إسلام ويب

آداب الاستئذان [1]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دين الإسلام دين كامل شامل لجميع جوانب الحياة، فما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا وحذرنا منه، ومن شمولية هذا الدين أنه حرص على حرمة الإنسان في كل شيء، ومن ذلك حرمته في بيته؛ ولأجل ذلك شرع آداباً لمن أراد أن يدخل بيت غيره، وأمره بأوامر، ونهاه عن نواهٍ، وهي ما تعرف بآداب الاستئذان، فينبغي العلم بها وتطبيقها؛ للحاجة الماسة إليها في واقع الناس وحياتهم.

    1.   

    اهتمام الشريعة بتعظيم حرمة البيوت

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي دعا إلى كل خير وصلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا ند له في عظمته وكبريائه ومجده وأحديته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من بريته، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وسائر القائمين بحقوقه ونصرته.. أما بعد:

    فهذا موضوع قد ناقشناه من قبل مناقشة عابرة، والآن إن شاء الله تعالى نلخص القول فيه بحيث يتمكن من احتاج إلى الموضوع أن يرجع إليه، وهو: موضوع الأحكام التي تتعلق باحترام خصوصية الإنسان، وبعض الخصوصيات التي احترمتها الشريعة الإسلامية، والتي فاتت على كثير من الناس، وأعظم هذه الأبواب في الشريعة هو: أحكام الاستئذان، ثم يليه أمور أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى فيما بعد.

    ففيما يتعلق باحترام خصوصية بيت الإنسان وحرمته، ضمن الإسلام حق الفرد في ملك رقبة منزله، وأن يعيش فيه آمناً مطمئناً، محفوظاً من تطفل المتطفلين، وفضول الفضوليين، وعدوان الصائلين، حيث يلقي أعباء الحذر، ويتحرر من قيود التكلف، وحجر على الآخرين أن يطلعوا على ما في هذه البيوت من الخارج، أو أن يلجوها من غير إذن أربابها، وإن ولجوها بإذن أربابها فهناك قيود وضوابط تُلزمهم بغض البصر، وعدم الاطلاع على عورات البيت من داخله، ثم هناك آداب تلزمهم بأنهم إذا خرجوا وقد اطلعوا على شيء مما يختص به صاحب البيت، فلا يفشون له سراً، ولا يهتكون له ستراً، قال الله سبحانه وتعالى في سياق الامتنان على الإنسان بنعمة المسكن: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً [النحل:80]، وإنما سمي مسكناً؛ لأنه محل الارتياح والسكينة والطمأنينة والاستقرار والأمان؛ فإن الإنسان إذا أفسد عليه هذا الملجأ الأخير فإلى أين يلجأ بعد ذلك؟!

    فمن ثَم اهتمت الشريعة جداً بتعظيم حرمة البيوت باعتبارها آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهي سكن وراحة واطمئنان، فالبيت كالحرم الآمن لأهله، فلا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها، ولا يحل لأحد أن يتطفل على الحياة الخاصة للأفراد بالاستنصات، أو التجسس، أو اقتحام الدور ولو بالنظر من قريب، أو من بعيد، بمنظار أو بدونه.. إلخ.

    فالحاجة لتذكير الناس بحرمة البيوت، واحترام خصوصيات أهلها، حاجة ملحة ومتجددة، ويكفي في بيان أهمية هذا الأمر، وثقل وزنه في الشريعة أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل فيه قرآناً يتلى في المحاريب إلى ما شاء الله تعالى؛ ليحفظ هذه الحرمة، ويصون هذه الخصوصية.

    1.   

    إهمال الناس لآداب الاستئذان

    لقد تواترت شكوى أهل العلم عبر العصور من إهمال الناس لآداب الاستئذان، حتى صارت بينهم لشدة غربتها كأنها شرع منسوخ، يقول الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لم يؤمن بها أكثر الناس؛ يعني: آية الإذن. وهذا الكلام ليس على ظاهره، وإلا فمن كذب بحرف من القرآن فقد كفر، فما بالكم بمن يكذب بآية؟! فـابن عباس يريد الزجر، ويعني: أن الناس يسلكون سلوك من لم تنزل عليه هذه الآية في القرآن، فكأنهم ما سمعوها؛ لشدة هجرهم إياها، وليس الكلام على ظاهره في أن الناس لا يؤمنون بهذه الآية، وإلا لاستلزم ذلك تكفيرهم، فالمراد هنا الزجر وبيان غربة هذا الحكم.

    يقول: وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لم يؤمن بها أكثر الناس) يعني: آية الإذن (وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي). فهذا واضح في أنه يقصد قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [النور:58] ، والدليل على أنه قصد هذه الآية قوله: جاريتي، يعني: أمتي، وهي مما ملكت يمينه.

    وعن الشعبي في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ [النور:58] قال: لم تنسخ، قيل له: إن الناس لا يعملون به، قال: الله المستعان.

    وعن سعيد بن جبير قال: إن ناساً يقولون: نسخت هذه الآية، لا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون بها الناس.

    وقال الزمخشري : وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً، أو حييتم مساءً، ثم يدخل. أي: أنّ هذه كانت طريقة الاستئذان في الجاهلية، فيقول: حييتم صباحاً، إن كان في الصباح، أو حييتم مساءً، ثم يهجم على البيت ويدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل.

    يقول الزمخشري : وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد. أي: أنه شبه هذا الهجوم المباغت من الذي لا يستأذن بهجوم الدم الذي يخرج من الأنف فجأة دون سابق إنذار، وهو الرعاف.

    يقول الزمخشري : وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أين الأذن الواعية؟! انتهى كلام الزمخشري رحمه الله تعالى.

    أما في عصرنا، فمن أراد أن يعرف شدة غربة أحكام الإسلام بين الخاصة فضلاًً عن العامة، فليتأمل موقفهم من أحكام الاستئذان وآدابه، وإذا تأمل الإنسان أحكام الإسلام السامية، وآدابه الراقية في باب احترام خصوصية الناس ومراعاة حرمة بيوتهم؛ لأدرك أننا متخلفون عن الإسلام، لا عن الحضارة المادية الكافرة بالله ورسله التي لا يزال المنبهرون بها يشيدون بفضائلها المزعومة، وقد أعماهم افتتانهم بهدي الكفار عن رؤية مثالب الواقع الاجتماعي الغربي الذي يعاني من التحلل والانهيار، فما عند القوم من الشر والبلاء والانحلال أضعاف ما عندهم من الخير، وما عندهم من الخير فلدينا أضعاف أضعافه، مما يغنينا عن التطفل على موائدهم، وهو أقرب إلينا من أيدينا وهو أصلاً مأخوذ منا كما هو معلوم في مناسبات أخرى، فهذه بضاعتنا المفروض أن ترد إلينا، ولكن المستغربين لا يفقهون، وحالهم كالذي قيل فيه:

    كالعيس في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول

    1.   

    أحكام الاستئذان وآدابه

    لنبدأ في هذا البحث كمحاولة للتذكير بجملة من هذه الآداب الاجتماعية المهمة التي درست بين الناس كما يدرس وشي الثوب، فنبدأ أولاً بتعريف الاستئذان.

    معنى الاستئذان

    الاستئذان لغة: هو طلب الإذن؛ لأن السين هي سين الطلب، والإذن: من أذن بالشيء إذناً بمعنى أباحه، وعليه فإن الاستئذان: هو طلب الإباحة.

    أما شرعاً فالاستئذان: هو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن.

    قال الله سبحانه وتعالى في آية الاستئذان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، فقوله: (بيوتاً غير بيوتكم): سيأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد بيان ما هو بيت الرجل؟ لأن المقصود هنا الاستئذان في غير بيتك، فالبيت الذي تدخله بدون إذن هو البيت الذي تعيش فيه وحدك، ولا يوجد فيه غيرك، أو البيت الذي فيه زوجتك أو ما ملكت يمينك، وما عدا ذلك فليس بيتاً لك، فمثلاً: الغرفة المغلقة في البيت على بنتك أو ابنك البالغ، أو أختك، أو أمك، ليس بيتاً لك، صحيح أنك تملكه، أو أنك المستأجر وعقد الإيجار باسمك، لكن عندما نتكلم هنا في آداب الاستئذان على بيت الإنسان فالمراد المكان المغلق أمامه، إن كان يعلم أنه لا يوجد فيه أحد، أو توجد فيه زوجته أو أمته؛ فهذا هو بيته الذي لا يجب عليه أن يستأذن قبل دخوله، أما الغرفة المغلقة في داخل البيت على بنته البالغة، أو ابنه البالغ، فلا يدخلها أبداً إلا باستئذان، كما سنبين إن شاء الله تعالى.

    فالاستئذان شرعاً: طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن، والفقهاء يستعملون الاستئذان بالمعنى اللغوي فيقولون: الاستئذان لدخول البيوت، ويعنون به: طلب إباحة دخولها للمستأذن.

    تفسير معنى الاستئناس في قوله تعالى: (حتى تستأنسوا)

    يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:27]، يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وسبب هذا الإشكال: التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، فقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا)، فعبر عن الاستئذان بالاستئناس، مع أن الاستئذان والاستئناس مادتان مختلفتان، من حيث الحروف، ومن حيث المعنى.

    يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وحكى الطحاوي : أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان، وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى:

    الوجه الأول في تفسير هذه الآية: أن قوله تعالى: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش -أي: حتى تذهب الوحشة عنكم- لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، وفي حديث عمر الطويل في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه يقول: (فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فجلست) رواه البخاري في أواخر كتاب النكاح، فقوله: (أستأنس يا رسول الله؟) أي: أستأذن.

    ولما كان الاستئناس لازماً للإذن أطلق اللازم وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل.

    وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم -الذي هو الاستئناس- وأريد ملزومه -الذي هو الإذن- يصير المعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب:53]، وقال تعالى في نفس هذه الآية: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ [النور:28]، فكلمة: (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) تدل على أن المراد من قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى يؤذن لك، أو تستأذن.

    وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية والإرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن؛ لأنه يأتي بعد الإذن.

    هذا هو الوجه الأول في تفسير الآية: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تأتوا بالإذن الذي يوجب زوال الوحشة، ويحصل به الاستئناس.

    الوجه الثاني في تفسير الآية: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تستعلموا وتستكشفوا، فتستأنسوا: استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، أو علمه، والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استأنس هل ترى أحداً؟ أي: انظر هل ترى أحداً؟ وتقول: استأنست فلم أر أحداً، أي: تعرفت واستعلمت، ومن هذا المعنى قول الله تبارك وتعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ [النساء:6] أي: استكشفتم واستعلمتم وعلمتم أنهم قد رشدوا، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] أي: إن علمتم رشدهم وظهر لكم، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَس [طه:10] (آنست) أي: اكتشفت، أو استكشفت، أو استعلمت، وقال تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً [القصص:29] (آنس ناراً) أي: رآها مكشوفة.

    أيضاً في نسق التلاوة ما يدل على أن المراد بقوله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27] الاستئذان، وهو قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] وهم الكبار، فأين الكلام عن الكبار؟ هو في الآية السابقة التي فيها الاستئناس.

    ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:

    كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد

    ومنه أيضاً قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته:

    آنست نبأة وأفزعها القنـا ص عصراً وقد دنا الإمساء

    قوله: آنست نبأة، أي: أحسست بصوت خفي.

    يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا: تستكشفوا وتستعلموا هل يؤذن لكم؟ وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان أظهر عندي، وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا.

    قلت: لا بأس من إيراده وإن كان في غاية الضعف، وهو: ما حكاه الزمخشري حينما قال: ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثمة إنسان؟

    وعلق عليه الناصر فقال: وذكر أيضاً وجهاً بعيداً، وهو أن المراد: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27] أي: حتى تعلموا هل فيها إنسان أو لا.

    وهذا ضعيف من حيث المعنى؛ لأن الإنسان إذا استأذن هل معنى ذلك أنه يسأل: أيوجد إنسان في الداخل أم لا؟ وهل هذا هو معنى الاستئذان؟ لا، فإنّ موضوع الاستئذان هو طلب الإذن في الدخول ولو كان هناك إنسان في الداخل، كما سنوضحه فيما بعد، هذا أولاً.

    ثانياً: أن كلمة: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) لو قلنا: إنّ معناها: حتى تعلموا هل يوجد إنسان في الداخل أم لا، فمعنى هذا أنه اشتق من كلمة الإنس.

    وقال الألوسي رحمه الله تعالى: وضُعِّف بأن فيه اشتقاقاً من جامد -أي: أن كلمة (الإنس) كلمة جامدة، فكيف يشتق منها مادة استأنس؟- كما في المسرج أنه مشتق من السراج، وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن، فيوهم جواز الدخول بلا إذن. أي: إذا عرفنا أن هناك أحداً في الداخل فهل ندخل بدون إذن؟ الجواب: لا، فلذلك ضعف هذا الوجه من الناحيتين:

    الناحية الأولى: أنّه اشتقاق من جامد وهي كلمة (الإنس)، وهذا لا يصح.

    الناحية الثانية: أنّ محور القضية ليس هو: هل يوجد إنسان أم لا؟ وإنما محورها: هل يأذن أم لا؟ ولو كان موجوداً.

    حكم الاستئذان

    لا يجوز للإنسان أن يدخل بيت غيره بدون الاستئذان والسلام؛ لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، وهذا نهي صريح متجرد عن القرائن، فظاهره التحريم.

    قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: الاستئذان واجب على الناس أجمعين إن احتلموا، فالخطاب هنا للبالغين المكلفين؛ لقوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59]، فدل على أن الحد الفاصل للوجوب وعدم الوجوب هو بلوغ الحلم.

    وحكى النووي إجماع العلماء على مشروعية الاستئذان؛ بل قال المالكية: إن الاستئذان واجب وجوب الفرائض، وإنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيتاً لغيره حتى يستأذن أهله، سواء كان المستأذن قريباً للمستأذن عليه، أو أجنبياً عنه، وهو مجمع على وجوبه، فمن ترك الاستئذان فهو عاصٍ لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جحده فإنه يكفر؛ لأنه ورد الأمر به في الكتاب الكريم.

    وقد يفهم بعض الناس من كلمة الآداب عندما نقول: الآداب الشرعية، أو آداب الاستئذان، أنها أمور مستحبة، أو مجاملات يفضل للإنسان أن يلتزم بها وليست بواجبة، وهذا فهم خاطئ، فإن منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، فالاستئذان أدب واجب كما بينا.

    الحكمة من الاستئذان

    قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: اعلموا -وفقكم الله- أن الله سبحانه وتعالى خصص الناس بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج، أو يلجوها بغير إذن أربابها؛ لئلا يهتكوا أستارهم، ويبلوا أخبارهم، وتحقيق ذلك ما روي في الصحاح عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (اطلع رجل في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه -والمدرى: المشط- فقال عليه الصلاة والسلام: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فمن دخل بعينه فقد دخل) أي: وإن كان بدنه من الخارج، فهذا يشير إلى هذا المعنى المهم، فهذه هي الحكمة من الاستئذان.

    وكما أن الإنسان يتخذ البيت لستر نفسه وعورات أهله، فإنه يتخذه أيضاً لستر أمواله ومتاعه، وكما ذكرنا فإنّ الإسلام يحترم الملكية الفردية، ويحترم الملكية الخاصة، وخصوصيات الإنسان، فكما يكره الإنسان اطلاع الغير على نفسه، أو على عورات أهله وحرمه، فكذلك يكره اطلاع الغير على أمواله ومتاعه، يقول الزمخشري في الكشاف: قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً [النور:28] يعني: من الآذنين فَلا تَدْخُلُوهَا [النور:28] واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، وانظر إلى هذا التعبير القرآني فإنه في غاية الدقة، فالله سبحانه لم يقل: (فإن لم يكن فيها أحد فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) وإنما قال: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً)، فإذا طرقت باب أحد من الناس ولم يرد عليك، وتريد أن تكتب ورقة، فهل تتحرج من أن تكتب: حضرت ولم أجد أحداً؟ الجواب: لا حرج في ذلك.

    وهناك فرق بين العبارتين السابقتين، أعني: قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها أحداً)، وبين قولنا: (فإن لم يكن فيها أحد)، وأذكر هنا قاعدة معروفه عند المناطقة، وهي قاعدة صحيحة: أن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، بمعنى: لو أنّ طالب علم مثلاً يكتب بحثاً حول الربا، فأتى بكتاب (الأم) للشافعي رحمه الله مثلاً، وبحث عن مسألة معينه في باب الربا فما وجدها، فهل يجوز له أن يقول: فتشت في كتاب الأم للشافعي ولم أجد فيه هذه المسألة في موضوع الربا، أم يقول: لم يتعرض لهذه المسألة في كتابه هذا؟ الجواب: يقول: فتشت في باب الربا فلم أجد فيه هذه المسألة، ولا يقول: لا توجد هذه المسألة في هذا الكتاب، أو لم يتعرض لها، لماذا؟ لأنه لا يجوز القطع بعدم الوجود إلا على أساس استقراء تام، أو دليل قطعي.

    ومثله قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [يونس:18] أي: لقد اتخذتم شركاء آخرين مع الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا يعلم له شريكاً في السموات ولا في الأرض، فما هو الشيء الذي لا يعلمه الله؟ هو الشيء المعدوم الذي ليس بموجود، فما دام أنّ الله تعالى لا يعلمه فهو غير موجود، لكن الله سبحانه وتعالى يعلم كل ما في السموات وما في الأرض، ولا يغيب عنه شيء سبحانه وتعالى.

    إذاً: فهذا الطالب الذي يقول: فتشت عن هذه المسألة في كتاب الربا، أو في باب الربا من كتاب الأم فلم أجدها، قد أصاب، وأما من يطلق ويقول: ليس في كتاب الأم تعرض لهذه المسألة، فلم يصب، إلاّ أن يكون استقرأ الكتاب كاملاً؛ فلعلّ الشافعي تعرض لها في باب آخر، وهذا يحصل كثيراً.

