إسلام ويب

المنهج العلمي [1]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، ومن تعدى سبيلهم عمداً ضلّ، ومن تعداه مجتهداً زل، وأول ما ينبغي الاشتغال به في العلم هو كتاب الله عز وجل حفظاً وفهماً، وذلك بحفظ وفهم ما يعين عليه من لسان العرب، ومعرفة الأحاديث الواردة في تفسيره، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ودراسة أخباره وأحكامه.

    1.   

    شهر رمضان، ومواسم الخير فيه

    الحمد لله الذي جعل العلم النافع حصناً لأوليائه وجنة، وفتح لهم به أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الأهواء المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة، وصلى الله على عبده ورسوله محمد قائد الغر المحجلين وممهد السنة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فإن حكمة الله تبارك وتعالى اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وميداناً للتنافس، وكان من فضله تبارك وتعالى على عباده وكرمه أنه يجزي على القليل كثيراً، ويضاعف الحسنات، ومن فضله ومنته على عباده أن يجعل لهم مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.

    قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62]: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب.

    ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن المجيد، ولذا فإنه حريٌ بالمؤمن الاستعداد لهذا الشهر الكريم حال قدومه، والتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل؛ لئلا يفوته الخير العظيم، ولا ينشغل بمفضول عن فاضل ولا بفاضل عما هو أفضل منه.

    ولو أن كل واحد منا استحضر في قلبه أحب الناس إليه وقد غاب عنه أحد عشر شهراً، ويفترض أنه قد بشر بقدومه وعودته خلال يومين أو ثلاثة أو خلال أيام قلائل وأنه سيعود أحب الناس إليه بعد أن غاب عنه أحد عشر شهراً فكيف ستكون فرحته بقدومه واستبشاره بقربه وبشاشته للقائه؟

    إن أول الآداب الشرعية لشهر رمضان أن نتأهب لقدومه قبل الاستهلال، وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، ولإزالة الشك في رؤية الهلال منتظرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره؛ لأن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى الذي يقول في محكم كتابه: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، فيفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان، ويستبشرون به، ويحمدون الله على أن بلغهم إياه، ويعقدون العزم على عمارته بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات، وأولئك يبشرون بقول الله تبارك وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل الذي فرضها علينا، والله تبارك وتعالى يقول: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124]هكذا يستبشر الصالحون بقدوم رمضان لما يرون فيه من الفرصة كي يتقربوا إلى الله عز وجل.

    وفي حديث الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان إن الله ليكتب أجره ونوافله ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله، وذلك لما يعد فيه المؤمنون من القوة للعبادة، وما يعد المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر).

    الارتباط الوثيق بين شهر رمضان وقراءة القرآن

    مواسم الخيرات وأنواعها في رمضان كثيرة، ولكن الذي ينبغي أن نبدأ به ونهتم به جداً أن نلاحظ أن رمضان يرتبط ذكره ارتباطاً وثيقاً ليس -فقط- بفريضة الصيام، ولكن أيضاً يرتبط رمضان المعظم بالقرآن ارتباطاً وثيقاً، حتى إن الله تبارك وتعالى في آية الصيام قال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، فهناك ربط وثيق بين شهر رمضان والقرآن العظيم.

    ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة) فقرن أيضاً بين الصيام وبين القرآن، إذاً هذا هو شهر القرآن، وينبغي أن تكون علاقتنا فيه بالقرآن علاقة متميزة تختلف عن سائر الشهور، فمن كان يحتفي بالقرآن في كل شهر وفي كل أسبوع وفي كل يوم فليتضاعف احتفاؤه به حتى ولو هجر كل ما عدا قراءة القرآن من الطاعات والعبادات الأخرى، فحقيق وحري بهذا الشهر أن يمحضه العبد لتلاوة القرآن الكريم وتعظيمه والتدبر فيه، يقول صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه. فيشفعان).

    ففي هذا الشهر خصوصاً السبب الوحيد الذي ينبغي أن يمنعنا من النوم بالليل هو الاحتفاء بالقرآن الكريم، حتى تدخر ذلك عدة لك يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، حتى يشفع لك القرآن، ويقف ويتكلم بين يديك قائلاً لله عز وجل: (أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه) تشفع لك قراءته.

    1.   

    فضائل القرآن الكريم

    لقد ثبتت فضائل عظيمة جليلة للقرآن العظيم في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبشروا؛ فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين) وإنما سمى الكتاب والسنة ثقلين لأن الأخذ والعمل بهما ثقيل فيحتاج إلى مجاهدة، أو لأن كل واحد منهما ثقيل في الميزان، ومن الأول قول الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار).

    فقوله: (القرآن شافع مشفع) يعني: إذا شفع في شخص تقبل شفاعته (وماحل مصدق) (ماحل) مخاصم مجادل. إذا جادل وخاصم رجلاً أمام الله عز وجل فإن الله يصدق شهادته في هذا الرجل، ويعاقبه بهجره القرآن.

    ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض).

    ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم -أيضاً- في فضيلة القرآن: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) و(الإهاب) في اللغة هو الجلد، والمقصود به في هذا الحديث الجسم الذي يحفظ القرآن والصدر الذي يعي القرآن، والإشارة هنا إلى أن من وعى قلبه القرآن وعمل به فإنه يأمن من أن يحرق صدره بالنار وهو وعاء لكلام الله تبارك وتعالى.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار)فكيف لو جمع القرآن في صدر عبده المؤمن؟! ويقول صلى الله عليه وسلم في رواية في أخرى: (لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار).

    وهناك فضائل كثيرة في فضيلة تعلم القرآن وتلاوته، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه) فهذا فيه توثيق الصلة بالقرآن حتى لا ينساه صاحبه.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون) فكل حرف من القرآن يؤجر عليه الإنسان عشر حسنات، ويضاعف الله تبارك وتعالى لمن شاء.

    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) يعني أن موقف كل إنسان من القرآن إما يكون سبباً في رفعته في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون سبباً في هبوط منزلته وانحداره.

    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى أهلين من الناس. فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته).

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنكِ -يعني فاطمة عليها السلام- أول أهل بيتي لحاقاً بي، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك).

    فقوله: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين) يعني: في العام الذي توفي فيه (ولا أراه إلا حضر أجلي) استأنس وفهم من ذلك أن تكرار العرض في هذه العام مرتين لمزيد من الاحتياط في تثبيت القرآن، فعلم بذلك واستأنس أن أجله قد اقترب عليه الصلاة والسلام، ثم قال لـفاطمة: (وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك).

    ومنها أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).

    فقوله: (إن من إجلال الله) يعني: من تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى ومن تعظيم الله الاهتمام بهذه الأشياء وتعظيم هذه الأشياء التي ذكرها عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وفي التنزيل الكريم: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، فمن تعظيم شعائر الله تعظيم هؤلاء. (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: المسلم الذي شاب رأسه في الإسلام ونور الله تبارك وتعالى وجهه بالشعر الأبيض الذي يدل على أن هذا الشخص قد عبد الله عز وجل مدة طويلة في هذا العمر الذي امتد به حتى هذا الوقت. وهذا الذي يستحي الله تبارك وتعالى أن يعذبه بعدما شاب رأسه أو شعره في الإسلام وفي طاعة الله تبارك وتعالى والصيام والصلاة وذكر الله عز وجل، فمن تعظيم الله وإكرام الله وإجلال الله أن تكرم ذا الشيبة المسلم.

    (وحامل القرآن) وأيضاً من إجلال الله إكرام حامل القرآن، ولم يقيده بسن، فينبغي تعظيم حامل القرآن سواء أكان صغيراً أم كبيراً؛ لأنه في النوع الأول ذكر إكرام ذي الشيبة المسلم لأجل السن فقط، أما هنا فقال: (وحامل القرآن) دون تقييده بسن، لكن اشترط فيه شرطين: الأول: (غير الغالي فيه) وهو الذي لا يتجاوز الحد، والثاني: (ولا الجافي عنه) وهو الذي يهجره ويتركه، فاشترط في حامل القرآن كي يكون مستحقاً لهذا الإكرام وهذا الإجلال أن لا يكون غالياً في القرآن يتجاوز حدود الله فيه ولا جافياً عنه تاركاً له.

    (وإكرام ذي السلطان المقسط)، وهو الخليفة أو الوزير أو الحاكم إذا كان عادلاً مقسطاً يرضي الله تبارك وتعالى ويتقي الله في رعيته.

    ومما ورد كذلك في بيان فضل القرآن الكريم قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض الصحابة: (أوصيك بتقوى الله تعالى؛ فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض).

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟)يعني: يجد في بيته ثلاث خلفات قد رزقه الله إياها. والخلفة: هي الحامل من النوق. والناقة الحامل قد يكون فيها أجنة متعددة، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان -ثلاث نوق حوامل عظام سمان-؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان) وتأمل من الذي يقول هذا ومن الذي يخبر ويبشر به! إنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فحينما يقول صلى الله عليه وسلم: إن هذا خير فإنه قطعاً يكون خيراً.

    ويقول -أيضاً- عليه الصلاة والسلام: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين؟) يعني بالكوماء الزهراء عالية السنام ذات البهجة عظيمة الخلقة ( في عير إثم ولا قطع رحم، فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل) وجعل محل وموضع تعلم القرآن وقراءته المسجد، فالقرآن هو أفضل ذكر على الإطلاق، وهو كلام الله عز وجل، فإذا انضاف إليه شرف المكان وهو المسجد كان ذلك سبباً للحصول على ثواب أعظم وأكثر.

