إسلام ويب

طريق الجنةللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجنة هي سلعة الله الغالية، وقد جعلها الله تعالى هدفاً يتسابق إليه المتسابقون، ويسارع إليه المسارعون، وجعل لها طرقاً وسبلاً من سار عليها وصل إليها بإذن الله تعالى، وهناك عقبات كثيرة على تلك السبل قد تحول دون دخول الجنة، فيجب على المؤمن أن يسلك الطرق الموصلة إلى الجنة، وأن يتجنب تلك العقبات، وأن يتسلح بالعلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    وجوب المسارعة إلى الجنة

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة! الموضوع: في طريق الجنة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين هذه الجنة، التي طالما تاقت لها نفوس المؤمنين، وقدموا في سبيل الحصول عليها والبحث عن طريقها كل ما يملكون، وفوق ما يستطيعون، نسأل الله ذلك.

    الموضوع يدور حول قول الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136].

    جاءت هذه الآيات التي ترغب بالجنة وبطريقها بعد آيات تحذر من النار قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:130-133].

    هذا هو الطريق الموصل إلى الجنة، والله تعالى هنا يقول: (وَسَارِعُوا)، ولذلك فإنه يلاحظ على كل الأفعال الخيرية التي يؤمر المسلم بأن يجد في السير إليها، أن يكون ذلك إما بطريق المسارعة دائماً أو بطريق المسابقة، قال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90]، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] دائماً وأبداً بالنسبة لسعي الحياة الآخرة.

    وبالنسبة للسير في البحث عن الرزق في الحياة الدنيا: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15].

    ومن هنا فإن المسلم مطالب بأن يستبق الخيرات، وأن يبذل الجهد في سبيل الحصول على هذه السعادة وعلى هذه الدار.

    1.   

    الجنة كانت هي السكن الأول للإنسان

    هذه الجنة هي التي كانت مسكن الإنسان في يوم من الأيام، ما كان هناك تكليف، ولا كانت هناك واجبات، قال تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة:35] ولكن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون لهذا الإنسان عدو، وأن يكون الصراع بين هذا الإنسان وبين عدوه حتى يكون للجنة ثمن، وحتى لا يدخل الجنة إلا من يستحقها، قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38].

    والفطرة التي فطر الله الإنسان عليها سليمة لا شك فيها، فهي فطرة التوحيد والعقيدة والإيمان، قال تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) وهذه الفطرة وذلك العهد هو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هذه هي الفطرة التي عليها خلق الإنسان وفطر.

    لكن حينما تسلطت شياطين الإنس والجن على هذا الإنسان كان هناك فريق في الجنة وفريق في السعير، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213] أي: على ملة واحدة، أي: فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

    ومن هنا افترقت الناس إلى قسمين، وبدأ الصراع بين الحق والباطل منذ تلك اللحظة، قال تعالى: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123]، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تزال طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله أو حتى تقوم الساعة).

    1.   

    ثمن الجنة وصفات أهلها

    ومن هنا نعرف أن للجنة ثمناً، وهذا الثمن هو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، فأول شرط من شروط هذه الجنة وأول ثمن من أثمانها هو تقوى الله عز وجل، والمراد بتقوى الله: امتثال أوامره واجتناب نواهيه، العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، والحذر من سخط الله على نور من الله خشية عقابه.

    وهذه التقوى لا يوفق الله عز وجل إليها إلا من يستحقها ومن هم أهل للجنة، ومن أجلها بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ولذلك فإن كل الأنبياء يدعون الأمم: أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وعلى هذا فإن هذه هي القيمة الأولى والثمن الأول للجنة.

    الإنفاق في السراء والضراء

    قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران:134]، والمراد بالسراء أي: في حال السعة والطمأنينة، والضراء، أي: في حال الضيق والشدة والعجز، وإنفاقهم في حال السراء شكراً لله عز وجل، وإنفاقهم لأموالهم في حال الضراء صبراً وعلامة قوية من علامات الإيمان، ولذلك فإن المؤمن هو الذي يبذل ماله، ويعرف أن هذا المال ليس له وإنما هو ملك الله، وأنه مستخلف في هذا المال، قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7]، وأن الله تعالى هو الذي يورث هذا المال في آخر الأمر: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا [مريم:40]؛ ولذلك فإن المسلم يستخلفه الله عز وجل في هذا المال ليمتحن بذله وصبره وسخاءه أو بخله.

    كظم الغيظ والعفو عن الناس

    يقول الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:133-134] والكظم معناه: الحبس، والغيظ معناه: أشد أنواع الغضب، وحينما يغضب هذا الإنسان لا لله عز وجل فعليه أن يكتم هذا الغيظ وهذا الغضب، ولكن حينما يكون هذا الغضب لله عز وجل ومن أجل دينه فلا يجوز أن يقف هذا الغضب عند حد العاطفة، وإنما ينتهي حتى تقام حدود الله عز وجل؛ ولذلك ما غضب الرسول صلى الله عليه وسلم غضباً إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل، ولا أظهر شدة إلا حينما يتعدى على حدود الله عز وجل، والمسلم مطالب أن يكظم الغيظ؛ بل مطالب أن يكون غيظه وغضبه لله عز وجل ومن أجل دين الله، وإذا كان يغضب لأمر من أمور الدنيا فإن عليه أن يغضب لله عز وجل أكثر من ذلك.

    قال تعالى: وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ [آل عمران:134]، والعفو صفة من صفات المؤمنين لاسيما في ساعة القدرة، وضعف المعفو عنه، فإن العفو أمر مطلوب؛ ولذلك حث الله تعالى على العفو والإحسان فقال: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    ومن هنا تعالج مشاكل الناس بعضهم مع بعض، فالعفو عند المقدرة، والتجاوز والصفح عن الإساءة أكبر سبب وأكبر وسيلة يستطيع من خلالها المسلم أن يملك قلوب الناس، قال تعالى: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، ولكن هذا العفو عند المقدرة لا يستطيعه إلا الصابرون، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:35] أي: العفو عند المقدرة وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    وهذا العفو على نوعين: فقد حث الله عز وجل على العفو في القرآن، وحذر من العفو في مكان آخر، بل في موقعين متجاورين قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43]، وقال قبلها: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39].

    فنستطيع من خلال هاتين الآيتين المتجاورتين أن نجمع بينهما إذا كان حق للإنسان فالعفو أفضل، بشرط ألا يراد بهذه الإساءة استذلال أحد من المسلمين، أما إذا أريد بالإساءة إذلال مسلم من المسلمين، أو كان هذا الحق ليس للإنسان وإنما هو لله عز وجل، وكان غضباً لدين الله، فالله تعالى أمر بالانتقام فقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39].

    قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، وهو إتقان العمل، ومراقبة الله عز وجل في الغيب والشهادة.

