إسلام ويب

صفات المؤمنينللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لعباد الرحمن صفات ذكرها الله عز وجل في كتابه، وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وما ذلك إلا لنعمل بها، فهم الذين أصلحوا ما بينهم وبين الله عز وجل، وأصلحوا ما بينهم وبين الخلق، فامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا محارمه، وتحلوا بمكارم الأخلاق، وجميل الخصال ومحاسن الفعال، واجتنبوا ضد ذلك من مساوئ الأخلاق وسفاسف الأمور، ولهذا مدحهم الله عز وجل، ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة.

    1.   

    بين يدي آيات من سورة الفرقان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب عليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الآيات التي في آخر سورة الفرقان تتحدث عن صفات عباد الرحمن، وسورة الفرقان من أولها إلى هذا المقطع تتحدث عن الكافرين ومواقفهم ضد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان:35]، ثم قال الله عز وجل بعد ذلك: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [الفرقان:37-39].

    ثم ذكر الله عز وجل كثيراً من جرائمهم ثم قال: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    ثم ذكر الله عز وجل أدلة قدرته وأدلة وحدانيته التي أصبح واقع هذه البشرية يخالفها، وكان المتوقع أن هذه البشرية تعرف ربها سبحانه وتعالى، لكن أغلبها بخلاف ذلك، فذكر كثيراً من أدلة وحدانيته سبحانه وتعالى فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:46-47]، إلى أن قال سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61-62].

    إذاً: الآيات التي سبقت هذه الآيات تتحدث عن الكافرين وعن مواقفهم من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وعن نهايتهم التي جعلها الله عز وجل نهاية كل مجرم وطاغوت، ثم إن الله عز وجل بين الأدلة الواضحة التي وضعها في الآفاق وفي الأنفس وفي السماء وفي الأرض لتكون أدلة واضحة تهدي هؤلاء البشر إلى الله عز وجل، فذكر الآيات التي آخرها: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62].

    وبالرغم من الكفر والعناد العظيمين اللذين خيما على الأرض طيلة هذه الحياة الطويلة فإن لله عز وجل عباداً عرفوه حق المعرفة، أي: أن هذه الآيات التي في آخر السورة يختلف أصحابها اختلافاً كثيراً عن القوم الذين ذكر الله عز وجل أخبارهم في أول سورة الفرقان، فهناك أقوام عرفوا الله عز وجل من خلال الآيات في الآفاق والأنفس، فعرفوا الله، فأصبحوا عباداً لله لا عبيداً فقط؛ لأن هناك فرقاً بين (عبيد) و(عباد)، فلفظ العباد غالباً يطلق على المطيعين لله عز وجل، أما لفظ (عبيد) فهو من العبودية، فتطلق على كل مخلوق من مخلوقات الله عز وجل استعبده الله سبحانه وتعالى، فالناس كلهم عبيد لله رضي منهم من رضي بهذه العبودية وكره منهم من كره.

    ومن هنا ندرك الفرق بين (عبيد) و(عباد):

    فلفظ (عباد) يُطلق غالباً على الملتزمين بأمر الله عز وجل، أما كلمة (عبيد) فإنها تطلق على عامة الخلق، ولذلك الله تعالى يقول عن هؤلاء الخلق يوم القيامة: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فالكل عبيد الله ساجدون لله رضوا أم أبوا، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد:15]، وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1]، وقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، حتى الكافر المعاند العاصي لله عز وجل ولرسله عليهم الصلاة والسلام هو ما زال عبداً لله سبحانه وتعالى مستعبداً لله، فالخلق كلهم عبيد، ولكن هناك خلاصة العبيد وهم العباد، أي: الذين عرفوا الله عز وجل من خلال الآيات في الآفاق والأنفس، وأدركوا قدرته، وأدركوا وجوده، وأدركوا وحدانيته، فما عبدوا غير الله عز وجل، فأصبحوا عباداً لا عبيداً، وهذا هو الفرق بين (عبيد) و(عباد).

    1.   

    عباد الرحمن وأوصافهم

    أما عباد الرحمن قد ذكر الله تعالى صفاتهم العظيمة وأثنى الله عز وجل عليهم، فهم الذين نظروا إلى هذه الحياة الدنيا نظرة ازدراء واحتقار، وجعلوا ملء قلوبهم الحياة الآخرة وخشية الله سبحانه وتعالى، ورفضوا زينة الحياة الدنيا الحرام مكتفين بالزينة الحلال وبما أباح الله عز وجل لهم، فيقول الله تعالى عن عباده: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64]... إلى قوله تعالى في جزائهم: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75]، فـ(عباد): مبتدأ، وخبر المبتدأ (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا).

    إذاً هذه هي صفات العباد، وعلى كل واحد من المسلمين أن يصيخ بأذنه، وأن يصغي بقلبه ليعرف صفات عباد الرحمن، لعلَّ الله عز وجل أن يوفقه إليها أو إلى الكثير منها، فيكون عبداً لله عز وجل يستحق العبودية بمعناها الصحيح التي تُعتبر شرفاً وكرامة؛ لأن العبودية لابد منها، ولكن إما أن تكون لله وإما أن تكون للمخلوق، فإذا كانت العبادة لله عز وجل حررت الإنسان من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، وإذا تحرر هذا الإنسان وحاول التجرد والتملص من العبودية لله سبحانه وتعالى يقع في عبادة المخلوقين، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه مندوب سعد بن أبي وقاص إلى الفرس حينما قال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: إن الله عز وجل قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل وحده.

    ولذلك تجد في القرآن عبيداً لغير الله كثيرين، عبيداً للمال، وعبيداً للهوى، وعبيداً للشهوة، كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، وعبيداً للشيطان، كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس:60] فهناك عبيد للمال، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، وهناك عبيد للشهوات، وعبيد للمراكز، وعبيد للخلق أيضاً، فالإنسان إذا تجرد من عبادة الله عز وجل والعبودية لله يقع في العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، وإذا تعمق في العبودية لله عز وجل تخلص من العبودية للمخلوقين، ولذلك تعتبر العبودية لله عز وجل هي الشرف، كما قال الفضيل بن عياض :

    ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخـولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    يقول: لما قلت لي: (يا عبد) جعلني هذا اللقب اعتز حتى تطاولت كثيراً، وارتفعت حتى كدت أطأ الثريا بأقدامي؛ لأني دخلت تحت العبودية لله عز وجل.

    وعلى هذا نقول: من شاء أن يكون عبداً لله فليتحرر من العبودية للمخلوق كائناً من كان، ومن شاء أن يقع تحت وطأة العبودية لخلق الله فإنه هو الذي يتحرر عن العبودية لله عز وجل وحده.

    التواضع والخضوع لله عز وجل

    عباد الرحمن أولى صفاتهم: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63].