    فالشاهد: أنّه في حالة عدم الوجدان يقول: أنا فتشت فلم أجد في حدود علمي، ولذلك تجد دقة المحدثين كالإمام الحافظ العراقي مثلاً في تخريج الحديث يقول: لا أعرفه. فانظر إلى الدقة والأدب، بينما يأتي بعض أفراخ هذا الزمان من طلبة العلم المتطفلين على علم الحديث فيجزم بالقطع أن هذا ليس موجوداً على الإطلاق، لكن انظر للعالم المتقن يقول: لا أعرفه. أي: أنا لا أعرفه، لكن يمكن أن غيره من العلماء يعرفه، لأنه لا يوجد أحد يحيط علماً بكل شيء، فيقول: لا أعرفه، وينسب التقصير إلى نفسه، وينفي المعرفة عن علمه، فلا بدّ أن يكون الإنسان دقيقاً، فعدم الوجدان يعني: أني بذلت جهدي ووسعي فلم أجد المراد، فتتحدث عن محصلتك وعن نفسك، لكن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، فقد يكون موجوداً وأنت إما قصرت، وإما غاب عنك بأي صورة من الصور.

    فالشاهد هنا: أن قول الله سبحانه وتعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً) نفي للوجدان، لكن هل يلزم منه عدم الوجود؟ لا؛ لأنّه يمكن أن يكون هناك أناس في الداخل، ولسبب من الأسباب -والبيوت أسرار، والبيوت عورات- لا يريدون أن يفتحوا، وهذا حق من حقوقهم، فلا بد أن نفهم هذا الأمر؛ لأن القرآن نفسه أشار إلى هذا المعنى بقوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28].

    فالشاهد: أن من حكمة الاستئذان ستر عورات الأبدان، وعدم اطلاع الناس الآخرين عليها، وكذلك ستر الأموال، والمتاع، والأمور الخاصة التي لا يحبون اطلاع الناس عليها.

    قال الزمخشري : فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذنين فلا تدخلوها، واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها، ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها. يعني: لو أنّ واحداً كان متأكداً أن صاحب البيت -مثلاً- مسافر، ولا يوجد أحد في البيت، فهل يجوز له أن يقتحم البيت ويدخل؟

    لا؛ لأنّ حِكَم الاستئذان ليست مقصورة على ستر عورات الأبدان فقط؛ بل يدخل فيها ستر عورات البيوت والممتلكات.

    يقول الزمخشري : فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها، ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها؛ وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادات عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه القهر والتغلب.

    وقول الزمخشري هنا: وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة فقط، الدامر: مأخوذ من الدمور، والدمور: هو الدخول بغير إذن، فكون الإنسان يهجم ويدخل مكاناً ليس ملكاً له بدون إذن فإنه يسمى: دامر، واشتقاقه من الدمار، وهو الهلاك؛ لأنه هجوم بما يكره، فكأن صاحبه دامر أي: هالك؛ لعظم ما ارتكب من الجريمة، فقد اقتحم حرمة الآخرين بدون إذن، وقيل: المعنى: أن إساءة المطلع مثل إساءة الدامر، وروي: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر)، وروي: (من سبق طرفه -أي: عينه- استئذانه فقد دمر عليهم)، أي: هجم ودخل بغير إذن.

    ومن حكم الاستئذان: بقاء البيت سكناً لصاحبه يأوي إليه لراحته، ويستقر فيه لينجز عملاً، أو يخلو بعبادة وذكر وتفكر، أو يطلب علماً، أو يرعى أهلاً وولداً، فهذا معنى (السكن)، وهذه المعاني هي ظلال هذه العبارة العظيمة وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً [النحل:80]، فربما لا يريد الإنسان أن يقطع ما هو فيه من تلاوة قرآن، أو عبادة، أو صلاة، أو نحو ذلك، فهناك أعذار وأحوال كثيرة جداً قد تمنع الإنسان من مجرد الرد على المستأذن، أو الإذن له، فإما أنّه يريد أن يستريح، فإذا دُق الباب في كل وقت فإنه لا يستطيع أن ينام مثلاً، ولا يستطيع أن يأوي لراحته، أو يستقر فيه لينجز عملاً، أو يخلو بعبادة وذكر وتفكر، أو يطلب علماً، أو يرعى أهلاً وولداً، فلو ترك وقته نهباً لكل طارق فاتت عليه مصالحه، واضطربت أحواله، وتشتت أمره، مما قد يؤدي إلى تشويش فكره، فيسيء خلقه، ويضيق صدره.

    إن المعنى الحقيقي للاستئذان ليس كما يفهمه البعض: هل أنت موجود في الداخل حتى يلزمك أن تأذن لي؟ وإنما هو: هل أنت موجود أم غير موجود؟ فإن كنت موجوداً فهل ظروفك تناسب أن تأذن لي أم لا؟ فيأتي الرد من صاحب البيت إما بالقبول، وإما بالاعتذار.

    الاعتذار عن إجابة المستأذن

    الاعتذار له طريقتان دل عليهما القرآن الكريم:

    الطريقة الأولى: أن يكون الاعتذار صريحاً، وذلك بأن تقول: (ارجعوا).

    والطريقة الثانية: أن يكون الاعتذار ضمنياً.

    ويكون ذلك بعدم الرد، والناس قد تضطر في هذا الزمان إلى هذا النوع من الاعتذار الذي أبيح في القرآن الكريم؛ لقصور إدراك كثير من الناس عن فهم هذه الآداب الشرعية، فلو قيل له: ارجع، فقد يؤدي ذلك إلى بعض المصادمات، فيسكت دفعاً لتلك المفسدة، ومن الناحية التربوية نجد أن سكوت صاحب البيت أهون من أن يرسل الطفل ويقول له: أخبره أن أبي غير موجود، فيقول الطفل: يقول لك أبي: إنه غير موجود! فلا يستطيع أن يضبط الكلام، ولا يعرف الغرض من كلامك وهذا يؤدي إلى تحطيم أهم خلق ينبغي أن يغرس في الأطفال، وهو خلق الصدق، ويغرس أسوأ خلق ينبغي أن ينزه عنه الأطفال، وهو خلق الكذب، ومن الذي يعلمه هذه الخصلة؟ إنّه أبوه القدوة الذي يحطم عنده هذه القدوة، ويلقنه الكذب بدرس عملي، فمهما كلمه بعد ذلك عن الصدق وأهميته فإنه لا يتأثر، فاحتياطاً لتربية الأطفال ينبغي أن يقول لمن أراد أن يستأذن: ارجع، أو يسكت ولا يتكلم، وهذا هو الغالب في هذا الزمان أنه لا يتكلم؛ حماية للأطفال من أن يلقنوا الكذب منذ نعومة أظفارهم.

    إنّ عدم فهم حقيقة الاستئذان التي ذكرناها سابقاً كان سبباً في إلحاح بعض الناس في الاستئذان، والانتظار أمام الأبواب، وأعرف بعض الناس يدق الجرس حتى يحترق الجرس أحياناً! وفي بعض الأوقات صاحب البيت ينزع الكهرباء عن الجرس؛ حتى لا يحترق الجرس، فإذا انتهى الجرس فإنه يضرب الباب بيديه ورجليه، ويقول للذي معه: أنا متأكد أنه في الداخل، أنا سمعت صوته، فمثل هذا لم يفقه معنى الاستئذان.

    صفة الاستئذان

    الأصل في الاستئذان أن يكون باللفظ، وهنا أنبه على أمر مهم جداً: وهو احترام خصوصية الإنسان في حدود شرع الله سبحانه وتعالى، فترى بعض الناس يأتي إلى الأطفال الصغار ويريد أن يتلصص إلى معرفة أسرار البيوت من خلالهم، وهذا كثير في النساء؛ لأن النساء يتمتعن -إلا الأخوات الملتزمات- بقدر من الفضول غريب، فيقول في نفسه: إنّ الطفل الصغير لن يستطيع أن يميز، فيتتبعون الأطفال لهذا الغرض، فبدلاً من أن يدخل ويتلصص بنفسه، ويتجسس على عورات البيوت؛ تراه يمسك الأطفال ويقول في نفسه: هذا مصدر آمن للتجسس على أحوال الناس، فيأتي بالطفل ويسأله عن أسرار البيت: ماذا حصل في كذا؟ وماذا قالوا في كذا؟ وماذا عندكم؟ وماذا عملتم في كذا؟ إلى آخر هذه الأشياء، فكيف التصرف في هذه الحالة؟ سنشوه صورة الكبار في عين الطفل، اقترحوا معنا حلاً للمشكلة هذه، قد يوجد في داخل بعض البيوت أسرار، كما يقول المثل العامي الذي يكون أحياناً حكيماً: البيوت أسرار، فلو أراد أحد أن يستغل براءة الطفل في أن يطلع على هذه الأسرار فكيف تحتاط لذلك؟

    كلمة (تربية الأولاد) كلمة فضفاضة، ونحن نريد حلاً لمشكلة محددة.

    والحل: أن تعلم الطفل أن أي إنسان يسأله عن هذه الأمور أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وتحفظه هذا بدون أن تشرح له؛ حتى لا يظهر الناس الكبار أمامه بصورة مشوهة، فإنك إذا قلت له: هذا فلان يتجسس، وهذا يرتكب معصية، ستشوش الكبار أمامه، لكن الأحسن من ذلك أن تعلمه أن من سأله عن أسرار البيت وخصوصياته أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وهنا سوف يفهم هذا المتطفل أن هناك أحداً لقنه هذا الموضوع، وأنه منتبه لهذا العدوان.

    فالأصل في الاستئذان -كما قلنا سابقاً- أن يكون باللفظ، كما بين الله سبحانه وتعالى، وصيغته المثلى أن يقول المستأذن: السلام عليكم، أأدخل؟ فيجمع بين السلام والاستئذان، وما أروع أن يبدأ بالسلام الذي هو ذكر الله سبحانه وتعالى باسم من أسمائه سبحانه، وله فضيلة عظيمة جداً كما هو معلوم، يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27].

    قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى: وأمر مع الاستئذان بالسلام؛ إذ هو من سنة المسلمين التي أمروا بها، ولأن السلام أمان منه لهم، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، وناف للحقد والضغينة.

    لقد سبق أن تكلمنا من قبل عن فضائل السلام، والمسلم يتحسر على ما وصل إليه المسلمون! فتجد بعض الناس يتحرى ألاّ يقترب من الأمور التي فيها هذه الآداب الإسلامية، وبعض الناس يتكبر عن أن يرد السلام، ويظن أن هذه تحية من تحايا العرب المتخلفين، أما هم فتراهم يستعملون هذه التحايا الشيطانية الجاهلية: صباح الخير، ومساء الخير، إن لم تكن أيضاً باللغة الأجنبية كما يحصل الآن من بعض المنهزمين، وما درى هؤلاء المساكين أنهم في عدم إلقاء السلام عليهم قد أضروا أنفسهم بعقوبة شرعيه يعاقب بها الفاسق والمبتدع والكافر، وإن كان لا يستحق الرد، فهذا تشريف له أن تبدأه بالسلام.

    ومن العقوبة للمبتدع، أو الفاسق، أو العاصي، أنك لا تبدؤه بالسلام؛ لأن ذلك تشريف له، فترى الواحد من هؤلاء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويفضل الدونية في تحية صباح الخير، ومساء الخير, وغيرها من الألفاظ العجمية، بدلاً من: السلام عليكم، وهذا من السفه، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

    عن ربعي بن خراش قال: حدثنا رجل من بني عامر قال: (إنه أستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: أألج -يعني: أأدخل-؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، وقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل، فسمع الرجل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له، فدخل)، إن كثيراً من المواقف يحصل فيها خطأ في مراعاة آداب الاستئذان، ثم نجد الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم الناس هذا الأدب، وهذه وظيفة المربي دائماً: أنك ما تفوت فرصة إلا وتعلم الطفل، ونتكلم عن الطفل لأنه لا يزال عوداً غضاً طرياً يقبل التشكيل كالعجينة، أما الكبار فيصعب تشكيلهم إلى حد ما، إلا من كان ملتزماً حقيقياً بدين الله تعالى؛ فإنه إذا سمع حكم الله يقول: سمعنا وأطعنا.

    تعليم الأطفال آداب الاستئذان

    أما الطفل فلا تجعل له حصة خاصة بالتربية والتأديب؛ بل إنّ سلوكياتك أمامه هي دروس وتعليم، ولذلك إذا نشأ الطفل في بيت كل من فيه يحترم آداب الاستئذان؛ فإنه لا يحتاج أن يتعلم هذه الآداب؛ بل تصبح جزءاً من كيانه، فيعرف أن الاستئذان يكون كذا، وإذا وجد كل من يعطس في البيت يقول: الحمد لله، ثم يجاب عليه: يرحمكم الله، ثم يجاب عليه بكذا، فإنه سيفعل نفس السلوك تلقائياً بالتلقين والتقليد والمحاكاة، فأفضل شيء أن تغرس فيه منذ نعومة أظفاره هذه الآداب، فتصبح جزءاً من هويته ومن كيانه، بحيث لا يحصل أي عناء على الإطلاق في التفاعل مع هذه الآداب.

    وإذا بدأ الطفل يعي فلك أن تعلمه هذه الآداب في وقتها وحينها، فإذا أوقفته عند الباب فقل له مثلاً: قبل أن تدخل تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ويحاول أن ينطق الكلمة، فإذا قال ذلك فتعطيه هدية، وتشجعه على التزامه بهذا الأمر، وربما تحكي للآخرين أن هذا الطفل فعل كذا وكذا أمامه، والآخرون يظهرون انبهاراً بذلك، فيشعر أنه أتى بشيء عظيم، وشيء محبوب، ثم إذا قصر مرة أو مرتين أو عاند فلا تلح عليه أو تضغط عليه أو توبخه، وإنما تتركه إلى أن يتعود على ذلك، وتصبح عادة راسخة فيه.

    وإذا عطس أحد ولم يحمد الله، وقال له الطفل: يرحمك الله، فتفهمه مسألة جديدة، فتقول له: لا تقل له: يرحمك الله؛ لأنه لم يحمد لله، فأنت تغرس له أن الذي يعطس وما يقول: الحمد لله، لا تقل له: يرحمك الله، ويصعب أن تفهم الطفل نص الحديث بصورة نظرية، لكن عندما يعطس عاطس ولم يحمد الله فإن الطفل سيقول له: يرحمك الله؛ لأنه تعود على ذلك، فأنت تقول له: لا تقل له؛ لأنه لا يستحق أن نقول له: يرحمك الله؛ لأنه لم يقل: الحمد لله، فتضيف له مسألة جديدة، مع الإلحاح والقدوة العملية؛ فإنها تغرس هذه المفاهيم.

    ما هو الأولى في الاستئذان: تقديم السلام أو تقديم الاستئذان؟

    هل يقدم السلام أم الاستئذان؟ هل تقول: أأدخل؟ السلام عليكم، أم: السلام عليكم أأدخل؟ قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ أتدرون ما منشأ الخلاف هنا؟ الجواب: منشأ الخلاف أنّ الآية السابقة فيها: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، فهل العطف بالواو هنا يقتضي الترتيب أم لا يقتضي الترتيب؟ أما هنا فمن المؤكد أنّه لا يقتضي الترتيب؛ لأن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (قل: السلام عليكم، أأدخل؟)، فالسنة العملية بينت الآية بما يجب المصير إليه، ولا يجوز النظر فيما خالفه؛ لأنه متى ما ثبت تفسير الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنّه يجب المصير إلى هذا التفسير. يقول النووي رحمه الله تعالى: والصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ القول الثاني: يقدم الاستئذان، ويقول: أأدخل؟ السلام عليكم. والثالث: التفصيل، وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان. قال الشوكاني : وليس عليه دليل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام، يقول العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس -الذي هو الاستئذان- على السلام في قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا [النور:27]، لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك. فإذا قلنا: جاء محمد وعلي، فالعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يفيد مطلق التشريك، أي: أنّ الاثنين اشتركا في المجيء، وأما من الأول منهما؟ فلا دليل عليه من هذه الجملة، أما إذا قلنا: جاء محمد ثم علي، فإن (ثم) تقتضي الترتيب والتراخي. وقال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى في هذه الآية: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا [النور:27]: هو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، فهذا فيه تقديم وتأخير؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] والركوع قبل السجود، فالعطف هنا يقتضي مطلق التشريك، وليس يقتضي الترتيب. وقال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب:7] فهذا ليس فيه ترتيب؛ لأن نوحاً قبل نبينا عليه الصلاة والسلام. إلاّ أنّ هذا لا ينافي أن يعطف بالواو والمراد منها الترتيب، لكن لابد أن يدل دليل على اقتضائها الترتيب في ذلك الموضع. ومثال مجيئها للترتيب قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فلو تركت هكذا بدون دليل لجاز لك أن تبدأ في الطواف والسعي بأي واحدة منهما، ولكن جاء حديث يدل على أن المراد بالواو هنا الترتيب، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أبدأ بما بدأ الله به)، وفي بعض الروايات: (ابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، فهذا يدل على أن (الواو) هنا تقتضي الترتيب وليس مطلق التشريك. وأيضاً في قول حسان رضي الله تعالى عنه: هجوتَ محمداً وأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء برواية الواو: (وأجبت)، فهذه الواو تقتضي الترتيب؛ لأن هناك من هجا النبي صلى الله عليه وسلم، فدافع عنه حسان رضي الله عنه، فجواب الهجاء لا يكون إلا بعده. وإيضاح ذلك: أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وهذا بيان للمراد من القرآن الكريم، فيتعين المصير إليه، كما أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأقر من أتى به، وأنكر على من خالفه.

    بيان النبي صلى الله عليه وسلم لكيفية الاستئذان قولاً وفعلاً وتقريراً

    قوله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27] أي: حتى تستأذنوا، والاستئذان يكون ثلاثاً، ويبدأ فيه بالسلام، وكل هذا جاء في السنة، وهو يوضح ويفسر الآية الكريمة، ويبين أنه لا يصح أن يكون المراد بقوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أن يتنحنح أو نحو ذلك مما ذهب إليه البعض.

    أما تعليم النبي عليه الصلاة والسلام فكما رواه ربعي بن خراش قال: (حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟) وفي رواية أخرى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمة له يقال لها روضة : قولي لهذا يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادخل).

    وعن كلدة بن الحنبلي رضي الله عنه: (أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ وضغابيط إلى النبي صلى الله عليه وسلم -والضغابيط: حشيش يؤكل-، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ وذلك بعدما أسلم صفوان).