    المبادرة بالتوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي

    ثم بين آخر عنصر من عناصر طريق الجنة فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، والفاحشة: هي ما عظمت من الذنوب، وظلم النفس معناه: مطلق المعاصي.

    وعلى هذا: فإن المسلم عليه أن يكون بعيداً عن هذه الأمور التي تحول بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، لكن لما فطر الإنسان بطبيعته وجبلته على الميل إلى ملاذ الحياة الدنيا، ولربما تكون مما حرم الله؛ فقد أمر الله عز وجل بسرعة المبادرة بالتوبة والإنابة، وبين الله في مكان آخر أن هذا الإنسان لو ملأ الأرض ذنوباً وبلغت ذنوبه عنان السماء، ثم تاب وأناب إلى ربه؛ فإن الله تعالى يقبل التوبة عنه، ويعفو عن سيئاته، يقول تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، بشرط: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54].

    والإنسان بطبيعته وفطرته البشرية قد يميل إلى أمور قد تكون محرمة، وقد يغفل الإيمان ساعة من الزمن فيقع في شيء مما حرم الله، فهذه فطرة البشرية لا يسلم منها إلا من عصمه الله عز وجل، وعلاجها سرعة التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وهنا يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) و(إذا) للمفاجأة والسرعة، (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: ما دون الفاحشة، (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا ساعة الوقوف بين يدي الله عز وجل، وساعة الحساب، وذكروا ظلمة القبر، ويوم يقفون أمام الميزان الذي توزن فيه الحسنات والسيئات، إذا هموا بظلم مخلوق من المخلوقين أو بظلم النفس أو التعدي على أمر مما حرمه الله أو ما أشبه ذلك؛ فإنهم يبادرون بالتوبة والإنابة، وقد وعد الله عز وجل مثل هؤلاء أن يبدل لهم السيئات إلى حسنات، فقال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، ويقول جمهور المفسرين: كل سيئة يقترفها هذا الإنسان تتحول إلى حسنة في سجل أعماله، وليس معنى ذلك التشجيع على فعل السيئات ثم تركها، ولكن معنى ذلك: سرعة المبادرة بالتوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وهو ما أشار الله تعالى إليه في آخر سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].

    وعلى هذا: فإن المسلم عليه إذا فعل سيئة أن يغلب جانب الخوف، وإذا فعل طاعة أن يغلب جانب الرجاء، وعليه أن يجمع بين الرجاء والخوف في آن واحد، كما ذكر ابن غزوان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: (ولقد ذكر لنا أن الحجر يرمى من شفير جهنم ما يبلغ لها قعراً، والله لتملأن! والله لتملأن! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصارع الجنة كما بين مكة وهجر -أي: عرض الجزيرة العربية- وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) أي: من كثرة الداخلين.

    هنا يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، وفي ساعة الاحتضار يغلب الإنسان جانب الرجاء بالله تعالى فلا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

    المهم أيها الإخوة! هذه الآية تجعل من صفات المؤمنين أهل الجنة أنهم يبادرون بالتوبة، فلا يفرطون ولا تغرهم الحياة الدنيا، ولا يغرهم الشباب والقوة والفتوة، ولا تغرهم الصحة والعافية، بل هم دائماً على خوف واستعداد للموت قبل نزوله، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حدد أجلين للتوبة:

    الأجل الأول: هو الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، أول ما تبلغ الروح الحلقوم، وهذا أجل بعيد بالأصل ولكنه قريب؛ لأن الإنسان لا يدري متى يقع الأجل.

    الأجل الآخر: طلوع الشمس من مغربها بالنسبة لعامة الناس، وهو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ويقول الله عز وجل عن الأول: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] فأبشروا أيها الإخوة! فإن معنى (جهالة) أي: في غفلة، وليس معناها في جهل؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ على أي سيئة من سيئاته، ثم حدد الأجل وقال: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، وأبشروا أيضاً أيها الإخوة؛ فإن القريب ليس معناه: في الحال، ولكن معناه: ما قبل الموت، بدليل قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18].

    المهم أيها الإخوة! أن يكون هذا الإنسان دائماً وهو يقترف الذنب -إذا قدر له أن يقترف ذنباً في غفلة عن دينه- أن يقترف هذا الذنب وهو خائف، أما أن يفعل هذا الذنب وهو يضحك، فإن المثل يقول: (من فعل الذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي).

    ولذلك فإن المؤمن إذا فعل ذنباً ولو كان صغيراً أصبح على رأسه كجبل، والآخر البعيد -نعوذ بالله من حاله- إذا فعل الذنب رآه كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: (كذباب وقع على وجهه فقال به هكذا) أي: تساهله من بهذا الذنب، والتساهل بالذنب يعتبر ذنباً.

    وهذه الذنوب تختلف بحجمها وفي أصلها وفي أهلها، فهناك ذنوب بين العباد مع الله عز وجل لا تصل إلى درجة الشرك، لا يعبأ الله عز وجل بها يوم القيامة، وهناك ذنوب الشرك -نعوذ بالله- لا يغفر الله عز وجل منها شيئاً يوم القيامة، وهناك غير هذين الاثنين، وهي المظالم والتعدي على حرمات الناس وأموالهم وأعراضهم ودمائهم وحريتهم، وهذا هو الديوان الذي لا يترك الله عز وجل منه شيئاً يوم القيامة، وهذا هو الذي يقتص له يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وصاحبه هو المفلس الذي يأتي يوم القيامة مفلساً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام.. فيأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).

    فهذه هي حياة الإنسان، وهذا هو طريق الجنة، فعلى المسلم أن يبادر في سلوك طريق الجنة.

    1.   

    وسائل دخول الجنة

    أيها الإخوة! هناك أمور هي التي توصل الإنسان إلى الجنة، وهناك أمور تعتبر سبيلاً من سبل الوصول إلى الجنة ووسيلة من وسائل دخول الجنة، وأهم هذه الوسائل بل الأصل هو رحمة الله عز وجل، وقد حكم الله عز وجل بأن رحمته وسعت كل شيء، كما أن كلمة (رحمة) تطلق على الجنة قال تعالى: فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:107] ، وتطلق على كرمه سبحانه وتعالى بحيث يشمل أقواماً برحمته، لكن هذه الرحمة التي لا يدخل الجنة أحد إلا بها لها أسباب، وأقول: لا يدخل الجنة أحد إلا بها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

    من وسائل دخول الجنة العمل الصالح

    لذلك فإن الوسيلة التي نلجأ إليها ونتذرع بها لدخول الجنة هي رحمة الله عز وجل، وهي التي وسعت كل شيء، ولكن لها أسباب، ولذلك يقول الله تعالى: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [الأعراف:156] وهم أيضاً: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157]، وهذه الرحمة أسبابها ووسائلها الأعمال الصالحات التي يقدمها هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولذلك فإن المسلم مطالب بأن يتعرض لرحمة الله عز وجل بالأعمال الصالحات، في التوحيد بالعقيدة السليمة.. بالحب لهذا الدين.. بالولاء لهذا الدين.. بالدفاع عن هذا الدين.. بالاستماتة دفاعاً عن دين الله عز وجل وعن عقيدته، هذه هي رحمة الله، وهذه أهم الأسباب التي يحصل بها الإنسان على رحمة الله سبحانه وتعالى.

