إسلام ويب

آداب الاستئذان [2]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع بميزات كثيرة، منها: أنها أوجبت الاستئذان لمن أراد أن يدخل بيت غيره، وحرمت عليه أن يطلع على بيوت غيره بدون إذن أهلها، وشرعت كذلك الاستئذان في داخل البيت نفسه، كالاستئذان على الأم والأخت والأبناء البالغين، ومن كمالها وسموها أن شرعت الاستئذان للأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أوقات معينة، وأجازت دخول بعض البيوت بدون إذن في حالات مخصوصة، وكل ذلك لحكَم عظيمة، ومقاصد سامية، قصر عن معرفتها كثير من الناس.

    1.   

    اليهود وما يقترفونه من جرائم ضد المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    لا شك أننا لا نستطيع أن ننفصل عن الواقع الذي يمسنا في أخص خصائصنا وهو عقيدتنا وديننا، فما حصل في الفترات الأخيرة من عدوان اليهود -لعنهم الله- على إخواننا المسلمين في فلسطين، لاشك أنه يحزن كل مؤمن، ومن لم يعتصر قلبه مرارة وغيظاً على أعداء الله فليراجع إيمانه، وليشك في إسلامه، فإن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

    إرادة اليهود تخدير المسلمين وإضعافهم معنوياً

    وهذه المشكلة ليست في الحقيقة لب المشكلة؛ بل لب المشكلة هو أن موضوع غزة وأريحا والأشياء التي فعلوها قبل ذلك كانت عملية البدء بالأسهل فالأصعب، أو الترقي من الأسهل فما فوقه، على أساس أن تكون هناك فترة يحصل فيها ترويض لمشاعر المسلمين، ومحاولة لإعدام الحساسية عندهم، خاصة الحساسية العقدية، وذلك عن طريق إضعاف المناعة في الأمة كما هو معلوم.

    واليهود في كل أحوالهم ينطلقون من عقيدة راسخة، فاسم دولتهم اسم ديني وهو: (إسرائيل)، ودستور الدولة اليهودية هو التوراة، وليس لهم دستور كأي دولة في العالم، وكل منطلقاتهم تنطلق من عقيدة، هذه العقيدة هي: أنه لا حظ للمسلمين في القدس، وقد قال بن غوريون وهو يصيغ هذه العقيدة في كلمة مركزة له، قال: إنه لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل. فنحن نتكلم وبعض الناس يتعامل مع المشكلة وكأنهم في حالة تخدير، أو مغيبون تماماً عن الوعي، مع أن هذه حقائق صارخة، فاليهود أعدوا الخطط لهدم المسجد الأقصى، نموذج الهيكل الذي ينوون إعادة بنائه موجود، وما حصل من السفاح المجرم شارون في صبرى وشاتيلا وغيرها هو في الحقيقة عملية مقصودة؛ لأنها نوع من اختبار الحساسية، مثلما يفعل مع من يستحق البنسلين مثلاً، فإنه يعمل له أولاً اختبار حساسية ليرى رد فعل الجسم كيف سيكون، ونفس الشيء هنا؛ لأنهم يظنون أن الوقت قد اقترب لإعادة بناء الهيكل، وذلك لن يكون إلا بعد هدم المسجد الأقصى، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يمكنهم من ذلك، فهذا اختبار حساسية ليروا نتائج ما تمخض عنه ترويض المسلمين في خلال تلك السنوات الماضية، فشاء الله سبحانه وتعالى أن يعرف العالم كله أن هذه الأمة ولو هزمت، أو تخاذلت جيوشها، فإنها لا تهزم روحها، ولا يهزم إيمانها على الإطلاق.

    وهذه الأحداث وما فيها من مآسٍ ومرارة وإجرام يهودي لا تستغرب من أمثال اليهود، فقد حصل بالأمس أو صباح اليوم أن خطف جنود اليهود واحداً من إحدى المدن الفلسطينية، وأخذوا يعذبونه ويحرقون السجائر في جسده بعد الضرب والركل، وأحرقوا عينيه وأجزاء أخرى من بدنه إلى أن استشهد رحمه الله تعالى، ثم رموه بعد ذلك، وهذه وحشية ليس لها مثال، وهذا شيء لا يستنكر من اليهود أعداء البشرية كلها، وقد قال فيهم هتلر : أنا أبدت نصف اليهود، وتركت النصف الباقي حتى تعرف البشرية لماذا قتلت النصف الأول. أي: حتى يذوق الناس أخلاق اليهود، وطبائع اليهود، ولؤم اليهود ومكرهم.

    ولكن جميع محاولات إضعاف المناعة في الأمة المسلمة باءت بالفشل، وكل المحاولات التي جرت في هذه الفترات الأخيرة تبخرت وتلاشت كالفقاقيع، وهذا أسلوب معروف، فإن الأطباء عندما يريدون أن يزرعوا جسماً أجنبياً في داخل جسم المريض، فلابد قبل الزراعة أن يعطوا المريض أدوية تضعف المناعة، بحيث يكون الجسم مهيأ لقبول ذلك الجسم الغريب إذا زرع فيه ولا يرفضه، وكذلك أيضاً عملية الغزو الفكري للمسلمين، وترويض المسلمين، وتخدير المسلمين، وتزييف التاريخ، والحملات الإعلامية، وتسليط الشهوات والشبهات على الشباب المسلم، وتخويف الناس من التدين، والصد عن سبيل الله، وكل هذه الصور تصب في مجرى واحد وهو: إضعاف المناعة عندهم؛ حتى يسهل لليهود بعد ذلك أن يركبونا كالحمير، كما ينصون على ذلك في تلمودهم: إن البشر لم يخلقوا إلا ليركبهم اليهود كالحمير، وهذا في التلمود أحد كتبهم التي يقدسونها، والتي ينطلقون منها، فذهاب هذا الخبيث السفاح المجرم النجس حتى يدنس المسجد الأقصى، إنما هو محاولة لاختبار ما سيفعله المسلمون، وهنا تنبيه وهو: أن المسجد الأقصى ليس هو قبة الصخرة، ولا الجزء الصغير المبني، بل كل هذه الساحة هي المسجد الأقصى.

    التعاون النصراني الصليبي مع اليهود

    هناك نوع من التوحد النصراني الصليبي في مسألة مساندة اليهود، وبيان ذلك: أن كل الملل الثلاث ينتظرون قادمين سوف يأتي بهم الله تعالى، وهذا من سنن الله الكونية القدرية، فاليهود ينتظرون مجيء المسيح كما يزعمون، وفي الحقيقة هم ينتظرون المسيح، ولكن المسيح الدجال الذي سيؤمن به اليهود ويتبعونه.

