إسلام ويب

المرأة المظلومةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تلبيس الحق بالباطل فتنة، واتباع الهوى فتنة، وما أكثر الفتن هذه الأيام! ومن أعجب الأشياء أن تدعى المرأة المسلمة إلى حرية زائفة، وهي في الإسلام تتبوأ مكانة لم تكن لها قبله ولن تكون بعده!! وكثيرة هي خطط الأعداء التي تستهدف المرأة ومجتمعها، وهنا تجلية لزورها، وكشف لمستورها، وردود على من يحاول إضفاء الشرعية عليها، وتحذيرات مهمة للمرأة المسلمة.

    1.   

    التزيين والتلبيس في قضية المرأة

    الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين! إن من أعظم الفتن التي يفتن بها الشيطان العباد فتنة التزيين ولبس الحق بالباطل واتباع الهوى، ولقد وقع في هذا الشرك الخطير كثير من الناس، وبخاصة في زماننا هذا، زمان الفتن التي تموج موج البحر، زمان الخداع والنفاق والدجل والرياء، التبس الحق بالباطل، والعلم بالجهل، وضلل كثير من الناس، وتمكن الشيطان منهم، وتعاون شياطين الجن والأنس يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    تعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة، وألفاظ خادعة، وتسميات للأشياء بغير مسمياتها، وتبرير للمواقف الخاطئة المخالفة للشريعة، وما ذلك إلا بسبب استيلاء الهوى على النفوس، وسيطرة الشهوات على القلوب، وإننا ونحن نرى ونسمع ونقرأ كثيراً من المغالطات والخداع، والحيل المحرمة المفتراة على شرع الله عز وجل، ليتوجب علينا أن نتواصى بالتناهي عن هذه الأساليب الماكرة، التي يستخدمها أهل الأهواء ليشككوا الناس في دينهم وشريعتهم، بتحريفهم الكلم عن مواضعه.

    نعم أيها المسلمون! ظهرت وسائل ماكرة ومضللة، لبست على الناس دينهم، وخلطت الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق، وإظهار الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وذلك في قضايا عديدة ومن بينها قضية المرأة، فكان لا بد من إزالة هذا اللبس، وكان لا بد من إحقاق الحق وإبطال الباطل بقدر الجهد المستطاع، والله المستعان على ما ترون وتسمعون.

    مكانة المرأة في الإٍسلام

    أيها المسلمون! لقد حظيت المرأة بجانب عظيم في هذا الدين، حيث أعزها الله سبحانه بكرامة وعزة ما لها مثيل في سائر الأمم وفي سائر الحقب، لقد جاء الإسلام والمرأة مهضومة الحقوق، مهيضة الجناح، مسلوبة الكرامة، مهانة مزدراة، فرفع الإسلام مكانتها، وأعاد لها كرامتها وأنصفها، فمنحها حقوقها، وألغى كل ظلم وقع عليها، واعتبرها شقيقة للرجل، شريكة له في الحياة.

    كما ضمن لها الإسلام الكرامة الإنسانية والحرية الشرعية، والأعمال التي تتفق مع طبيعتها وأنوثتها، فيما لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة، ولا يعارض قاعدة أو مقصداً من مقاصد الشريعة في محيط نسائي مصون، ولقد رتب الإسلام لها حقوقاً لم تبلغها قبله، ولن تنالها بعده، كان ذلك بغير نضال ولا صيحات ولا مطالبات ولا مؤتمرات ولا قرارات، لكنها شريعة الله التي تعطي كل ذي حق حقه، بغير نقص ولا هضم.

    هذه الحقوق تصون المرأة وتحميها، وترتفع بها إلى قمة التكريم، فتمنحها الشعور بالطمأنينة والرفعة: فهي أم، الجنة تحت أقدامها.

    وهي أخت، مصونة الكرامة.

    وهي بنت، درة مكنونة.

    وهي زوجة، تستحق الرعاية والتقدير.