    قلت: فانظر إلى قوله: (ارجع) كيف يعلمه الأدب، ولا يتسامح في مثل هذا، خاصة من المربي، ويكون ذلك برفق ولطف، لكن لا يفوت التعليم في هذه الأشياء، فإن بعض الناس يتحرج من مواجهة من فعل هذا التقصير، سواء كانوا تلامذة له أو نحو ذلك، وربما زين هذا المسلك قول بعض الصوفية: راحة القلب ألاّ ترى لأحد عليك حقاً، وهذا صحيح أن راحة البال في تعاملك مع الناس أن تؤدي ما عليك من الواجبات تجاههم ولا تنتظر حقاً منهم، فهذا ممكن إلا في حالة التربية والتأديب، فلا بأس للشيخ أو الأستاذ أو المربي أو الأب أو الأم أن يرى أن راحة البال ألاّ يكون لأحد عليه حق؛ من أجل أن يتحمل إساءة الناس، ويصفح عنهم، لكن هذا الأسلوب مع من كان مسئولاً عنهم لا ينفع؛ لأنه سيبقى السلوك السيئ بدون تقويم، فتعلم ابنك أن يحترمك، وتعلمه أن يحترم أستاذه، ويمكن للأب أن يعلم ابنه أن يتأدب معه، وأن يحترمه، وهذا فيه مصلحة الابن نفسه، ولا يقول: لا أرى لنفسي حقاً على أحد، ثم يصير الولد سيئ التربية، وهل ينفع أن نقول: عديم التربية؟ هل يصح ذلك؟

    لا يصح؛ لأن كل واحد لا بد أن يكون متربياً، إلاّ أن هناك تربية حسنة، وهناك تربية سيئة، فالناس على قسمين: حسن التربية، وسيئ التربية، وليس هناك صنف ثالث بين القسمين.

    فالأب يمكن أن يعلم ابنه مثلاً ويخاطبه بطريقة معينة فيها الأدب والأسلوب المهذب والكلام الذي فيه التوقير، ولا حرج على الإطلاق في ذلك؛ بل إن هذا فيه مصلحة الولد حتى يتربى.

    أما السنة الفعلية فما ثبت أن أبا سعيد أو أبا مسعود رضي الله تعالى عنهما قال لـعمر رضي الله عنه: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد سعد بن عبادة حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له - أي: لم يؤذن للرسول عليه الصلاة والسلام-، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع صلى الله عليه وسلم فأذن له سعد .. ) إلى آخر الحديث.

    وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس أو غيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله)، فلا يجوز لأحد أن يحتجب عن الرسول عليه الصلاة والسلام بحال من الأحوال، وأيضاً لا يجوز للإنسان بحال أن يحتجب عن أبيه وأمه، فمن الممكن أن يحتجب عن غيرهما لعذر من الأعذار، أما الوالدان فلا يجوز أن تحتجب عنهما أو أحدهما.

    ففي الحديث السابق: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد : وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم - أي: أنّه رد في نفسه بحيث لا يسمعه الرسول عليه الصلاة والسلام-، حتى سلم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً، ولم يسمعه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي -يعني: أفديك بأبي وأمي- ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيباً، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ قال: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون).

    وهذا الحديث يلحن فيه كثير من الناس، ويأتون فيه بمصائب بسبب التصحيف، فيقول بعضهم: أكل طعامُكم الأبرار، يعني: أن الطعام هو الذي أكل الأبرارَ، فيجعلون الطعام فاعلاً، والأبرار مفعولاً.

    (وصلت عليكم الملائكة) بالصاد، وهم يقولون: وسلط من التسليط.

    وعن قيس بن سعد بن عبادة قال: (زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، فقلت: ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك رداً خفياً؛ لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور).

    ومن السنة التقريرية ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له فقلت: السلام عليك يا رسول الله! أيدخل عمر ؟).

    آثار الصحابة في بيان كيفية الاستئذان

    أما آثار الصحابة رضي الله عنهم: فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه آذته الرمضاء -أي: الحر- فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها: قولي: ادخل، فقالت ذلك فدخل.

    وقد فسر بعض العلماء قولها له: ادخل بسلام، أنها تريد: سلم، فأنت تستأذن فقط، فكأنه فهم من قولها أنها تتهمه بالجهل، وأنه لا يدري كيف يستأذن، فهي تقول له: ادخل بسلام، وهناك تفسير ذكره العلماء أقرب من هذا وأوضح، وهو: أن هذا الدخول دخول مشروط، أي: أنها تقول له: ادخل بشرط أن تدخل بسلام، تعني: لا تؤذنا، ولا تطلع عينك إلى أي شيء مما لا ينبغي أن تطلع عليه، فكأن الدخول هنا مشروط بشرط وهو: أن يدخل بسلام، فهو لا يدري هل سيلتزم بهذا أم لا؟ لأنه بشر، وقد يقع منه التقصير، والإخلال بهذا الشرط، فهي تقول له: ادخل بسلام، فيقول لها: السلام عليكم، أأدخل؟ فتقول له: ادخل بسلام، فعاد، فعادت، فقال لها: قولي: ادخل، يعني: خففي عني ولا تضيقي، فقالت: ادخل، فدخل.

    وروى مطرف عن مالك : أن زيد بن أسلم استأذن على ابن عمر فقال: أألج؟ فأذن له ابن عمر ، قال زيد : فلما قضيت حاجتي أقبل عليّ ابن عمر فقال: مالك واستئذان العرب؟! إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رُد عليك السلام فقل: أأدخل؟ فإن أذن لك فادخل.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام.

    وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إذا قال: أأدخل؟ ولم يسلم، فقل: لا، حتى يأتي بالمفتاح، قلت: السلام؟ قال: نعم.

    وعن ابن بريدة قال: استأذن رجل على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على الباب، فقال: أأدخل؟ ثلاث مرات، وهو ينظر إليه، فلم يأذن له، ثم قال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقال: ادخل، ثم قال: لو قمت إلى الليل تقول: أأدخل؟ ما أذنت لك، حتى تبدأ بالسلام.

    مشروعية الاستئذان ثلاث مرات

    الاستئذان يكون ثلاث مرات، ويقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة فليرجع، ولا يزد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه، فقد روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى رضي الله عنه كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) فقال عمر : والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم). أي: أن أبا موسى ذهب يشتكي إلى الصحابة أن عمر هدده، وفي بعض الروايات أنه حدد له ميعاداً، وإذا لم تأت بأحد يشهد معك لأوجعن ظهرك، فأراد أبي بن كعب أن يرد على عمر فقال: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم.

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: معناه: أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أصغر القوم أبا سعيد الخدري ، قال: فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

    قلت: وهذا الحديث نص صريح صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة فليرجع.

    ورواه مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً فلم يرد عليّ فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنني أتيتك، فسلمت على بيتك ثلاثاً فلم يردوا عليّ فرجعت). انظر إلى الدقة يقول: فلم يردوا علي، ولم يقل: فلم أجد أحداً، أو فلم يكن هنالك أحد، لكن قال: فلم يردوا عليّ، فهذه أيضاً طريقة من طرق الاعتذار الضمني. قال: (وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)، فقال عمر : أقم عليها البينة وإلا أوجعتك، فقال أبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد : قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب معه. قال: أبو سعيد : فقمت معه، فذهبت إلى عمر فشهدت).

    وفي بعض الروايات قال: (فو الله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد على هذا، فقال أبي بن كعب : فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً، قم يا أبا سعيد! فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا).

    وفي لفظ أنه قال: إن كان هذا شيء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهات وإلا فلأجعلنك عظة، قال أبو سعيد : فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الاستئذان ثلاث؟أبو موسى بعدما رجع وهو مفزوع ومرعوب من تهديد عمر، دخل على الصحابة فقال: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الاستئذان ثلاث؟) قال: فجعلوا يضحكون)، انظر إلى السلاسة في تعامل الصحابة، فهم بشر كالبشر، وفيهم الدعابة في موضعها، فهم رأوا أبا موسى جاء مذعوراً بهذه الطريقة، فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: (أتاكم أخوكم المسلم قد فزع وأنتم تضحكون! انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبه، فأتاه فقال: هذا أبو سعيد).

    وفي بعض الروايات: أن عمر قال: (خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق في الأسواق)، وفي بعض الروايات أن أبا موسى ذهب، فقال عمر : (إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلن تجدوه، فلما أن جاء العشي ووجدوه قال: أبا موسى! ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم. أبي بن كعب قال: عدل يا أبا الطفيل! ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت). وفي لفظ: أن عمر قال لـأبي : (يا أبا المنذر ! أأنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، فلا تكن يا ابن الخطاب عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد وأبي موسى وأبي بن كعب رضي الله عنهم تدل دلالة صحيحة صريحة على أن الاستئذان هو المعبر عنه في الآية بالاستئناس، وأنّ السلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثاً؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه.

    الحكمة من تثليث الاستئذان

    ما الحكمة من تثليث الاستئذان؟ عن قتادة في معنى قوله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27] قال: هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له فليرجع، أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.

    فهذا فيه بيان حكمة الاستئذان ثلاث مرات:

    الأولى: معرفة أن ثمة شخصاً بالباب ليسمع الحي.

    الثانية: ليأخذوا حذرهم من ستر عورات مكشوفة، أو إعداد مكان، أو نحو ذلك.

    الثالثة: إن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا.

    وقوله: ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم. هذا نهي للإنسان إذا اعتذر له صراحة أو ضمناً أن يعكف عند الباب، فإن فيه أذى.