    وأيضاً النصارى ينتظرون المجيء الثاني للمسيح، وذلك بصفته إلهاً، فالمسيح الذي جاء أولاً ثم رفع إلى السماء هم يعتقدون بمجيئه مرة ثانية، وهم مجتمعون على أنه لا يمكن أن يعود أو يحصل هذا الأمر إلا إذا حكمت إسرائيل واستولت على القدس، فهذه قضية عقدية، وبعض رؤساء أمريكا كانوا يتبنون هذه القضية بمنتهى الحماس، ومنهم ريجن وغيره، فهذه أرضية مشتركة بين اليهود والنصارى، وهذا سر توحدهم في هذا الباب.

    والمسلمون أيضاً ينتظرون مجيء المهدي، وينتظرون أيضاً نزول المسيح عليه السلام، وهو يحكم بالقرآن عند نزوله، وينتظرون أيضاً المسيح الدجال، الذي سيقاتلونه، وسينضم إليه اليهود كما هو معلوم، فالعقيدة متداخلة، ولا مناص من أن تكون الحرب في النهاية حرباً دينية كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وكما يخبرنا أيضاً الواقع.

    فشل الأعداء في محاولة إضعاف معنويات المسلمين

    إن كل ما حصل من محاولة ترويض المسلمين، وتقليم أظافرهم قد تلاشى، وظهر أنه ليس له أي أثر، وأظهر أن الأمة ما زالت حية، وما زالت تنبض، وما زالت تحس، رغم كل ما دبر تجاه عقيدتها وإسلامها، فالمسلمون لن ييأسوا، فقد حرر المسلمون القدس بعد مائة سنة تقريباً من احتلال الصليبيين له، والسنوات هي لحظات في عمر الدعوات.

    والدرس الذي نستخلصه من الأحداث التي نعيشها هو: أن تكلفة الكرامة أرخص بكثير جداً من تكلفة الذل؛ بل إن الذي يذل مرة لا يحصد شيئاً بعد ذلك، فهي مكاسب وقتية سرعان ما تزول، لكن تكلفة الكرامة والعزة والإباء أرخص بكثير، وما الأفغان عنا ببعيد، وما الشيشان عنا ببعيد، وما هؤلاء المساكين المدنيون العزّل الذين لا سلاح لهم عنا ببعيد، والناس يتكلمون على أن إسرائيل لم تعلن حرباً الآن! فنقول: وما الذي يفعله اليهود أعداء الله الآن؟ أليست حرباً؟! إنها حرب، وفوق ذلك هي حرب ليس فيها أي قدر من التكافؤ، وهذه دناءة وخسة ونذالة، وكما قال بعض الصحفيين: إن طفلاً فلسطينياً خاطب جندياً يهودياً مدججاً بالسلاح قائلاً له: لو كنت رجلاً فاترك السلاح وتعال صارعني، يقول: ففزع اليهودي من هذا الكلام، وهم في حالة معاناة نفسية شديدة جداً من هذا الاستبسال وهذه التضحية، مع عدم وجود أي قدر من التكافؤ على الإطلاق، فهذا جيش مدجج بالسلاح وبأحدث الأسلحة، ويضربونهم بالطيران والقاذفات والصواريخ، وهؤلاء ما يملكون سوى أن يفتحوا صدورهم للموت!

    إن الأغبياء من أعداء الإسلام لم يفقهوا حتى الآن حقيقة نفسية المؤمن، وحقيقة نفسية المسلم، وقد أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام بدائنا، فأخبرنا بدوائنا، ثم أخبرنا بالداء حينما قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير) فنحن الآن زيادة على المليار (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا.. وكراهية الموت)، وهذا هو لب القضية: (حب الدنيا وكراهية الموت).

    إنَّ المؤمن يشتغل بعمارة الآخرة وإن خرب الدنيا، فحينما يأتيه خبر الصادق المصدوق في القرآن وفي السنة بأنه إذا استشهد في سبيل الله يدخل الجنة، ويغفر له عند أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج بسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه.. إلى آخر هذه الميزات العظيمة التي يجنيها الشهيد، وهو موقن أنها انتقال من حياة إلى حياة، فهو يرتفع شهيداً ولا يسقط شهيداً، إنما يرتفع إلى السماء وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا [آل عمران:169]، فهذا هو مفتاح شخصية المجاهد المسلم المؤمن الذي لا يكره الموت، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.

    وتفسير كل ما يحصل هو: أن اليهود أعداء الله، وهم الأمة الغضبية التي غضب الله سبحانه وتعالى عليها، وكتب عليها الشقاء، فهم لا يتمنون الموت كما أخبر الله عنهم: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة:96]، وهذا التفسير ليس صعباً لمن فقه عقيدة المسلمين، وقال الله تبارك وتعالى أيضاً عنهم: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة:95]، وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا [الجمعة:7]، فهم لا يمكن أن يتمنوا الموت، وهذه هي عقيدة اليهود، ولا شك أنهم أقوى من المسلمين بكثير وبمراحل في السلاح وفي القوة المادية، أما من حيث العقيدة فهم قوم كتب الله عليهم الشقاء والذل والصغار، فأما المؤمنون فقد شخص لهم الرسول عليه الصلاة والسلام الداء بقوله: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وقد شخص الدواء بعض الخلفاء حينما قال لبعض المجاهدين: احرص على الموت توهب لك الحياة. وكما قال خالد رضي الله عنه وهو يقاتل أعداء الله: (جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة).

    فمن أجل هذا الفارق يحصل ما ترونه الآن من أطفال وشباب عُزَّل أمام هذا الجيش المدجج بالسلاح، هذا التحدي يثير استغراب العالم كله: أناس مستضعفون مقابل هذه القوة الغاشمة المجرمة الظالمة، ومع التخاذل المخزي من المسلمين الذين هم في أوضاع أحسن بكثير من أوضاع هؤلاء، ومع ذلك يثبت هؤلاء هذا الثبات.

    الجهاد هو الحل

    إن المشكلة لا يمكن أن تحل سلمياً كما يقولون، ولن يحظى المسلمون أبداً بما يسمونه بالسلام العادل والدائم.. إلخ، فهذا لا يمكن، وليس هذا رجماً بالغيب، وإنما هو انطلاق من قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] أي: وإن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى تسليط عباد لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، فهذا وعد الله سبحانه وتعالى، وهو سنة ماضية، فكلما عاد اليهود للإفساد سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة كما أخبر الله عز وجل، وهذا هو الواقع مهما كانوا في قوة ومنعة وأسلحة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى إن اليهودي ليختبئ وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)، والغريب أن اليهود يعرفون هذا الحديث، ومن ثم فإنهم يستكثرون من زراعة شجر الغرقد.

