايا الخاصة.

    وكما عرف الإمام أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -أيضاً- يجعل الالتزام بمصادر التلقي عند أهل السنة هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة وبين من عداهم، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية : فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة. فهنا نظر شيخ الإسلام من زاوية أخرى، وهي الالتزام بمصادر التلقي المعتبرة عند أهل السنة والتي يهدرها غيرهم من المبتدعة، ويقول شيخ الإسلام : فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وهم يَزنُون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال مما له تعلق بالدين.

    ولما كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم وجدنا من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على إمام، ومنه ما جاء في الحديث: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، ومنه ما رواه الطبري بسنده أن عمر بن حريث سأل سعيد بن زيد فقال: فمتى بويع أبو بكر ؟ قال: (يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة)، فهنا جاء التعبير عن الجماعة بالوحدة السياسية واجتماع المسلمين على الخليفة أو أمير المؤمنين.

    ومن أصول أهل السنة الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق والتنازع، روى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة) وقوله: (فإني أكره الاختلاف) أي: الخلاف الذي يؤدي إلى النزاع والفرقة(حتى يكون الناس جماعة) وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لـمعاوية رضي الله عنهما عن الخلافة سمي بعام الجماعة، لاجتماع الناس وانقطاع الحرب.

    سبب تسمية أهل السنة بالجماعة

    أما سبب تسمية أهل السنة بالجماعة فيقول الإمام عبد القاهر البغدادي رحمه الله: إن أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير، فهم -إذاً- أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض، كالخوارج والروافض والقدرية، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً، وهذه علامة بارزة جداً للفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، فتجد أن الفرقة الواحدة قد تتشعب منها عشر فرق، وكل فرقة تكفر الأخرى وتلعنها، وتوجب التبرؤ منها، وأن من لم يتبرأ منها فهو كافر، وهذه من أعظم المميزات لأهل البدع عن أهل الحق والسنة، فأهل السنة مهما اختلفوا فإنهم ما داموا محافظين على الضوابط الشرعية -لا يكفر بعضهم بعضاً، ولا يوجب بعضهم التبري من بعض.

    وخلاصة القول أن الجماعة تعني الحق من الاعتقاد، أو أصحاب الاعتقاد الحق، وقد يعبر عن معنى الجماعة بأصل من أصولها، كما قال بعضهم: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر. وهذا أصل من أصول الجماعة فقط، وإلا فهي تعني كل مسائل العقيدة وإطلاقها على الاعتقاد الحق، كقولهم: الشذوذ عن الإجماع يعتبر مفارقة للجماعة. كمن شذ عن الجماعة وأباح الغناء مثلاً، فهذا يعتبر شذوذاً وخروجاً عن الجماعة، أي: خروجاً عن الاعتقاد الحق.

    العلاقة بين السنة والجماعة

    السنة تطلق على الاعتقاد الحق، وعلى أهل الاعتقاد الحق، وقد تطلق السنة على جزئي من جزئيات هذا الاعتقاد، وكذلك كلمة الجماعة تطلق على أهل الاعتقاد الحق أو الاعتقاد الحق أيضاً مثل السنة، وقد يعبر بالجماعة عن أصل من أصولها، فالكلمتان تماماً مثل الإيمان والإسلام، أو الفقير والمسكين، فلفظ السنة والجماعة إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أتت إحدى الكلمتين منفردة في نص شملت المعنيين، شملت الاعتقاد الحق وأهل الاعتقاد الحق، لكن إذا اجتمعتا فقلت: أهل السنة والجماعة فإنهما تفترقان في المعنى، فتصبح السنة عبارة عن الاعتقاد الحق، والجماعة عبارة عن أهل الاعتقاد الحق، فيصير لكل واحد منهما معنى يخصه، فيصير معنى السنة: طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الاعتقاد الحق، أو الاتجاه الحق في مسائل الاعتقاد وغيرها، أما الجماعة فهم أصحاب ذلك الاعتقاد أو المنهج الصحيح.