    وفي الحقيقة هذه السنة مهملة إلى حد كبير في مساجدنا، مسألة قراءة القرآن في المساجد خصوصاً في الأوقات التي يتردد فيها المسلمون خمس مرات في اليوم، ونلاحظ أنه في بعض البلاد -كالسعودية مثلاً- عندما تدخل أي مسجد بين الأذان والإقامة تجد للقرآن دوياً كدوي النحل، فالناس يأتون إلى المسجد قبل الأذان أو عند الأذان أو بعد الأذان، وهناك تترك فترة بين الأذان والإقامة، فتجد جميع الناس -تقريباً- منشغلين بالقرآن تماماً إلا من كان يصلي.

    فالإنسان لو أنه قرأ قبل كل صلاة حتى ولو صفحة واحدة من القرآن فإنه سوف يختم القرآن في مدة وجيزة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطع رحم، فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (خياركم من تعلم القرآن وعلمه)، وفي رواية: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة -أي: الملائكة-، والذي يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران).

    وكثير من الناس يهجر قراءة القرآن لأنه يشق عليه قراءة الحروف ولا يتمكن من ذلك فيهجر القرآن، فالإنسان لو قرأ القرآن وهو ماهر به يقيم حدوده فهو مع السفرة الكرام البررة، أما إذا كان القرآن شاقاً عليه ويتتعتع فيه ولا يستطيع قراءته فإنه لا يتركه لكن يقرأ؛ لأن له أجرين كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف)، ومن الذي لا يحب أن يحب الله ورسوله؟! بل لاشك أن كل إنسان يريد أن ينور قلبه بمحبة الله عز وجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسبيل إلى ذلك هو أن يقرأ في المصحف، كما قال عثمان رضي الله تعالى عنه: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله عز وجل).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل)، فهذا هو الحسد الشرعي، وليس هو بالمعنى المعروف وهو تمني زوال النعمة، لكنه الغبطة، فالغبطة أن يتمنى أن يكون له مثل ما لفلان.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب! حلَّهِ. فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب! زده. فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب! ارض عنه. فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق. ويزاد بكل آية حسنة).

    فقوله: (يجيء القرآن يوم القيامة) يعني التلاوة التي تلاها الإنسان، فالقرآن يأتي فيشفع في صاحبه، فيقول لله تبارك وتعالى: (يا رب! حله) و(حله): من الحلية، أي: زيِّنْهُ وألبسه الحلية والزينة، يعني: حل هذا الرجل، فإنه كان يقرؤني آناء الليل وآناء النهار (فيلبس تاج الكرامة) أي: على رأسه، (فيقول: يا رب! زده. فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب! ارض عنه. فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق. ويزاد بكل آية حسنة).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد. فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه) تنتهي منزلته في العلو والارتفاع عند آخر آية يحفظها.

    وفي رواية أخرى: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).

    فضل سورتي البقرة وآل عمران

    ثبت كثير من النصوص في فضائل سور أو بعض سور من القرآن الكريم، ونذكر منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).

    وقوله: (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان -سحابتان- أو كأنهما فرقان من طير صواف -أي: جماعتان من الطيور التي تصف أجنحتها عند الطيران - (يحاجان) عن أصحابهما)(يحاجان) يدافعان ويشفعان لصاحبهما.

    وقوله: (اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)يعني السحرة، فقراءة سورة البقرة تحمي من هذا الشر.

    فعمم أولاً ورغبنا في قراءة القرآن عموماً، ثم خص الزهراوين البقرة وآل عمران، ثم خص البقرة آخراً.

    ومن هذه الأحاديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتي القرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة وآل عمران يأتيان كأنهما غيايتان وبينهما شرف -يعني ضوء-، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلتان -أي: تشبهان السحاب- من طير طواف يجادلان عن صاحبهما).

    فهذا فيما يتعلق ببعض الفضائل الثابتة في تلاوة القرآن المجيد.

    1.   

    علاقة المسلم بالقرآن في شهر رمضان

    لابد من أن تكون علاقتنا بالقرآن في رمضان علاقة استثنائية، ومهما كان اهتمامنا بالقرآن خلال العام كله فلابد من أن يكون هناك مزيد من الاهتمام الخاص في رمضان الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالقرآن، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1-5].

    فالقرآن جمع له الشرف من كل الوجوه، فهو أشرف كتاب نزل على أشرف أمة بسفارة أشرف الملائكة جبريل عليه السلام، نزل على أشرف نبي وهو محمد عليه الصلاة والسلام في أشرف شهور السنة وهو رمضان في أشرف ليالي هذا الشهر الكريم وهي ليلة القدر في أشرف بقاع الأرض وهي مكة بأشرف لغة وهي اللغة العربية، فهذا القرآن الكريم قد جمع له الشرف من كل الوجوه.

    فإذاً ينبغي أن تكون أيام رمضان ولياليه فرصة لعقد صلح مع القرآن، وتكون الخطة هي التهيؤ لرمضان قبل حلوله، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه في كل ليلة من رمضان ينادي مناد: (يا بغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر).

    فمن أعظم الخير الذي ينبغي أن ينتهزه الإنسان في رمضان هو تلاوة القرآن الكريم؛ لأن رمضان هو شهر القرآن، فينبغي أن يكثر العبد من تلاوته وحفظه وتدبره وعرضه على من هو أقرأ منه.

    وقد كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه دارسه فيه مرتين.

    حال السلف مع القرآن في رمضان

    كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها.

    وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير الصلاة، فهذا في الحقيقة ليس له تفسير سوى البركة العظيمة التي وضعها الله تبارك وتعالى في أعمار وأوقات هؤلاء الصالحين.

    وكان الأسود يقرأ القرآن كل ليلتين في رمضان.

    وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة.

    وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة المصحف.

    وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك نوافل العبادات وأقبل على قراءة القرآن.

    وقال الزهري : إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام فهذا شغله الشاغل، قراءة القرآن وإطعام الصائمين.

    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم.

    ونحن لن نقول: نختم القرآن في ثلاثة أيام أو في يومين أو في يوم أو في اليوم الواحد ختمتين. لكن نقول: على الأقل كل مسلم يختم مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات، لكن السنة كما روي في الأحاديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ختم القرآن في أقل من ثلاث)؛ لأن الإنسان إذا قرأ القرآن في أقل من ثلاث فإنه يهزه هزاً، أي: لا يستطيع أن يتدبر الآيات جيداً، فحده في كل يوم أن يقرأ عشرة أجزاء، فهذا يعني أكثر ما يمكن أن يكون.

    لكن الذي ثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تحزيب القرآن أنهم كانوا يختمونه في كل سبع مرة، فكانوا يختمون السور الثلاث الأولى غير الفاتحة في أول يوم، فيبدأ في اليوم الأول بثلاث سور: البقرة وآل عمران والنساء، وفي اليوم الثاني خمس سور: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة، واليوم الثالث سبع، واليوم الرابع تسع، واليوم الخامس إحدى عشرة، واليوم السادس ثلاث عشرة، وهذا ينتهي عند سورة الحجرات، ويبقى اليوم السابع فيبدأ بسورة (ق) -التي هي حزب المفصل- إلى الناس، هذا هو اليوم الأخير، فهذا هو تحزيب الصحابة رضي الله تعالى عنهم للقرآن الكريم.

    ولا شك أن مسألة طلب العلم أو هذه الوظائف الشريفة تتفاوت حسب ظروف كل إنسان كما سنبين إن شاء الله تعالى، لكن من وجد فرصة لذلك فلا يضيعها؛ فإنك لا تدري هل يمتد بك العمر ويأتي عليك رمضان الآخر أو لا، فهذه فرصتك كي تعتق من النار، فرصتك أن تغتنم ثواب قراءة القرآن العظيم وتكون فرصة لإصلاح الحال والتوبة إلى الله تبارك وتعالى.

    1.   

    فضيلة قيام شهر رمضان كله

    في حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وجاء (من صام رمضان).

    فكلما حافظت على قيام رمضان كان ثوابك أتم، فاحرص على أن لا تخلي ليلة من ليالي رمضان من قيام.

    والحقيقة أن عامة الناس يفوتهم ثواب عظيم جداً، فكثير منهم يجتهد في قيام رمضان ولكن لا يلتفت إلى أن رمضان يبدأ برؤية الهلال، فالناس تعودوا أنهم يبدءون القيام في الليلة الثانية فيفوتون ليلة من رمضان، فإذا ثبت أن هذه الليلة من رمضان فلا ينبغي تفويت القيام لله في أول ليلة من رمضان، بل المفروض أن تكون الهمة أعلى درجة في أول ليلة، فنحرص عليها.

    وحتى يتم للإنسان ثواب القيام عليه أن يحرص على أن لا يفارق الإمام قبل إتمام القيام؛ فإن من صلى خلف الإمام حتى يسلم وينصرف كتب له قيام الليلة كلها.

    وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وصمت الشهر وقمت رمضان وآتيت الزكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء) ، فقوله: (من مات على هذا) يعني: ثابتاً على هذا (كان من الصديقين والشهداء)، فانظر كيف جمع وقرن قيام رمضان بفرائض وأركان الإسلام، وليست العبادات الواجبة فحسب، لكنها أركان الإسلام المذكورة في هذا الحديث.

    وهذا فيما يتعلق بالتنبيه على أن كل إنسان يخصص لنفسه حزباً معيناً وظيفة معينة في كل يوم بالنسبة للقرآن الكريم، لا يهجره ولا يقصر فيه في هذه الفرصة العظيمة التي يصعب تعويضها إن فاتت.

    1.   

    نصائح وتوجيهات لطلبة العلم

    هذا الموضوع قد كثر سؤال بعض الإخوة فيه وطلبهم أن نتكلم بالتفصيل فيما يتعلق ببعض التوجيهات في طلب العلم الشرعي، سواء أكان ببعض التنبيهات والنصائح أم كان بتحديد أفضل الكتب في شتى العلوم الشرعية.