    فانظر إلى هذه الموالاة، حتى الحجر والشجر يوالي المسلم، ويوالي من يرفع راية التوحيد.

    إن اليهود يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى؛ ليقيموا هيكل سليمان على أنقاضه، وسليمان عليه السلام لو كان موجوداً الآن لقاتل اليهود الذين ينتسبون إليه مع المسلمين، فإن هذه الشرائع التي كان عليها سليمان وموسى وعيسى وجميع الأنبياء قد نسخت، ولم تعد توصل إلى الجنة، وسُدّت هذه الأبواب ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ونسخت جميع الشرائع السابقة.

    فلب القضية وجوهرها عقيدة، فالمفروض على المسلمين أن ينطلقوا من هذا المنطلق، فهؤلاء كفار يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى ويقيموا الهيكل، وهذا دين قد نسخ، وما هم عليه أيضاً دين باطل؛ لأنهم لم يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فمهما طال الليل فلا بد أن يحصل فرج وتنفيس بإذن الله تبارك وتعالى، وما يظن أبداً بهذه الأمة أنها تموت، ولا يمكن ذلك، فقد تهزم ولكن لا تفنى، وإذا كان ديجول الرجل الكافر يقول لأمته بعد الحرب العالمية: لقد خسرت فرنسا معركة ولم تخسر حرباً. يعني: أن الأمر سجال، فيوم لك ويوم عليك، وأما العاقبة فإنها للتقوى، كما قال الله تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128]، فالنهاية لا بد أن تكون للتقوى وللمتقين.

    وأقل شيء أن نجتهد في الدعاء لإخواننا، وأن ننحاز دائماً، وننصح كل من يختار الحزب الآخر أن يعود من جديد إلى حزب الله عز وجل، كما قال الله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56]، وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]، فهذه سنة لن تتبدل ولن تتغير، ولكن المنافقين لا يفقهون ولا يعلمون، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر إخواننا، وأن يذل اليهود وينكس راياتهم، وأن يعلي كلمة التوحيد في ربوع الأرض كلها.

    1.   

    حرمة النظر والتطلع في بيوت الغير بدون علمهم

    دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يحرم على المستأذن أن ينظر في بيوت الغير على حين غفلة منهم، ومن دون أن يتنبهوا لوجوده، فيحتاطوا لذلك، وحينما نقول: يحرم أن ينظر الإنسان في بيوت الغير بدون إذن منهم، نعني بذلك النظر من خلال باب مفتوح أو غيره؛ لأننا قلنا: إن كان الباب مفتوحاً فإن الشرع قد أغلقه بتحريم النظر فيه، حتى يفتحه الإذن من صاحبه، فالنظر سواء كان من باب، أو جدار، أو شق في الباب، أو ثقب في الحائط، أو نافذة، أو كوة، أو فروج في بيت شعر أو خيمة فيها فتحات، فلا يجوز لإنسان أن ينظر في بيوت الغير على حين غفلة منهم دون أن يتنبهوا لوجوده فيحتاطوا لذلك، فمن ذلك حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: اطلع رجل من حجرة في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى -مشط- يحك به رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.

    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه، وفي رواية: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص؛ لأنها عين خائنة، فهي هدر.

    وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح.

    وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرئ أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل.

    وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من ملأ عينه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق.

    وعن أبي سويد العبدي قال: أتينا ابن عمر رضي الله عنهما فجلسنا ببابه ليؤذن لنا، فأبطأ علينا الإذن، فقمت إلى جحر في الباب فجعلت أطلع فيه، ففطن بي، فلما أذن لنا جلسنا، فقال: أيكم اطلع آنفاً في داري؟ قلت: أبطأت علينا فنظرت، فلم أتعمد ذلك. أي: أنه اعتذر له عن ذلك.

    وعن مسلم بن نذير قال: استأذن رجل على حذيفة رضي الله عنه فاطلع -يعني: أنه وهو يستأذن اطلع على داخل البيت- وقال: أدخل؟ فقال حذيفة رضي الله عنه: أما عينك فقد دخلت، وأما استك فلم تدخل. وعن القعقاع بن عمرو قال: صعد الأحنف بن قيس فوق بيته فأشرف على جاره فقال: سوءة سوءة، -أي: أنه لم يتعمد النظر- دخلت على جاري بغير إذن، لا صعدت فوق هذا البيت أبداً. وذلك تكفيراً عن هذا الشيء الذي لم يقصده.

    فلا يحل لإنسان أبداً أن يطلع من مكان عال على جيرانه الذين هم دونه، وهذا خلق من صميم أخلاق الإسلام، وقد كان من أخلاق الجاهلية، حتى إنّ عنترة الشاعر الجاهلي المعروف يفتخر قائلاً:

    وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

    ويقول مسكين الدارمي :

    ما ضر جاري إذ أجاوره ألا يكون لبيته ستر

    أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الخدر

    فرعاية حرمة الجار، وغض البصر عن عورات الجيران كان موجوداً في الجاهلية، فزادت حرمة الجار في ظل الإسلام، ونحن الآن في زمان كما قال بعض العلماء صرنا في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة. إلا من رحم الله.

    حكم من جنى على عين من يطلع إلى داره

    مسألة: إذا نظر المستأذن إلى داخل البيت قبل أن يؤذن له، فجنى صاحب البيت على عينه فهل يضمن؟ وهل عليه دية؟ وهل هناك قصاص؟

    يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن أقوى الأقوال دليلاً وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقئوا عينه التي نظر إليهم بها ليطلع على عوراتهم: أنه لا حرج عليهم في ذلك: من إثم، ولا غرم دية العين، ولا قصاص، وهذا لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه؛ ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم؛ لسقوطها عندنا؛ لمعارضتها النص الثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هذه الأحاديث: (لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) أي: ليس عليك إثم، وهذه نكرة في سياق النفي، فهي تعم رفع كل حرج أو إثم أو دية أو قصاص، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه)، فما دام حلالاً فهو لا يستلزم أي إثم أو دية أو قصاص؛ لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة.

    فهذه العين خائنة يجوز أخذها؛ لأنها هدر لا عقل فيها ولا قود ولا إثم، ومما يؤكد ذلك: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هم أن يفعل ذلك، فالأحاديث الماضية أحاديث قولية، وأما من ناحية السنة الفعلية فقد هم النبي عليه الصلاة والسلام أن يعاقب هذا الخائن الذي يتلصص ويتجسس على عورات الناس بهذه العقوبة.

    فعن أنس رضي الله عنه: (أن رجلاً اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل يختله ليطعنه) .