    لكن أعداء الإسلام من اليهود وأذنابهم، والنصارى وأتباعهم، ساءهم وأقض مضاجعهم ما تتمتع به المرأة المسلمة من حصانة وكرامة، فسلطوا عليها الأضواء، ونصبوا لها الشباك، ورموها بنبلهم وسهامهم.

    ومن الغريب أن يحقق مقاصدهم، ويسير في ركابهم، ويسعى في نشر أفكارهم، أناس من بني جلدتنا، يتكلمون بلغتنا، فينادون زوراً أو جهلاً أو خديعة بتحرير المرأة، ويطالبونها بالانطلاق من قيود المنـزل، ويهونون خلوتها بلا محرم، لتتسكع في الأسواق والفنادق كيف شاءت ومتى شاءت.

    ماذا يريد الأعداء من المرأة

    أما يكفي زاجراً وواعظاً لأولئك ما وقعت فيه المرأة في المجتمعات المخالفة لتعاليم الإسلام من الانحطاط والذلة؟ أما يكفي زاجراً ما وقعت فيه تلك المجتمعات التي أطلقت للمرأة العنان، من هبوط في دركات المستنقعات والرذيلة، ومهاوى الشرور، وبؤر الفساد؟ هل يرضى من فيه أدنى غيرة أو رجولة، أن تصير امرأته أو ابنته مرتعاً لأنظار الفسقة، ومائدة مكشوفة، ولقمة سائغة، أمام عديمي المروءة وضعاف النفوس؟

    بل إن بعض من تاه رأيهم، وفسد فكرهم، يطالبون باستحداث وظائف جديدة للمرأة، يهدفون إلى تحرر المرأة من أخلاقها وآدابها، وانسلاخها من مثلها وقيمها ومبادئها، وإيقاعها في الشر والفساد، يريدونها عارضة للأزياء، أو دعاية للسلع، يريدونها مختلطة مع الرجال، بغير حشمة أو وقار، تحت مسمى أي وظيفة تخطر على بال.

    ألا بعداً وسحقاً لعبيد المدنية الزائفة، الذين يدعون المرأة إلى العبث واللهو، بحجة المدنية والسياحة والمعرفة، يدعون إلى الخلوة بالرجال الأجانب، مدعين أن الظروف قد تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم، وما أخذته من الحرية، يجعلها بمنأى عن الخطر، فما هذا والله إلا فكر خبيث دلف إلينا، ليفسد علينا حياتنا، وما هي والله إلا حجج واهية، ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم الغيرة والرجولة، وماتت الشهامة فضلاً عن وجود أدنى بقية من كرامة.

    إن مثل الذين يتهاونون بشأن المرأة، أو يدعونها إلى الاختلاط الآثم، بدعوى أنهم ربوها على الاستجابة لنداء الفضيلة ورعاية الخلق، مثل قوم وضعوا كمية من البارود شديد الانفجار، بجانب نار متوقدة، ثم ادعو أن الانفجار لا يمكن أن يقع أو يكون، لماذا؟ لأن على البارود تحذير مكتوب عليه إن هذه مادة سريعة الاشتعال والاحتراق، إن هذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطة للنفس، ومخالفة لطبيعة الحياة وأحداثها.

    1.   

    خطط الأعداء لإفساد المرأة

    عباد الله! إن للأعداء وأتباعهم خططاً عاتية في إفساد المرأة، وإخراجها عن وضعها المستقيم، قد تمكنوا من تنفيذها في بعض البلاد المسلمة ويسعون الآن جادين لتنفيذها أو بعضها ما استطاعوا في بلاد أخرى، فمن هذه الخطط والمكائد افتعال القضية، الناس لا يتحركون بغير قضية تزعجهم، أو تقض مضاجعهم، ومن هنا يحرص هؤلاء أن يوحوا أن للمرأة قضية تحتاج إلى نقاش، وتستدعي الانتصار لها أو الدفاع عنها.