    الموت على ملة الإسلام

    أيضاً من أهم هذه الوسائل: الموت على الملة، قد يحيا الإنسان حياة طويلة على طاعة الله، لكن الله تعالى قد كتب له سوء الخاتمة نسأل الله العافية والسلامة، والله تعالى يقول: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ووصية نبي الله يعقوب لبنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، فالعبرة هي بما يموت عليه الإنسان، لا بما يحيا عليه، فقد يعيش حياة طويلة في أعمال صالحة، ظاهرها أنها تورده الجنة، لكن الله تعالى قد ختم له بالشقاوة نسأل الله العافية والسلامة! كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    ولذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).

    ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو رسول الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والذي يدخل أقوام كثر الجنة بسببه- كان كثيراً ما يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فتقول له عائشة : أو تخاف على نفسك يا رسول الله؟! قال: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن؟!).

    إذاً: نكثر من هذه الكلمة لعل الله أن يختم لنا بالصالحات، ولا نغتر بالعمل ولو كان كثيراً، فإن العمل الكثير إذا لم يتقبله الله عز وجل يكون كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور:39]، ويكون كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] نسأل الله العافية والسلامة.

    ولذلك فإن المسلم مطالب أن يبحث عن حسن الخاتمة أكثر من بحثه عن العمل الصالح.

    قوة اليقين بالله والخشية له سبحانه

    أيضاً من هذه الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى الجنة: قوة اليقين بالله عز وجل، والخشية لله، فلا يصرف شيئاً من دينه لغير الله عز وجل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] .. فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]، والخوف والخشية جانبان عظيمان من جوانب التوحيد لا تكون إلا لله عز وجل، والخشية: هي الخوف مع الإجلال، ولذلك فإن من وقع في نفسه خوف البشر من دون الله عز وجل فقد اختل في قلبه جانب التوحيد، وأصبح على خطر من أن يحبط العمل، وأن يكون من المشركين، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، فالخشية والخوف يجب أن يكونا لله عز وجل.

    1.   

    الجهاد في سبيل الله يوصل إلى الدرجات العلى في الجنة

    هناك طرق للجنة، وهناك طرق توصل الإنسان إلى الدرجات العلى في الجنة، وأفضل سبيل يوصل إلى أعلى درجة في الجنة: هو الجهاد في سبيل الله، الجهاد الذي عقده المسلم يوم أن كان مؤمناً بالله عز وجل كصفقة رابحة بينه وبين الله عز وجل، وحينما نتكلم عن الجهاد لا نكتفي بالجهاد الذي هو حمل السلاح في وجوه الكافرين، ولكنه أياً كان هذا الجهاد؛ ابتداء من جهاد النفس، إلى الجهاد بكلمة الحق إذا كانت عند سلطان جائر، وهذا يعتبر أفضل الشهداء عند الله عز وجل، رجل قام عند سلطان جائر فأمره ونهاه فأراق دمه أو فقتله، وهذا أفضل الشهداء عند الله عز وجل، فهو يوم القيامة مع حمزة الذي هو أفضل الشهداء رضي الله عنه.

    كذلك الجهاد أيضاً بالدعوة إلى الله عز وجل، ولذلك أخبر الله تعالى بأن الدعوة هي الجهاد الكبير، فقال عن القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52] أي: القرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فهو أعظم أنواع الجهاد، وهو الدعوة إلى الله عز وجل، وهذه هي التي قال الله عز وجل عنها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت:33]، فالدعوة إلى الله هي أحسن قول، والجهاد بالدعوة إلى الله وكلمة الحق وإعلانها في الناس والصبر على الأذى فيها تعتبر أفضل وأعظم أنواع الجهاد: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52] فهو جهاد كبير أكبر من الجهاد المعروف إذا دعت الضرورة إلى هذا النوع من الجهاد، فهو أكبر من الجهاد بالسلاح وإراقة الدماء؛ لا سيما حينما يضعف الناس عن هذا الجانب من جوانب الجهاد، فإن الله تعالى قد سماه جهاداً كبيراً.

    ثم يأتي الجهاد بالنفس والمال والدم والروح، ومن خلال هذا الجهاد تتحقق البيعة التي أبرمها المؤمن مع ربه سبحانه وتعالى يوم كان مؤمناً بطريقة تلقائية مباشرة دون أن تحتاج إلى كتابة عقد، فإن هذا العقد مبرم منذ أن اعتنق هذا المؤمن هذا الإيمان، وهذا العقد مصدق في كل الكتب السماوية في التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا العقد قد استوفى كل أركان المعاملات المعروفة عند الفقهاء: بائع ومشترٍ، وثمن وسلعة، وهو ما أشار الله عز وجل إليه في سورة التوبة فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111].

    ولما نزلت هذه الآية قام عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، قال: يا رسول الله! ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) أي: لا نقبل أحداً ينقض هذه البيعة، ونحن لا نطلب نقض هذه البيعة، ما دام الثمن هو الجنة، وما دام الموت كتاباً مؤجلاً على هذا الإنسان لا يتقدم الإنسان ساعة ولا لحظة ولا يتأخر، فخير له أن تكون هذه الميتة في سبيل الله؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (من سأل الله عز وجل الشهادة بحق بلغه الله عز وجل منازل الشهداء وإن مات على فراشه).

    هذه البيعة يا إخوان! بيعة عظيمة جداً، نقرؤها في القرآن، ولربما نغفل عن تجديدها مع الله عز وجل، ومن خلال هذه الغفلة يضعف الإنسان أمام الإنسان، ويضعف الإنسان أمام المخاوف والدماء التي تراق، أما حينما نقرؤها بعقل وتفكير فهذه بيعة فيها بائع وهو المؤمن، وفيها المشتري وهو الله عز وجل، مع أنه يملك روح هذا الإنسان وماله، لكن من كرمه أن اشترى هذين الأمرين بثمن وهو الجنة، وسلعة وهي النفس والمال، وثمن وهو الجنة، وهذه أركان البيع الأربعة المعروفة عند الفقهاء، ثم صدقت هذه المعاملة وهذه البيعة في التوراة والإنجيل والقرآن.