    قال: فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر. فقد يكون عند صاحب البيت موعد في نفس الوقت، أو يريد أن يخرج لمشوار مهم جداً: كموعد مع طبيب، أو الذهاب إلى العمل والوظيفة، وهناك حرج من مواجهة المستأذن، فهو يريد أن يمشي وربما تمشي معه نساؤه -مثلاً- فلو بقي ذلك الرجل واقفاً له على الباب فكيف يخرج إلى مصالحه؟ فهذا معنى قول السلف: فإن للناس حاجات، ولهم أشغال. فالوقوف أمام البيت سيعيق أهل البيت عن الحركة الحرة، فانتبهوا لهذا جيداً، فمن استأذن فلم يؤذن له فلابد أن ينصرف، بخلاف من أتى ولم يستأذن، كما سنبين فيما بعد.

    وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: الأولى إعلام، والثانية مؤامرة -أي: شورى بين أهل البيت، فيتشاورون: هل نأذن أم لا نأذن؟ لسبب أو لآخر، وليس المراد من المؤامرة المعنى المعروف- والثالثة: عزمة قرار وعزيمة، إما أن يؤذن له، وإما أن يرد.

    وقال الإمام ابن عبد البر في التمهيد: وقال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان: استئذان، والمرة الثانية: مشورة، هل يؤذن في الدخول أم لا؟ والثالثة: علامة الرجوع، ولا يزيد على ذلك على ثلاث.

    وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وحكمة التعداد في الاستئذان أن الأولى: استعلام، والثانية: تأكيد، والثالثة: إعذار.

    وقد فصل الحنفية دون غيرهم في مدة الانتظار بين كل استئذانين، فقالوا: يمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل، والمتوضئ، والمصلي أربع ركعات، وهذا لا دليل عليه، والمسألة نسبية، فإذا كان أحد على عمل من هذه الأعمال فينتظر حتى يفرغ منه، وإن لم يكن على عمل منها كانت عنده فرصة في أن يأخذ فيها حذره، ويصلح شأنه قبل أن يدخل الداخل.

    وقال القاضي ابن العربي أيضاً: قال جماعة: الاستئذان فرض، والسلام مستحب، حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا [النور:27]، وبيانه أن التسليم كيفية في الإذن. يعني: كلمة السلام جاءت لتشرح لنا (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا).

    وروى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم : أنه استأذن على ابن عمر فقال: أألج؟ فأذن له ابن عمر ، قال زيد : فلما قضيت حاجتي أقبل عليّ ابن عمر فقال: مالك واستئذان العرب؟! إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رد عليك السلام فقل: أأدخل؟ فإن أذن لك فادخل، فعلمه سنة السلام.

    حكم الاستئذان بغير الصيغ المشروعة

    ذهب البعض إلى أن كل ما تعارفه الناس من ألفاظ الاستئذان يقوم مقام اللفظ المأثور، فإن الأعراف أحياناً تتغير، كما قال ابن عطية : لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، فقد روى أبو بكر بن الخطيب بسنده عن أبي الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أنذر؟ قالت: أنذرون.

    (أنذر) كلمة فارسية في الاستئذان معناها: أأدخل؟ وأنذرون يعني: ادخل، وهي كلمة الإذن.

    فالشاهد: أنّ بعض العلماء استدل بهذا الأثر على جواز استعمال ما تعارف عليه الناس، وهذا ذكرناه لمجرد الإحاطة بما قيل في هذه المسألة، وإلاّ فإن السنة قد فسرت الآية بطريقة واضحة وصريحة، وقد نص بعض المالكية على كراهة الاستئذان بالذكر؛ لما فيه من جعل اسم الله تعالى آلة. أي: مثل قول بعض الناس: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، أو: يا ساتر! مع أنّ اسم (ساتر) ليس من الأسماء الحسنى، وإنما الذي في الأحاديث هو (ستّير) قال في الفواكه الدواني: وما يفعله بعض الناس في الاستئذان بنحو سبحان الله، ولا إله إلا الله، فهو بدعة مذمومة؛ لما فيه من إساءة الأدب مع الله تعالى في استعمال اسمه في الاستئذان.

    فهذه أشياء ينبغي أن توضح للناس؛ لأن الناس يفعلونها بنية حسنة، فيحتاجون إلى من يعلمهم، فتجد بعض الناس مثلاً يكتبون على مقبض باب البيت: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35]، أو: (سبحان الله)، أو: (بسم الله) وهذا امتهان لاسم الله، أو تجد بعضهم يأتي بصينية، ويقدم عليها المشروبات، ويكون قد كُتب عليها ذكر، أو نقشت عليها صورة الكعبة، فلا ينبغي أن تمتهن مثل هذه الأمور، ويجب الحذر من مثل هذا، فاسم الله، وما فيه ذكر الله لا يجوز أن يمتهن.

    أحكام من استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له

    وهنا مسألة أيضاً وهي: أن من استأذن ثلاث مرات، وتأكد أنهم سمعوه فله حالتان:

    الحالة الأولى: أن يتحقق أنهم سمعوه بالفعل، ولم يأذنوا له.

    الحالة الثانية: أن يغلب على ظنه ذلك.

    أما المسألة الأولى: فإن تحقق وتأكد تماماً أنهم سمعوه، ولم يجب رب المنزل، فينبغي أن يفهم المستأذن أن رب المنزل لا يرغب له في الإذن بالدخول؛ وحينئذ عليه أن ينصرف، حتى ولو تأكد أن صاحب المنزل موجود بداخله، ولا شك أنّ من اللباقة ومن الذوق ألاّ يتخذ هذا الأمر ذنباً لا يغفر، وإذا قابله بعد ذلك يقول له: أتيت وطرقت الباب فلم ترد عليّ! فيوبخه، ويلومه، ويعنفه، وهذا لا ينبغي؛ بل عليه أن يتغاضى ويتغافل عن هذا، ولا يعاتبه، ولا يحوجه إلى الاعتذار، ولا يضطره إلى أن يذكر له السبب الذي من أجله لم يفتح له، فضلاً عن التوبيخ.

    حكم قول (أنا) في الاستئذان وغيره

    بعض الناس يتحرج جداً من كلمة (أنا)، فيحسبون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كره من جابر كلمة (أنا)، وقال له: (أنا، أنا!) أن هذه فيها تشبه بإبليس، وهذا المعنى راسخ عند العوام، حتى إن بعضهم إذا كلمته واضطررت إلى استعمال كلمة (أنا) يقول: أعوذ بالله من أن أقول: (أنا)، فهم يظنون أن هذا تشبه بإبليس، حتى قال بعضهم: كلمة (أنا) لم تزل مشئومة على أصحابها، ولا شك أن هذه الكلمة لا تزال جارية على ألسنة الطغاة والمتجبرين في سياق ذكر مفاخرهم، والزهو بأنفسهم. فالحكم على كلمة (أنا) ليس على إطلاقه، والسياق يفرق، فأحياناً يجوز استعمالها، وأحياناً لا يجوز استعمالها، فلا يجوز استعمالها في أمر الاستئذان، ولا يجوز أيضاً أن يستعملها الإنسان في الزهو، أو الفخر، نحو: أنا الذي عملت، وأنا الذي صنعت.. إلى آخر هذه العبارات، كما يفعل الطغاة والمتجبرون، ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في المكروه من الألفاظ في (زاد المعاد): وليحذر كل الحذر من طغيان ثلاث كلمات: من طغيان أنا، ولي، وعندي، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ، فـ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12] لإبليس، وأَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف:51] ابتلي بها فرعون، وإِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] ابتلى بها قارون ، وأحسن ما وضعت له (أنا) في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه، ولي في قوله: لي الذنب، ولي الجرم، ولي المسكنة، ولي الفقر والذل، وعندي في قوله: اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي. يعني: أنها تستعمل استعمالاً صحيحاً واستعمالاً مذموماً كما بينا. فليس الأمر كما أطلق من ظن أن كلمة (أنا) مكروهة لمجرد مشابهة إبليس، خاصة أن هناك نصوصاً كثيرة تناقض هذا القول، حيث استعملت فيها كلمة (أنا) في موضعها، فلا حرج من استعمالها في موضعها، فمن ذلك قول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، وقال عز وجل حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]، وقال: وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]، وقال: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت:50]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا) في عدة أخبار مثل قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وقوله أيضاً صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر : أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا) فقول أبي بكر (أنا) لا محذور فيه؛ لأنّه كان حاضراً في المجلس ويرونه، بخلاف ما لو كان في الاستئذان. (قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا، قال: من أطعم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر : أنا، قال مروان بن معاوية : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة). وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله عز وجل بما لا أعلم؟! وقال علي رضي الله عنه: أنا الذي سمتني أمي حيدرة . وعن بريدة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المسجد وأبو موسى يقرأ، قال: فجئت فقال: من هذا؟ قلت: أنا بريدة). وفي الصحيح في حديث أم هانئ : (فقلت: أنا أم هانئ).

    عدم وقوف المستأذن قبالة الباب

    ينبغي ألاّ يقف المستأذن قبالة الباب إذا كان الباب مفتوحاً، وكذلك إذا كان مغلقاً؛ خشية أن يفتح له فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، وهذا بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه، أو عن يساره، فإنه إذا فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت.

    وبعض الناس يتنطعون، فتراه يطرق الباب ثم يختبئ بعيداً عن الباب تماماً، وهذا خطأ، فقد وجد في هذه الأيام وسائل حديثة كالكاميرات التلفزيونية التي توضع عند أبواب بعض البيوت، أو العدسات التي توضع في الأبواب بحيث يرى الشخص الذي يستأذن فأصبحت هذه وسيلة للتحقق من شخصية المستأذن، فإذا اختبأت بعيداً عن الباب فإنه لا يراك.