    وعن سهل بن سعد : (أن رجلاً اطلع من جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، وإنما جعل الإذن من قبل البصر) رواه البخاري .

    والمشقص نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، وقوله: (من جحر) الجحر: هو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط، والحجر: جمع حجرة من حجر البيت.

    يقول الشنقيطي : وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها، ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنة؛ ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها وتكون هدراً، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويله النصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه.

    فلو أنَّ أحدنا اليوم رأى رجلاً يتلصص عليه من النافذة، أو من ثقب في الباب فأخذ سيخاً -مثلاً- وفقأ به عينه الخائنة، فماذا سيفعلون به يا ترى؟

    لابد أن يكون عندنا فقه بالواقع، ومعرفة بالمواءمة بين أحكام الشرع وبين الواقع، وكونك تفقأ عينه هذا مباح في ظل الشريعة الإسلامية بما أن هذا هو الراجح من حيث الدليل، أما الآن فنحن في ظل القوانين الوضعية، وأنا لا أدري بماذا تحكم المحاكم في مثل هذا، ولكن ما أظنها تصل إلى حد إباحة أخذ هذه العين الخائنة بلا مؤاخذة، فلابد أن تضع في اعتبارك أنك لو فقأت عينه فستعاقب بمقتضى القوانين الوضعية، وإن كنت لا تأثم عند الله، ولا تستحق العقوبة، لكن من حيث الواقع لا بد أن تنظر قبل أن تخطو حتى تدرك عواقب الأمور؛ حتى لا تبقى مظلوماً من الجهتين: من جهة أن هذا الخائن نظر في بيتك بدون إذنك، وهذا ظلم وانتهاك لحرمتك، ومن جهة أنك ربما ستعاقب بصورة أو بأخرى في مقابل شيء أحله الله سبحانه وتعالى، فلا بد من أن نفقه مثل هذه الأشياء، ونضعها في اعتبارنا.

    1.   

    هل إرسال الرسول ليحضر شخصاً يعد إذناً لذلك الشخص بالدخول؟

    وهنا مسألة يتعرض لها العلماء وهي: هل إرسال الرسول ليحضر شخصاً يعد إذناً لذلك الشخص بالدخول؟ يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولاً إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا هل يكون الإرسال إليه إذناً؟ لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد؛ اكتفاء بالإرسال إليه.

    أو على القول الآخر: فلا بد من أن يستأذن إذا أتى المنزل استئذاناًً جديداً.

    فهذه مسألة مختلف فيها، وقد جاءت بعض الأحاديث تؤيد المذهب الأول، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (رسول الرجل إلى الرجل إذنه)، وقوله: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع رسول فإن ذلك له إذن).

    أما الفريق الآخر القائلون: إنه يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسِل، ولا يكتفى بإرسال الرسول، فاستدلوا بما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: (دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبناً في قدح، فقال: أبا هر! الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلوا)، الشاهد قوله: (فاستأذنوا)، مع أنه قد أرسل إليهم أبا هريرة ، ولم يكتفوا بالإرسال عن الاستئذان، ولو كان كافياً لبينه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.

    واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27] فالعموم هنا يشمل الجميع، سواء من أُرسل إليه أو من لم يرسل إليه.

    وجمع بعض العلماء بين القولين فقال: إذا طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الإذن، وإلا فلا. يعني: إذا طال الوقت بين إرسال الرسول ومجيء هذا المرسل إليه فإنه يحتاج إلى إذن جديد، وكذلك أيضاً إذا لم يطل العهد، ولكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة.

    وعلى أي الأحوال: إذا وجد مقتضى الاستئذان فلا بد من الاستئذان في مثل هذه الحالة.

    1.   

    أحكام الاستئذان داخل البيوت وآدابه

    وجوب الاستئذان على الأم والأخت والأبناء البالغين ونحوهم

    في ضوء قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) بين المحققون من العلماء: أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له، وهذا إذا بلغ الإنسان سناً صار لعورته فيها حكم، بمعنى: أنه لا يجوز الاطلاع عليها، فهذا هو الضابط في قضية الاستئذان، فمثلاً: الأطفال الصغار ليس لعورتهم حكم، أما الابن البالغ، أو البنت البالغة، أو الأخت البالغة، أو الأم، وكل من لا يحل لك النظر إلى عورته، فهذا لا بد من الاستئذان عليه، فقد ذكرنا من قبل أن الرجل إذا كانت بنته في داخل غرفة في البيت مغلقة عليها، فلابد أن يستأذن عليها، ولا يقول: أنا أبوها وهي بنتي، وكذلك الأخ لا يدخل على أخته، أو العكس، أما هذه الفوضى التي تحصل في بعض البيوت فإنها مخالفة للشرع، فإذا كان هناك شخص يحرم عليك أن تنظر إلى عورته، ففي هذه الحالة لا يحل لك أبداً أن تدخل عليه إلا باستئذان، ولا يصح أن يحتج أحد بقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور:27]، فيقول: هذا بيتي، والله تعالى إنما حرم أن يدخل الإنسان غير بيته!

    لأننا نقول له: صحيح أنه بيتك باعتبار أنك مستأجره والعقد باسمك، أو أنك تملكه، أما في حكم الشرع: فما دام أنه كان مغلقاً على شخص بهذه المثابة فهو ليس بيتك، لذلك يقول الإمام ابن عطية رحمه الله تعالى: بيت الإنسان: هو البيت الذي لا أحد معه فيه.

    فلو كان هناك رجل يعيش في بيت لوحده، ومعه المفتاح يفتح ويدخل، فليس هناك مشكلة، ولا يحتاج إلى استئذان، فبيت الإنسان هو البيت الذي لا أحد معه فيه، أو البيت الذي فيه زوجته وأمته، وما عدا هذا فليس بيتاً له.

    نعيد عبارة الإمام ابن عطية رحمه الله تعالى، يقول: بيت الإنسان هو البيت الذي لا أحد معه فيه، أو البيت الذي فيه زوجته وأمته، وما عدا هذا فهو غير بيته. انتهى كلام ابن عطية، وعليه فإن كان يسكن معه فيه إحدى محارمه كأمه أو أخته أو عمته، فلا يكون بيتاً له، ويجب عليه ما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه عند الدخول في بيت غير بيته من الاستئذان على أهله.

    وقال الشيخ أبو الحسن المنوفي رحمه الله تعالى: الاستئذان واجب وجوب الفرائض، وقد انعقد الإجماع على وجوبه، فمن تركه فهو عاصٍ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان كذلك فلا تدخل بيتاً فيه أحد حتى تستأذن ثلاثاً، سواء كان ذلك المتواجد فيه محرماً أو غيره مما لا يحل لك النظر إلى عورته.