    ولذلك يكثرون الطنطنة على هذا الوتر، بأن المرأة في مجتمعاتنا تعاني ما تعاني، وأنها مظلومة، وأنها شق معطل، ورئة مهملة، لا تنال حقوقها كاملة، وأن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء وهكذا، حتى يشعروا الناس بوجود مرافعة وقضية وخصومة بينهم وبين المرأة، هي عند التأمل لا وجود لها، أو هي في الحقيقة معركة بلا أعداء.

    نحن لا ننكر وقوع بعض الظلم على المرأة، من قبل بعض الأولياء أو الأزواج، لكن هذه الأمور نتاج حقيقي لتخلف الأمة عن عقيدتها ودينها، ومن ثم فالقضية قضية المجتمع الإسلامي الذي دبت فيه الأمراض نتيجة ابتعاده عن أسباب العافية، وهذه المسألة مسألة المرأة واحدة من نتائج ابتعاد المسلمين عن دينهم، واستسلامهم وتبعيتهم لأعدائهم.

    ومن هنا فعلاج قضية المرأة، هو في إطار علاج الأمة بأكملها، وإعادة الأمور إلى نصابها، أما الصيحات والنعيق بأنه ليس من العدل أن نعاقب طالبة باعتبارها مخالفة، لمجرد أنها أحضرت نسخة من مجلة، أو علبة من مساحيق التجميل، أو صورة لشقيقتها، أو ما يقال بأن العباءة قد تحولت إلى فخ أو قيد، بل كلبشة شديدة الإتقان، فتلك خطة مدروسة يراد من ورائها تضخيم القضية، لتلفت أعناق الناس إليها، حتى يطرح هؤلاء حلولهم الغبية والمسمومة.

    فالحل إذاً في نظرهم، وكما يزعمون ويدعون ترك الفتيات يتحركن بحرية، وأن يعشن مرحلتهن العمرية بشكلها الصحيح، أو الحل في نظرهم ليس في هذه العباءة التي تقيها وتحجبها وتمنعها وتقيد خطوتها، الحل في لبس العباءة الفرنسية، ذات الأكمام الأكثر اتساعا، أو التي قد يمكن التخلص منها، عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت.

    وليست القضية هي جنسية العباءة، لكن القضية هو التخلص من هذا الحجاب رويداً رويداً، ثم هم يقولون كما يزعمون: وبذلك ننقذ زهرات حياتنا من الموت، أو الحل في أنظارهم إعادة النظر في شكل العباءة، أو إعداد تصاميم تنسجم فيها شروط الحشمة مع شروط النجاح، حتى لا ندفع المزيد من الدم والضحايا مقابل ما لا يستحق، فوا خجلتاه من أقلام محسوبة على المسلمين لم تسخر للدفاع عن الإسلام وأهله.

    تبتلى الأمة بالرزايا، وتنحر رقابها، وتسفك دماؤها، وتتطاير أشلاء أبنائها فلا ترى أحداً يكتب عن هذه القضية، يموت آلاف الشباب بالمخدرات، وفي مصائب عديدة، فلا تجد قلماً يكتب، وحينما يتعلق الأمر بهجمة شرسة على الحجاب والفتاة والعفاف والحياء، يترصد الكتبة، وتتحرك الأقلام، فيكتب في ذلك ما يكتب، وأين هؤلاء عن مصائب المسلمين؟ أين هم عن جراحاتهم؟ أين هم عن نكباتهم؟ أين هم عن اغتيال قاداتهم؟ أين هم عن جوعهم وفقرهم ومرضهم وتشريدهم؟ أين هذه الأقلام عن هذا كله.

    خطة إجهاض مناعة المجتمع

    عباد الله! إن من خطط الأعداء، ومكائدهم في إفساد المرأة، إجهاض مناعة المجتمع، أو تخفيف المناعة تجاه كل وافد غريب رويداً رويداً، فالمجتمع المسلم وإن كان له شيء من الضعف، فإنه ينفي الخبث عن نفسه، ويحارب العقائد المنحرفة، ويكره الأخلاق الفاسدة، وهو بذلك يملك مناعة تقيه الانحراف، ولذلك حرص الأعداء على إضعاف مناعة المجتمع المسلم، حتى يفقدوه الغيرة على دينه، والحمية لعقيدته، وحتى يوطنوه على قبول كل جسم وافد غريب.