    والكلام أساساً يتوجه إلى الإخوة طلاب العلم المجدين الذين عندهم همة في طلب العلم، والراغبين في التحصيل بصورة منهجية تجمع بين المنهجية والمرحلية.

    وكل طبقة حسب ظروفها واستعدادها يمكن أن يكون لديها الحد الأدنى من الأرضية التي تشكل الثقافة الإسلامية إذا جاز التعبير، والتي لا يليق أن تنقص عن هذا الحد بالنسبة لأي مسلم من العوام أو من طلبة العلم.

    أهمية تغيير الأفكار وتصحيح المفاهيم الخاطئة

    نحن نتذكر دائماً قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، ونقول: إن بداية التغيير هي فكرة، فلابد من أن يكون هناك تغيير في الفكر؛ لأن أي سلوك عملي سواء أكان جهاداً دعوياً أم موقفاً عملياً يتخذه الإنسان هو عبارة عن مرآة تعكس ما عنده من فكر، فكل إنسان يكون في ذهنه أو في قلبه مادة معينة يحاول أن يوظف حياته وطاقته لخدمة هذا المادة، فإذا تكلمنا على تغيير أحوال الأمة -سواء في نطاق الأفراد أو الجماعات- فالتغيير يبدأ من أنفسنا، ولا نستطيع أن نغير أنفسنا إلى ما يوافق رضا الله تبارك وتعالى حتى نستوثق أن هذا الفهم الذي سنسعى لأجل التمكين له ونشره في الناس هو موافق لما يرضي الله عز وجل.

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد أشار إلى هذا المعنى في حديث ذكر فيه مراحل السقوط التي تمر بها الأمة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (تكون نبوتي فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها...) ثم ذكر أنه بعد ذلك سيكون ملك عاض، ثم بعده سيكون ملك جبري، ثم قال في آخر هذه المراحل عليه الصلاة والسلام: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ثم سكت صلى الله عليه وسلم، فتأمل أنه بعد مراحل الضعف أخبر عليه الصلاة والسلام أنه ستكون خلافة على منهاج النبوة.

    إذاً لابد من أن نركز على منهاج النبوة، وأن نفهم هذا الحديث في ضوء هذا المعنى، فلا يمكن أن يحصل تمكين للمسلمين من جديد، ولن يعودوا إلى عزتهم إلا بمنهاج النبوة، وأي منهج يخالف منهاج النبوة فليس هو سبب التغيير، ولن يؤدي إلى هذا التمكين.

    وبقاء جماعة المسلمين أمر لاشك فيه؛ إذ الجماعة لها معنيان: معنى سياسي ومعنى منهجي، فالجماعة بالمعنى السياسي: الكيان والبناء الذي يمكن أن يتخلف في بعض الأعصار والأزمان. والشاهد لهذا في حديث حذيفة : (فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام) فإنه يدل على إمكانية أن يبقى المسلمون بدون جماعة بالمعنى السياسي، وهي جماعة الخلافة، لكن الجماعة بالمعنى المنهجي العلمي قد ضمن الله تبارك وتعالى بقاءها إلى أن يأتي أمر الله في آخر الزمان، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة أن ضمن لها بقاء هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.

    فإذاً موضوع الفهم الذي نسعى لأجل تحقيقه أمر مهم جداً؛ لأن كل معاني ذلك هو وسيلة، فبعض الناس يركز على قضية الجهاد، ولا شك أنه ذروة سنام الإسلام، لكن إذا تأملنا في الجهاد عرفنا أنه عبارة عن وسيلة لتمكين الدين، فالجهاد شرع من أجل إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى ونشر كلمة الإسلام والدفاع عن حوزته، فإذاً الجهاد وسيلة للدعوة ووسيلة لنشر الفهم الصحيح للإسلام الذي يوافق منهاج النبوة ويوافق منهج الفرقة الناجية.

    فالغاية والهدف تعبيد الناس لربهم تبارك وتعالى، أما وضع أهداف خلاف هذا الهدف فإنه في الحقيقة يترتب عليه كثير من الأضرار، فبعض الناس إما أنه يجعل الهدف هو إقامة دولة الإسلام، ولا يشترط أن تكون دولة الإسلام في زمن من الأزمان أو ظرف من الظروف هي الهدف، إنما ينبغي أن يكون الهدف هو إرضاء الله تبارك وتعالى، وإرضاء الله يكون بأن تنفذ ما يكلفك الله سبحانه وتعالى به حسب طاقتك وحسب الظروف التي تحيط بك، فإن الدعوة -بلا شك- تمر بمراحل شتى مختلفة سواء بالنسبة للزمان أو بالنسبة للمكان، فإذا جعلنا الهدف هو إقامة الدولة الإسلامية ثم لم تحقق الدولة فسيحصل نوع من الإحباط، وكأنه ليس هنالك شيء يعمل الإنسان من أجله، لكن إرضاء الله تعالى هو هدف أعم، فإرضاء الله يكون بأن تفعل ما تستطيعه، فأنت غير مطالب بالنتائج إذا ما قصرت، لكن أنت مطالب بالأخذ بالأسباب حسبما تستطيع.

    ضرورة الاجتهاد في نشر المنهج الحق

    ينبغي أن نوقن أن بداية التغيير هي فكرة، وأساس التغيير يكون في الفكر وفي الفهم وفي العقيدة، وتصحيح وتغيير المفاهيم الفاسدة في عقول كثير من المسلمين فضلاً عن غير المسلمين، فهذا في الحقيقة من أعظم مقاصد هذا التغيير الذي ننشده، فلا ينبغي أن تحتقر أبداً أنك تصحح عقيدة رجل -مثلاً- يعبد القبور وينذر للموتى ويطوف بالأضرحة ويسجد لها، بأن تقنعه وتصحح عقيدته وتطهر قلبه من هذا الشرك، فهذا تغيير حقيقي، بل هو أعظم أنواع التغيير من حيث عمق الأثر والفائدة التي تترتب عليه.

    وفي الحقيقة نحتاج إلى مقدمة بين يدي الكلام في هذا الموضوع، ونحن نريد أن نتعلم كي نفهم الإسلام فهماً صحيحاً، هذا الفهم الصحيح سينعكس في سلوكنا وفي عملنا، ثم ينعكس أيضاً في دعوتنا للآخرين كي ندعوهم إلى فهم صحيح للإسلام، وكثير من الجماعات يجتهدون اجتهاداً عظيماً في الدعوة، فالشيعة -مثلاً- إذا اطلعت على جهادهم في سبيل دعوتهم واستماتتهم في سبيل التبشير بهذه الدعوة الخبيثة رأيت ما يستحي أهل الحق من ربهم تبارك وتعالى أنهم لا يفعلون عشر معشار.

    وكذلك الصوفية فإنهم مبتدعون وضالون، وتجدهم ينفقون أموالهم وأوقاتهم في سبيل نشر أفكارهم الخبيثة، وهكذا، فتجد أن كثيراً من الذين في فكرهم الانحراف والضلال من حيث العمل والحركة عندهم حركة كثيرة، لكن نشكوا إلى الله عز وجل -كما يقول عمر رضي الله عنه- جلد الفاجر وعجز الثقة، ونجد أن كثيراً من أهل الحق يتقاعسون عن نشر دعوتهم وتصحيح المفاهيم وإحداث هذا التغيير العميق والخطير، فالتغيير ينبغي أن ينصب في إحداث تغيير في الفكر وتصحيح في العقيدة وفي المفاهيم حتى ينعكس على السلوك، وهذا هو الأسلوب الذي يبني، أما مجرد التربية الجماهيرية للناس بكثرة العدد فإنها أشبه ما تكون بمجموعة من الأثاث غير المنظم، والمتراكم بعضها على بعض، لكن إذا هذبت وصقلت فهذه هي التي تصلح أن توضع لبنة في بنيان، فتكون الجماعة كالبنيان المرصوص الذي امتدح الله عز وجل أهله، فإذاً لا بد من التعامل مع الناس بهذا الطريق طريق التصحيح الفردي والاقتراب من كل شخص لتصفية عقيدته وتصفية مفاهيمه ومراقبة سلوكه والتدرج معه حتى يكون هناك إنجاز بعد وقت، أما التربية العامة فإنها في الغالب بعد وقت لا تنجز شيئاً إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، فهذا هو الهدف. لذلك فالعلم هو السبيل الذي يعطينا هذه البصيرة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، إذاً لا بد من أن تكون الدعوة على بصيرة، وإنما نحصل على البصيرة من العلم، فالعلم هو الشيء الوحيد الذي كلف الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلب منه المزيد، فما أمر الله نبيه أن يستزيده من شيء إلا من العلم، فقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    فهذا ما نريد أن نمهد له في هذا الكلام، أن التغيير لابد من أن يكون تغيير فكر وتغييراً في المفاهيم؛ لأن كل ما عدا ذلك فهو وسيلة للتمكين لهذا المفهوم، فإذا اجتمعت كل الاتجاهات -مثلاً- أو كل الجماعات أو كل هذه الألوان وتوحدت على الدعوة وعلى الجهاد، وبقي فيما بينهم اختلاف في الفهم فإنها ستعود الفرق من جديد، حتى إذا حصل تمكين سيحصل ما رأينا له صورة مصغرة في أفغانستان من التناحر الفكري والقبلي، وهذه الأشياء نتيجة عدم توحد المفهوم أو عدم وجود المفهوم الصحيح الكامل للإسلام في هذه الأشياء.

    1.   

    آداب طلب العلم

    هناك بعض النصائح التي نحتاج -أيضاً- للكلام فيها بين يدي الكلام في موضوع طلب العلم.

    تصحيح النية

    أول هذه النصائح هو تصحيح النية، فالذي لا يصحح نيته يتعب نفسه، ويكون تعبه هباء منثوراً، فلا بد أولاً من تصحيح النية، بأن يريد بالعلم وجه الله عز وجل ونيل فضائله.