    والآية (يمشون على الأرض هوناً) لها عدة معانٍ، وكل هذه المعاني تجتمع في معنىً واحد وهو الخضوع لله عز وجل، فالمتكبرون هم الذين يزعمون أنهم يطاولون الجبال أو يخرقون الأرض بأقدامهم، وإذا ساروا ساروا وهم يضربون الأرض ضرباً من شدة الخيلاء الذي أصابهم، وما مشوا على الأرض هوناً وإنما مشوا متكبرين متغطرسين مترفعين على الله عز وجل وعلى خلق الله، وهم الذين يسعون بالفساد في الأرض، ويريدون أن يبذروا بذور الفساد في الناس، ويريدون أن ينشروا في المجتمع الجريمة، وضياع الأخلاق الكريمة، والمذاهب والأفكار المنحرفة التي تتنافى مع دين الله عز وجل ومع المبادئ القويمة التي جاء بها دين الإسلام، وهم الذين يسيرون إلى معصية الله من معصية إلى معصية ومن فاحشة إلى فاحشة، ولا يسيرون على الأرض هوناً، ولا يمشون على الأرض هوناً، وإنما يسيرون مفسدين في الأرض معاجزين لله عز وجل، ولذلك فإن من صفات عباد الرحمن أنهم يمشون على الأرض هوناً.

    وهناك فرق بين المشي والسعي، ولذلك نلاحظ أن كلمة (المشي) تأتي للسير لطلب الرزق الحلال، أما السعي فإنه يأتي لطلب الحسنات، ولذلك لا تجد في القرآن ولا في السنة الأمر بالسرعة للحياة الدنيا، وإنما تجد هذا المعنى بألفاظ متكررة متعددة لطلب الحياة الآخرة، فمثلاً: لما ذكر الله عز وجل البحث عن الرزق قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]، لكن حينما ذكر الله عز وجل السعي للحياة الآخرة لا تجده بلفظ المشي وإنما بلفظ السرعة أو السعي أو الاستباق أو المسابقة، كما قال سبحانه: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90]، وقال: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، وقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، إلى غير ذلك من الأدلة.

    إذاً نقول: القاعدة أن الإنسان في طلب الحياة الدنيا عليه أن يمشي مشياً في هذه الأرض بتؤدة وتأنٍ ويقين بالله عز وجل وثقة برزقه، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من رزق الحياة الدنيا، وليس معنى ذلك أن الإنسان عليه أن ينام ليأتيه الرزق في قعر بيته، ولكن عليه أن يمشي مشياً في هذه الأرض يبتغي رزق الله عز وجل الحلال؛ لأنه حينما يسعى سعياً وحينما يركض ركضاً للحياة الدنيا لن يصيب منها إلا ما كتب الله عز وجل له، إضافة إلى أنه ربما يقع فيما حرم الله من المعاملات المحرمة من الربا ومن الأمور العظيمة التي يقع فيها كثير من الناس، ولذلك الله عز وجل تكفل برزق كل كائن حي في هذه الحياة، حتى الحشرة وهي في جوف صخرة لابد من أن يصلها نصيبها من رزق الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، فكم من حشرة صغيرة في صخرة في جوف البحر أو في قعر جبل لا ينقطع رزقها عنها أبداً! لأن الله تعالى تكفل بذلك!

    إذاً الإنسان ذو العقل الذي كرمه الله عز وجل به هو أولى أن يدرك رزقه، فالله تعالى قد كرمه على كثير ممن خلق تفضيلاً، ولذلك الله تعالى يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70].

    فالمشي المراد به السير بتواضع لا بخيلاء، المشي بتؤدة، المشي لطلب الرزق الحلال، وعدم مسابقة الزمن للبحث عن المال الحرام، وإنما البحث عن الرزق الحلال في مظانه، وترك الكسب الحرام، فلا تكبر ولا خيلاء، ولا سعي في معصية الله عز وجل، وهنا يكون الإنسان قد تقيد بأمر الله عز وجل.

    وقوله سبحانه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63] ليس معناه الذلة كما يتصوره بعض الناس؛ فالمسلم مطالب بأن لا يكون ذليلاً، وأن لا يحني رأسه لغير الله عز وجل، أن لا يطأطأ ظهره لغير الله سبحانه وتعالى، فلا يركع ولا يسجد لغير الله عز وجل، فالهون معناه ليس من الهوان، وإنما هو من التأني، وليس معناه -أيضاً- التماوت في المشية كما نشاهده على طائفة من المتدينين اليوم، فإننا قد ابتلينا في زمننا الحاضر بقوم تدينوا على غير بصيرة، فتجدهم يعيشون حياة الذلة، وإذا مشى أحدهم تجده يمشي بذلة وباستكانة، وكأن هذا من التواضع، وهذا ليس من الدين في شيء؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينصب من مكان مرتفع، وليس معنى ذلك أنه يذهب هيبة نفسه حينما يمشي ركضاً، وإنما عليه أن يكون وسطاً بين الذلة التي فهمها بعض الناس أنها تواضع ومسكنة لله عز وجل وهي ليست من الدين في شيء وسط بين ذلك ورفع الرأس لغير الله عز وجل والتطاول على خلق الله سبحانه وتعالى.

    إذاً قوله تعالى: (عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) أي: بتؤدة وتأنٍ لا يصل إلى درجة الذلة والهوان. فهذا هو معنى قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63].

    الإعراض عن السفهاء والجهلة

    من صفات عباد الرحمن: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63].

    والجاهل هو الذي لا يتصور عواقب الأمور ولا يفكر.

    وقوله: (قالوا سلاماً) يحتمل أمرين: يحتمل أنهم يسلمون على هذا الجاهل، ولنا ملحوظة على هذا المعنى؛ فإن السلام على غير المسلم لا يجوز، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وذلك أيضاً لا يعني أن نؤذي غير المسلمين في بلاد الإسلام، ولكن ذلك يعني أن لا نرفع رءوسهم -أيضاً- في بلاد الإسلام، حتى لا يترفعوا على إخواننا المسلمين، فبدء اليهودي والنصراني والكافر أياً كان بالسلام لا يجوز، ولكن حينما يسلم ونتأكد من أنه يسلم السلام الحقيقي نرد عليه، وإذا كان عندنا شك في ذلك فنقول: (وعليكم) كما كان اليهود يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم وللصحابة: السام عليكم، والسام معناه الموت والهلاك.

    وعلى هذا نقول: إن قوله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] يعني: يسلمون إذا كان الجاهل مسلماً. أما إذا كان غير مسلم فلا يجوز، هذا المعنى.

    ويمكن أن نحمل هذه الآية على معنىً آخر، وهو أنهم يقولون: (سلاماً)، أي: يقولون قولاً سلاماً. أي: لا يردون على الجاهل بجهله، فإذا شتمه إنسان يدعو له، وإذا أساء إليه إنسان يحسن إليه، وإذا رأى منه جفاءً يريه من نفسه ألفةً ومحبة إذا كان مسلماً؛ لأن الله تعالى ذكر صفات المسلم فقال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، وعلى هذا نقول: معنى (سلاماً) أي: قالوا قولاً سلاماً.