    فلابد أن نفهم هذه الأشياء، وأن نعرف حدودنا، فيقف المستأذن بجانب الباب؛ بحيث يراعي حرمة البيت، فإذا فتح الباب فإنه لا يرى شيئاً في داخل البيت، وفي نفس الوقت يقف في مكان يستطيع من يستأذن عليهم أن يروه، فعن عبد الله بن بشر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم.. السلام عليكم؛ وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور).

    وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه استأذن وهو مستقبل الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تستأذن وأنت مستقبل الباب)، وفي رواية قال: (جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقمت مقابل الباب فاستأذنت، فأشار إليّ أن تباعد، ثم جئت فاستأذنت، فقال: وهل الاستئذان إلا من أجل النظر؟!).

    وعن هزيل بن شرحبيل قال: (جاء رجل فوقف على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على الباب، وفي رواية: مستقبل الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا عنك أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر).

    ويروى عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل) يعني: إذا نظر بعينه فكأنه دخل (ولا يؤم قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم حتى ينصرف، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف).

    وهذا الحديث يضعفه بعض العلماء، ويحسنه بعضهم.

    وفي بعض الأحاديث أيضاً: (لا تأتوا البيوت من أبوابها، وائتوها من جوانبها فاستأذنوا وإلا فارجعوا).

    فإذا كان الباب مغلقاً فقد أوضحنا حكمه، وأما إن كان الباب مفتوحاً فهو مغلق بالتحريم الشرعي للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بمعنى: أنه لا يجوز لك أن تنظر إلى داخله، ولذلك يقول القرطبي : لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه.

    وقد توجد في الباب عدسات أو شيء من هذا القبيل، فالمفروض أنه يمكِّن صاحب البيت من التعرف عليه؛ حتى ينظر هل يناسبه أن يأذن له أم لا؟

    رجوع المستأذن إذا لم يؤذن له

    ذكرنا سابقاً: أن اعتذار صاحب البيت عن الإذن بدخول المستأذن إما أن يكون اعتذاراً ضمنياً، وإما أن يكون صريحاً، وقد دلّ قول الله تبارك وتعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا [النور:28] على حالة الاعتذار الضمني، فربما كان صاحب البيت موجوداً في البيت، لكنه لم يشأ أن يرد على المستأذن، فيصدق على المستأذن أنه لم يجد فيها أحداً؛ لأن الله تعالى نفى الوجدان ولم ينف الوجود، ولو قال: (فإن لم يكن فيها أحد) لما كان هذا المنزع اللطيف، والسر الدقيق، فتأملوا قول الله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا)، ولم يقل: (فإن لم يكن)، فإذا استأذن شخص ثلاثاً وسُكت عنه وجب عليه أن ينصرف بعد الثلاث؛ لحديث عبد الله بن بشر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى باباً يريد أن يستأذن لم يستقبله، وجاء يميناً أو شمالاً، فإن أذن له وإلا انصرف)، وفي حديث أبي سعيد : (فإن أذن لك وإلا فارجع) يعني بعد الثلاث.

    أما إذا استأذن شخص ثلاثاً أو أقل وأجيب بقول صاحب الدار: ارجعوا، فالواجب الانصراف فوراً، وهو على يقين أن هذا أفضل له، فلا ينفخ الشيطان في صدره، ولا يحمّي أنفه ويقول: كيف يهينني؟! كيف لا يحترمني؟! فيقال لمثل هذا: أما تعرف أعذار الناس؟! وما هذا إلاّ بسبب الجهل بآداب الإسلام، فيجب على الإنسان إذا قيل له: ارجع، أن يرجع فوراً وهو على يقين أن هذا أزكى له؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28]، فما قال الله فيه أنه أزكى لنا فلا شك أن لنا فيه خيراً وأجراً.

    وعن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع. فأرجع وأنا مغتبط؛ لقوله تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28].

    إذاً: فالواجب على من لم يؤذن له أن ينصرف فوراً، ولا يجوز له أن يقف على الباب، ولا أنْ يلح بالاستئذان، ولا أنْ يتكلم بكلام قبيح، أو أن يقعد على الباب لينتظر؛ لأن للناس حاجات وأشغالاً في المنازل، فلو قعد على الباب وانتظر ضاق ذرعهم، وشغل قلوبهم، ولا تلتئم حاجاتهم، فكان الرجوع خيراً له ولهم.

    يقول قتادة : فمن لم يؤذن له-يعني: بعد الثلاث- فليرجع، أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغالاً، والله أولى بالعذر. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: والرجوع أفضل من الإلحاح وتكرار الاستئذان والقعود على الباب؛ لأن في ذلك بعداً عن الريبة والدناءة.

    إذا لم يؤذن للمرء فهل يجوز له أن يبقى أمام الباب

    هناك استنباط دقيق جداً في غاية الروعة للإمام أبي بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى، حيث قال: إن قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28] لا يتعرض لتحريم الدخول إلا بإذن؛ لأن الآية السابقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] قد نصت على أنه يحرم على الإنسان أن يدخل إلا بإذن، فهو يبين أن قوله تعالى بعد ذلك: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28] لا علاقة لها بمسألة تحريم الدخول إلا بإذن؛ لأنّ هذا قد سبق الإشارة إليه، وإنما يؤسس حكماً جديداً، ولا يؤكد الحكم السابق.

    فما هو هذا الحكم الجديد؟ ما الواجب على من قيل له ارجع؟

    يجيب على ذلك قوله تعالى: (فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: أنه يجب عليه أن يرجع في الحال، ولا يفتح حواراً، ولا يلح.

    قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) بعد قوله: (فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره عن الوقوف على باب داره أو القعود عليه؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)، ويمتنع أن يكون المراد بذلك حضر الدخول إلا بإذن؛ لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره مصرحاً به في الآية، فواجب أن يكون لقوله: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) فائدة مجددة، وهو أنه متى أمره بالرجوع عن باب داره وجب عليه التنحي عنه؛ لئلا يتأذى به صاحب الدار في دخول حرمه وخروجه، وفيما ينصرف عليه أموره في داره مما لا يحب أن يطلع عليه غيره.

    فهذه مسألة مستقلة عن موضوع الاستئذان، فالواجب على من قيل له: ارجع، أن يرجع، وبالتالي يحرم عليه أن يفعل أي شيء من الأشياء التي ذكرناها.

    أما ما ذكرناه من أنه لا يجوز له أن يقعد على الباب وينتظر، فلا يرد عليه أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يأتي باب الأنصار لطلب الحديث، فيقعد على الباب حتى يخرج صاحب البيت، ولا يستأذن، فإذا خرج الرجل قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! لو أخبرتني؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم.

    فـابن عباس ما كان يستأذن، والكلام هنا فيمن استأذن ولم يؤذن له، أو قيل له: ارجع، أما ابن عباس فكان يأتي ويجلس عند باب من يطلب منه الحديث، وتسف الرياح في وجهه التراب، وإذا خرج صاحب البيت للصلاة مثلاً سأله وطلب منه الحديث، فكلامنا فيمن استأذن فلم يؤذن له صراحة أو ضمناً.

    إذا استأذن فقيل له ادخل بسلام

    آخر هذه المسائل: إذا قيل له: ادخل بسلام فهل يدخل؟ كان طلحة بن مصرف إذا قيل له ذلك قال: إن شاء الله، فيستثني، أي: أدخل بسلام إن شاء الله، فيحتاط. وكان ابن عمر إذا قيل له ذلك لم يدخل، وعلل ذلك بأنه شرط لا يدري أيفي به أم لا، وقال: إنما أنا بشر. عن مجاهد قال: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه حر الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، فقال: قولي: ادخل، قالت: ادخل، فدخل. وعن عبد الرحمن بن جدعان قال: كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فاستأذن على أهل بيت، فقيل: ادخل بسلام، فأبى أن يدخل عليه. قال شارح (الأدب المفرد): لعل الإباء كان لمصلحة دينية. وقال ابن عطية : كأنه توقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد: ادخل بسلامك لا بشخصك. وقال الألباني رحمه الله تعالى: وذلك لأن مثل ابن عمر لا يمكن أن تخفى عليه سنة الاستئذان بالسلام، وعليه فلا بد أن يكون قد سلم عند الاستئذان، فلما قيل له: ادخل بسلام، فيكون هذا الأمر -والحالة هذه- لا معنى له، بل لعله إلى الاستهزاء أقرب؛ ولذلك لم يدخل عليهم، ولعله مما يؤيد هذا التأويل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند آخر صحيح بلفظ: عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام، رجع، وقال: لا أدري أدخل بسلام أم بغير سلام. فهذا هو الذي فهمه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأما العلماء الآخرون فقالوا: هي تشترط عليه شرطاً، وهو لا يدري أيفي بهذا الشرط أم لا، وقال: إنما أنا بشر؛ فلذلك كان يمتنع من الدخول ويقول: لا أدري أأدخل بسلام أم بغير سلام، فالتعليل الأخير أقوى، وهو: أنها أذنت له بشرط أن يدخل بسلام؛ ولكونه بشراً غير معصوم خشي ألاّ يفي بهذا الشرط، فامتنع عن الدخول بهذا الشرط احتياطاً وتورعا،ً أو طلب منها أن تأذن له بالدخول بدون الشرط المذكور، والله تبارك وتعالى أعلم. وعن معاوية بن خديج قال: قد قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستأذنت عليه، فقالوا لي: مكانك حتى يخرج إليك، فقعدت قريباً من بابه، قال: فخرج إلي، فدعا بماء، فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقلت: يا أمير المؤمنين! أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره. فلا بأس أن من استأذن فقيل له: حتى أخرج، أن يقعد قريباً من الباب. نكتفي الليلة بهذا القدر، ونكمل البحث إن شاء الله الأسبوع القادم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    ما هو الأولى في الاستئذان: تقديم السلام، أو تقديم الاستئذان؟