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحلم عزله فلم يدخل عليه إلا بإذن، وهذا النص محتمل للأمرين: أن ابن عمر نفسه لا يدخل على ابنه إلا بإذن أو أن الولد لا يدخل على أبيه إلا بإذن في كل الأوقات، وقبل أن يبلغ الحلم يستأذن في الأوقات الثلاثة التي سنبينها.

    وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: يستأذن الرجل على ولده وأمه وإن كانت عجوزاً، وأخيه وأخته وأبيه. قوله: يستأذن الرجل على ولده، أي: البالغ، وكلمة (الولد) تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فكلمة (الأولاد) تشمل النوعين.

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته.

    وعن عطاء بن يسار : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال: إنها معي في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها)، وهذا مرسل جيد.

    وعن هزيل بن شرحبيل قال: سمعت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم. وعن علقمة فقال: جاء رجل إلى عبد الله قال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها.

    وعن مسلم بن نذير قال: سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن رأيت ما تكره. وفي رواية: إن لم تستأذن رأيت ما يسوءك.

    وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: إذا دخل أحدكم على والدته فليستأذن. وعن موسى بن طلحة قال: دخلت مع أبي على أمي، فدخل واتبعته فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟ فيفهم منه أن الرجل يدخل على زوجته بلا إذن، أما الابن فلا يدخل على أمه بغيراستئذان.

    وعن عطاء قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أختان في حجري -يعني: هو الذي يربيهما- وأنا أمونهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟! ثم قرأ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ [النور:58] قال: فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا في هذه العورات الثلاث، قال: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] أي: الذين مر ذكرهم في الآيات التي ذكرناها من قبل وهم الكبار، قال ابن عباس : فالإذن واجب على الناس كلهم.

    وعن ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثلاث آيات قد جحدهن الناس: قال الله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأناً! والإذن كله قد جحده الناس، فقلت له: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت على من حضرني، فأبى قال: أتحب أن تراها عريانة؟! قلت: لا، قال: فاستأذن، فراجعته أيضاً، قال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن. فقال لي سعيد بن جبير : إنك لتردد عليه!- أي ألححت في السؤال وكررت- قال: أردت أن يرخص لي.

    وجاء في (الموسوعة الفقهية): يتفق المحرمون للدخول على المحارم ونحوهم إلا باستئذان على أن حرمة الدخول على ذوات المحارم وعلى الرجال بغير استئذان أيسر من ترك الاستئذان على الأجنبيات؛ لجواز نظره إلى الشعر والصدر والساق من ذوات محارمه دون الأجنبيات.

    فهؤلاء يقولون: إن حرمة الدخول على ذوات المحارم وعلى الرجال أخف من النساء الأجنبيات.

    وقال فريق آخر بعكس ذلك، فقال ابن جريج : وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك.

    حكم استئذان الرجل على زوجته

    إذا لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته، فإن الأظهر أنه لا يجب عليه أن يستأذن عليها، وإنما يستحب للرجل إشعار زوجته بدخوله، وذلك بأي طريقة، كأن يتنحنح أو ينادي، والسلام هو الأولى وهو المطلوب، لكن يجوز ما ذكرنا، فإذا لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته فإن الأظهر أنه لا يجب عليه أن يستأذن عليها؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، وقد قلنا سابقاً: إن بيت الرجل هو البيت الذي هو فيه وحده، أو الذي فيه الزوجة أو الأمة؛ لأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ولو كان أباً أو أماً أو ابناً كما لا يخفى.

    ويدل لهذا قول موسى بن طلحة بن عبيد الله : دخلت مع أبي على أمي، فدخل فاتبعته، فدفع في صدري حتى أقعدني على استي، ثم قال: أتدخل بغير إذن؟! فنرى هنا أن طلحة -وهو زوجها- قد دخل بغير إذن.

    وعن ابن جريج قال: قلت لـعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به؛ لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.

    وأيضاً: فإنه قد يروعها، فلو كانت المرأة لوحدها ليلاً في البيت فيدخل عليها زوجها بدون استئذان فقد يروعها ويخيفها، وينتج عن ذلك ما لا يحمد عقباه، فالمفروض عليه الاستئذان حتى لا يروعها، فيندب ويستحب للرجل إيذان أهله بدخوله بنحو التنحنح وطرق النعل ونحو ذلك؛ لأنها ربما كانت على حالة لا تريد أن يراها زوجها عليها، قالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه.

    وقال أبو عبيدة : كان عبد الله -يعني: ابن مسعود - إذا دخل الدار استأنس. يعني: تكلم ورفع صوته كي يشعروا بدخوله، قال الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: ويستحب أن يحرك نعله في استئذانه عند دخوله حتى إلى بيته، قال أحمد : إذا دخل على أهله يتنحنح، وقال مهنا : سألت أحمد عن الرجل يدخل إلى منزله ينبغي له أن يستأذن؟ قال: يحرك نعله إذا دخل، وقال الميموني أنه سأل أبا عبد الله : يستأذن الرجل على أهله -يعني: زوجته- ؟ قال: ما أكره ذلك، إن استأذن ما يضره؟ قلت: زوجته وهو يراها في جميع حالاتها؟ فسكت عني.

    فهذه نصوص أحمد رحمه الله تعالى لم يستحب فيها الاستئذان على زوجته وقوله: أأدخل؟ لأنه بيته ومنزله، واستحب -إذا دخل- النحنحة، أو تحريك النعل؛ لئلا يراها على حالة لا يعجبها ولا تعجبه.

    ويقول الداخل إلى بيته ما ورد من الأذكار عند دخوله.

    هل يستأذن الرجل على مطلقته الرجعية

    المطلقة الرجعية: هي المطلقة الطلقة الأولى أو الثانية وما زالت في فترة العدة، وتقيم عنده في البيت. ففي وجوب استئذان الرجل على مطلقته الرجعية قولان مبنيان على أنه: هل يلزم من الطلاق الرجعي تحريمها على مطلقها أم لا؟ فمن قال: إنها ليست محرمة كالحنفية وبعض الحنابلة قال: لا يجب الاستئذان بل يندب، ويكون دخوله عليها كدخوله على زوجته غير المطلقة. ومن قال: إنها محرمة كالشافعية والمالكية وبعض الحنابلة قال بوجوب الاستئذان قبل الدخول عليها.

    سلام الرجل على أهله إذا دخل عليهم

    لا يجب الاستئذان عند الدخول على الزوجة، ويستحب الاستئذان، ويستحب أن يسلم الرجل على أهله إذا دخل منزله، فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله)، وهذا الحديث فيه كلام لكنه يتقوى بشواهده.