    مراعاة فقه الأولويات

    وأمر مهم آخر فيما يتعلق بموضوع طلب العلم، وهو مراعاة الأولويات في المقاصد التي يطلبها الإنسان في العلم، وفقه الأولويات معناه أن هناك من العلوم ما هو علوم خادمة وهي علوم الوسائل، وعلوم مخدومة وهي علوم المقاصد، فلابد للإنسان من أن يبتدئ أولاً بالانشغال بهذه العلوم المخدومة، فيعطي أولوية لنوعين من العلوم، وهي فقه الإيمان وفقه الأحكام، أو بعبارة أخرى: الفقه والتوحيد.

    وفقه الإيمان يعني أمور العقيدة ومسائل التوحيد والإيمان، أن يفقهها ويتعلمها على مذهب السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فالأولوية المطلقة هي للتوحيد الذي هو فقه الإيمان والعقيدة.

    ثانياً: فقه الأحكام، وهو فقه العبادات الذي به يصحح الإنسان عبادته ويعبد ربه تبارك وتعالى، فالعلوم إذاً علوم غاية وعلوم وسيلة.

    فعلوم الغاية هي التوحيد والفقه.

    وعلوم الوسيلة هي العلوم الخادمة، كاللغة والنحو والصرف، وغير ذلك من العلوم التي تكون خادمة ووسيلة لخدمة ما عداها من العلوم.

    والنجاة في فقه الإيمان أن يكون على مذهب السلف، والنجاة في فقه الأحكام أن لا يتعصب الإنسان لآراء الرجال ويخالف الدليل إذا ثبت لديه، حتى ولو تمذهب لا يكون متعصباً، فلا يقدم آراء الرجال على حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    الشمولية والتوازن

    ومن النصائح المهمة في هذا الباب الشمولية والتوازن.

    والتوازن معناه أن الإنسان يأخذ من العلم حسب وظائفه؛ لأن الناس تتفاوت أشغالهم، فمنهم التاجر، ومنهم طالب العلم، ومنهم طالب في الكلية، وهكذا تتفاوت الظروف، وبالتالي يتفاوت حظ الإنسان من هذه العلوم بقدر تفاوت وظائفه الأخرى، فالمطلوب أن يكون عند الإنسان نوع من التوازن بين هذه الواجبات، حتى لا يضيع حق أي طلب، وفي الحديث: (إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه)، فحتى لا ينقطع الإنسان ينبغي أن يوجد من البداية نوع من التبادل بين وظائفه، ويختار الدرجة من العلم التي تناسب ظروفه حتى لا يحدث اضطراب يؤثر على سيره في طلب العلم.

    التدرج في طلب العلم

    ولابد من التدرج في سلم التعلم، فيتلقى المبادئ الأولية من كل علم، خاصة علمي التوحيد والفقه، فلابد من المبادئ الأولية أولاً، ولا يقفز مباشرة إلى المراجع الكبيرة أو إلى العلوم التي يمكن تأجيلها، فلا ينشغل بشيء أهم عما هو أهم منه.

    تلقي العلم عن الشيوخ

    الأصل في العلم أن يتلقاه الإنسان عن الشيوخ مشافهة، فهذه هي الطريقة الصحيحة مطلقاً لطلب العلم.

    أما عند العجز عن ذلك فنضطر في مثل هذا الزمان إلى البدائل، فالإنسان يطلب العلم عن الشيوخ، فإذا لم يجد شيوخاً يرحل إلى أقرب بلد فيها شيوخ ويطلب العلم على أيديهم ويلازمهم ويكثر الجلوس إليهم، فإن لم يجد فالبديل أن يترقب الأمثل فالأمثل، وهو الأقرب نسبياً للشخص الذي يمكن أن يكون أعلم منه ويفيده في توجيهه في طلب العلم، فإن لم يجد فالبديل هو التلقي عن طريق الكتب، لكن لابد من الأخذ عن شيخ يعلمه مبادئ العلوم الخادمة كعلوم اللغة العربية ومنها علم النحو، وأغلب من يصل اليوم إلى مرحلة الثانوية العامة في الغالب له شيخ -بل شيوخ- في اللغة العربية؛ لأنه يدرسها في المدرسة بصورة تؤهله لأن يستفيد من هذه الدراسة في العلوم الشرعية.

    فالأصل هو تلقي العلم عن الشيوخ، إلا إذا تعذر أو تعثر ذلك فيبحث عن بديل، والبدائل -كما ذكرنا- طالب علم أقوى منه أو أسبق تجربة فيفيده، أو أشرطة الشيوخ، وهناك بعض المتون والكتب قد شرحها كثير من الشيوخ الأفاضل فينبغي الرجوع إليها للإستفادة منها والاقتباس من نورهم، أو قراءة الكتب.

    1.   

    احترام العلماء

    حتى لا يحرم الإنسان من بركة العلم فإنه محتاج لبعض التوجيهات، وأهمها احترام العلماء، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30].

    ويقول تبارك وتعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] فهذه علامة التقوى في القلب، تعظيم شعائر الله، والشعيرة: هي كل ما أذن الله به وأشعر بفضله وتعظيمه. كل شيء أذن الله به وأشعرنا بفضله وتعظيمه فهذا هو الشعيرة، وتعظيم أهل العلم وأهل الخير من شعائر الإسلام، فإهانتهم إهانة للإسلام، وفي الحديث السالف الذكر: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).

    ويقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: (اعلم -يا أخي، وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة).

    يعني أن لحوم العلماء من أكلها بالغيبة سم ومات وهلك، قال: (أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت في القلب).

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين ولا تستبيحوا عوراتهم؛ فإن من يتتبع عورة أخيه يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في عقر داره) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (ليس منا) هذا تبرؤ من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ليس على طريقنا ولا من أهل هدينا.

    وكان السلف يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.

    وقال بعضهم: أعراض العلماء حفرة من حفر جهنم.

    وقال الله عز وجل في الحديث المعروف: (من عادى لي ولياً فقد بارزته بالحرب)، ولذلك جاء عن الأئمة أبي حنيفة والشافعي: (إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي).

    إن لم يكن أهل العلم أولى الناس بالله وبنصرة الله ومحبته فلم يبق في هذه الأرض أولياء، فالأولياء ليسوا مجانين وليسوا أطفالاً يسيل لعابهم من أفواههم كما يقول بعض المعتوهين من أمثالهم: هذا ولي. ويبنون عليهم الأضرحة بعد أن يموتوا، والواحد منهم يكون معتوهاً -أي: يكون مريضاً بالعته ونقص العقل- يمشي متجرداً من ثيابه، أو يسيل لعابه في الطرقات، أو يفعل هذه الأشياء وهو في الحقيقة معذور؛ لأنه ليس عنده عقل، وهو غير مكلف، ثم يقولون: هذا ولي من أولياء الله، ويبالغون في ذلك، خاصة في الأرياف فإنه معروف وكثير، فهذا لا يمكن أبداً أن يصدق، بل أولياء الله ليس فيهم مجنون، ولابد من أن يكون أولياء الله عقلاء، بل هم أعقل الناس على الإطلاق.

    فهذا الأمر من ضمانات الفلاح في طلب العلم، أن يراعي الإنسان حرمة أهل العلم ولا يطعن فيهم ولا يتطاول عليهم، وإلا نزعت منه بركة هذا العلم.

    الحذر من الاشتغال باختلافات العلماء

    أيضاً من النصائح التي أهداها العلماء في مثل هذا الموضوع ما قال بعضهم: على طالب العلم أن يحذر في ابتداء أمره الاشتغال بالاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقاً.

    فينبغي لطالب العلم إذا حدد لنفسه هذا الهدف أن يبني على هذا الهدف ويبعد نفسه تماماً عن الاختلافات والصراعات، ومن ذلك الاختلافات في الأمور الفقهية والأمور العلمية، لا يفتح عينه أول ما يفتحها على أمور تتناطح فيها الجبال ويقوم فيها العمالقة من العلماء والمجتهدين، فعليه أن يحذر في ابتداء أمره الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقاً، سواء في العقليات أو السمعيات، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل عليه أن يتقن أولاً كتاباً واحداً في فن واحد -أو كتباً في فنون إن كان ذلك أحسن له- على طريقة واحدة يرتضيها له شيخه، فإما أن يبقى على كتاب واحد ويتقنه تماماً حتى يحفظه ويترك الشيخ يمتحنه فيه مثلاً، وإما أن يشتغل بأكثر من فن إذا كان الشيخ يرجح له أنه يناسبه أن يشتغل بأكثر من فن في وقت واحد حسب الأمثل له، فالمهم أن يبقى على شيء ولا يشتت نفسه.

    الحذر من القراءة العشوائية

    ينبغي أن يحذر الإنسان من القراءة العشوائية، وهذه آفة الآفات، فالموضوع عند بعضهم تسلية، فلا يؤديه بصورة مسئولية أو عبادة عظيمة أو فرض كفاية، لكن المسألة عنده عبارة عن قراءة عشوائية يجمع الكتب ويحسنها ثم لا يقرأ من هذه الكتب شيئاً إلا أنه يأخذ ما يروق لمزاجه، فالشيء الذي يأتي على هواه يقرأ فيه، أما الشيء الصعب عليه فلا يصبر عليه، فهو يتبع ما يوافق هواه فقط وما يحبه من العلوم، أما العلوم الصعبة فإنه يذاكرها إن كان في الجامعة فقط، فإذا كان هناك في الجامعة مادة صعبة فإنه يسهر الليالي ويبتدع كل وسيلة ممكنة كي يفهم هذه المسألة، يذهب إلى المدرس، ويذهب إلى زميله يأتي بالكتب والمراجع، ويكد الليل والنهار في سبيل أن يفهم ما صعب عليه فهمه.