    هل يقدم السلام أم الاستئذان؟ هل تقول: أأدخل؟ السلام عليكم، أم: السلام عليكم أأدخل؟

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ أتدرون ما منشأ الخلاف هنا؟ الجواب: منشأ الخلاف أنّ الآية السابقة فيها: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، فهل العطف بالواو هنا يقتضي الترتيب أم لا يقتضي الترتيب؟

    أما هنا فمن المؤكد أنّه لا يقتضي الترتيب؛ لأن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (قل: السلام عليكم، أأدخل؟)، فالسنة العملية بينت الآية بما يجب المصير إليه، ولا يجوز النظر فيما خالفه؛ لأنه متى ما ثبت تفسير الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنّه يجب المصير إلى هذا التفسير.

    يقول النووي رحمه الله تعالى: والصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟

    القول الثاني: يقدم الاستئذان، ويقول: أأدخل؟ السلام عليكم.

    والثالث: التفصيل، وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان.

    قال الشوكاني : وليس عليه دليل.

    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام، يقول العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس -الذي هو الاستئذان- على السلام في قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا [النور:27]، لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك.

    فإذا قلنا: جاء محمد وعلي، فالعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يفيد مطلق التشريك، أي: أنّ الاثنين اشتركا في المجيء، وأما من الأول منهما؟ فلا دليل عليه من هذه الجملة، أما إذا قلنا: جاء محمد ثم علي، فإن (ثم) تقتضي الترتيب والتراخي.

    وقال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى في هذه الآية: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا [النور:27]: هو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، فهذا فيه تقديم وتأخير؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] والركوع قبل السجود، فالعطف هنا يقتضي مطلق التشريك، وليس يقتضي الترتيب.

    وقال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب:7] فهذا ليس فيه ترتيب؛ لأن نوحاً قبل نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إلاّ أنّ هذا لا ينافي أن يعطف بالواو والمراد منها الترتيب، لكن لابد أن يدل دليل على اقتضائها الترتيب في ذلك الموضع.

    ومثال مجيئها للترتيب قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فلو تركت هكذا بدون دليل لجاز لك أن تبدأ في الطواف والسعي بأي واحدة منهما، ولكن جاء حديث يدل على أن المراد بالواو هنا الترتيب، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أبدأ بما بدأ الله به)، وفي بعض الروايات: (ابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، فهذا يدل على أن (الواو) هنا تقتضي الترتيب وليس مطلق التشريك.

    وأيضاً في قول حسان رضي الله تعالى عنه:

    هجوتَ محمداً وأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء

    برواية الواو: (وأجبت)، فهذه الواو تقتضي الترتيب؛ لأن هناك من هجا النبي صلى الله عليه وسلم، فدافع عنه حسان رضي الله عنه، فجواب الهجاء لا يكون إلا بعده.

    وإيضاح ذلك: أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وهذا بيان للمراد من القرآن الكريم، فيتعين المصير إليه، كما أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأقر من أتى به، وأنكر على من خالفه.

    حكم قول: (أنا) في الاستئذان وغيره

    بعض الناس يتحرج جداً من كلمة (أنا)، فيحسبون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كره من جابر كلمة (أنا)، وقال له: (أنا، أنا!) أن هذه فيها تشبه بإبليس، وهذا المعنى راسخ عند العوام، حتى إن بعضهم إذا كلمته واضطررت إلى استعمال كلمة (أنا) يقول: أعوذ بالله من أن أقول: (أنا)، فهم يظنون أن هذا تشبه بإبليس، حتى قال بعضهم: كلمة (أنا) لم تزل مشئومة على أصحابها، ولا شك أن هذه الكلمة لا تزال جارية على ألسنة الطغاة والمتجبرين في سياق ذكر مفاخرهم، والزهو بأنفسهم.

    فالحكم على كلمة (أنا) ليس على إطلاقه، والسياق يفرق، فأحياناً يجوز استعمالها، وأحياناً لا يجوز استعمالها، فلا يجوز استعمالها في أمر الاستئذان، ولا يجوز أيضاً أن يستعملها الإنسان في الزهو، أو الفخر، نحو: أنا الذي عملت، وأنا الذي صنعت.. إلى آخر هذه العبارات، كما يفعل الطغاة والمتجبرون، ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في المكروه من الألفاظ في (زاد المعاد): وليحذر كل الحذر من طغيان ثلاث كلمات: من طغيان أنا، ولي، وعندي، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ، فـ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12] لإبليس، وأَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف:51] ابتلي بها فرعون، وإِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] ابتلى بها قارون ، وأحسن ما وضعت له (أنا) في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه، ولي في قوله: لي الذنب، ولي الجرم، ولي المسكنة، ولي الفقر والذل، وعندي في قوله: اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي. يعني: أنها تستعمل استعمالاً صحيحاً واستعمالاً مذموماً كما بينا.

    فليس الأمر كما أطلق من ظن أن كلمة (أنا) مكروهة لمجرد مشابهة إبليس، خاصة أن هناك نصوصاً كثيرة تناقض هذا القول، حيث استعملت فيها كلمة (أنا) في موضعها، فلا حرج من استعمالها في موضعها، فمن ذلك قول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، وقال عز وجل حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]، وقال: وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]، وقال: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت:50]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا) في عدة أخبار مثل قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وقوله أيضاً صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر : أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا) فقول أبي بكر (أنا) لا محذور فيه؛ لأنّه كان حاضراً في المجلس ويرونه، بخلاف ما لو كان في الاستئذان. (قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا، قال: من أطعم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر : أنا، قال مروان بن معاوية : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة).

    وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله عز وجل بما لا أعلم؟!

    وقال علي رضي الله عنه: أنا الذي سمتني أمي حيدرة .

    وعن بريدة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المسجد وأبو موسى يقرأ، قال: فجئت فقال: من هذا؟ قلت: أنا بريدة).

    وفي الصحيح في حديث أم هانئ : (فقلت: أنا أم هانئ).

    إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام

    آخر هذه المسائل: إذا قيل له: ادخل بسلام فهل يدخل؟ كان طلحة بن مصرف إذا قيل له ذلك قال: إن شاء الله، فيستثني، أي: أدخل بسلام إن شاء الله، فيحتاط.

    وكان ابن عمر إذا قيل له ذلك لم يدخل، وعلل ذلك بأنه شرط لا يدري أيفي به أم لا، وقال: إنما أنا بشر.

    عن مجاهد قال: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه حر الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، فقال: قولي: ادخل، قالت: ادخل، فدخل.

    وعن عبد الرحمن بن جدعان قال: كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فاستأذن على أهل بيت، فقيل: ادخل بسلام، فأبى أن يدخل عليه. قال شارح (الأدب المفرد): لعل الإباء كان لمصلحة دينية.

    وقال ابن عطية : كأنه توقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد: ادخل بسلامك لا بشخصك.

    وقال الألباني رحمه الله تعالى: وذلك لأن مثل ابن عمر لا يمكن أن تخفى عليه سنة الاستئذان بالسلام، وعليه فلا بد أن يكون قد سلم عند الاستئذان، فلما قيل له: ادخل بسلام، فيكون هذا الأمر -والحالة هذه- لا معنى له، بل لعله إلى الاستهزاء أقرب؛ ولذلك لم يدخل عليهم، ولعله مما يؤيد هذا التأويل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند آخر صحيح بلفظ: عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام، رجع، وقال: لا أدري أدخل بسلام أم بغير سلام.

    فهذا هو الذي فهمه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأما العلماء الآخرون فقالوا: هي تشترط عليه شرطاً، وهو لا يدري أيفي بهذا الشرط أم لا، وقال: إنما أنا بشر؛ فلذلك كان يمتنع من الدخول ويقول: لا أدري أأدخل بسلام أم بغير سلام، فالتعليل الأخير أقوى، وهو: أنها أذنت له بشرط أن يدخل بسلام؛ ولكونه بشراً غير معصوم خشي ألاّ يفي بهذا الشرط، فامتنع عن الدخول بهذا الشرط احتياطاً وتورعا،ً أو طلب منها أن تأذن له بالدخول بدون الشرط المذكور، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وعن معاوية بن خديج قال: قد قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستأذنت عليه، فقالوا لي: مكانك حتى يخرج إليك، فقعدت قريباً من بابه، قال: فخرج إلي، فدعا بماء، فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقلت: يا أمير المؤمنين! أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره.

    فلا بأس أن من استأذن فقيل له: حتى أخرج، أن يقعد قريباً من الباب.

    نكتفي الليلة بهذا القدر، ونكمل البحث إن شاء الله الأسبوع القادم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.