    وعند ذلك يصبوا في المجتمع -وبلا مقاومة تذكر- ما شاءوا من ألوان الفساد، قد كان ذلك الإجهاض من خلال إبراز صور المخالفات هنا وهناك، فالنفوس تقشعر من المنكر أول مرة، وفي المرة الثانية تخف تلك القشعريرة، وفي الثالثة لا تبالي بالمنكر، وفي الرابعة تبحث عن مسوغ له، وفي الخامسة تفعله، وفي السادسة تفلسفه.

    ومن صور إضعاف المناعة في المجتمع المسلم، هذه الفضائحيات -وليست الفضائيات- هذه الفضائحيات وأشد ما ابتلينا به من هذه الفضائحيات تلك التي تكلمت بلغتنا، وخبرت مجتمعاتنا وبيئتنا، هذه الفضائحيات الفاضحة والمجلات الماجنة والصحف العارية، التي لا تبالي أن تظهر المرأة بكل صورة مخزية، ولا زالت كثير من البيوت تمتلئ بالبعث المستورد، ولا زالت تلك الفضائحيات الفضائية تمطرنا بوابل من الفساد، وكثير من الناس عن هذا غافلون، أو بهذا راضون.

    عباد الله! إن نشر الفكر المنحرف من خلال الحوارات الساخنة، أو المقابلات التي تنشرها تلك الفضائحيات، التي يجمع فيها بين الحق والباطل، والصحيح والضعيف، والغث والسمين أحيانا، والباطل والضعيف، والغث والجهل المركب في أحايين كثيرة، إن ذلك يعود الناس على سماع مثل هذا الكلام، إن ذلك يعود الناس على جعل قضايا مسلمة ليست محلاً للحوار أو الخلاف أو المناقشة أو الأخذ والرد، يجعل قضايا من أمور العقيدة محلاً للطرق والحوار والأخذ والرد والقبول والامتناع.

    إن كسر الحاجز النفسي بين المسلم وغيره من الكفار، مما تصوره تلك الفضائحيات، وتمرره بحجة مصطلحات عجيبة براقة، فتارة باسم التواصل الحضاري، وتارة تحت النوافذ المشرعة، وتارة تحت الحوار في الهواء الطلق، وغير ذلك من المصطلحات التي لم تنضبط بعناوينها، بل تحولت إلى فوضى فكرية تفسد عقائد الناس وأخلاقهم وآدابهم.

    ولسنا بهذا ندعو إلى الانزواء والتقوقع، أو أننا ننكر أن لدى الأمم الأخرى حسنات وتقدماً وعلماً، إذ الإسلام لا يمنعنا أبداً أن نأخذ عن غيرنا أحسن وأفضل وأطيب ما بلغوه من مكتشفات ومخترعات، إذ أن العلوم ليست ملك أمة بذاتها، ولا هي مقصورة على شعب بعينه، بل هي ملك جميع الشعوب بكل أممها وجميع أجيالها، وأمتنا لها في ذلك والحمد لله القدح المعلى والنصيب الأوفر، ولذلك فلا مانع في الإسلام من الاستفادة من كل تقدم صالح، أو علم نافع، إذ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

    لكن الذي يمنعه الإسلام ويستنكره بل يحاربه، أن تضيع شخصية الأمة، وأن يذوب شبابها وبناتها، وأن نفقد الذاتية، وأن نتخلى عن الكيان، وأن ننتمي إلى غيرنا وأعدائنا، ونتجرد من صبغتنا صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138] ثم نذوب في الأمم الأخرى، فذاك وايم الله هو العار الذي لا يقبل.