    لما نزلت هذه الآية خرج المسلمون عن بكرة أبيهم للجهاد في سبيل الله، حتى نزلت آية أخرى تلوم المسلمين كيف يخرجون للجهاد ويتركون المدينة، قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]، إذاً: تبقى فرقة في حراسة المدينة، ولطلب العلم عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وتخرج طائفة للجهاد، وإذا رجعت هذه الفرقة تبقى هذه وتخرج تلك.

    ما الذي دفع المسلمين إلى الخروج جميعاً إلى الجهاد في سبيل الله؟ هو البحث عن هذه الجنة، وتحقيق هذه البيعة إلى أن لامهم الله عز وجل، والدليل على ما سبق أنه أفضل طريق يوصل إلى أعلى درجات الجنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله).

    درجات الجنة المائة التي كل واحدة كما بين السماء والأرض، هذه المسافة الطويلة، هذه للمجاهدين؛ لتفاوت درجات المجاهدين، ولتفاوت أهدافهم ونياتهم، ونوع البلاء الذي قدموه في سبيل الله عز وجل.

    1.   

    الصبر والثبات عند الفتن يوصل المسلم إلى أعلى درجات الجنة

    العنصر الثاني الذي يكفل للمسلم أعلى درجات الجنة: فهو الصبر على الأذى، والابتلاء في دين الله عز وجل، وهذه درجة عالية وهي درجة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد أوذوا في سبيل الله، ثم بعد ذلك صبروا، ثم كانوا في أعلى درجات الجنة.

    ويلحق بهؤلاء الأنبياء في الدرجة الثانية المصلحون، الذين قدموا أنفسهم لهذا الدين، وصبروا على هذا الأذى، وتفانوا في الدفاع عن دين الله عز وجل، وقدموا على الله عز وجل غير مغيرين ولا مبدلين، ولا مستكينين لغير الله عز وجل.

    الدرجة الثالثة العليا: الذين يثبت إيمانهم عند الفتن، وهذه المرحلة لا يطيقها إلا القلة من الناس؛ لأن هناك من الناس مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [الحج:11] إذا رأى أن الناس معه، وأن الخير معه، وأنه لا يؤذى في ذات الله؛ فإنه يثبت على هذا الطريق؛ لأنها أصبحت طريقاً سهلة ممهدة، لكن حينما يصيبه الأذى في دينه يرجع على عقبيه، وينكص ويعود من منتصف الطريق، يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11].

    هذه الفتن جعلها الله عز وجل في طريق الجنة لتمحص المؤمنين، ولتيمز الصادقين من غير الصادقين؛ ولذلك يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10]، إذا أصابه أذى في دينه قال: لقد هربت من الأذى فكيف أقع في الأذى؟! لقد هربت من عقوبة الآخرة والآن أقع في عقوبة الدنيا! إذاً: أتحمل العقوبة المتوقعة وأسلم من عقوبة حاضرة، هكذا يتفلسف ويظن أن العقوبتين متساويتان! والحقيقة أن هناك الفرق الكبير الشاسع بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة.

    قال تعالى: وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ [العنكبوت:10]، هؤلاء الذين يرجعون من منتصف الطريق هم الذين لا يصلحون الحياة، لا سيما الحياة الحاضرة؛ بل إن الحياة كلها جعل الله عز وجل هؤلاء الناس بعضهم لبعض فتنة فقال: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20] أي: أتتحملون هذه الفتنة؟ ومن أجل ذلك فإن الذين يثبتون على هذا الطريق، ولا يتراجعون حينما تصيبهم فتنة هم الذين يستحقون الدرجات العلى في الجنة، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران:179]، وهذه الآية نزلت في آخر سورة آل عمران من أجل أن تبين أن ما حدث في غزوة أحد -التي تكلمت عليها سورة آل عمران- من أذى أصاب المسلمين، فقتل منهم سبعون، وجرح خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، أن هذا له فائدة، حتى المصائب لها فائدة، ما هي الفائدة؟ قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:179].

    إذاً: معنى ذلك: أن الأحداث والمصائب والفتن التي تحل بأمة من الأمم لمصلحة هذه الأمة، من أجل أن يخرج ذلك الداعية ممحصاً، ومن أجل أن يخرج ذلك المؤمن قوي الشكيمة، شديد العزيمة، مؤمناً حقاً، يستطيع أن يتحمل أعباء الحياة وتكاليفها، لكن حينما تكون الحياة كلها رخاء وسهولة، ورقة وليناً ودعة، فباستطاعة كل الناس أن يقولوا: إنهم مؤمنون، ولذلك يقول الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، و(حسب) هنا استفهام إنكاري، أي: من ظن أنه إذا قال: آمنت ولا يفتن فعليه أن يراجع حسابه، فالاستفهام إنكاري معناه: أنه ليس من المعقول وليس حقيقة أن يترك الناس على كلمة (مؤمن) دون أن يفتنوا، والفتنة معناها في اللغة: وضع الذهب في النار حتى تظهر الجودة من الرداءة, وحينما يوضع الذهب في النار يتميز الذهب من الأخلاط الرديئة ويبقى الذهب، وتزول هذه الأخلاط الرديئة، هذه هي الفتنة في اللغة العربية، والفتنة في مفهوم الشرع الإسلامي: هي ما يصيب الإنسان من آفات وأحداث من أجل أن يتميز المؤمن الصادق من غير الصادق.

    1.   

    عقبات في طريق الجنة

    أيها الإخوة! إن في طريق الجنة عقبات، وليست الجنة قد فرش طريقها بالورود والرياحين، ليس طريقاً ممهداً مسفلتاً؛ لكنه طريق وعر، وهذه الطريق الوعرة ليس الهدف من ورائها أن يصرف المؤمنون عن الجنة، ولكن من هدفها ألا يدخل الجنة إلا من يستحق الجنة، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

    وعلى هذا نفهم معنى قول الله تعالى في صفة العقبات الشديدة التي تعترض سبيل المؤمن في طريقه إلى الله وإلى الجنة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214]، ثم يقول الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    إذاً: نصر الله لا يأتي حتى يقول الناس: متى نصر الله؟! أي: إن نصر الله يتأخر حتى يظن طائفة من الناس بالله عز وجل سوءاً، ونصر الله يتأخر حتى ترتج الأرض بالمؤمنين وتتزلزل، (أم أحسبتم أن تدخلوا الجنة)؟! استفهام إنكاري هنا، (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)، والمراد بالبأساء: الحروب المهلكة، والضراء: الفقر والمسغبة والأذى، والفتن في طريق الجنة، (وزلزلوا) أصبحت الأرض كأنها تتحرك من تحت أقدامهم؛ من شدة الخوف والذعر الذي أصاب المؤمنين، فهذه الزلزلة وصلت إلى درجة أن يقول الرسول -وهو الرسول الذي أرسل من عند الله-: متى نصر الله؟!