    ويروى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني! إذا دخلت على أهلك فسلم يكن سلامك بركة عليك وعلى أهل بيتك).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للإسلام صوىً ومناراً كمنارات الطريق.. إلى أن قال: وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره).

    وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة كلهم ضامن على الله:.. وفيه: ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله)، وفي بعض الروايات: (ثلاثة كلهم ضامن على الله: إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله)، ومعنى ضامن أي: صاحب الضمان، كما تقول: تامر ولابن، أي: صاحب التمر واللبن، فمعنى قوله: (ثلاثة كلهم ضامن على الله): أنه في رعاية الله، فكلمة (على) تتضمن معنى الوجوب والمحافظة، وذلك على سبيل الوعد من الله سبحانه وتعالى بأن يكلأه من الضرر في الدنيا والدين.

    وعن المقداد رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان)، وهذا من الآداب التي ينبغي أيضاً أن تراعى، فإن كان هناك أناس نائمون فلا ينبغي إزعاجهم بالأصوات، ولكن يسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان.

    وعن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا يوجبه -يعني: يوجب رد السلام- قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم.

    كراهة طروق الرجل أهله ليلاً

    يكره طروق الأهل ليلاً لمن جاء من سفر، فإذا كان الرجل مسافراً سفراً بعيداً، فلا يأتي أهله فجأة دون أن يكون قد أخبرهم من قبل، فإن كان ولا بد آتياً فليبت في المسجد، أو في مكان آخر، ولا يفاجئهم في الليل، فعن جابر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقاً)، والطروق: هو المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، يقال لكل آت بالليل: طارق، وأصل الطروق: الدق والضرب، وبذلك سميت الطريق؛ لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقاً؛ لأنه غالباً يحتاج إلى دق الباب.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً).

    وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشياً).

    وعن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم).

    ففي هذا الحديث نص على بعض الحكمة من ذلك، فربما كان مجيء الرجل على أهله بهذه الطريقة المفاجأة، وبدون سابق إعلام يدخل في نفس أهله أنه يشك فيهم، وقد يوقع في قلب زوجته أنه يسيء بها الظن.

    وأسوأ ما يفسد العلاقات -سواء بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء- المعاملة التي فيها تخوين، أو سوء ظن أو شك، خاصة أن بعض الناس يكون عندهم نوع من الوساوس الخطيرة في هذا المجال، فيعيش في ضنك، ويعيش الناس معه أيضاً في ضنك وفي عذاب، فهذه الأشياء لم يتجاهلها الشرع الشريف، وهذه إحدى الحكم من هذا الأمر، حتى الأبناء ينبغي للإنسان أن يتعامل معهم بثقة، فلا تعامل الابن دائماً على أنه متهم، وتمسكه وتفتش ثيابه، وتنظر ماذا عمل، فإن زرع عدم الثقة في نفسه قد يجعل عنده رغبة في التحدي، وأنه سيعمل ما يشاء ولن تقدر على معرفة ذلك، وهذا نوع من الصراع الداخلي ينشأ من هذا الأسلوب التربوي الذي لا داعي له؛ لأنه إذا لم يكن له سبب مبرر فلا داعي أن تلقي في روع الناس أنك تشك فيهم؛ ولذلك راعت الشريعة هذا المعنى.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم)، فتتبع العورات، والتشكك في الناس، والمعاملة على أساس الريبة؛ هذه هي التي تأتي بالفساد، والمطلوب هو العكس، فمن المفروض أن تزرع في أبنائك أنك تثق فيهم، وأنك تحترمهم، وغير ذلك، مما يزرع الثقة فيهم، وبالتالي يسمو لأن يكون على هذا المستوى من الثقة وأنه يستحقها بخلاف العكس.

    يقول الحافظ ابن حجر في حديث جابر : قوله: (إذا أطال أحدكم الغيبة) يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلاً نهاراً ويرجع ليلاً، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة؛ كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يهجم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره. أي: أن الشخص الذي يخالف هذا الأمر الشرعي، ويأتي بعد طول الغيبة بدون سابق إنذار أو إعلام غالباً ما يلقى ما يكرهه، يقول: إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله لـجابر حين قدم معه من سفر: (إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة)، وفي رواية أنه قال: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً -يعني: عشاء-؛ حتى تستحد المغيبة) أي: حتى تدخل ليلاً، والمقصود به في أول الليل، والنهي يكون عن الطروق في وسط الليل، أما لو أتى في أول الليل فإنه لا يدخل في النهي، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)، فالذي يخالف هذا الهدي النبوي غالباً ما يقع على ما يكره، إما أن يرى زوجته غير متأهبة لذلك، وإما أن يرى منها ما يحدث النفرة بينهما.

    يقول الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سبباً لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم)، فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه سيقدم في وقت كذا -مثلاً- فلا يتناوله هذا النهي، وإنما النهي فيمن يأتي بغتة في وسط الليل، أو في آخره، ففي حديث ابن عمر قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون) أي: يخبر أهل البيوت أن هذا الجيش قادم.

    قال ابن أبي جمرة : فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث.

    هل يستأذن الرجل الرجل على مطلقته الرجعية

    المطلقة الرجعية: هي المطلقة الطلقة الأولى أو الثانية وما زالت في فترة العدة، وتقيم عنده في البيت.

    ففي وجوب استئذان الرجل على مطلقته الرجعية قولان مبنيان على أنه: هل يلزم من الطلاق الرجعي تحريمها على مطلقها أم لا؟

    فمن قال: إنها ليست محرمة كالحنفية وبعض الحنابلة قال: لا يجب الاستئذان بل يندب، ويكون دخوله عليها كدخوله على زوجته غير المطلقة.

    ومن قال: إنها محرمة كالشافعية والمالكية وبعض الحنابلة قال بوجوب الاستئذان قبل الدخول عليها.

    1.   

    استئذان الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم

    ذهب الجمهور إلى وجوب أمر الصغير المميز بالاستئذان قبل الدخول في الأوقات الثلاثة، فهو أمر للآباء أن يأمروا الأبناء، لكن هل هو واجب على الأطفال الصغار؟ لا؛ لأن الطفل غير مكلف، فلا يجب عليه هذا الحكم، وإنما الواجب أن الأب يربي الطفل ويعوده على هذه الأمور، وهذا من روعة الشريعة الإسلامية، وكيف أنها لم تترك شيئاً مما يحتاجه الناس إلا وقد عالجته، لكنه يخفى على من يخفى، ويظهر لمن يظهر، فيجب على الولي أن يأمر الصغير المميز بالاستئذان، والمميز: هو الذي يقدر على أن يصف ما يراه بشدة، وكذلك يستطيع أن يميز مثلاً بين العبادة وبين اللعب.