    أما العلوم الشرعية فهو إما أن يقرأها على السرير إلى أن ينام، أو يقرأ الشيء الذي يروق له ويبتعد تماماً عن الشيء الذي يجده صعباً، فمثل هذا لا يأتي بنتيجة، هذه قراءة جرائد ليست قراءة طالب العلم. فليحذر -كما قال العلماء- في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات، فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه، تمر سنوات وسنوات وفي النهاية يجد نفسه ما حصل شيئاً؛ لأنه لم يحقق بل شتت نفسه.

    فعليه أن يعطي الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يدرسه كُلِّيته حتى يتقنه، فيهتم به ولا يشتت نفسه في قراءة المجلدات وفي قراءة الكتب في العلوم الأخرى.

    وطالب العلم ينبغي أن يكون في سلوكه وفي منهجه مختلفاً تماماً عمن عداه، ولماذا نعذر الطالب الذي يكون في كلية أو في معهد أو مدرسة ونقول: لا أحد يزوره؛ فعنده امتحانات ويكون في حالة طوارئ لا أحد يقترب من البيت ولا يزوره؟ وهو عذر كل الناس تقبله، فلماذا طلب العلم الشرعي لا يكون فيه هذا التعظيم؟ وهو أولى بالتعظيم والتركيز وقطع العلائق في سبيل تحصيل هذا الهدف ولو إلى حين.

    كذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح، فالانتقال من كتاب لكتاب من غير ما يوجب ذلك هو علامة الضجر، ومثل هذا لا يفلح ولا يأتي منه خير، هذا إذا كان مبتدئاً، أما إذا تحققت أهليته وتأكدت معرفته فالأولى أن لا يدع فناً من الفنون من العلوم الشرعية إلا نظر فيه، فإن ساعده القدر وطول العمر على التعمق فيه فذاك، وإلا فقد استفاد منه ما يزيل به عداوة الجهل بذلك العلم، ويعتني من كل علم بالأهم فالأهم، ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم.

    طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها

    فطلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، فالإنسان لا يقفز على السلم، فلا ينبغي تعديتها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً ذل.

    فأول ما ينبغي الاشتغال به في العلم حفظ كتاب الله تبارك وتعالى وتفهمه وكل ما يعين على فهمه، وهذا ما سنفصله إن شاء الله تعالى، لكن قبل ذلك أيضاً نشير إلى أمر مهم جداً بالنسبة لطالب العلم، وقد أشرنا إليه من قبل، وهو أنه لابد من أمرين: لابد من المنهجية ولابد من المرحلية، لابد من أن يتوافق الأمران منهجياً، لابد من أن يكون هناك منهج محدد في كل علم من العلوم تدرسه، وحبذا لو تقرأه على شيخ، فلابد من المنهجية، لابد من منهج يحصر في كتب محددة يتم انتقاؤها بعناية، ولا تتجاوزها ولا تقرأ في غيرها، وتسهر فيها الليل والنهار تلخص وتحفظ وتذاكر وتسمع وتتعاون مع إخوانك في حفظها ومذاكرتها، فلابد أولاً من المنهجية، ثم لابد من المرحلية الزمنية، بأن يكون هناك جدول زمني للقراءة في مادة معينة أو في فن معين أو في كتاب معين، فقد تمر الأيام الطويلة ولا تحاسب نفسك ولا تشعر بأن مراحل العمر تطوى وأنت لا تشعر ولم تحصل بعد شيئاً، فلابد من الأمرين: منهجية ومرحلية زمنية.

    وأهمية هذا الموضوع الذي نتكلم فيه تنشأ وتتسرب إلى الذهن بمجرد أن الإنسان يزور معرضاً من معارض الكتب، فنحن عندنا الآن في هذا الزمان ما يصح أن نطلق عليه -إذا لم يكن في العلوم الشرعية- أنه نوع من إسهال تأليفي كما يقول بعضهم، فقد كثرت الكتب كثرة غير عادية، حتى وصل بعض الخبثاء والشياطين في هذه الأيام إلى أن أعادوا طباعة كتب السحر، وتجد جناحاً مستقلاً في كثير من معارض الكتب لكتب تعليم السحر، والعياذ بالله تبارك وتعالى، وهذا -بلا شك- كفر، ويجب على كل مسلم في معرض من هذه المعارض أن يكلم صاحب تلك الكتب، فعلى الأقل إن لم يكن يخاف من الله ويستحيي يخاف على تجارته أن تبور، فقل له: هذا حرام وهذا كفر. ولو أن كل أخ دخل وأنكر عليه فإنه سيتشكك في مسلكه، وعلى الأقل يبعد هذه الكتب التي يمكن أن تفتن الناس وتعصف بإيمانهم عصفاً وتقتلعه من جذوره.

    فينبغي على أي أخ مسلم يوجد في مثل هذه المعارض أن يتوجه إلى من يبيع تلك الكتب وينصحه في الله ويتلو عليه الآيات في سليمان عليه السلام ويقول له: قال تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102] وأنت بهذا تساعد على تعليم الناس السحر، والمال الذي تأخذه من هذا حرام، وهذا السحر كفر. ونحو هذا.

    1.   

    طالب العلم وموقفه من العلوم ومعارض الكتب

    فمعارض الكتب لو أن إنساناً صاحب اتجاه علمي أو فكري محدد دخل معارض الكتب في هذا الزمان تصيبه حيرة وملالة الله بها عليم، فكيف يكون الشاب الذي ليست عنده خلفية أصلاً؟ أو طالب العلم الذي ليس عنده خلفية؟ أو أي أحد يرغب في طلب العلم ولا يعرف أي اتجاه يسلك، أيسلك اتجاهاً سلفياً أو اتجاهاً خلفياً صوفياً أو أشعرياً أو سنيّاً أو بدعياً؟ وهل يقرأ في كتب الفكر أو الفقه، لا يعرف شيئاً وما عنده خبرة، لاشك أن هذا يكون أشد ملالة وأشد تشتيتاً إذا دخل معارض الكتب، فهذا يعكس تأكيد النصيحة فيما يتعلق بالاهتمام بمنهج محدد في طلب العلم.

    وأيضاً يحذر الإنسان -كما أشرنا ضمناً- أن يميل فيقرأ العلوم التي يميل إليها فقط، بل على طالب العلم أن لا يقتصر على العلوم التي يميل إليها، فهذه العلوم التي يميل إليها يمكن أن يكون لها وقت آخر إذا أصابه ضجر أو ملالة، لكن لابد من أن يدرس العلم بصورة منهجية، حتى وإن كانت هناك بعض العلوم التي لا يميل إليها، أو يجد فيها صعوبة كأصول الفقه مثلاً أو غيره من العلوم التي يكون فيها شيء من الجفاف أو الصعوبة، فعليه أن يصبر ويحتال حتى يعرف طريقة حلَّ رموزها أو الاستعانة بمن هو أخبر منه في طلب العلم حتى يفرغ منه مع مرور الوقت ومرور الزمن.

    1.   

    قضيتان حول كتب العلم

    إن الكتب المؤلفة ليست كتباً معصومة، فنضطر أحياناً في بعض الفروع أو بعض العلوم أن نختار المتيسر من الكتب ونحاول علاجه ونحن ندرسه، فننبه إلى الأخطاء الموجودة في كل كتاب حتى يكون الإنسان منها على بينة، لأنه لا يوجد كتاب معصوم بعد كلام الله عز وجل وبعد القرآن الكريم، بل أحياناً يضطر الإنسان للقراءة في كتب بعض المبتدعة ممن يكون قد فتح عليه في هذا الباب، فنستفيد منه ونحذر من ضلاله أو بدعته التي ابتدعها أو التقصير الذي وجد في كتابه؛ لأنه لم يوجد بديل نقي خالص نعتمد عليه.

    وليس بشرط أن يكون الكتاب الذي تأخذه كتاباً معيناً، بل يمكن أن أي كتاب يصلح أن يكون بديلاً مع خلاف في المبدأ، فلا تتكلف شراء كتاب جديد وعندك نفس الكتاب مع خلاف في المبدأ، وإن اختلف معه في الأسلوب، فننبه إلى أنه قد توجد مآخذ في بعض هذه الكتب نحاول التنبيه عليها ما استطعنا، وإن لم ننبه فينبغي أن ينتبه الإنسان إلى أن هذه الكتب ليست معصومة وليست معتمدة كلها، بل لا يكاد يخلو كتاب من مؤاخذة.

    و

    كذلك حينما نجيب على السؤال: لمن تقرأ؟ فإننا إذا استقصينا كل أنواع أو أسماء المؤلفين والعلماء في القديم وفي الحاضر فهم آلاف وآلاف من العلماء جزاهم الله خيراً، وحينها سنضطر إلى الاقتصار على أسماء بعض المؤلفين وليس كلهم، فلا يعتبر أحد أن عدم ذكر أسماء بعض المؤلفين يتعمد لسبب الأخذ، وإنما المسألة أننا لابد من أن نقتصر على بعض منهم دون بعضهم الآخر؛ لأنهم لا يحصون كثرة.

    1.   

    طالب العلم والقرآن الكريم

    العلم الأول الذي سنتكلم فيه والذي ذكره العلماء أنه أول العلم هو حفظ كتاب الله عز وجل وفهمه وفهم كل ما يعين على فهمه، وأهم ذلك على الإطلاق بالنسبة لعلوم القرآن الأمور الآتية:

    أولاً: الحفظ.

    ثانياً: ما يعين على فهم القرآن من لسان العرب.

    ثالثاً: الأحاديث الواردة في التفسير.

    رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن.

    خامساً: دراسة آيات الأحكام واختلاف العلماء في ذلك.

    وظائف طالب العلم مع القرآن الكريم

    لابد لكل طالب علم من ثلاث وظائف مع القرآن الكريم، والمفروض أنها لكل مسلم وليست فقط لطالب العلم.