    إن الإسلام يفرض على المسلم أن تكون له شخصية مستقلة متميزة، ولا تجيز له أن يقلد الآخرين، أو يتشبه بالكافرين في أمورهم الخاصة بهم أبدا؛ لأنه يريد منه أن يكون هو القدوة والأسوة والمرشد، لا أن يكون ذنباً وذيلاً وتابعاً ذليلا ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18].

    زور دعوى حرية المرأة

    ثم إنك لتعجب من هذه الدعوة المزعومة، دعوى المطالبة بحرية المرأة، ولو صدقوا لقالوا: حرية الوصول إلى المرأة، من ذا الذي يكره الحرية ويحب الأغلال والقيود؟! لقد كثر استعمال مصطلح تحرير المرأة، وكأن ذلك يوحي بأن المرأة في مجتمعنا عبد يجب تحريره.

    واستعمال هذا المصطلح صوَّر الدعاة إلى إفساد المرأة منقذين رحماء، يريدون أن ينتشلوها من وهدتها، ويرفعوها من سقطتها، ونقول: هل توجد في الدنيا حرية مطلقة بدون قيود؟ لو لم يكن أمام الإنسان من القيود إلا قدراته وإمكاناته المحدودة؛ لكان ذلك كافياً في سقوط مصطلح الحرية المطلقة، وإن البشر جميعا لا يعيشون في مجتمعاتهم إلا بأنظمة وقوانين، فهل البشر كلهم مستعبدون؟

    إذاً فليكن البحث في أي هذه القيود أحفظ لكرامة الإنسان، وأصون لعرضه، وأجلب للخير له في الدنيا والآخرة، أما إشاعة الفوضى، والدعوة إلى الإباحية والانفتاح، وسرعة وسهولة الوصول والاختلاط والحديث والخلوة بالمرأة بحجة الحرية، فإن تلك مكيدة يهودية، اليهود أول من جاءوا بها، ثم لا تعجب يوم أن ترى أولئك الذين يدعون إلى حرية الوصول إلى المرأة، كيف يصورون البيت، ومهمة الأمومة والحضانة، وقوامة الرجل بصورة تتقزز منها النفوس.

    فالبيت سجن مؤبد، والزوج سجان قاهر، والقوامة سيف مسلط، والأمومة تكاثر رعوي، حتى أوجد ذلك في نفوس طائفة من النساء أنفة واشمئزازاً من الإنجاب والبيوت والطاعة والخضوع للزوج، وأوجد في أنفسهن بحثاً عن الانطلاق بلا قيود.

    ونقول: إنه ليس هناك شيء يستطيع تحقيق ذات الأنثى، أكثر من بيتها وحرصها على أطفالها، لقد صرح عدد من النساء الشهيرات، في مجال التمثيل والسينما والمسرح، بأنهن لم يسعدن بشهرتهن كسعادتهن بطفل واحد!

    أما قوامة الرجل فالمرأة أحوج إليها من الرجل؛ لأن المرأة لا تشعر بالسعادة وهي في كنف رجل ترى أنها تستعلي عليه، لقد أسيء فهم القوامة، أو هكذا أريد أن تفهم.

    والحق أن قوامة الرجل على المرأة قاعدة شرعية تنظيمية، بها تستقر أوضاع المجتمعات، والنطاق الذي تشمله قوامة الرجل على المرأة لا يمس حرية كيان المرأة، ولا ينقص من كرامتها، فليس عليها أن تطيعه في معصية بحجة القوامة، وليس عليها أن تطيعه في غير معروف بحجة القوامة، وليس له بحجة القوامة أن يؤذيها بغير حق، بل إن من كمال إيمان الزوج حسن معاملته لزوجته، ومن ولاه الله أمره، قال صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وخياركم خياركم لنسائهم).