    أما غير المميز فلا يدخل في هذا الحكم، والآية الكريمة لم تذكر قيد التمييز، وإنما هو كلام لبعض الفقهاء، وعدم وجود فيد التمييز له حكمة عظيمة جداً من الناحية النفسية؛ لأن الطفل حتى قبل سن التمييز يجب أن تحفظ عينه عن أن يرى أشياء لا يحسن أن يراها؛ لأنها قد يكون لها تأثير سيئ جداً فيما بعد، والآية المشار إليها هي قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [النور:58]، فالبالغون من الأولاد أو البنات أو الأقارب في البيت، لا بد أن يستأذنوا في أي حال من الأحوال، وكذلك ملك اليمين من العبيد والإماء، وكذلك الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، فهؤلاء أيضاً يستأذنون، لكن في ثلاثة أوقات، وهذا من تيسير الشريعة، فهم كما قال الله تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ [النور:58]، فتراهم يتحركون في البيت بكثرة، فيخدمون مثلاً في البيت، أو يأتون بأشياء، ويدخل أحدهم ويخرج ويتصرف بحريته في البيت، فالشريعة هنا راعت حاجة الناس، ويسرت عليهم في هذا الأمر، إلا في ثلاثة أوقات فلا بد أن يدرب الأولاد على عملية الاستئذان، وهذه الثلاثة الأوقات سماها الله سبحانه وتعالى ثلاث عورات، وهذه الأحكام لا يمكن أن تجدها في شريعة من الشرائع على الإطلاق سوى هذه الشريعة الإلهية الحقة: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    والتساهل في هذه الأمور له عواقب من أسوأ ما يكون، فلولا أهمية هذه المسألة ما أنزل الله فيها وحياً يتلى في المحاريب إلى أن يأتي أمر الله عز وجل.

    فيقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58]، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحلم عزله فلم يدخل عليه إلا بإذن. وقال القرطبي رحمه الله: وكان أنس بن مالك دون البلوغ، لكنه كان يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله تعالى عنهم.

    وقد جرى عرف الناس على التحفظ والتحرز في غير الأوقات الثلاثة، فلا حرج من دخول الصغار بدون إذن حينئذ، وذلك لأنهم من الطوافين الذين يكثر دخولهم وخروجهم، ولا يجد الناس بداً من ذلك؛ لأن في الاستئذان حينئذ حرجاً عند كل دخول وخروج، أما إذا بلغ الأطفال الحلم فإنهم يدخلون في حكم الأجانب، وعليهم كلما أرادوا الدخول أن يستأذنوا كما يستأذن المحارم؛ لقول الله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:59].

    فهذا التأديب الإسلامي الرفيع الراقي أمر يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بما ينشأ عن التفريط فيه من صدمات نفسية، وانحرافات سلوكية، ظانين أن الصغار قبل البلوغ لا يتنبهون لهذه المشاهد، في حين يقرر علماء التربية وعلماء النفس: أن وقوع عين الطفل على شيء من هذه العورات، أو اطلاعه على هاتيك الأحوال، قد يترتب عليه معاناة نفسية، واضطرابات سلوكية لا تحمد عقباها، فتحصل له صدمة إذا وقعت عينه على ما لا ينبغي أن يطلع عليه، فالحرمة بين الأبوين وبين الأبناء لا بد أن يحافظ عليها صيانة لهذا الجانب؛ لأن الأولاد يضعون نوعاً من القداسة للأب والأم، فالتهاون في هذه الأمور قد يخدش هذا الجانب، ويصدم الأطفال.

    فهذه الأمور تلفتنا إلى ضرورة حفظ تلك الأعين البريئة من كل ما يلوث فطرتها النقية، ويجني على صحتها النفسية، ويهدد استقامتها الخلقية، سواء في ذلك داخل البيت أو خارجه، وسواء في ذلك أوقات العورات الثلاث أو في غيرها، أي: أن هذه الآية تلفت نظرنا إلى وجوب حفظ حواس الأطفال، وحفظ عيونهم من أن يقعوا على ما لا ينبغي أن يطلعوا عليه، وليس هذا فقط في الثلاث عورات، أو في البيوت، فالمفروض حمايتهم في كل مكان، فقد يوجد التفلت والتسيب في بعض البيوت، حيث يحصل تساهل قبيح، بل إفراط مشين في كشف الأبدان والأحوال التي سماها القرآن الكريم عورات، فما دامت عورة فيجب أن تستر، ويستقبح كشفها أمام الصغار، فبعض الناس يتساهل في هذا بحجة أن الصغار لا يفهمون، ناهيك عما يعرض من مشاهد مماثلة لها في التلفاز أو غيره، فكل ذلك مما يناقض الحكم التشريعية السامية التي ترمي إلى حماية هؤلاء الأطفال من التنبيه المبكر للغرائز، وتعكير صفو الفطرة، وانحراف السلوك، وكم من حادثة مشينة كانت وليدة التقليد والمحاكاة، ونتيجة الانحراف عن هذا الأدب الإسلامي السامي.

    1.   

    الحالات التي يجوز فيها دخول البيوت بدون استئذان

    ذكرنا فيما سبق وجوب الاستئذان، وهنا نذكر أشياء تستثنى من ذلك، ولا يجب فيها الاستئذان، فهناك بيوت يمكن أن تدخل بدون استئذان، وهي كالتالي:

    أولاً: البيوت غير المسكونة التي فيها متاع للناس، فهذه يجوز دخولها من غير استئذان؛ بناء على الإذن العام بدخولها في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29]، وذلك إذا تعلق بها منفعتهم؛ كدفع الحر والبرد في الخانات والرباطات، ومثلها في هذا الوقت الفنادق، ومنفعة قضاء الحاجة في المواضع المعدة لذلك، وغير ذلك من المنافع.

    وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29] فقال قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن الحنفية : إنها البيوت التي تبنى على الطرقات يأوي إليها المسافرون، ومثلها الخانات، والخانات: جمع خان، وهو حانوت التاجر، وهي مواطن سكن مؤقتة يدخل الناس إليها دون استئذان، أما بالنسبة للفنادق: فالغرف التي فيها أناس لا يجوز دخولها، وأما صالة الفندق فيجوز دخولها؛ لأنها مكان عام، وفي الغالب فإن الغرف لا يمكن دخولها إلا إذا كانت خالية.

    وقال مجاهد : لا يسكنها أحد؛ بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل.

    وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي : إنها الدكاكين التي في الأسواق (المحلات)، وقد استظل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ظل خيمة فارسي بالسوق من المطر دون إذن منه.