    تصوروا يا إخوان! شدة الفتنة في طريق الجنة! الرسول يقول: متى نصر الله؟! وكلمة (متى) هنا ليس معناها الاستفهام، وإن كانت (متى) في الأصل هي للاستفهام، ولكن معناها هنا: الاستبطاء، أي: أبطأ نصر الله. والمؤمنون الذين يعيشون مع المرسلين عليهم الصلاة والسلام من شدة الخوف الذي أصابهم، والشدة التي أصابتهم في طريق الجنة يقولون: متى نصر الله؟ إذا كان هذا بالنسبة للمرسلين وأتباعهم، فما هو موقف عامة الناس في طريقهم إلى الجنة وهم يفتنون في دينهم ويبتلون في طريق الجنة؟!

    إذاً: الطريق وعرة يا إخوان! قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة:16] أي: ما يلجئون إلى غير المؤمنين، وليس معناه أن تلجأ للمؤمنين من دون الله، أي: يعتمدون على الله عز وجل، ويستعينون بالله ثم بالمؤمنين لا بالكافرين، إلى غير ذلك من العقبات التي تعترض طريق المسلم إلى ربه عز وجل وهي الدار الآخرة.

    يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ما نلقاه من المشركين في مكة، فأتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيوضع المنشار على مفرق رأسه إلى قدميه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دين الله، ولكنكم قوم تستعجلون، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه).

    ففي طريق الجنة عقبات.. في طريق الجنة قتل مرسلون.. في طريق الجنة أخرج المرسلون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، أخرجوا وقال لهم الكفرة من أتباعهم: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:13-14].

    إذاً: هذه هي العاقبة للمتقين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

    في طريق الجنة قطعت أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وكانوا قبل لحظات يحلفون بعزة فرعون ويقولون: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44]، ما ولدوا في الإسلام وفي الملة كما يولد الناس المؤمنون اليوم، ولكنهم ولدوا على الكفر وعاشوا في الكفر والسحر، لكن عندما دخل الإيمان في قلوبهم في لحظة واحدة من الزمن ويهددون وينفذ فيهم هذا التهديد: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] رأوا الجنة بأعينهم، ماذا قال أولئك؟ ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا [طه:72] ما قالوا: بعزة فرعون كما كانوا يقولون قبل لحظات، قالوا: وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، استهانة بالحياة الدنيا، لكن الحياة الآخرة لا أحد يستطيع أن يفعل بها شيئاً، فهي بيد الله عز وجل، وحتى الحياة الدنيا بيد الله؛ لأنه لا يقضي ما هو قاض إلا بالأجل الذي حدده الله عز وجل، ولذلك استطاع الإيمان أن يتغلب على ما في قلوبهم من الكفر والسحر في لحظة واحدة، فكيف بأبناء الملة والفطرة الذين ولدوا على الفطرة، وفي بيوت الفطرة والملة، واختلطت هذه الفطرة وهذا الخير بدمائهم وعظامهم ولحومهم؟! إذاً هم أولى أن يكون ذلك موقفهم.

    في طريق الجنة خدت الأخاديد وأشعلت فيها النيران، وقيل: كل من آمن بالله لا بد أن يقتحم هذه النار أو يراجع حسابه في الإيمان بالله عز وجل، فيقتحمون هذه النار في الأخاديد، قال تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:4-5]، وهم جالسون على حافة النار يضحكون على المؤمنين، ولحومهم تحترق بهذه النار وعظامهم، لكنه حلم الله عز وجل، والامتحان والفتنة التي وضعها الله عز وجل في طريق الجنة، قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8]، والله تعالى بيده القدرة.

    في طريق الجنة يقتحم إبراهيم عليه الصلاة والسلام النار التي يقول المفسرون عنها: إنها نار كانت تحرق الطير في جو السماء، ويستسلم لأمر الله عز وجل، ويقول الله عز وجل بعد ذلك: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].

    وفي طريق الجنة يصلب خبيب بن عدي رضي الله عنه في مكة، ويقول له القوم الكافرون: هل تريد أن يكون محمد في مكانك؟ فيقول: والله ما أود أن تصيب محمداً شوكة وأنا على هذه الحال.

    في طريق الجنة قتل كثير من المؤمنين وصعدوا أعواد المشانق، وقالوا لأعدائهم: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72] إذاً: طريق طريق، وعرة ونستطيع أن نقول: إن هناك عقبات نستطيع أن نلخصها في أمور عشرة:

    فساد العقيدة

    الأمر الأول: من العقبات التي تعترض سبيل هذا الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل: فساد العقيدة، وعشق المبادئ التي قد زينت لهؤلاء الناس، فوجد من يرتد عن الإسلام، ويكفر بدينه، ويستجيب لدواعي الكافرين ولدعاياتهم وضلالاتهم، فيخسر الدنيا والآخرة.

    ضعف اليقين بالله عز وجل

    ومنها أيضاً: ضعف اليقين بالله عز وجل، وعدم تصور عظمة الموقف، ويكون ذلك حينما يكون هذا الإيمان تقليدياً وراثياً، وهذا هو أخوف ما نخاف على المؤمن الذي يأخذ دينه وعقيدته بالوراثة أو من البيئة.. يجد أباه يصلي فيصلي دون أن يتصور حقيقة هذا الدين.. يجد أمه تصوم فيصوم، أخذ الدين عن طريق الوراثة فربما يرجع من منتصف الطريق دون أن يكمل المشوار إلى ربه سبحانه وتعالى.

    لكن تصوروا يا إخوان! إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يلقى في النار فيصبر، ويؤمر بذبح ولده فيحتسب، ويؤمر بترك ولده بوادي غير ذي زرع فيستجيب لأمر الله عز وجل؛ لأن إبراهيم عرف الله عز وجل من خلال آياته في هذا الكون، فهذه الآيات الآفاقية والكونية هي التي تهدي هذا الإنسان إلى إيمان أفضل، ولذلك يقول الله تعالى عن قصة إبراهيم وهو يبحث عن إله يعبده, وما كان يشك في الله، ولكنه كان يريد أن يعلم القوم، فهي حجة الله وحجة إبراهيم، قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83] إبراهيم ينظر إلى الكوكب فيقول: هذا ربي، ثم يغيب الكوكب فيقول: لا أحب الآفلين، ثم ينظر إلى القمر فيقول: هذا ربي، ثم يقول: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:77]، ثم ينظر إلى الشمس فيقول: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:78-79].

    من هنا يبرز الإيمان القوي، أما ضعف اليقين بالله عز وجل والإيمان الذي يقول صاحبه: إن كان ما جاء به المرسلون حقاً فلا ضير أن أكون قد اتبعتهم، وإن كان غير حق فأنا ما أتعبت نفسي! هذا الإيمان لا يدخل الإنسان الجنة، ولكنه اليقين الذي يتخطى به المسلم تلك العقبات، ويقتحم العقبة الكئود بحيث يصل إلى دار السلام آمناً مطمئناً.