    اختصاص اسم أهل السنة بأهل السنة دون غيرهم

    لشيوع هذا المصطلح ووضوحه صار لا يطلق على كثير من أصحاب المقالات، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله: ما هي السنة؟ قال: هي ما لا اسم له سوى السنة. أي: الطائفة الذين ليس لهم اسم غير السنة، أو المنهج الذي ليس له اسم غير السنة، ثم تلا قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن أهل السنة قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي. فأهل السنة لا ينتمون إلى أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأهل السنة غير محتاجين إلى اسم، فالذي يحتاج إلى اسم هو الذي يشذ عن الأصل، وهو الذي يعرف باسم رافضي، أو جهمي، أو قدري، أو جبري، وهكذا، فالذي يدعى بلقب معين هو الذي طرأ على الأصل، أما الأصل فلا يميز باسم؛ لأنه لم ينشق عن غيره، وإنما انشق عنه مخالفوه، فأهل السنة هم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والمخالف هو الذي سرعان ما يشتهر ببدعة حينما يتنكب السبيل، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، وإنما الذي يحتاج لاسم ومدلول هو الفرع المنشق، وأهل السنة هم أصحاب الطريقة الوسط، السائرون على الصراط المستقيم، المخالفون لأهل البدع.

    نشأة اسم أهل السنة والجماعة

    قد يتبادر إلى الذهن أن هذا أمر ليس له أهمية كبيرة، لكن حينما نتأمل الخبط الذي يحصل من بعض أعداء أهل السنة والجماعة نحس بخطر الكلام عن هذا الأمر، فمسألة ابتداء التسمية بذلك بحث له أهمية كبرى؛ لأن بعض الناس يتحدثون عن مذهب السنة وكأنه فرقة أو طائفة في الإسلام كسائر الفرق.

    فنحن الآن نناقش نشأة الاسم، وليس المسمى وهو مذهب أهله، وذلك لأن هذا هو الإسلام، فالسنة والجماعة هو الإسلام الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فلو قيل: متى تأسس المنهج السلفي؟

    قلنا: يوم نزل جبريل على رسول الله عليه الصلاة والسلام في غار حراء وقال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] هذه هي بداية التاريخ، وإن شئت فعد به إلى إبراهيم، وإن شئت فعد به إلى نوح وإلى آدم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالمذهب قائم، وهو الأصل بلا شك، لكن متى اشتهرت هذه التسمية؟

    إن الكثير من الناس في هذا الزمان يحلو لهم الكلام على السنة كما يتحدثون عن أي فرقة أخرى، ويقولون: نشأت في كذا وكذا، أو: في القرن كذا. وكأنها فرقة من الفرق لها بداية زمنية محددة.

    فمثلاً: هذا زكي نجيب محفوظ ، الفيلسوف الهرم الذي أفنى حياته في الصد عن سبيل الله تبارك وتعالى يدعي أن السنة فرقة أو طائفة طرأت في التاريخ، وليست هي الأصل والجذر لهذا الدين، وهناك الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (إسلام بلا مذاهب)، يتحدث عن السنة ويقول: إن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة متأخرة، يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجري يعني: بعد الإمام أحمد -وهذا كلامه- بأربعة قرون. ولعله قال ذلك ليشير إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ، كما يحلو لكثير من الناس ادعاء أن هذا المنهج تأسس في القرن السابع، ثم أحياه الوهابيون بعد ذلك في القرن الثاني عشر.

    وهذا من التضليل ومن المجازفة.