    فلابد أولاً من ختم القرآن الكريم، أن تكون له دورة مستمرة يختم فيها القرآن باستمرار لا تنقطع، وهي التي تسمى الأوراد أو الأحزاب، وهذه ليست تسمية صوفية، فكلمة (الورد) وكلمة (الحزب) كلمة شرعية خالصة، فالرسول عليه السلام حينما تأخر عن بعض الناس الذين كانوا يطلبونه خرج إليهم وهو يقول: (إنه قد حضر حزبي من القرآن فكرهت أن آتيكم حتى أقضيه -أو حتى أتمه-) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وفي الأثر: (كان الصحابة يحزبون القرآن على كذا وكذا).

    وفي الحديث أيضاً: (من فاته ورده من الليل فليقرأه من النهار ..) إلخ الحديث المعروف.

    وكلمة (الورد) أو (الحزب) في الأصل هي النوبة في ورود الماء، فالعرب كانوا يأتون بالجمال -مثلاً- فيردون بها الآبار يستقون الماء، لكن كل واحد يأخذ نوبة، أي: يأخذ دوراً. فهذا هو الورد، فالورد: أن يأتي عند البئر ويأخذ دوره ويأخذ الحزب والنوبة من الماء.

    فلابد من أن يكون هناك حد لارتباطه بالقرآن، حتى لو قرأ عشر آيات في اليوم، أو ربع حزب في اليوم، لكن لا يترك أبداً يوماً وليلة من قراءة كتاب وكلام الله عز وجل.

    إذاً هناك ثلاث وظائف: ختم القرآن، ومراجعة المحفوظ، وحفظ غير المحفوظ.

    فالبنسبة لختم القرآن الكريم -كما أشرنا- لابد من أن يعين لنفسه حزباً يومياً من القرآن العظيم طبقاً لظروفه، ويفضل أن أي مسلم لا يمر عليه شهر إلا وقد ختم القرآن، وفي الحقيقة ختم القرآن باستمرار أعظم وسيلة تسهل الحفظ، وتعينك على تسهيل الفهم فيما بعد.

    وذكرنا من قبل تحزيب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يقرءون ثلاثاً فخمساً فسبعاً فتسعاً فإحدى عشرة فثلاث عشرة سورة، ثم الحزب المفصل وحده.

    وأيضاً -كما ذكرنا- لا يختم في أقل من ثلاث، للنهي عن ذلك، وللأسف الشديد نحن في هذا الزمان لا نحتاج للتكلم في هذه النقطة كثيراً؛ لأنه يندر من يختمه حتى في ثلاثين!

    ولا يزيد عن شهر بقدر المستطاع، وهذا ليس أمراً واجباً متحتماً، لكن حسب الظروف؛ لأن لبعض الناس أحياناً ظروف الكسب والعمل قد لا تعينهم على ذلك، لكن على الأقل لا يزيد عن شهر بقدر المستطاع.

    أما الكتاب المتعلق بهذا الموضع فإن أول كتاب نرشحه -ولابد لطالب العلم من أن ينشئ علاقة متميزة مع القرآن- فهو الكتاب المبارك لذلك الإمام المبارك الإمام النووي رحمه الله كتاب (التبيان في آداب حملة القرآن) وهو كتاب معروف ومبارك من كتب الإمام النووي رحمه الله العظيمة النفع والبركة.

    ثانياً: المراجعة، وهناك أحاديث كثيرة جداً تأمر المسلم بتعاهد القرآن؛ لأنه يمحى من ذاكرة الإنسان إذا لم يتعاهده باستمرار، خاصة الآيات المتشابهة في الألفاظ، فلابد من أن يكون له ورد في المراجعة، وينبغي أن يكون أكثر من ورد الحفظ، ويقدم المراجعة على الاشتغال بحفظ ما لم يحفظه.

    أما فيما يتعلق بالحفظ -وهي الوظيفة الذهبية فيما يتعلق بالقرآن فنقول باختصار: يدرس كتيباً مباركاً لفضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله، وهذا الكتاب المبارك اسمه (القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم)، وهنا نذكر هذه القواعد على شكل عناوين فقط إذ قد شرحها بالتفصيل:

    أولاً: الإخلاص.

    ثانياً: تصحيح النطق والقراءة.

    ثالثاً: تحديد نسبة الحفظ كل يوم وترديده مع التغني.

    رابعاً: لا تجاوز مقررك اليومي حتى تجيد حفظه تماماً.

    خامساً: حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك؛ لأن الحفظ يكون بالبصر والسمع، فحافظ على نسخة معينة من القرآن وواظب عليها، كطبعة الملك فهد مثلاً، حافظ على طبعة واحدة تحفظ فيها، وقد يختلف الحجم، لكن لابد من أن تكون نفس الطبعة؛ لأن الإنسان يحفظ بعينه وبسمعه.

    سادساً: الفهم طريق الحفظ ومعرفة وجه ارتباط الآيات ببعض، فهناك ارتباط بين الآيات في المعاني يساعد على الحفظ، ولذلك تجد الإنسان يحفظ الآيات التي فيها قصة بأسرع من غيرها، لأن فيها ارتباطاً في المعاني وتسلسلاً.

    سابعاً: لا تجاوز سورة حتى تربط أولها بآخرها.

    ثامناً: التسميع الدائم والعرض على حافظ آخر أو متابع في المصحف.

    تاسعاً: المتابعة الدائمة حتى لا يتفلت. فلابد من متابعة دائمة للمراجعة عن طريق الورد اليومي كما ذكرنا، والحد الأدنى يكون جزءاً، والحد الأقصى عشرة أجزاء في اليوم.

    عاشراً: العناية بالمتشابهات، والمقصود بهذا التشابه هو التشابه في الألفاظ في الآيات التي يكون فيها تشابه في خواتمها أو في ألفاظها، فإن ثلث آيات القرآن فيها تشابه.

    الحادي عشر: اغتنم سني الحفظ الذهبية التي هي من خمس سنوات إلى ثلاث وعشرين سنة، فلا تفتك هذه السنوات الذهبية، وكلما كان الأمر مبكراً جداً كلما كانت درجة الحفظ قوية جداً، خاصة عند الأطفال، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، أن يطيق قلب الطفل الصغير الذي لم يتعلم شيئاً أن يحمل كلام الله سبحانه وتعالى بين أضلعه وبين جوانحه تصديقاً لقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] فهل هناك تيسير أكثر من هذا؟ كلام الله عز وجل يطيق حمله الصبي الصغير الذي لم يتجاوز سبع سنوات أحياناً أو أقل.

    معرفة طالب العلم شرف حفظ القرآن الكريم

    فالمسألة في الحقيقة تحتاج إلى همة عظيمة جداً، فالإنسان لابد من أن يضع هذا في مقدمة مشاغله، أن يتم حفظ القرآن، وهذا شرف ليس بعده شرف، إذا شرفك الله تبارك وتعالى بأن جعل صدرك مستودعاً لكلامه فهذا أعظم من مليون شهادة دكتوراه، ومن أن تكون ملك ملوك الدنيا وإمبراطور الإمبراطورات وأغنى الأغنياء، فإن هذا هو الغنى الحقيقي، ففي الحديث: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) وأحد وجوه تفسير أن كلمة (يتغن) تعني: يستغني به عما عداه.

    فأعظم شرف هو لحامل القرآن والشريعة، لذلك وضعت أحكام خاصة بحامل القرآن وبيان عظمته، كما نعرف من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يؤمر أميراً على مجموعة من الناس، فاستعرض ما معهم من القرآن فاختار واحداً معه سورة البقرة وأمره عليهم، فقال: (أنت أميرهم)؛ لأنها أفضل سورة في القرآن، كذلك الأحكام تفاوتت بموضوع الحفظ، فالذي يلي الإمام من اليمين أولوا الأحلام والنهى، فيلي الإمام أكثر الناس حفظاً للقرآن، كذلك عند الدفن يقدم أكثرهم قرآناً، إذاً هذا هو الشرف الذي يرفع الله عز وجل به أقواماً ويضع بالإعراض عنه آخرين كما بينا من قبل.

    فالنصيحة هي لأبناء المسلمين لاغتنام سني الحفظ الذهبية من سن خمس سنوات، وربما بعض الأطفال يظهر فيهم النبوغ مبكراً قبل حد خمس سنوات، فمتى ما تفتق ذهن الصبي وعرفت منه أنه يطيق الحفظ فأعطه ما استطعت وقربه لذلك، واجتهد في أن تشغله بالقرآن لا بالأناشيد ولا بالإعلانات وبالأغاني والكتب الفارغة، بل اجتهد في أن تحفظه كلام الله تبارك وتعالى.

    هذه خلاصة القواعد الذهبية لحفظ كتاب الله تبارك وتعالى.

    أهمية جعل جدول زمني لحفظ القرآن الكريم

    فيما يتعلق بجدول زمني لحفظ القرآن الكريم هناك كتاب وضعه أخ فاضل من اليمن يدعى مزاحم طالب العاني ، كتاب اسمه (دليل الحيران لحفظ القرآن)، وهو تجربة لا بأس بها لعلها تفيد كثيراً جداً، حيث إنه وضع جدولاً زمنياً لحفظ القرآن ومراجعته، بحيث يتم في أربع سنوات تقريباً إذا كان لا يحفظ شيئاً على الإطلاق، فيحفظ شيئاً قليلاً جداً من الآيات لكن مع الوقت يكمل حفظه، كما قال عليه السلام: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَّل)، فإذا داومت والتزمت بهذا الجدول فهو موجود ومطبوع اسمه (دليل الحيران لحفظ القرآن) لـمزاحم طالب العاني.