    حب السيطرة والطغيان

    الأمر الرابع من هذه العقبات: حب السيطرة والطغيان، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا [القصص:83]، لا يريدون علواً فليس عندهم علو بل يرفضون العلو، ولا يريدون أن يكون هناك علو إلا لله عز وجل، ولا يريدون الفساد في الأرض، فهم لا يقترفون الفساد، وهم يحاربون الفساد بقدر ما أوتوا من قوة، فهؤلاء هم الذين لهم الدار الآخرة التي هي الجنة، فإن من أكبر الأمور التي تصرف هؤلاء الناس عن دين الله عز وجل هي حب السيطرة والطغيان في الأرض، وهذه هي التي يقول الله عز وجل عنها: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر:56]، فهؤلاء الذين ينافسون الله عز وجل في سلطانه بالكبرياء الذي هو رداؤه، والعظمة التي هي إزاره يقول تعالى في الحديث القدسي: (من نازعني شيئاً من ذلك عذبته).

    الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها

    الأمر الرابع: الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها، والله تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا [يونس:7] ، هم أناس في غفلة عن الحياة الآخرة، أناس أشربت قلوبهم بحب الحياة الدنيا، وزينتها ومتاعها، ومن خلال هذا الإشراب وهذه الغفلة نسوا الله عز وجل؛ فأنساهم أنفسهم، ثم هم لا يفكرون ساعة من الزمن في أن يعودوا إلى الله عز وجل، ولذلك فإن الله تعالى قد يأخذهم على غرة، ثم يخسرون الدنيا والآخرة.

    سوء الخاتمة

    الأمر الخامس: سوء الخاتمة، وهو أن يختم لهذا الإنسان بخاتمة الشقاوة، نسأل الله العافية والسلامة! وسوء الخاتمة سبيل يعاقب الله عز وجل به من يشاء من عباده، ولذلك فإن المسلم مطالب أن يبحث عن حسن الخاتمة، وحسن الخاتمة يكون بالصالحات والمداومة عليها، والمبادرة إلى التوبة والإنابة.

    صحبة الأشرار

    من الأمور التي تعوق الإنسان دون الجنة: صحبة الأشرار، فقد يتخذ المسلم بطانة من دون المؤمنين، يتخذ بطانة كافرة تكون سبباً في شقائه وحرمانه وإبعاده عن الله عز وجل، وصحبة الأشرار ربما يكون سببها الإعراض عن دين الله، وعن شرع الله، وعن كتاب الله، والله تعالى يقول: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ [الزخرف:36] أي: عن القرآن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا [الزخرف:36] ، باسم صديق أو صاحب أو جليس أو مستشار أو سكرتير أو ما أشبه ذلك، هذا الشيطان يتسلط على ذلك الإنسان، فيحوله إلى شيطان آخر، وهذا الشيطان إذا تسلط على هذا الإنسان لا يتركه حتى يوقعه في قعر النار، ولذلك الله تعالى أمرنا بمجالسة الصالحين فقال: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ [الممتحنة:13] ، لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [المجادلة:14] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

    ويتسلط قرين السوء على هذا الإنسان الذي كتب الله عليه الشقاوة بسبب إعراض الثاني عن كتاب الله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] ، ثم لا يدعه هذا الشيطان -سواء كان من شياطين الإنس وهم أخطر على الإنسان، أو من شياطين الجن وهم يأتون في المرتبة الثانية- حتى يرميه في قعر جهنم: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38] ، والله تعالى يقول: وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39].

    هذا القرين -نعوذ بالله- الذي ربما يسيء كثير من الناس -وبصفة خاصة بعض ولاة الأمر- في اختيار الجليس أو البطانة أو السكرتير، أو الذي يتولى الأمر أياً كان هذا الأمر، أو المربي؛ فيصرفه عن دين الله عز وجل، ويرميه في قعر جهنم، هذا إنما هو بسبب إعراض المتولي عن شرع الله عز وجل، وعن دين الله، ومن عقوبة الله تعالى أن يقيض له هذا الشيطان فلا يتركه حتى يرميه مع نفسه في نار جهنم، ولذلك أخبر الله تعالى بأن هناك من يعيش من الناس في صحبة الأشرار، ثم يقيض الله عز وجل رحمة من رحماته لهذا الإنسان فينقذه من هذا الفاسد ومن هذا الجليس ومن هذا السكرتير؛ لأن الله تعالى أراد له خيراً، فإذا جاء يوم القيامة ودخل ذلك التقي الجنة الذي أنقذه الله عز وجل من صحبة هذا الشرير فيسأل الملائكة: أين فلان من الناس، والله لقد كاد في يوم من الأيام أن يضلني وأن يدخلني النار؟! فيقال له: هل تريد أن تنظر إليه؟ إنه في النار. فيقول: نعم. فتفتح له فرجة إلى النار فيرى صاحبه يتقلب في نار جهنم، فيطل عليه من شرفات الجنة بعد أن أنقذه الله من شره فيقول: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:56-57]، ثم يفرح بهذا النعيم فيقول: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:58-61].

    هذه هي الحياة السعيدة التي يجب أن نبحث عنها، وأن ننقذ من وقع في شيء من هذه الورطات على أيدي هؤلاء الشريرين، أو جلساء السوء، ننقذهم من النار بقدر ما نستطيع، ولذلك فإن صحبة الأشرار تعتبر عقبة العقبات الكئود التي تعترض سبيل هذا الإنسان إلى الجنة.

    ذات يوم من الأيام صنع أبي بن خلف -لعنه الله- طعاماً دعا فيه كبار أهل مكة، إذاً لا بد أن يدعو محمداً صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد! مائدة سيحضرها صناديد قريش وأنت في مقدمتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي ! والله لا أحضر طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقام الرجل بدافع الكرم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم مائدته مع كبار القوم، فاستغرب القوم: كيف حضر محمد طعامك يا أبي؟! قال: شهدت أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله. تصوروا يا إخوان موقف الجلساء الفاسدين! قالوا: والله يا أبي! لا نكلمك حتى تذهب وتبصق في وجه محمد، وتعلن ردتك عن الإسلام؛ فذهب الشقي البعيد فبصق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله بصاقه إلى وجهه فأصبح علامة في وجهه حتى مات، وأعلن ردته عن الإسلام، وندم الرسول صلى الله عليه وسلم أن خسر رجلاً من كبار أهل مكة، ونزلت الآيات في سورة الفرقان تعزي نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وتنهاه أن يغضب مثل هذا الغضب لردة واحد من خلق الله، يقول الله عز وجل عن هذا الموقف: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:27-29] بعد إذ هداه الله أضله هؤلاء القوم، يقول الله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29]، ويعزي الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] ، ثم يبين الله عز وجل أن الهداية بيده وليست بيد الخلق: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31].