    وروى سفيان عن عبد الله بن دينار قال: كان ابن عمر يستأذن في حوانيت السوق، فذكر ذلك لـعكرمة ، فقال: ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق؟!

    وليس في فعله ذلك دلالة على أنه رأى دخولها بغير إذن محظوراً، ولكنه احتاط لنفسه، وذلك مباح لكل أحد.

    وذهب ابن جرير وابن عطية إلى أنه لا يدخل الحوانيت إلا بإذن أربابها، فلا يدخل أي محل مفتوح إلا بإذن صاحبه، لكن قال الأولون: إنه لا ريب أن الحانوتي -أي: صاحب المحل، نسبة إلى الحانوت وهو المحل أو المتجر- إذا فتح متجره فهو يفتحه رغبة في دخول الزبائن، وأنه راغب في البيع، وهذا سبب كافٍ لإباحة دخول المتاجر بدون إذن، وقد تعارف الناس على ذلك.

    قال الشعبي : لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس: هلم. وقال عطاء : المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط، ففي هذا أيضاً متاع، وقال محمد بن الحنفية أيضاً: أراد تعالى بذلك دور مكة. وبين الإمام مالك رحمه الله تعالى الأصل في قول محمد بن الحنفية هذا، فقال: وتجويز محمد بن الحنفية دخول بيوت مكة بغير استئذان مبني على القول بأن بيوت مكة غير متملكة، وأن الناس فيها شركاء. يعني: بناء على أن مكة فتحت عنوة، وتعقب بأن الله سبحانه وتعالى قيد هذه البيوت المذكورة في الآية بأنها بيوت غير مسكونة، وبيوت مكة مسكونة، وأدخل جابر بن زيد في ذلك كل مكان فيه انتفاع وله فيه حاجة، وبنى المالكية ذلك على العرف فقالوا: يباح له أن يدخل بغير استئذان كل محل مطروق؛ كالمسجد، والحمام، والفندق، وبيت العالم والقاضي والطبيب، وهو المكان الذي يستقبل فيه الناس؛ لوجود الإذن العام بدخوله.

    وقد سمى الشيخ عليش هذه البيوت: بيوت ذي الإذن العام لجميع الناس، فهي بيوت مختصة بأن فيها إذناً عاماً لجميع الناس؛ كبيت الحاكم والعالم والكريم الذي يدخله عامة الناس بلا إذن خاص.

    وقال الحنفية: إن البيوت إذا لم يكن لها ساكن، وللمرء فيها منفعة، يجوز له أن يدخلها من غير استئذان؛ كالخانات والرباطات التي تكون للمارة، والخرابات التي تقضى فيها حاجة البول والغائط؛ لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29].

    وقال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص. وقال أيضاً: من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل، وجاء بالفيصل. وهذا الأسلوب رائق رائع من الإمام أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى، وكتب ابن العربي عموماً فيها هذه الأساليب البليغة، والتعبيرات الجميلة، فأنا أوصي من يريد أن يقوي لغته أن يستخرج هذه التعبيرات، ويكتبها، ويحفظها، ويستعملها، فكثيراً ما يأتي ابن العربي بعبارات رائقة ورشيقة وشائقة من الناحية اللغوية، وكما تلاحظون هنا يقول: من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل، وجاء بالفيصل. وبين أيضاً أن دخول الداخل في هذه البيوت إنما هو لما له من الانتفاع، فالطالب يدخل المدرسة للعلم، والساكن يدخل في الخان للمبيت فيه، أو لطلب من نزل لحاجته إليه، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة، وكل يؤتى على وجهه من بابه.

    إذاً: هذا هي حالة الاستثناء الأولى: أن ندخل بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لنا بدون إذن.

    الحالة الثانية: ترك الاستئذان لدخول بيت إحياء: لنفس أو مال، فقد يكون الإنسان في ظرف لو أنه انتظر حتى يستأذن فقد تفوت المصلحة، فإذا كان هناك في بيت مثلاً حريق، أو مال سيتلف، ففي هذه الحالة يقتحم البيت بغير إذن؛ إحياء للنفس أو حفظاً للمال.

    وقد أورد الحنفية عدداً من الفروع الدالة على ذلك، وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ما ذهب إليه الحنفية، إلا الحنابلة فإنهم لم يجيزوا دخول البيت إذا خيف ضياع المال إلا باستئذان أما إذا كان لدفع عدو يريد أن يزهق نفساً مسلمة فيجوز دخوله بغير استئذان؛ لما في دفع العدو من إحياء نفوس المسلمين وأموالهم.

    الحالة الثالثة: أجاز الحنفية والمالكية دخول البيت الذي يتعاطى فيه المنكر بغير استئذان بقصد تغيير المنكر، أي: لابد أن تكون نيته تغيير المنكر، وليس الدخول والاطلاع على العورات، كما إذا سمع في دار صوت المزامير والمعازف فله أن يدخل عليهم بغير إذن، وعللوا ذلك بعلتين:

    الأولى: أن الدار لما اتخذت لتعاطي المنكر فقد سقطت حرمتها، وإذا سقطت حرمتها جاز دخولها بغير إذن.

    الثانية: أن تغيير المنكر فرض، فلو شرط الإذن لتعذر التغيير.

    وهذه الحالة إذا تجاهروا بالمنكر، أما إذا لم يتجاهروا بالمنكر فلا، فمثلاً: لم تسمع مزماراً، ولم تشم رائحة الخمر، وليس هناك أي شيء يدل على وجود المنكر، فهنا لا يجوز التوصل إلى المنكر عن طريق التجسس، فشرط المنكر الذي ينكر أن يكون ظاهراً من غير تجسس، أما لو كان المنكر مختفياً فلا؛ لأنه لم يستوف شروط المنكر الذي يجب تغييره، فأحد شروط تغيير المنكر أن يكون منكراً، وأن يكون ظاهراً بغير تجسس.

    وأما الشافعية فقد كانوا أكثر تفصيلاً للأمر من الحنفية، حيث قالوا: إن المنكر إن كان مما يفوت استدراكه جاز له دخوله لمنع ذلك المنكر بغير استئذان، كما إذا أخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو خلا بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث؛ حذراً من فوات ما لا يستدرك من إزهاق روح معصوم، وانتهاك عرض محرم، وارتكاب المحظورات، أما إذا لم يفت استدراكه، كما إذا دخل معها البيت ليساومها على أجرة الزنا ثم يخرجان ليزنيا في بيت آخر، أو إذا كان مما يمكن إنكاره ورفعه بغير دخول؛ لم يحل له الدخول بغير استئذان، كما إذا سمع المحتسب أصواتاً منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم؛ أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس له أن يكشف عما سواه.