    أهمية أخذ القرآن عن طريق المشافهة عن الشيوخ

    ننبه تنبيهاً مهماً جداً، وهو أن المشافهة هي الأصل في تعلم القرآن؛ لأن معنى القرآن القراءة، ولا يسمى قارئاً إلا بالمشافهة، فلابد حتماً من أن تتعلم القرآن على يد شيخ، حتى الأشرطة لا تفيد إذا كنت تريد طلب العلم بدقة، فموضوع الأشرطة أو الكتب كل هذا ليس مما يصح مع القرآن، وقد يصلح مع غيره من العلوم، لكن في القرآن لابد من المشافهة، لابد من أن تتأكد أن كل حرف قد ضبطته وقرأته قراءة صحيحة وأخرجته من مخرجه مع شيخ يعلمك ويشرف على تعليمك هذا الأمر.

    وهناك بديل لكن لا يكفي، وهو سماع الأشرطة، لكن إلى حد كبير يصيب في تصحيح السماع وتصحيح النطق بالآيات، خاصة المصحف المعلم للشيخ الحصري رحمه الله تعالى أو غيره من المشايخ، فيمكن الاستفادة من سماع الأشرطة كبديل مؤقت، أو يكون بجانب التعلم من الشيوخ.

    أهمية معرفة الآيات المتشابهة في القرآن الكريم

    بالنسبة لمعرفة الآيات المتشابهة في الحفظ العلماء خصوها ببعض الكتب، فالإمام السنحاوي رحمه الله تعالى له منظومة في الآيات المتشابهة في القرآن من حيث الألفاظ، وعليها شرح يسمى (التوضيحات الجلية شرح المنظومة السنحاوية في متشابهات الألفاظ القرآنية)، وهناك كتاب صغير جداً، وطباعته جميلة جداً ومفيدة؛ لأن الحروف المتشابهة في الكلمة تتميز باللون الأحمر بحيث تتميز تماماً عما يشبهها، وهو يسمى (تنبيه الحفاظ للآيات المتشابهة في الألفاظ) للشيخ محمد بن عبد العزيز المسلم.

    1.   

    الكتب والعلوم المتعلقة بالقرآن الكريم

    كتب تجويد القرآن الكريم

    وفيما يتعلق بالتجويد لابد -كما ذكرنا- من المشافهة والقراءة على الشيخ، لابد في التجويد من أن تتعلمه على شيخ، وننصح بمحاولة الالتصاق بالشيوخ الأزهريين في هذا الفن؛ لأن الأزهريين يتقنون هذا الفن اتقاناً شديداً، ويمكن أن يتفق الإنسان مع شيخ ممن تعلم في الأزهر أو شيخ في المعهد الديني أو مجموعات من الإخوة يتفق معهم ويعلمهم التجويد ويشرف على هذا الأمر، وهذا الأمر حتمي ليس فيه خيار.

    وأما مؤلفات التجويد فيحفظ (متن تحفة الأطفال)، وله شروح وأبسط هذه الشروح ولعله أفضلها مع صغر حجمه (بغية الكمال شرح تحفة الأطفال) للشيخ أسامة عبد الوهاب ، وتحفة الأطفال ليس هو للأطفال الصغار فحسب، وإنما للكبار أيضاً، أي: بالنسبة لابتدائهم في طلب العلم وليس شرطاً أن تأخذ نفس الاسم ونفس الكتاب، بل من الممكن أن يكون عندك بديل ثانٍ لشرح تحفة الأطفال، فالشروح كثيرة فلا بأس بأي كتاب.

    وكذلك حفظ متن الجزرية، كذلك -إن أمكن- حفظ (إغاثة الملهوف) في صفات الحروف، فهذا بالنسبة للمتن في التجويد، ومن الممكن أن يدرس علم التجويد بتوسع أكثر في طبقة أعلى أو في مرحلة فيما بعد، بدراسة عدد من الكتب منها: كتاب (فتح المريد في علم التجويد) للشيخ عبد الحميد يوسف منصور، وهو في جزأين صغيرين، وهذا الكتاب هو أحد الثلاثة الكتب وهو أحسنها، وهناك كتاب جيد كذلك، هو (العميد في علم التجويد)، أو (غاية المريد في علم التجويد) وهذا أيضاً مفيد جداً، فيأخذ واحداً من هذه الثلاثة وليس كلها.

    أهم الكتب في علوم القرآن

    بالنسبة لعلوم القرآن نحتاج إلى كتاب في علوم القرآن يعطينا فكرة أولاً عن علوم القرآن وأنواعها والأرضية أو الخلفية التي لا يليق بطالب العلم أن يكون خالياً عنها، وهناك عدة كتب، والكتاب الأساسي المرشح -لأنه أبسطها وفيه فوائد جمة- (لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير) لأستاذنا الدكتور محمد الصباغ حفظه الله، أو (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح أو (التبيان في علوم القرآن) للشيخ محمد علي الصابوني، والشيخ الصابوني عليه ملاحظات كثيرة على منهجه في (صفوة التفاسير)، وهذه الأشياء لكونه متحمساً جداً لمذهب الأشاعرة في موضوع الصفات، ولكن أنبه على أن بعض المؤلفين قد تكون هناك بعض الملاحظات على كتبه، لكن يكون متخصصاً في هذا المجال فيفيدنا.

    أو كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني وهو وإن كان أشعرياً -للأسف الشديد، والكتاب يحتاج لمن يهذبه وينقيه من هذه الأشياء- إلا أن طريقة الترتيب والجمع مفيدة جداً في بعض المواضع، فلذلك اخترت أولاً كتاب الدكتور الصباغ لأنه أنقاها من حيث هذه الملحوظة، وهو (لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير) يليه (مباحث في علوم القرآن) ثم (التبيان في علوم القرآن) (مناهل العرفان في علوم القرآن).

    أهم الكتب في علم التفسير

    بالنسبة لعلم التفسير هناك الجزء الأول من محاسن التأويل للقاسمي، ويسمى (تمهيد خطير في علم التفسير) للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، لكن الكتاب المعتمد أو الذي نوصي به مع هذا كتاب مفيد جداً للشيخ خالد عبد الرحمن العك، وهو (أصول التفسير وقواعده) فهذا من أفضل الكتب وأقواها.

    وأيضاً هناك كتاب مفيد وفيه بحث عظيم جداً للدكتور محمد حسين الذهبي اسمه (التفسير والمفسرون)، فهذا فيما يتعلق بعلوم التفسير.

    أهم الكتب في أسباب النزول

    بالنسبة لأسباب النزول، وبالنسبة للأحاديث التي صحت في تفسير بعض الآيات ولابد للإنسان من أن يكون على إلمام بها هناك كتاب جديد اسمه (الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم) للشيخ سيد إبراهيم أبو عمة .

    وفي أسباب النزول هناك كتاب (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل بن هادي الوادعي .

    وفي القراءات كتاب (القراءات أحكامها ومصدرها) للدكتور شعبان محمد إسماعيل .

    وفي موضوع إعجاز القرآن هناك دراسة معاصرة اسمها (المعجزة الخالدة) للدكتور حسن ضياء الدين .

    وبالنسبة لاستطلاع مواقف المفسرين -على اختلاف تفسيراتهم- من الآيات والصفات هناك بحث مفيد للشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي اسمه (المفسرون بين التأويل والإثبات).

    كتاب (بدع التفاسير) للغماري

    هناك علم ابتكره الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ومعروف عنه أنه من أعداء السلفية، وإذا أمسكت كتاباً له ففتش عن شتيمة ابن تيمية ، لكن مع ذلك له بحوث جيدة جداً منها هذا الكتاب؛ لأنه في الحقيقة ابتكر هذا الكتاب وليس فيه محاكاة لغيره ممن سبقه، كتاب (بدع التفاسير)، واحذر جداً من أخطائه والمؤاخذات عليه، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة السلفية أو نيله من بعض العلماء الأفاضل، لكن مع ذلك هو كتاب فيه فوائد عظيمة.

    أهم الكتب المؤلفة في معرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير

    بالنسبة لمعرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير فهناك كتاب للدكتور محمد أبو شهبة (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير).

    1.   

    الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأهم الكتب المؤلفة في ذلك

    وبعد ذلك يبقى نوع آخر من علوم القرآن وهو الناسخ والمنسوخ، وهو من أهم العلوم، وهذا الموضوع فيه كلام طويل جداً، وموضوع النسخ فيه نقاش واختلافات، خاصة في العصر الحديث، فكثير من الناس تطاولوا في هذه القضية، واتبعوا كلاماً كثيراً، وهناك كتاب يناقش موضوع النسخ اسمه (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) للدكتور شعبان محمد إسماعيل ، وهو كتاب جيد. والكتب التي تتناول الناسخ والمنسوخ تستعرض الآيات التي فيها النسخ، وهناك كتب في الناسخ والمنسوخ، ككتاب لـابن العربي وجمال الدين البذوري أو ابن الباذري وقتادة بن دعامة وهبة الله بن سلامة وغيرهم، وفي الحقيقة الكلام كثير جداً في موضوع الناسخ والمنسوخ، فهناك آيات كثيرة يزعم أنها فيها ناسخ ومنسوخ وهي ليست كذلك، والإمام السيوطي رحمه الله قد اختصرها جداً، ونظمها في قصيدة في صفحة واحدة، هذه القصيدة ضمنها العلامة القرآني الشنقيطي رحمه الله كتابه (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وعمل حاشية على قصيدة السيوطي ، فالآن يستطيع الطالب أنه يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها للشنقيطي رحمه الله، فيكون قد جمع علماً في هذا الباب، وهو معرفة الناسخ والمنسوخ، وهو علم أساسي، فيستطيع الطالب أن يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها المكون من صفحتين، فهي عبارة عن ثلاث صفحات: صفحة قصيدة، وصفحتان شرح، والله أعلم.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الكتب المختارة في بعض علوم القرآن

    الكتاب المعتمد الذي ننصح به: تفسير المشكل من القرآن العظيم على الإيجاز والاختصار، لـأبي محمد مكي القيطي ، يفضل أن يلحق به كتاب أيضاً عظيم جداً من كتب التراث لا يقل عنه أهمية للإمام بدر الدين بن جماعة وهو: غرر التبيان فيمن لم يسم في القرآن، كلامنا يكمل بعضه بعضاً.