    إذاً: أيها الإخوة! جلساء السوء هم الذين يفسدون على الناس دينهم، وقصة أبي طالب لا تخفى عليكم، حينما كاد أن يدخل الجنة لولا جلساء السوء الذين حالوا بينه وبين الجنة، فقد حضر رسول الله صلى الله عليه عمه أبا طالب في ساعة الاحتضار، وكان أبو طالب ذا يد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكر، فهو الذي رباه، وهو الذي دافع عنه، بالرغم من أنه يكفر بدينه، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد له هذه اليد في ساعة الاحتضار، ودخل عليه وقال: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فالتفت الشقي إلى جلسائه، وكأنه يريد أن يأخذ رأيهم. قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! قال: هو على ملة عبد المطلب -نعوذ بالله- فخرجت روحه وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب، فأنزل الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، وأنزل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:113-114])، هكذا أيها الإخوة يضر الجلساء بالجليس.

    طول الأمل واستطالة العمر

    الأمر السابع: طول الأمد واستطالة العمر، فقد يطول الأمد بواحد من الناس وهو على طريق مستقيمة، ثم يمل -نسأل الله العافية والسلامة- ثم ينحرف؛ لأنه سئم هذه الطريق، ولأن هذه العبادة أصبحت تتكرر عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، صيام شهر في كل سنة، عبادات لا يطيقها إلا المؤمنون، ولربما يطالب بالجهاد الذي سيقدم فيه نفسه وماله؛ فيطول عليه الأمد؛ فيكون من الذين قال الله عز وجل فيهم: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد:16]، ولذلك فإن المسلم عليه ألا يستطيل العمر، وألا يستبطئ الموت، وعليه أن يبادر بالصالحات.

    نشاط دعاة الباطل وضعف دعاة الحق

    الأمر الثامن: نشاط دعاة الباطل وضعف دعاة الحق، واسمحوا لي أن أقول: إن هذه من أكبر العقبات التي تعترض سبيل المؤمنين إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة، ولا ينشط دعاة الباطل إلا حينما ينام دعاة الحق، ولا ينام دعاة الحق إلا حينما يخافون على أرزاقهم أو على حياتهم من غير الله عز وجل، ولذلك فإن دعاة الباطل هم كالخفافيش التي لا تنتشر إلا حينما يخيم الظلام، وهم كالفئران التي لا تنطلق في الأرض إلا حينما يسكن الجو وتفقد الحركة، ولكن حينما تكون هناك حركة -أي: دعوة- فإن هذه الفئران ترجع إلى مواقعها خاسئة ذليلة.

    إذا نشط دعاة الباطل، وسكت دعاة الحق أو أسكتوا؛ أصبح الأمر خطيراً.. تفسد الحياة، ويلتبس الأمر على الناس، ويختلط الحابل بالنابل، ثم تنزل عقوبة الله عز وجل على هؤلاء البشر وهم يخوضون كما تخوض البهائم في هذه الحياة.

    ولذلك فإن المرسلين عليهم الصلاة والسلام ختمت رسالاتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وانتهت الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتحمل الأمانة كل عالم من علماء المسلمين ولو علم آية واحدة من كتاب الله عز وجل، وأصبح العبء يتحمله كل واحد من المؤمنين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الله تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج:78] .. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، لستم كالأمم السابقة أخرجت لأنفسها، ولكنكم أخرجتم للناس.

    إذاً: الدعوة إلى الله عز وجل أمر مطلوب لا بد أن تنتشر في هذه الأرض، وإذا سكتت أو أسكتت فإن دعاة الباطل سوف يتحركون، وإذا تحرك دعاة الباطل حينئذ يهلك الحرث والنسل، وتفسد الحياة، وتسوء الأمور، وتنزل عقوبة الله عز وجل، ولا يتخلص بعد ذلك من هذه العقوبة إلا الذين ينهون عن السوء.

    إن الدعوة إلى الله عز وجل هي السبيل المثلى؛ بل هي السبيل الوحيد للوصول إلى الجنة ولإيصال الناس إلى الجنة، تصوروا يا إخوان! الدعوة إلى الله تدخل حتى الكافرين الجنة، كيف تدخل الكافرين الجنة؟ لأنها تسعى لهداية هؤلاء الناس، فيدخل حتى الكفار إضافة إلى المسلمين الجنة إذا التزموا بالمبدأ الذي دعا إليه المصلحون، والله تعالى يقول: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170] ، ولم يقل: لا نضيع أجر الصالحين، ففرق بين الصالح وبين المصلح، ولذلك أخبر الله تعالى بأنهم هم الذين يمسكون بالكتاب: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170].

    أيها الإخوة! دعاة الحق لا بد أن ينشطوا في كل عصر، ولا يجوز إسكات دعاة الحق، وإذا أسكت دعاة الحق فإن هذه الحياة لا تخلو من حركة، ولا تخلو من عمل، فسوف يتحرك دعاة الباطل، وهم الذين يكرهون الدولة، ويكرهون الإسلام، ويكرهون حكم الله، ويكرهون شرع الله، وأول أمنية وأكبر أمنية لهم أن ينتشر الفساد في الأرض، وأن يكون الدين لغير الله عز وجل.

    إذاً: أخطر طريق تعترض طريق المؤمنين أن توقف الدعوات، أو أن تناقش وتحاسب، أو ألا يفسح لها المجال في الأرض، هذا دين الله يا إخوان! والله لا بد أن يسير في الأرض ولو كره الناس كلهم أجمعون، لا بد أن يسير في الأرض، ولكن ننصح كل إنسان يريد الخير والسعادة؛ سواء كان على مستوى المسئولية أو على مستوى الأفراد، أن ينضم إلى هذا الصف، وإلى هذه المجموعة، ولذلك فإن هذا الدين لا يضيره أن يقف العالم كله في وجهه، ولكن يلزم كل من أراد السلامة والسعادة النفسية في الدنيا والآخرة أن يسير في هذا الخط وفي هذا الصف.

    أيها الإخوة! إذا نشط دعاة الباطل -وأخطر دعاة الباطل حينما يكونون من أبناء جلدتنا- فعلى الأمن والطمأنينة السلام، ودعاة الباطل إذا كانوا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا فالخطورة أشد وأعنف.

    فساد البيئة بالمعاصي والآثام

    كذلك من العقبات: فساد البيئة، ونقصد بفساد البيئة: تلوثها بالمعاصي سواء كان فساداً في الإعلان، أو فساداً في الاقتصاد، أو فساداً في التربية، أو أي نوع من هذه الأنواع، وهذه تعتبر من أكبر العقبات التي توجه الناس وجهة منحرفة، لا سيما في وقت يغيب فيه دعاة الحق، أو لا يسمح لهم بكلمة الحق، فالبيئة الإسلامية يجب أن تكون طاهرة نقية، ومن هنا يكون جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً مطلوباً لا بد منه.