    والقاعدة التي جاء بها الإسلام للقضاء على الأحقاد والأضغان في المجتمع هي رد السيئة بالحسنة، فإذا أساء إنسان إلى إنسان فعلى من أسيء إليه أن يقدم حسنة بدل هذه الإساءة، وهذه الحسنة التي يقدمها ذلك الإنسان الذي أسيئ إليه تعتبر علاجاً للأدواء الاجتماعية التي عجز علماء الاجتماع عن علاجها، فإنه حينما يشتمك وتدعو له وحينما يؤذيك جارك بأذى فتقدم له الإحسان سوف يخجل، وحينما تسمع كلمة نابية سيئة من إنسان مسلم وتقدم له كلمة حسنة تقابل فيها هذه الكلمة السيئة سوف تجد ذلك الإنسان الذي أساء إليك يندم على ما قدم من إساءة، ويحاول أن يتقرب إليك، وهذا العلاج هو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، فالعدو لك إذا أحسنت إليه وقابلت العداوة بالصداقة وقابلت الأذى بالإحسان تتغير صفاته، وحينئذٍ يقدم لك الإحسان، فيصبح كما قال الله عز وجل: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، لكن تحمل هذا الأمر والإحسان إلى من أساء لا يطيقه إلا إنسان قوي الشكيمة صبور يريد أن يحبس نفسه على طاعة الله من أجل أن يكسب رضا الله تعالى، ثم بعد ذلك يكسب رضا الناس، ولذلك الله تعالى يقول: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، وأنا متأكد من أن الجيران الذين تفسد علاقات بعضهم مع بعض والأصدقاء الذين تفسد علاقاتهم فيما بينهم -بل والأقارب والعشيرة الذين تفسد ذات بينهم- أكثرها بسبب أن أحدهم إذا أساء إلى إنسان منهم قدم إساءة أكبر أو مماثلة من أجل أن ينتقم، وحينئذٍ تستمر هذه العداوة.

    فحينما يشتمك فتشتمه، ويسيء إليك فتقدم إليه إساءة أكبر، ويمكر بك فتمكر به حينئذ تستمر هذه النار تلتهم فتهلك الحرث والنسل، وتفسد العلاقات بين الناس لاسيما بين الأقارب، وهذا هو ما يحدث كثيراً في أيامنا الحاضرة.

    وهناك سؤال يطرح نفسه في هذا الأمر، وهو أننا نجد أن الله عز وجل في سورة الشورى مدح الذين ينتقمون إذا أسيء إليهم فقال سبحانه وتعالى في صفات المؤمنين: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39]، وبعدها قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، فكيف نستطيع أن نجمع بين هاتين الآيتين؟ هل إذا أساء إليك إنسان تحسن إليه فتأخذ بقول الله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43]، وقوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، أو تأخذ بالجزء الآخر من الآيات وهو قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39]؟

    يشكل هذا الأمر على كثير من الناس، ولكن نستطيع أن نقول: إن الأمر لا يخلو من إحدى حالتين: فإذا كانت الإساءة غير مقصودة من مسلم، وكانت هناك هفوة وكانت هناك زلة فكانت هناك كلمة إساءة إليك فعليك أن تتقبلها بصدر رحب، وأن تعفو عمن أساء إليك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)، وهذا هو الذي أثنى الله عز وجل عليه بقوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، وقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].

    أما إذا جاءت الإساءة للحط من شأن مسلم من المسلمين، أو كانت إساءة إلى الأمة الإسلامية، فكانت مقصودة متعمدة من أجل الحط من إنسان مسلم وتحقيره وأذيته، لاسيما إذا جاءت من أعداء الإسلام، أو كان الهدف من ورائها الحط من الأمة الإسلامية ففي مثل هذه الحال لا يجوز العفو؛ لأن العفو يعني الذلة والمهانة من الأمة الإسلامية أو من المسلم حينما يستسلم لعدوه، ولذلك الله تعالى مدح الذين ينتقمون إذا أصابهم البغي، وكلمة (البغي) تعطينا المعنى الفارق بين العمد وغير العمد، بين من أراد أن يذل مسلماً أو يذل الأمة الإسلامية ومن هفا وأخطأ، فعلينا أن نتحمل هفوته وخطأه، فالله تعالى قال في باب المدح: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39]، فالانتصار للأمة الإسلامية ولدين الله عز وجل أمر مطلوب، أما الانتصار للنفس فإن العفو أفضل منه.

    قيام الليل

    ويقول الله عز وجل في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64]، ومعنى (يبيتون): يقضون الليل. والسجود معناه وضع الوجه -وهو أعظم الأجزاء في الإنسان- على الأرض ذلة وخضوعاً لله عز وجل، ولذلك السجود يعتبر أفضل العبادات، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه ربيعة بن كعب رضي الله عنه، قال: (كنت كل ليلة آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه)، والوضوء -بفتح الواو- الماء الذي يتوضأ به، (فجئته بوضوئه ذات ليلة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل يا ربيعة ! فقال ربيعة : قلت: يا رسول الله. أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك يا ربيعة؟! قال: قلت: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فالسجود هو أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان لله عز وجل، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الدعاء في السجود فقال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن -أي: حري- أن يستجاب لكم).

    إذاً هؤلاء المؤمنون عباد الرحمن يقضون الليل ساجدين وقائمين لله عز وجل إذا أوى الناس إلى فرشهم وتمتعوا بالفرش الرقيقة وتمتعوا بالحسناوات من النساء ولذ النوم، وقد كان أحدهم يمسح بيده الفراش ويقول: والله إنك فراش لين رقيق، ولكن فراش الجنة ألين منك. فيقوم راكعاً وساجداً بين يدي الله عز وجل، ودموعه تسيل على لحيته إلى الأرض من خشية الله عز وجل.

    والعجيب أنه في هذه اللحظات التي تجد فيها ذلك الإنسان -لاسيما في جوف الليل الآخر حينما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)- تجد ذلك الإنسان فيها راكعاً وساجداً بين يدي الله عز وجل تجد أقواماً ما زالوا مكبين على المعصية وعلى البعد عن الله عز وجل، حتى في جوف الليل الآخر الذي ينزل فيه ربنا إلى سماء الدنيا!!

    إذاً هناك فرق بعيد بين عباد الله عز وجل وعباد الشهوات وعباد المعاصي والهوى والشيطان.

    وهؤلاء الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ليس معناه أنهم يصلون الليل كله، فقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام جزء من الليل وقال: (أفضل الصلاة صلاة داود)؛ لأنه كان ينام ثم يصلي ثم ينام؛ ينام نصف الليل، ثم يصلي ثلثه، ثم يرقد سدسه، فيخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصلاة هي صلاة داود عليه الصلاة والسلام.

    ومعنى (يبيتون) أي: يقضون أكثر الليل. وهؤلاء هم الذين يقول الله عز وجل عنهم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]، ومعنى (تتجافى) أي: تتنحى. فكان أحدهم إذا وضع جنبه على الفراش كأن الفراش يرفض هذا الجنب؛ لئلا ينام، ليقوم يقضي شيئاً من الليل ركوعاً وسجوداً وقياماً لله عز وجل.