    أضرار الاختلاط والتبرج

    أيها المسلمون! إن للاختلاط والتبرج من المضار الدينية والدنيوية الشيء الكثير، فهو معصية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو مجلبة للعن والطرد من رحمة الله، وهو بريد إلى الزنا الذي به هلاك الأمة، وهو مساعدة في نشر الفاحشة في المجتمع، وهو تشبه باليهود ومن في حكمهم، الساعين في الأرض فساداً، ثم هو قرين ضعف الأمة وهوانها وتأخرها، وإنما انتشر في الأمة حينما استولى عليها العلمانيون، وتسلط عليها العملاء المتآمرون إلا من رحم الله وقليل ما هم.

    ألا وإن التبرج والاختلاط سبب لكثير من المضار الدنيوية، فهو سبب للجرائم الكثيرة، وتحطيم الروابط الأسرية، والإساءة للمرأة بالمتاجرة بها، وسبب لانتشار الأمراض المستعصية، وشيوع الشذوذ الجنسي وغيره من العلل، وإن الحجاب أعظم معين للمرأة للمحافظة على سترها وحيائها، وهو يصونها عن أعين السوء ونظرات الفحشاء، واسألوا إن شئتم الذين جربوا هذا الاختلاط بماذا عادوا؟

    تقول عدوة للمسلمين صحفية أمريكية، والحق ما شهدت به الأعداء، بعد أن أمضت عدة أسابيع في دول عربية، ثم عادت إلى بلادها، قالت: إن المجتمع العربي كامل وسليم، ومن الخليق في هذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوربي والأمريكي، فعندكم أخلاق موروثة تحكم تقييد المرأة، وتحكم احترام الأب والأم، وتحكم أكثر من ذلك عدم الإباحية التي تهدم اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا.

    امنعوا الاختلاط، قيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، وإن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار، قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات للمخدرات والرقيق.

    هذا قول ومنطق امرأة كافرة، فيا عجباً من منطق أناس يتسمون بالإسلام، ويدعون هذه الفتاة والمرأة إلى الخروج والانفلات والحرية المزعومة.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حقيقة التيسير في الشريعة الإسلامية

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    أيها المسلمون! لقد جعلنا الله خير الأمم، حيث قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وجعلنا هداة للإنسانية إذا هي ضلت، ومنقذين للبشرية إذا هم على الهلاك أشرفوا، وموجهين الناس إلى الخير، ومرشدين لهم إذا تفرقت بهم سبل الضلال، أو وقعوا في الانحراف عن الصراط المستقيم، وكذلك يوم القيامة نحن شهود على الخلق، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    فعارٌ علينا أن نتخلى عن هذه المنزلة الرفيعة، التي شرفنا الله بها، أو أن نضيع هذه الوظيفة التي كلفنا بها، أو نهبط إلى مستوى المقلدين والسذج، أو الببغاوات والقرود، إن من رحمة الله عز وجل بنا أن هدانا لهذا الدين الذي جاءت شريعته الكاملة لتحقق مصالح العباد، وتدرأ عنهم المفاسد وتحميهم منها، لقد قامت هذه الشريعة على رفع الحرج والمشقة، وعلى اليسر في الأمور كلها.

    لكن الاحتجاج بالتيسير والتسهيل، على التحلل من أحكام الشريعة، أو التحايل عليها واتباع الهوى في الأخذ بالرخص والغرائب الفقهية الشاذة التي لا تستند إلى دليل صحيح، كل ذلك باطل وتلبيس وتضليل يرفعه أهل الأهواء الذين يتبعون الشهوات ويلوحون به، لتمرير فسادهم وشهواتهم، يريدون بذلك تحلل المجتمع المسلم من أحكام الشريعة باسم التيسير وترك التشديد.

    نعم إن الله يريد بنا اليسر، لكن الأعداء كما قال تعالى: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27] إن من رحمة الله أنه عز وجل لم يكل مصالح العباد إلى أهواء البشر وشهواتهم، بل وضع شريعة كاملة مبرأة من الجهل والهوى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:71].