    لنفرض أن الكتابين غير متوفرين، ما المخرج؟ هناك كتب بسيطة أي كتاب في غريب القرآن مثلاً كتاب: كلمات القرآن توضيح وبيان، كتيب صغير جداً لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف رحمه الله أو: مختصر معاني مفردات القرآن الكريم للشيخ محمد سند الطوخي .

    أما المرجع في مفردات القرآن الكريم فهناك المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ، مجلد واحد كبير وهذا المرجع إن تمكن طالب العلم من حفظه واستظهاره فهذا جيد، وإن كان الراغب الأصفهاني يقال: أنه شيعي إمامي لكن الله أعلم بصحة ذلك، لكن الكتاب جيد من حيث اللغة، لكن يكون الإنسان على حذر؛ لأنه أحياناً تشم هذه الرائحة الشيعية في مواضع قليلة جداً.

    وهناك علم آخر يدعى: مشكل القرآن، يعني: الآيات التي يتعارض ظاهرها في نظر من لم يحكم دراسة القرآن وفهمه، يقوم بعض العلماء بتوضيحها والجمع بينها وإزالة هذا الإشكال، فأشهر كتاب ألفه السلف في ذلك هو عبارة عن رسالة هي أوراق قليلة جداً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في الرد على الزنادقة والجهمية.

    وهناك كتاب قيم جداً في هذا الباب وهو كتاب " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " للعلامة الشنقيطي رحمه الله.

    وبالنسبة لعلم من العلوم الخطيرة جداً والمهمة، بل يعتبر أهم علوم القرآن علم أحكام القرآن وآيات الأحكام، هذا علم مهم جداً، لكن باختصار: هو عبارة عن الآيات التي فيها أحكام فقهية دون فتوى، وأفضل كتاب نرشحه في هذا هو " روائع البيان تفسير آيات الأحكام " للشيخ محمد علي الصابوني ، والكتاب عليه مآخذ من حيث تساهله في أحاديث ضعيفة، وعدم إتقانه لتخريج الأحاديث، فهذه مآخذ معروفة لأنه غير متضلع من علم الحديث، لكن كناحية تنظيمية كتاب " روائع البيان " من أحسن الكتب في التنظيم والترتيب وحسن التسهيل في التدريس فالكتاب الذي يعتمد " روائع البيان في تفسير آيات الأحكام في القرآن الكريم " للصابوني .

    وهناك مراجع أخرى مراجع يحتفظ بها الإنسان كمثل: " جامع أحكام القرآن " للقرطبي أو لـابن العربي ، وكذلك: " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " للشنقيطي رحمه الله تعالى.

    أخيراً تفسير شامل للقرآن ككل، ما هو التفسير الذي يرشح بأن يدرس كتفسير شامل؟ وفي هذه المرحلة نحن نركز على أن نختار مصدر للحجم الأقل بحيث يقدر الأخ أن يأخذ خلفية في كل العلوم، وبالنسبة لأفضل كتاب تفسير على الإطلاق هو جامع البيان في تفسير آيات القرآن للإمام الطبري ، والإمام الطبري شيخ في السنة على الإطلاق، وأفضل كتاب في الإسلام كله في تفسير القرآن وهو كتاب الإمام ابن جرير الطبري ، وحققه العلامة أحمد شاكر لكن لم يتمه للأسف الشديد، لكن دراسته تحتاج وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى بداية مبكرة عن البداية التي يبدأ منها أغلب الإخوة.

    الكتب المختارة في التفسير

    أخيراً تفسير شامل للقرآن ككل، ما هو التفسير الذي يرشح بأن يدرس كتفسير شامل؟ في هذه المرحلة نحن نركز على أن نختار مصدراً للحجم الأقل بحيث يستطيع الطالب أن يأخذ خلفية في كل العلوم، وبالنسبة لأفضل كتاب تفسير على الإطلاق هو جامع البيان في تفسير آيات القرآن للإمام الطبري ، والإمام الطبري شيخ في السنة على الإطلاق، وأفضل كتاب في الإسلام كله في تفسير القرآن هو كتاب الإمام ابن جرير الطبري وقد حققه العلامة أحمد شاكر لكن لم يتمه للأسف الشديد، لكن دراسته تحتاج وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى بداية مبكرة عن البداية التي يبدأ منها أغلب الإخوة. بالنسبة للمرجع المختار في موضوع التفسير الشامل للقرآن بحيث إذا أنهيته تنتقل إلى مرحلة أعلى منها -فهناك مرحلة أولى من كل علم وبعد ذلك مرحلة أخرى- هو: تفسير الجلالين للجلال السيوطي والجلال المحلي ، وهو كتاب جيد وميسر للفهم، ويكفي أنه شرح في مجلدات، وكل كلمة فيه موضوعة بهدف وبدراسة، ليس مسألة عشوائية، فهو تفسير مركز جداً بحيث يصلح أنك تحفظه، تحفظ التفسير وتتقنه. وهناك بعض المؤاخذات على تفسير الجلالين: أولاً: وجود أحاديث ضعيفة فيه. ثانياً: تأويل الآيات والصفات بما يخالف منهج السلف رحمهم الله تعالى. ثالثاً: وجود بعض الإسرائيليات. فاحذر من هذه الثلاث، وقد حاول كثير من العلماء تهذيبه حتى يخلو من هذه المآخذ، ويكون صافياً نقياً، وأنجح محاولة حتى الآن قام بها القاضي محمد كنعان، وهو موجود في مجلد واحد كبير يسمى: قرة العينين على تفسير الجلالين، وهو موجود متوفر، فهذا التفسير شامل لكل القرآن بإيجاز، فهو يجمع أحياناً بين أشهر القراءات فيعطيك فائدة في معرفة القراءات، ويعطيك أحياناً أسباب النزول، وأحياناً يذكر أحاديث في تفسير الآيات، وكذلك توضيح غريب اللغة، والربط بين الآيات بعضها ببعض، وقرة العينين مع تفسير الجلالين هذا أفضل لصغر حجمه وتركيزه، وهناك أيضاً كتاب مدرسي يفيد جداً لو أن مجموعة تأخذ التفسير كدراسة في معهد في مدرسة أو في مجموعات، وهو كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري حفظه الله تعالى، في كتاب مدرسي، خاصة إذا كان الإنسان يحفظ فقرة ثم يدرس تفسيرها بمنتهى البساطة. أو تفسير القرآن العظيم لـابن كثير ؛ لأن تفسير ابن كثير يعتبر تلخيصاً لتفسير ابن جرير الطبري وزاد عليه فوائد كثيرة، فإذا كنت تدرس كتاباً أكبر أو فرغت من مرحلة قرة العينين على تفسير الجلالين، فليكن تفسير القرآن العظيم لـابن كثير أو أحد مختصراته، وأفضل مختصر لـابن كثير على الإطلاق هو: عمدة التفاسير أو عمدة التفسير للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فهو أروع اختصار على الإطلاق، وقد حافظ فيه على روح ابن كثير، فالاختصار لم يخل بروح المؤلف الأصلي، وصدر منه للأسف فقط خمسة أجزاء، فيمكن للطالب أن يدرس أولاً هذه الخمسة الأجزاء الأولى للشيخ أحمد شاكر ثم يتم ذلك بمختصر آخر، ولعل أيسرها: تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير، للشيخ محمد نسيب الرفاعي رحمه الله، لكن الشيخ رحمه الله اشترط في مقدمة التفسير أنه اقتصر على الصحيح، ولم يوفق في هذا، فكثير من الأحاديث التي يرمز لها بالصحة أو الحسن تكون ضعيفة! فإما أن تدرس تفسير ابن كثير أو أحد مختصراته كما أشرنا، أو تدرس أيضاً تفسيراً نقياً جداً في الحقيقة هو محاسن التأويل للقاسمي، والحقيقة أنك إذا قرأت في محاسن التأويل تشعر أنك تقرأ في حوالي عشرة أو عشرين مرجعاً، فعنده رحمه الله القدرة على الجمع وامتصاص الرحيق من الأزهار في التفاسير الأخرى ويضمها، وأحياناً يتوسع في بعض البحوث فيخرج بحثاً مفيداً جداً. إذاً يمكن الاقتصار إما على تفسير القرآن العظيم لـابن كثير في هذه المرحلة، أو على محاسن التأويل للقاسمي . هذا فيما يتعلق بأهم الكتب التي نرشحها فيما يتعلق بعلوم القرآن، والكتب كثيرة جداً، فلا يعترض أحد بأن بين الكتب الأخرى كتباً بديلة؛ لأن هذا تنبيه على بعض الأنواع، فقد يكون نفس الكتاب وقد يكون ما يقوم مقامه، إذاً هذه أسماء الكتب المرشحة فيما يتعلق بعلوم القرآن، وفيما بعد سيأتي الكلام على موضوع المنهجية والمرحلية. أولاً: التبيان في آداب حملة القرآن، القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم، دليل الحيران لحفظ القرآن، تنبيه الحفاظ بالآيات المتشابهة في الألفاظ، حفظ تحفة الأطفال، دراسة بغية الكمال، شرح تحفة الأطفال، حفظ الجزرية، دراسة فتح المريد في علم التجويد، لمحات في علوم القرآن لهذا التفسير، أصول التفسير وقواعده، قصيدة السيوطي في الناسخ والمنسوخ وشرحها للشنقيطي ، تفسير المشكل من القرآن العظيم لـمكي القيطي ، قرة العينين على تفسير الجلالين للشيخ القاضي محمد كنعان ، دراسة روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني . ولا تزال عندنا بعض التنبيهات فيما يتعلق بهذا الموضوع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002308550

    عدد مرات الحفظ

    718511732