    فما هو الفرق بين هؤلاء وبين أقوام يقضون الليل كله أو حتى الهجيع الأخير من الليل أمام الأفلام والمسلسلات والأغاني والمحرمات، وربما ما هو أكبر من ذلك، ثم إذا بأحدهم ينام ملء عينيه ولا يستيقظ إلا ضحىً، قد نام حتى عن صلاة الفجر، وهذا هو ما نخشاه على هذه الأمة في هذا الزمن الذي أرغد الله عز وجل عليها العيش فيه، وأتم عليها النعمة، ولذلك نجد فرقاً بعيداً في حالنا اليوم وحالنا منذ سنوات، فقد كنا منذ زمن لا يجد أحدنا لقمة العيش إلا وهو يكد النهار كله، لكن ما كان أحدنا يتخلف عن صلاة الفجر أبداً، بل كان منا الراكع والساجد في الثلث الأخير من الليل، فلما أتم الله علينا نعمته، وأرغد لنا في العيش، وفجر لنا الخيرات من وراء آلاف الأقدام، وأصبحنا ملوك الدنيا في بلادنا وداخل بيوتنا، وأصبح العيش رغداً، إذا بنا لا نجد في صلاة الفجر إلا النزر القليل من عباد الله عز وجل، فهذه مصيبة، وهذه بلية، وكم هم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً من بين الذين يصلون الفجر مع المسلمين؟ وما علم هؤلاء عظمة صلاة الفجر وأهميتها، نسو أن الله تعالى أثنى على صلاة الفجر في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، وما قال: (وقرآنِ الفجر) بكسر (قرآن)، والقاعدة النحوية أن يقال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقرآنِ الفجر. لأن الواو عاطفة، لكن يقول العلماء: إن الله عز وجل قال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي أنه مقطوع عما قبله، أي: وأمدح قرآن الفجر. أي: صلاة الفجر، لماذا؟ قال: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، ومعنى (مشهوداً) ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار)، فقد جعل الله عز وجل لكل واحد ملكين في الليل وملكين في النهار يكتبون الحسنات والسيئات، ويجتمع الأربعة الملائكة في صلاة العصر وفي صلاة الفجر هبوطاً وصعوداً، فيصعد الذين كانوا فينا فيسألهم الله عز وجل: (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون)، ولذلك نقول: إن صلاة الفجر هي أعظم الصلوات الخمس، فالله تعالى مدحها وسماها قرآناً فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)؛ لأنها تطول فيها القراءة، فالقراءة في صلاة الفجر أطول من أي قراءة في صلاة أخرى، فمدح الله عز وجل صلاة الفجر، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تجتمع في صلاة الصبح وصلاة العصر.

    إذاً: عار على مسلم أن يسهر أول الليل على معصية الله لينام في آخر الليل عن فريضة الله عز وجل، لينام في وقت ينزل الله عز وجل فيه نزولاً يليق بجلاله وكبريائه وعظمته إلى السماء الدنيا ويقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟ والناس نيام، ثم إذا بهذا النوم يمتد إلى أن تطلع الشمس، أو بعد طلوع الشمس، فتضيع صلاة الفجر التي يقول الله عز وجل عنها: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    الدعاء بالسلامة والنجاة من عذاب جهنم

    فقارن -يا أخي- بين هؤلاء وعباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً في الليل، فأحدهم يقوم فيقرأ السورة الطويلة، ويتململ بين يدي الله عز وجل ويحني ظهره لله عز وجل، والدموع تتساقط على الأرض من خشية الله، ويسجد ويضع أشرف أعضائه على الأرض خشية وذلة لله عز وجل، والعجيب أن هؤلاء بالرغم من خوفهم من الله عز وجل وعبادتهم الطويلة لله عز وجل يهجرون المنام؛ لأنهم يخافون من الآخرة، فاسمع إلى قول الله عز وجل عنهم: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ [الفرقان:64-65] أي أنهم يخافون من النار.

    فما هو موقف الذين يبيتون أمام الأفلام والمحرمات وأمام الفواحش والزنا والخمور والمصائب العظيمة والمخدرات؟! فهؤلاء يبيتون لربهم سجداً وقياماً ويقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) وأولئك البعيدون يبيتون على ما حرم الله، ولا يقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ)، وكان المنطق أن يقول هذه المقالة الذين يبيتون عصاة لله عز وجل، لكن الحقيقة أن الذي يقولها هم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً؛ لأن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً هم الذين عرفوا الله سبحانه وتعالى من خلال قيام الليل، ومن خلال الخلوات في ظلمة الليل، فإذا أسدل الليل جنحه وأرخى أستاره قاموا خاشعين لله عز وجل، فعرفوا الله سبحانه وتعالى، وخافوا من عذابه، فإذا أنهوا عبادتهم قالوا: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) أما أولئك فكما قال الله عز وجل عنهم: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67]، وقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، فهم في غفلة وأحدهم نائم يغط في نوم عميق لا يستيقظ إلا حينما يأتي ملك الموت ليجلس عند رأسه ليقبض هذه الروح، وحينما يأتي ملك الموت ليقبض هذه الروح من ذلك الجسد يقول:رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، فيقال له: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    إذاً الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً هم الذين يقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ)، وهم الذين يخافون من جهنم، ويعتبرون جهنم أقسى عقوبة؛ لأنها غرامة لا تفارق الإنسان، كما لا يفارق الغريم غريمه، وإنما يطالبه حتى يأخذ حقه منه، فالنار تتابع هؤلاء حتى تأخذ حق الله عز وجل منهم.

    وفي سورة المؤمنون ذكر الله عز وجل صفات عظيمة راقية للمؤمنين، ولما ذكرها قال عنهم عز وجل بعد ذلك: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، تقول عائشة رضي الله عنها: (قلت: يا رسول الله! وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] أهم الذين يزنون ويسرقون ويفعلون الفواحش ويخافون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل ذلك منهم).

    إذاً هناك فرق بعيد بين عباد الرحمن وعباد الشهوات، فعباد الرحمن بالرغم من طاعتهم لله عز وجل وبالرغم من هجرهم ألذ متع الحياة الذي هو النوم والمتاع الذي يكون على الفراش هم خائفون.

    فيا أخي! أولى لي أنا وأنت حين فرطنا في كثير من أوامر الله عز وجل أن نخاف، وأن نكثر من قولنا: (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)، وأولى بذلك البعيد الذي أمضى حياته كلها في معصية الله عز وجل بعيداً عن طاعته يركب كل ما عن له وطاب ولذ من معاصي الله عز وجل ولا يقف عند حد من حدود الله، أولى به أن يقول: (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً) ، وذلك بعد أن يقدم الطاعة المطلقة لله عز وجل، والتوبة والإنابة قبل أن يحضر الأجل.

    قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:65-66] أي: ساء من استقر بها، وساء من أقام بها، فهي مصيبة عظيمة لا تصيب إلا أعداء الله عز وجل، وهي أسوأ ما يعذب الله عز وجل به عباده، فقد ساءت مستقراً وساءت مقاماً.

    التوسط في الإنفاق

    ثم يقول الله عز وجل عن عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67].