    ضوابط التعامل مع القواعد الشرعية

    إن الاحتجاج بدعوى التيسير والتسهيل، أو الاحتجاج بضغط الواقع وتغير الأحوال للتحلل من الأحكام الشرعية مرة بتأويل الأدلة وتحريفها، ومرة بحجة الضرورة، ومرة بالاستناد إلى قاعدة تغير الفتوى لتغير الحال والزمان والمكان والعوائد، كل ذلك من التلبيس والتضليل، للتفلت من الشرع المطهر خطوة خطوة، ولو أن كل الذين يطرحون قاعدة الضرورة، ويطرحون تغير الفتوى، لو أن كل من تكلم بهذا من العلماء الأتقياء المشهود لهم بالصلاح الذين يعرفون ويعرفون ضوابط الضرورة وحدودها، ويعرفون متى تتغير الفتوى بتغير الأحوال، لكان لهذا الطرح وجه واعتبار.

    ولكن يوم أن يطرح هذه المسائل أقوام قد خلطوا وملئوا عقولهم بأفكار من تلك الحضارات الوافدة، والهزائم المتتالية، ثم يستدلون بهذه القواعد، وليسوا أهلاً للفهم أو الاستدلال حتى ينصب هذه الأدلة لتسويغ ما يريدونه من منكر وباطل.

    إن قاعدة الضرورة وقاعدة تغير الفتوى بتغير الحال، قاعدتان معتبرتان شرعاً بضوابطهما الشرعية، وإن المتناول لهذه القواعد مع ما يستجد في الواقع، إذا كان من أهل العلم ومتجرداً لله وطالباً للحق، فإنه يوفق في الغالب للحق والصواب، ولو أخطأ فهو مأجور إن شاء الله على اجتهاده، أما أن يأتي ملبس مضلل لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، بلا علم ولا تقوى من الله، ويريد أن يحتج بهذه القواعد للتحلل من الشرع ومسايرة الواقع، فهذا مما يرفضه الشرع ويأباه؛ لأن نهايته السير بأحكام الله عز وجل حسب أهواء الناس وشهواتهم، وما ألفوه في واقعهم.

    ولنعلم يا عباد الله! أن إصلاح الناس يقتضي الارتفاع بالبشر إلى مكارم الشريعة، وليس الإصلاح أو التيسير أن ننحط بالدين إلى مستنقع الناس ورذائلهم، وإن هذا التقليد الأعمى الذي يكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، لمن أساليب إفساد المرأة، ومن الأمور التي جلبتها هذه الفضائحيات التي لا تزال تنفث سماً زعافاً في بيوتنا وفي أبنائنا وبناتنا، أولئك الذين بهذا التقليد وبالدعوة إليه يكلفون الناس عنتاً شديداً، ثم لا يجد كثير من الناس لأنفسهم منه مفراً.

    سلاح الأزياء اليهودي

    هذه الأزياء الخليعة التي تفرض نفسها على الناس فرضا، وتكلفهم ما لا يطيقون من النفقة، تأكل حياتهم، وتفسد أخلاقهم، ومع ذلك تراهم لا يملكون إلا الخضوع لها، أزياء الصباح، أزياء الظهيرة، أزياء المساء، أخرى قصيرة، أخرى ضيقة، أزياء مضحكة، أنواع الزينة والتجميل والتصفيف، إلى آخر هذا الاسترقاق المذل، من الذي يصنعه ويقف وراءه؟ من الذي يصفق له؟ تقف وراءه بيوت الأزياء، وتصنعه شركات الإنتاج، يصفق له المرابون في البنوك الربوية وبيوت المال، يقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها.

    ولكنهم لا يقفون بالدبابة والقنبلة، والسلاح المكشوف، إنما يقفون بالحرب الإعلامية، بالتصورات والقيم التي ينشئونها ويدعون إليها، ويؤصلونها بنظريات وثقافات، يطلقونها تضغط على الناس بحجة العرف الاجتماعي وضغط الواقع، يقف وراء هذا النصارى أصحاب الدين المحرف، والعلمانيون رسل التغريب، الذي إن كان له ما يسوغه في بلاد الغرب فليس له ما يسوغه في بلاد المسلمين، يقف وراءه النفعيون الذين يريدون زيادة دخلهم، وكثرة أرباحهم، وإن كان ذلك على حساب المرأة، أو هلاك الشعوب وتدميرها.