    حب المركز وسوء الظن بالله

    الأمر الأخير من هذه الأمور: حب المركز وسوء الظن بالله عز وجل بأن الأجل بيد غير الله أو أن الرزق بيد غير الله عز وجل، وهذه من أكبر البلايا التي ربما تصرف الإنسان عن ربه إلى المخلوقين، مع أن الله تعالى أخبر بأن هناك كتاباً مؤجلاً فقال: كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران:145] ، إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] ، ولا يستطيع أحد أن يزيد في عمر الإنسان أو ينقص منه لحظة؛ لأنه مقدر من عند الله عز وجل، وحتى لو أصيب من قبل المخلوقين فهذا أجله الذي كتبه الله عز وجل عليه، ففيم يكون الخوف؟!

    أما الرزق فإن الله تعالى قد التزم لكل واحد من المخلوقين برزق أياً كان هذا المخلوق، حتى لو كان حشرة في جوف صخرة في قعر البحر، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:6]، وحب المركز والمحافظة عليه قد يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يتراجع عن دينه، أو أن يغفل عن ربه سبحانه وتعالى؛ حرصاً على هذا الأمر؛ لذلك فإني أختم حديثي هذا بقصة رجل من التابعين رضي الله عنه، عرضت عليه هذه المغريات لتصرفه عن الجنة وعن الله عز وجل فرفضها جميعاً، وقال بلسان الحال والمقال:

    أنا مسلم أبغي الحياة وسيلة للغاية الكبرى وللميعاد

    هذا الرجل الذي يحدثنا عنه التاريخ هو عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، نختصر قصته في كلمات يسيرة: عبد الله بن حذافة كان من القادة الذين اشتركوا في قتال الروم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان رجلاً شجاعاً ذكياً، توجد فيه كل صفات الرجولة، وقع في أسر الرومان، فجيء إلى قيصر الروم وقيل له: أيها الملك! إن في سجنك رجلاً لو كسبته لكان مكسباً عظيماً. فقال: جيئوني به، فلما مثل أمام قيصر قال له: يا عبد الله ! لو تنصرت لشاطرتك ملكي! الآن يتنصر الكثير من المسلمين بأسباب تافهة، اثنا عشر مليوناً تنصروا في إندونيسيا وحدها في مدة ثلاثين أو خمس وعشرين سنة، والدعايات التنصيرية الآن تسير في الأرض، ولربما يخدمها من أبناء جلدتنا.

    لو تنصرت -انظروا يا إخوان كيف الإغراء- شاطرتك ملكي! يعني: تكون شريكاً لي في حكم بلاد الروم.

    فقال: اخسأ يا عدو الله! والله لو كانت لي الدنيا كلها بأسرها ما تركت شيئاً من ديني.

    إذاً: هذه مؤامرة، مؤامرة المركز عرضت على هذا الرجل المؤمن، فرفض هذا المركز لأنه سيكون على حساب دينه، بخلاف الذين يتنازلون عن كل دينهم مقابل مركز أصغر من ذلك بكثير.

    فقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في الثقل عليه، ثم استشار الخبراء والجلساء ماذا يفعل بـعبد الله بن حذافة؟ فقالوا: الشهوة، فإنه شاب حدث قوي الجسم، له شهور عن أهله، لو عرضت عليه الجنس الذي يعرض الآن على كثير من الناس في وسائل الإعلام وفي الأفلام، حتى في الطيران بين السماء والأرض يعرض الآن. قالوا: الجنس لو عرضته على هذا الرجل فربما تكسبه. قال: جيئوني بأجمل فتاة في بلادنا. فجيء بها فأغريت بكل المغريات لو استطاعت أن تفتن هذا الرجل المؤمن.

    يقول المؤرخون: فتجردت عن كل ملابسها، ودخلت على عبد الله وهو يتلو القرآن، وهو مكبل بالأغلال، فوقعت في أحضانه، فقال: معاذ الله! إنه ربي، فهرب منها وصارت تلاحقه، وكلما اتجه إلى جهة ببصره لحقته، فانحرف ببصره عنها، ولم تستطع أن تنال منه نظرة واحدة؛ لأن الرجل قد امتلأ قلبه بخشية الله عز وجل، قالت: أخرجوني، فقابلها الصحفيون عند الباب: ماذا فعلت؟ قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر!

    فتحير قيصر الروم الآن، يريد أن يستعيد ماء وجهه مع هذا الرجل الغلام الذي استطاع أن يسقطه أمام قومه، فقالوا له: الموت، وكل الناس يخافون من الموت، فجيء بقدر عظيم وأشعلت تحته النار حتى تحول هذا القدر إلى قطعة من نار فقال: جيئوني بـعبد الله بن حذافة ورجل من الذين كان يأنس بهم كثيراً، فجيء بـعبد الله بن حذافة ورجل من الصالحين معه، فأوقف الاثنان على حافة القدر، فأمر قيصر أن يؤخذ الرجل -أي: صديق عبد الله بن حذافة- ويرمى في القدر، فرمي في القدر فطار دخانه، وكان يراقب عيني عبد الله ؛ فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله رضي الله عنه وهو ينظر إلى صديقه المؤمن وقد احترق لحمه وعظامه، فظن أنه كسبه، فقال: يا عبد الله ! خفت من الموت؟! أنت ستكون بعده، قال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلادك إلا أبحث عن الشهادة فكانت أمنيتي، ولكن دمعتي التي رأيتها حينما سبقني صاحبي هذا إلى الجنة وإلى الدار الآخرة، والله لقد كنت أسابقه إلى الجنة وكنت أتمنى أن أسبقه إلى الله عز وجل، فكان إذا صلى ركعتين في الليل صليت أربع ركعات في جوف الليل المظلم، وكان إذا صام يوماً في الهاجرة صمت يومين، وكنت أتمنى أن أسبقه، فالآن بكيت حينما رأيتني بكيت لأن صاحبي سبقني إلى الجنة. فتحير الرجل وعرف أنه لا يستطيع أن ينال من هذا الرجل منالاً... إلى آخر القصة.

    أيها الإخوة! حينما نتحدث عن الوعورة في طريق الجنة لا نقنط الناس من رحمة الله عز وجل، ولكن نريد أن يفهم الناس أن في طريق الجنة عقبات، وأنه لا يقتحم هذه العقبة إلا ذو عقل عظيم، وذو رأي سديد، إلا من وفقه الله عز وجل لسعادة الدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لي ولكم طريق الجنة والسعادة، وأن يهدي قادة هذه الأمة وفي مقدمتهم ولاة أمر هذه البلاد، أن يكونوا عوناً للناس إلى طريق الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.