    الإسراف: هو تعدي الحدود في النفقة. لاسيما إذا كان ذلك في معصية الله عز وجل، والقوام: الإنفاق في طاعة الله عز وجل. ولو أنفق الإنسان كل ماله فالإسراف أن ينفق ولو درهماً أو نصف درهم في معصية الله عز وجل، والقوام: أن ينفق ما ينفقه في طاعة الله سبحانه وتعالى.

    إذاً عندنا نفقة في معصية الله عز وجل -سواءٌ أكانت قليلة أم كثيرة- فهي تدخل في باب الإسراف، وفاعلها من الذين لا يحبهم الله عز وجل، وعندنا أمر آخر وهو النفقة فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فهي طاعة لله عز وجل، ولا تدخل في باب الإسراف أبداً ولو أنفق الإنسان كل ماله، ولذلك جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بماله كله ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله)، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بخير، وكعب بن مالك رضي الله عنه حينما أنزل الله توبته في قوله سبحانه: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118] جاء فقال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي شكراً لله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)، يقول العلماء في هذين الخبرين الصحيحين: أما الأول فإن أبا بكر رضي الله عنه يعرف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلد والصبر، فهو يتحمل شظف العيش، ويستطيع أن يتحمل كل شيء في ذات الله عز وجل، فقبل منه الرسول صلى الله عليه وسلم كل ماله، أما بالنسبة لـكعب بن مالك فقد عرف منه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يتحمل شظف العيش، فأمره أن يحتفظ بشيء من ماله، ويكفي أن يقدم جزءاً من ماله لله عز وجل شكراً لله سبحانه وتعالى.

    أما الدرهم -ولو كان حقيراً تنفقه في معصية الله فإنه محرم، أما الإنفاق في المباحات فإذا وصل إلى درجة المبالغة فيدخل في قول الله تعالى: (يُسْرِفُوا)، أي أن الإسراف هو المبالغة ولو كان في بعض الأمور المباحة؛ لأن الله تعالى قد ذم قوماً فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20]، فهذه صفة الكافرين يجب على المسلم أن يبتعد عنها حتى لا تكون صفة من صفاته.

    إذاً: القوام -وهو قوام الحياة- يكون وسطاً بين الإسراف وبين التقتير، فالإسراف هو المبالغة في البذل، والتقتير هو البخل في البذل، فكما حرم الله عز وجل وذم الإسراف والزيادة في البذل ولو كان ذلك في المباحات فقد ذم الله عز وجل التقتير، والتقتير يشمل أموراً، منها: منع ما أوجب الله عز وجل من النفقات والزكاة والصدقات الواجبة إلى غير ذلك، ومن التقتير: البخل على النفس وعلى الأهل، بحيث يصبح ذلك الإنسان لا يؤدي ما أوجب الله عز وجل عليه تجاه نفسه وتجاه أهله وذويه الذين أمرهم الله عز وجل بالإنفاق عليهم، قال عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، إذاً التقتير محرم وممنوع، كما أن الإسراف أيضاً محرم وممنوع، فلا يجوز للإنسان أن يبخل بما أوجب الله عليه، أما إذا وصل الأمر إلى البخل بالأمور الواجبة العظيمة كالبخل بالزكاة -نعوذ بالله- أو البخل في النفقات الواجبة؛ فإن هذا من أعظم المحرمات عند الله عز وجل، لاسيما إذا كان في الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، قال عز وجل: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7]، وقاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من منع الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً -أو عناقاً- كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه).

    إذاً معنى ذلك أن التقتير إذا وصل إلى البخل بما أوجب الله عز وجل فهنا يكون الوعيد الشديد، نسأل الله العافية والسلامة.

    فالله تعالى قد توعد الذين يبخلون بالزكاة بأنه يُحمى على هذا المال في نار جهنم، ثم يكوى به الجنب والجبين والظهر، وكلما برد أعيد فأحمى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة -وهو يوم القيامة- حتى يقضى بين العباد، ثم يرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    فعلى المسلم أن يحسب كل ماله على رأس كل سنة مالية بالنسبة له؛ ليدفع ربع عشر هذا المال بعد أن يحصيه إحصاءً كاملاً، وبعد أن يخصم منه ما عليه من ديون، ثم بعد ذلك عليه أن يؤدي ربع عشر هذا المال، وهذا الذي يقدمه هو الذي يقربه إلى الله عز وجل يوم القيامة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع).

    اجتناب الشرك بالله جل جلاله

    ثم قال تعالى في صفات عباد الرحمن وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الفرقان:68]. أي نوع من أنواع الآلهة يُدعى من دون الله فهذا هو الشرك الأكبر، وهذه الآلهة كما نعرفها أنواع، ويظن بعض الناس أن الآلهة التي تُعبد من دون الله هي الأصنام، كالأصنام التي وضعها المشركون في الجاهلية، ونسوا أن عبادة الأصنام تتنوع في كل عصر وفترة، ففي أيامنا الحاضرة جاءت عبادة الأضرحة، وما يُسمى بالأولياء والصالحين، حتى بلغت عدد الأضرحة التي تُعبد في أيامنا الحاضرة ما يزيد على عشرين ألف ضريح! وكلها تعبد من دون الله تعالى، ويحج لها الناس من جميع بلاد العالم، ويتقربون إليها بالقرابين، ويذبحون حولها الذبائح، ويطوفون حولها، ويركعون ويسجدون ويخشعون ويتضرعون لها من دون الله عز وجل، وهذا نوع مما يعبد من دون الله.

    وهناك آلهة أحياء تعبد من دون الله، وهذه لا تقل مصيبتها عن الآلهة السابقة، فكم من البشر من وضع نفسه إلهاً يشرع للناس، ويأتي بقوانين وأنظمة ليست من شرع الله عز وجل بشيء، ثم يقسر هؤلاء الناس أو يدعوهم إلى إتباعها من دون شرع الله عز وجل، وهذا أيضاً أمر خطير، فالله سبحانه وتعالى يقول: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، ولما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (والله -يا رسول الله- ما كنا نعبدهم، قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟ قال: نعم، قال: فتلك إذاً عبادتهم)، فطاعة أولي الأمر في معصية الله عز وجل وطاعة أصحاب القوانين والأنظمة التي تتنافى مع شرع الله عز وجل تعتبر نوعاً من العبادة، وأصحاب هذه الأنظمة وتلك القوانين التي يشرعونها في المجتمعات ويطلبون من أصحاب المجتمعات أن يتبعوها من دون شرع الله أو يقسروا الناس عليها قسراً هم طواغيت، بل هم رءوس الطواغيت؛ لأن الله تعالى سماهم كذلك، بل إن الذين يتبعون هذه الأنظمة ويسلكون مسلكها من دون شرع الله وينقادون لها أيضاً هم عصاة مرتدون عن الإسلام، كما قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60]، فالمسألة خطيرة.