    يا أولياء النساء والزوجات والبنات! قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] تذكروا أنكم موقفون بين يدي الله تعالى غدا، ومسئولون عن هؤلاء النسوة، قال صلى الله عليه وسلم: (الرجل راع على أهله، وهو مسئول عن رعيته) احذروا وحذروا من الخلوة والاختلاط والتبرج، فإنهما والزنى رفيقان لا يفترقان، صنوان لا ينفصمان، واعلموا أن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة.

    إن احترام الحدود التي شرعها الإسلام في علاقة الجنسين هو صمام الأمان من الفتنة والعار، احذروا أجهزة الفساد التي تغزوكم في عقر داركم، وهي تدعو نساءكم وأبناءكم إلى الفتنة والاقتتال، وتضعف فيهم الخشية والإيمان، صونوا بناتكم وزوجاتكم، ولا تتهاونوا فتعرضوهن لهذا كله.

    لا يلام الذئب في عدوانه     إن يك الراعي عدو الغنم

    إن الأعراض إذا لم تصن بحصون الشريعة وقلاع المبادئ، ستسقط لا محالة أمام هذه الهجمة الشرسة ويقع المحظور، وعندها لا ينفع بكاءٌ ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولاً وآخراً على ولي المرأة والفتاة، الذي ألقى الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان.

    أتبكي على لبنى وأنت قتلتهـا     لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع

    تحذير للفتاة المسلمة

    وأنتِ أيتها الفتاة المسلمة! احذري وبالغي في الحذر، احذري أدعياء التقدم أن يجعلوا فضيلتك ثوباً يوسع ويضيق كيفما يشتهون، احذري فنَّهم الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن، احذري وأنت النجم الذي أضاء منذ فجر النبوة أن تقلدي هذه الشمعة الآفلة، لا تكوني من المتبرجات أو السافرات بلباسك الضيق، أو بعباءتك المبتكرة، أو غطائك الرقيق، أو بلثامك، أو بإبراز عينك المكحلة وحواجبك، أو فتنة وجهك، أو بذارع مكشوفة أو قدم عارية.

    احذري أن تكوني سبباً لفتنة مسلم بمشية متكسرة، أو خطوات متكلفة، أو بنظرات مزعجة، أو صوت متغنج، أو ضحكة رنانة أو عطر فواح، احذري ذلك كله لكي لا تكوني سلعة، أو تكوني متبرجة كاسية عارية.

    أيتها الفتاة المسلمة! أنتِ الطهر والعفة، وأنتِ الوفاء والأنفة، وأنتِ الصبر والعزيمة، فتمسكي بأخلاق الإسلام، والسير على نهجه القويم، والاقتداء بأمهات المؤمنين، والصالحات السالفات.

    وأنتم يا معاشر الرجال!

    ربوا البنات على الفضيلة إنـها     في الشرق علة ذلك الإخفاق

    الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددت شعباً طيب الأعراق

    الأم روض إن تعهده الحيا     بالري أورق أيما إيراق

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم من أراد بالنساء في مجتمعنا هذا تبرجاً وإباحية وسفوراً وانحلالاً، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم اهتك ستره، وعجل فضيحته، واكفناه بما شئت إنك أنت السميع العليم، اللهم عليك بمن أرادوا بزوجاتنا وبناتنا ونسائنا سوءاً، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم اكفنا شرورهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحفظ اللهم هذه البلاد وولاة أمرها وعلماءها وجميع المسلمين؛ من كل تبرج وانحطاط وإباحية يا رب العالمين، اللهم احفظنا وبارك في جهودنا، وثبتنا على ما يرضيك، وتوفنا على أحسن حال يرضيك يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وآله وصحبه.