    وبعض الناس ينسبون المذهب إلى الإمام أحمد فيقولون: إن أهل السنة هؤلاء أسس مذهبهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-/ وبعضهم ينسبون بداية المذهب إلى أبي الحسن الأشعري ، وهؤلاء قد أخطئوا في الفهم؛ لأن السبب في بروز اسم الإمام أحمد أو الإمام أبي الحسن الأشعري رحمهم الله هو أن هؤلاء كان لهم دور تاريخي بارز جداً في الفترة التي عاشوا فيها، وتصدوا لأهل البدع الذين ضلوا في مسائل الاعتقاد، فلأجل ذلك اشتهرت تسميتهم واقترانهم بمذهب أهل السنة، فهم ليسوا مؤسسي المذهب، فالإمام أحمد تقبل المحنة لأن إخوانه من أهل العلم كانوا قد قبضوا وتوفوا، كالإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فهؤلاء لم يدركوا المحنة، وأدركها الإمام أحمد ، فانتصر هو ودافع عن السنة ودافع عن العقيدة أمام أهل البدع، وابتلي في ذلك، واشتهر حتى اقترن به اسم المذهب، لكنه ليس هو مؤسس المذهب.

    وإذا ألغينا ابن تيمية من التاريخ الإسلامي تماماً فهل سيضيع مذهب أهل السنة والجماعة؟ لن يضيع، فـابن تيمية نفض التراب عنه فقط، ذكر الناس به بعدما فرضت عليهم السياسة مذهب الأشاعرة وأنستهم مذهب أهل السنة، وكانوا يضطهدون أهل السنة، فـابن تيمية نفض الغبار فقط ليعود المعدن الأصيل نقياً صافياً بلا شوائب ولا معكرات.

    وتجد أن الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة نهج أصحابها نفس المنهج، حيث يتكلمون عن منهج أهل السنة والجماعة أو المنهج السلفي على أنه شيء طرأ على التاريخ الإسلامي، وليس هو أصل دين الإسلام الذي ربى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تبارك وتعالى عنهم.

    وقد حاول بعض الناس -أيضاً- أن يدعو إلى التقريب بين السنة والشيعة، فألف كتاباً سماه (لا سنة ولا شيعة) ومعنى ذلك أنه لا دين ولا إسلام؛ لأنه يريد التقريب فيظن أن السنة مذهب، والشيعة مذهب فقال: لا سنة ولا شيعة. كلا! كيف لا سنة والسنة هي الدين الصحيح؟!

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وطريقتهم -أي: طريقة أهل السنة- هي دين الإسلام، لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة.

    إذاً حصل التمييز بالاسم، فالأصل هو اسم الإسلام، لكن حصل التمييز باسم أهل السنة والجماعة لما ظهر أهل البدع والانحراف، لكن المنهج موجود وهو دين الإسلام، فمنهج أهل السنة والجماعة هو دين الإسلام الصحيح الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فحصل التمييز بالاسم لما حدث الافتراق الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه، كخروج الخوارج والشيعة ونحوهم.

    يقول الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله: إن أهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.

    والإمام عبد الله بن محمد بن حبان توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، والإمام أبو ذر الهروي توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وكل منهما له كتاب اسمه: (السنة)، فكانوا يصنفون كتباً في العقيدة تحت اسم السنة؛ لشيوع هذا المصطلح في زمانهم.

    قال: ومحمد بن سيرين توفي سنة عشر ومائة من الهجرة، يقول: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.

    إذاً هذا ابن سيرين في بداية القرن الثاني وأواخر القرن الأول يقول: فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم.

    فكان هناك تمييز بين أهل السنة وبين أهل البدع في أواخر القرن الأول، فهذا كان هو الاصطلاح السائد قبل أن يخلق أبو حنيفة ومالك والأشعري وأحمد والشافعي وابن تيمية ، وغيرهم من أئمة الإسلام.

    وفي رسالة المأمون العباسي إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي -وكان كتب تقريراً في الإمام أحمد بن حنبل - يقول: نسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة. فهذه كلها تشير إلى أن المنهج لا يسأل عن ابتدائه، لكن شاع استعمال كلمة أهل السنة حينما تفرقت الأمة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.