    إذاً عبادة الله هي توحيده بالطاعة، فلا يحني هذا الإنسان رأسه لغير الله عز وجل، ولا يخضع لأي أمر لا يتفق مع أوامر الله سبحانه وتعالى، ولا يطوف بقبر ميت أو يتمسح بأعتاب حي من دون الله عز وجل، وعليه أن يثق بالله عز وجل، فبيده الخير، وهو الذي يرزق ويحيي ويميت، وبيده الآجال، قال عز وجل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وحينما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة يعرف الله عز وجل حق المعرفة، وحينئذ يكون قد تخلص من عبادة غير الله سبحانه وتعالى.

    اجتناب قتل النفس بغير حق

    ثم قال تعالى في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68]، والنفس التي حرم الله هي النفس المؤمنة المطيعة لله عز وجل التي لم تستوجب حداً يوجب القتل، كالردة عن الإسلام، أو كزنا المحصن، أو مفارقة الجماعة، وما أشبه ذلك، فإذا كانت هذه النفس بريئة طاهرة تقية فلا يجوز لأحد أن يتعدى عليها بقتل، ومن تعدى عليها بقتل فإن الله تعالى يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    فقتل النفس أمر عظيم عند الله عز وجل.

    الابتعاد عن الزنا ووسائله

    ثم قال تعالى: وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68]:

    والزنا هو الوطء في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً، ولذلك الله سبحانه وتعالى لما فتح طريق الحلال أمام هذا الإنسان فأعطاه أربع نسوة يتمتع بهن ويتمتعن به ووسع الله عز وجل له في هذا الأمر جعل عقوبة الزنا شديدة في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول عن عقوبة الدنيا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة [النور:2]، وفي الآية المنسوخة تلاوة ذكر في عقوبة المحصن الرجم، أما بالنسبة لعقوبة الآخرة فقال سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70]، فباب التوبة مفتوح، ولكن هذه الذنوب العظيمة التي أعظمها الشرك بالله وقتل النفس والزنا على المسلم أن يبتعد عنها، وأن يبادر بالتوبة إذا اُبتلي بشيء من ذلك.

    وقد نزلت هذه الآية في قوم من المشركين عبدوا غير الله عز وجل، وأكثروا من القتل والزنا، فجاءوا تائبين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70]، ففتح الله عز وجل باب التوبة أمام هذا الإنسان حتى لا يقنط من روح الله سبحانه وتعالى، وهذه الجرائم العظيمة نستطيع أن نقول: إنها بدأت تنتشر في أيامنا الحاضرة في المجتمعات البشرية، وهذا الزنا -نسأل الله العافية والسلامة- من أخطر الأمور التي تفسد المجتمعات؛ حيث تختلط به الأنساب، ولا يعرف الرجل أبناءه، والأبناء لا يعرفون أباهم، فتفسد البيوت، كما أنه يؤدي إلى الطلاق ويؤدي إلى الريب، ويؤدي إلى المصائب، وبه تنتشر الأمراض في المجتمع، فكم نسمع عن الأمراض الحديثة التي جاءت مع هذه الفواحش -نسأل الله العافية والسلامة- ومع الزنا من الإيدز والهربس والسيلان والزهري وغير ذلك من الأمراض التي ما كان الإنسان يعرفها إلا بعد أن انتشرت هذه الجريمة، نسأل الله العافية والسلامة.

    ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة -أي: فاحشة الزنا- في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، وبالرغم مما يقدمه الطب الحديث من وقاية وعلاج وعقاقير وغير ذلك فما زالت هذه الأمراض تنتشر في المجتمعات، سواء ما كان نتيجة حتمية لهذه الفاحشة العظيمة أو ما كان عقوبة من الله عز وجل من الأمراض الأخرى التي ما كان الإنسان يعرفها، وتُسمى بأمراض الحضارة، وهي في الحقيقة ليست أمراض الحضارة، وإنما هي أمراض الفواحش والمحرمات.

    فالزنا أمر خطير، ولا شك أن كلمة (زنا) منذ أن يسمعها الإنسان تصك أذنه فلا يفكر الإنسان فيها إلا من بعيد إذا لم يكن قد اُبتلي بهذه الفاحشة، نسأل الله العافية والسلامة، لكني أرى أن كثيراً من الذين تشمئز قلوبهم من هذه الكلمة فضلاً عن وجودها فيما بينهم -نسأل الله لنا ولهم الثبات- لا يبالون بوسائلها، وصحيح أن الزنا قد بذلت له في أيامنا الحاضرة كل الوسائل، ولم تبق وسيلة مقفلة أمام المجتمعات الإنسانية تدعو إلى الزنا إلا وقد انفتحت على مصراعين اثنين على مستوىً واحد، ولذلك لا يمكن أن تسأل عن وسيلة من هذه الوسائل إلا وتجدها قد انتشرت في المجتمع، إلا من حفظ الله عز وجل، فمثلاً: النظر الحرام فُتح له باب التبرج، وهذا التبرج الفظيع انتشر في أسواق المسلمين وفي كل حالاتهم، بل انتشر العراء والاختلاط الشديد، فنساء يأتين من وراء آلاف الأميال خادمات ومربيات وهن في سن الفتيات وذوات جمال، ويعشن داخل البيوت سنين طويلة بين العزاب وبين الرجل وزوجته، وربما تخرج زوجته ساعات أو تسافر أياماً ليبقى مع هذه الخادمة أو هذه المربية!

    وهكذا سائقون جيء بهم إلى قعر بيوت المسلمين، فأحدهم يحمل مفتاح البيت بجيبه، ويدخل متى شاء، ويخرج متى شاء، ويحمل الزوجة، ويحمل البنات إلى المدرسة وإلى الأسواق، وكأنه هو رب البيت!

    وهكذا تُوجد أفلام ومحرمات تتكرر في كل ليلة وفي كل ساعة على مشهد من الأطفال والنساء والآباء والأبناء.

    إنها أمور خطيرة والله لا تتحملها حتى النفوس التقية فكيف بالنفوس المريضة؟! وكيف بالذين في قلوبهم مرض؟! لقد كنا نظن أن في جاهلية اليوم خيراً فإذا بنا نرى في جاهلية الأمس التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من إذا ركب على ظهر الفلك دعا الله مخلصاً له الدين، وإذا كان على ظهر الماء يخاف حينما تهب ريح شديدة أن تنقلب السفينة فيغرق، فيدعو الله ويوحد الله، أما اليوم فتشاهد أن من وراء عشرات آلاف الأقدام بين السماء والأرض في الطيران من يستمر ساعات طوال وهو مع النساء والتبرج والعراء والأفلام والمصائب ولا يخاف ولا يتأثر، وهذا مما يندى له جبين المسلم.

    فالقلوب تشمئز حين تسمع كلمة (زنا)، لكن مَنْ مِنَ الناس قد استطاع أن يحصن نفسه أو مجتمعه؟ لا يوجد إلا من شاء الله، فالمجتمعات الإنسانية بصفة عامة والمجتمعات الإسلامية بصفة خاصة -حتى المجتمعات المحافظة- انتشر فيها هذا التبرج وهذه المحرمات والصور والأفلام!

    ولو عملنا إحصائية عن عدد ما في بيوت المسلمين اليوم من أفلام لما استطعنا إلا أن نخرج نسبة ضئيلة جداً تخلو من هذه الأشياء، أما البقية فقد غصت بهذه الأفلام، سواء ما يأتي عن طريق التلفاز أو الفيديو أو السينما أو الصور الثابتة والمجلات الفاتنة.

    إذاً المصيبة كبيرة، وبالرغم من أن الناس يشمئزون من كلمة (الزنا) إلا أن القليل منهم هو الذي يتخذ الحيطة لنفسه ولأهله من هذا الأمر، ولذلك لا تستغرب حينما أقرن بين الزنا وبين هذه الأمور؛ فإن الله تعالى قرن بينها في سورة النور، فلما ذكر الله عز وجل الزنا ذكر الأمور التي تؤدي إلى الزنا فقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31]، وقال: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور:27]، إلى غير ذلك من الاحتياطات.

    إذاً: هذه الاحتياطات يُطالب بها الناس اليوم ودائماً وأبداً حتى يقضوا على فاحشة الزنا، فما هي النتيجة حينما انفتح الباب على مصراعيه في بلاد المسلمين؟ هل تتصور أن نسبة كبيرة من شباب المسلمين يقضون أي إجازة ولو كانت قليلة في بلاد الغرب؟!

    بل سمعت أن بعضهم يقضي إجازة الأسبوع في بلاد الغرب أو في بلاد الفسق والمعاصي! هذا هو الذي يحدث، فما الذي دفع بهؤلاء إلى ذلك؟

    حتى لقد رأينا كثيراً من شباب الأمة الإسلامية المحافظة ومن أبناء الصالحين من يستغلون الفرص، وكأن أحدهم يعيش كطير في قفص يريد أن يبحث عن فرصة ليفر من هذا المجتمع المحافظ؛ لأنه رأى ما يثير الشهوة ويحرك الغرائز في مجتمعه وداخل بيته، فهو لذلك يبحث عن الجريمة.

    إذاً من هو الذي يُسأل عن هذا الإنسان يوم القيامة؟ يُسأل عن هذا الإنسان يوم القيامة كل من ساهم في تحريك هذه الغريزة فحركها تحريكاً منحرفاً، كالإعلام الذي يوصل هذه الأشياء إلى بيوت المسلمين، فيوصل الصحف والمجلات والأفلام والمسلسلات والأغاني وصور النساء، والآباء الذين يأتون بهذه الأشياء، وكل من ساهم في هذا الأمر لابد أن يتحمل نصيباً من المسئولية بين يدي الله عز وجل.

    ووالله! إن من يسافر إلى بلاد منفلتة لا تنضبط بأخلاق ولا بدين ولا بقيم ويرى أبناء المسلمين وأبناء المحافظين يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! هذه هي النكبة، وهذه هي المصيبة. فعلينا أن نحافظ على هذه الناشئة، وأن نطهر بيوتنا مما حرم الله عز وجل، فما يوجد في بيوت المسلمين وفي بلاد المسلمين من هذه الأشياء هو أكبر دافع لوجود هذه الفاحشة في بلاد المسلمين وخارج بلاد المسلمين.

    فالله تعالى يقول: وَلا يَزْنُونَ ، ثم لما ذكر الله عز وجل هذه الصفات الثلاث وهي أخطر الصفات -الشرك بالله وقتل النفس والزنا- قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الفرقان:68-69]، فـ(أثاماً) أي: عقاباً، وكيف يضاعف له العذاب يوم القيامة؟ الجواب: يزاد ويكرر فيعطى من العقوبة أكثر مما يعطاه إنسان آخر، وَيَخْلُدْ فِيهِ [الفرقان:69] أي: في العذاب مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:69-70]، ومن نعمة الله عز وجل أن باب التوبة ما زال مفتوحاً، وسيبقى باب التوبة مفتوحاً حتى تطلع الشمس من مغربها، وحتى تبلغ الروح الحلقوم، ولكن -يا أخي- هل تدري متى تبلغ الروح الحلقوم؟! أو متى تطلع الشمس من مغربها؟! أنا وأنت لا ندري، والعلم بيد الله عز وجل، فما على أي واحد منا إلا أن يبادر بالتوبة.

    ثم قال عز وجل: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71]، وهذا دليل على أن التوبة إنما كررت هنا لأنها يجب أن تكون توبة صادقة، أما التوبة التي يتوب فيها الإنسان اليوم ليلعب بها غداً ولينقضها ويتوب بعد غد فهذه ليست توبة صادقة، فالتوبة الصادقة هي التي تستوفي الشروط المعروفة: الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على أن لا يعود، ورد المظالم إذا كانت هناك مظالم بينه وبين خلق الله عز وجل.

    الابتعاد عن شهادة الزور وأماكن المعاصي

    ثم قال تعالى في ذكر صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]. والزور هو: كل محرم، مأخوذ من التزوير أو من الازورار، والازورار معناه الانحراف، والتزوير معناه: التزيين. لأن أصحاب القول الحرام يزينون كلامهم ليكون مقبولاً في المجتمع، كما تشاهد في واقعنا اليوم، فعباد الرحمن لا يشهدون الزور، وهذه الآية تحتمل معنيين، ولربما كان المعنيان مرادين، فتشمل شهادة الزور، وتشمل حضور المجالس التي فيها ما حرم الله عز وجل.

    أما شهادة الزور فإنها من أعظم الذنوب عند الله عز وجل، ويدل على ذلك حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: (ألا أنبئكم بأكبر ما أكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)، أي: لما ظهر من علامات الغضب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فشهادة الزور معناها الذي تعرفه، وهو أن يأتي إنسان ليشهد على إنسان بأن هذا المال لفلان. وليس لفلان أو بأن هذا المال ليس لفلان وهو لفلان. فهذه هي شهادة الزور عياذاً بالله، وهي ظلم عظيم تؤدي إلى أن تنتقل الأموال إلى غير أهلها بسبب هذه الشهادة الحرام الكاذبة، فشهود الزور هم الذين يذهبون إلى المحاكم وأمام القضاء وفي غير هذه الأمور ولا يدلون بالشهادة على حقيقتها، بل يقلبونها ضد صاحبها، نسأل الله العافية والسلامة، وهؤلاء يقترفون أكبر الكبائر، فعليهم أن يبادروا بالتوبة، فالله تعالى يقول: لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72].

    وكذلك لا يشهدون المجالس التي فيها الكلام المحرم، فكم من مجالس المسلمين اليوم يوجد فيها من الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، بل والطعن في الدين -نعوذ بالله-، والضحك والسخرية بأبناء المسلمين وبالصالحين يوجد فيها من ذلك الشيء الكثير! وهذا يكثر، وتجد كثيراً من هذه المجالس تُعمر بهذه الأمور، ويسخرون من المؤمنين ويضحكون، وهذا من أعظم الزور، وكم يوجد من المجالس التي تُعمر بالموسيقى واللهو والغناء!

    ولذلك جاء أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مر ذات يوم بقوم يغنون، فلما استمع الغناء أسرع وهرب، فذُكر خبره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن ابن أم عبد كريم)، وفي هذا إشارة إلى قول الله تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]، فالزور هو كل كلام محرم، فإذا رأيت -يا أخي- من يتكلم كلاماً محرماً ومن يخوض في آيات الله فعليك أن تعظه وتذكره وتخوفه بالله عز وجل، فإن التزم وإلا فعليك أن تبتعد عنه كثيراً؛ لأن الله تعالى يقول: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68]، وعلى هذا نقول: إن قوله تعالى: لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] يشمل الأمرين جميعاً، فاحذر أي كلام محرم وأي شهادة محرمة ليست على حقيقتها، ولا تشهد إلا على مثل الشمس، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (على مثلها فاشهد أو دع)، أما الذين يشهدون الزور وينقلون الأموال من إنسان إلى إنسان بشهاداتهم فهؤلاء قد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.

    وأعظم من هؤلاء -والعياذ بالله- الذين يأخذون أموال الناس بالأيمان الكاذبة، فيحلف أحدهم على الحرام بأن هذا له وليس له، أو أن هذا لفلان وليس لفلان، وهذه هي اليمين الغموس التي يقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ونعوذ بالله من ذلك، فالذي يحلف على ما ليس له ويقول: والله إن هذا لي. أو: والله إن عندك لي كذا. أو: والله إنه ليس عندي لك شيء، وهو عنده ويعلم ذلك فهذه هي اليمين الغموس، وسُميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، وسُميت اليمين الصبر لأن صاحبها إذا أراد أن يحلف تجده يتردد ولو كان ضعيف الإيمان، بل لو فقد الإيمان وكان يريد أن يحلف فإنك تجده يتنازع الإيمان والمطامع أمام نفسه، فيقدم على هذه اليمين الكاذبة من أجل أن يأكل فيها أموال الناس، والعياذ بالله.

    وقوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72] أي: إذا رأوا كلاماً حراماً غيبة أو نميمة أو كذباً أو مجالس سفهاء يضحكون ويسخرون من دين الله ومن المؤمنين فإنهم يهربون من هذه المجالس، ولا يجلسون فيها، لكن بعد أن يدافعوا عن أعراض إخوانهم المسلمين، فإن استطاعوا وإلا فعليهم أن يهربوا من هذه المجالس؛ حتى لا تنزل عليهم عقوبة الله عز وجل مع هؤلاء.

    الدعاء بصلاح الأزواج والذرية

    ثم يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74].

    قرة العين معناها: سكونها. والعين بطبيعتها دائماً تتحرك وتلتفت يميناً وشمالاً تبحث عن الأفضل، لكن حينما تحصل العين على مطلوبها من زوجة صالحة أو من ولد صالح تقر هذه العين، أي: لا تلتفت إلى نساء الناس، ولا إلى أولاد الناس، فلا تكثر هذه العين الحركة، فهم يريدون أن يكون لهم أهل صالحون وأولاد صالحون وتقر عيونهم بهؤلاء الصالحين، ولهذا يقولون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74].

    لكن -يا أخي- هل تتصور أنهم يقولون هذه الكلمة دون أن يقدموا لها أسباباً؟ وهل أحدهم تجده يترك ولده يفسق ويفسد وتذهب أخلاقه ويخالط قرناء السوء، ويترك زوجته تذهب متى شاءت وترجع متى شاءت في محافل الزواج وفي الأسواق وغيرها ويقول: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74]؟! لا. بل لابد أن يقدم الأسباب، وإذا قدم الأسباب فعليه أن يعتمد على الله عز وجل؛ لأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فبعد أن يقدم الأسباب يقول: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74].

    الدعاء بالإمامة في التقوى

    ثم أيضاً بعد ذلك يقولون: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، فانظر -يا أخي- إلى الطموح، إنه طموح عظيم، فهم لا يريدون فقط أن يكونوا متقين، بل ولا يريدون أن يكونوا تبعاً للمتقين، وإنما يريدون أن يكون الناس يتبعونهم في تقوى الله عز وجل، وهذا هو الطموح الذي يجب أن يتنافس فيه الناس، فالناس عليهم أن يتنافسوا في مثل هذه الأمور، كما قال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، فهم يريدون أن يكونوا هم قادة الفكر ودعاة الحق في هذا العالم، ويُقتدى بهم في تقواهم وطاعتهم لله عز وجل، أما أن يكونوا تبعاً فهذا طيب، لكن خير لهم أن يكونوا يُقتدى بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وهذا هو المعنى الصحيح، والله أعلم.

    والمعنى الآخر في قوله سبحانه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] أي: واجعلنا نقتدي بالمتقين، لكن المعنى الأول أقوى وأقرب إلى الصواب وإلى لفظ الآية، وليس معنى ذلك أنهم يريدون السلطة والكبرياء في الأرض، فهناك فرق بين من يريد أن يكون إماماً في تقوى الله عز وجل وبين من يريد أن يكون صاحب سلطة، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبحث الإنسان عن السلطة، اللهم إلا إذا كانت لمصلحة هذا الدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام لـعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها).

    ولذلك المسلم يجب عليه أن يكون طموحاً لأن يكون قدوة في الخير، أما أن ينافس الناس على المناصب الدنيوية العالية فهذه ليست صفة المؤمن، اللهم إلا إذا كان الأمر كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، وذلك إذا رأى فساداً في المجتمع، ورأى أنه باستطاعته أن يصلح في أوضاع هذا المجتمع، فيمكن أن يكون طموحاً إلى مثل هذا المركز، لا من أجل أن يتخذه وسيلة لأن يتخذ أمر المسلمين كالوسادة ليحقق مآربه، إلى غير أهله، ولا ليريد أن يطغى من خلال هذا المنصب أو يفرض قوة فوق قوة الله عز وجل كما يعتقد، وإنما يريد فقط أن يصلح في هذا المجتمع، ففي مثل هذه الحال يطلب المنصب، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    1.   

    جزاء عباد الرحمن

    جزاء أهل الصفات السابقة كلها يقول الله تعالى عنه: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75]، أتدري ما هي الغرفة؟ الغرفة هي أعلى درجات الجنة، والجنة درجات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) يعني: يرتفع بعضها على بعض في الجنة. فهؤلاء يخبر الله عز وجل أنهم ما داموا في هذا المستوى من العبودية للرحمن سبحانه وتعالى فإن جزاءهم في الآخرة الغرفة، وهي أعلى درجات الجنة.

    وقوله: بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75] أي أن هذه الأعمال كلها تحتاج إلى صبر، فمن يستطيع أن يقوم الليل في شدة البرد؟ ومن يستطيع أن يصوم النهار في الصيف إذا اشتد الحر؟ ومن يستطيع أن يحبس نفسه أمام هذه الشهوات؟ لكن الذين صبروا هم الذين يستطيعون ذلك.

    ولذلك الله تعالى يعطيهم الغرفة في الآخرة بسبب صبرهم وتحملهم طاعة الله عز وجل، وصبرهم عن معصية الله سبحانه وتعالى، وصبرهم على أقدار الله المؤلمة.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.