إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الجنللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في سورة الجن تقرير عظيم لحقيقة التوحيد العظيمة، حيث أنطق الله تعالى الجن بعد سماعهم آيات القرآن بتوحيده وإعلانهم تركهم الشرك به تعالى، وبيانهم ما كانوا عليه من الضلال في اتباع سفهائهم فيما يقولونه على الله تعالى، كما قرر الله تعالى ذلك بإعلان رسوله حفظ الله تعالى له وحمايته من السوء والأذى، وبيان حقه تعالى في أن يعظم في المساجد، فلا يدعى معه فيها غيره ولا يشرك به سواه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ..)

    ذكر حادثة نزول الآيات الأول من سورة الجن

    الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيف ما شاء عزة واقتداراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع هداه.

    أما بعد:

    فإن الكاتب في مثل هذه الدروس العلمية يتنازعه في الغالب أمران:

    الأمر الأول: الجنوح إلى الوعظ.

    الأمر الثاني: الإبقاء على نفعية الدرس العلمي.

    وتفصيلاً للقول يقال: إنه لا يمكن التفريق التام والانفكاك بين الوعظ والعلم؛ لأنه لا يحسن أن يعظ الناس من ليس بعالم، وإذا كان الدرس العلمي يغلب عليه الوعظ الذي يخاطب به معشر العصاة غالباً فهذا يحرم طالب العلم من النتف العلمية، والفوائد التي جاء من أجلها في المقام الأول.

    وسنشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة الجن، فنقول مستعينين بالله تعالى:

    قال الله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:1-3].

    جمهور المفسرين على أن سورة الجن سورة مكية، نزلت بعد سورة الأعراف.

    ومما يذكر في نزولها أن نبينا صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف، فنزلت في منقلبه عليه الصلاة والسلام من الطائف، وهذا هو الأظهر.

    وقيل إنه صلى الله عليه وسلم خارج عامداً مع نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ، فصلى صلى الله عليه وسلم الفجر أو قام الليل، وأياً كان الأمر فإنه كان يقرأ القرآن، وكانت الجن من قبل لها مقاعد في السماء، من خلال هذه المقاعد تسترق السمع، فتسمع الكلمة من الحق فتزيدها من الباطل أضعافاً مضاعفة، ثم تلقيها إلى الكهنة من الأنس، فهذا نوع من التعامل بين الجن وكهنة الأنس.

    فتعود الجن على هذا، وكانوا يرجمون رجماً يسيراً، كما قال الله جل وعلا في سورة تبارك عن النجوم: رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، فكانوا يسترقون السمع فينالون حظاً فيعطونه الكهنة، فبينما هم في أيام بعثته الأولى صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع وجدوا أنه قد حيل بينهم وبين خبر السماء، فعلموا فطنةً أن هناك شيئاً وقع أو سيقع، فأخذوا يتساءلون، ثم انقسموا إلى فرق، فذهبت كل فرقة تبحث عن السبب الذي من أجله حيل بينهم وبين خبر السماء.

    فذهبت فرقة منهم إلى وادي نخلة فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه صلى الله عليه وسلم، فلما استمعوا إليه كتب الله لهم الإيمان باستماعهم لقراءة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حيث وقع القرآن في قلوبهم موقعاً عظيماً، وهذا يدل على عظمة القرآن؛ إذ الجن الذين خلقوا من نار السموم تفطرت قلوبهم لما سمعوا كلام رب العزة جل جلاله.

    وأجمل شيء أنهم سمعوه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعت حلاوة التلاوة مع عظمة التنزيل، فلما قدموا إليه اجتمعوا ينادي بعضاهم بعضاً -في أظهر الأقوال- ليستمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم.

    دعوة الجن قومهم إلى التوحيد والإسلام

    فلما فرغ عليه الصلاة والسلام من القراءة انصرفوا يدعون قومهم إلى دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا ما قاله الله في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:29-31].

    فهؤلاء مؤمنوا الجن الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدث هذا كله والنبي صلى الله عليه وسلم -على ما تدل عليه ظاهر الآية- لم يرهم، وهو عليه الصلاة والسلام بشر لا يعلم الغيب، فأوحى الله إليه بعد انصرافهم أن الجن استمعت إليه، وهذا الوحي من الله جاء مرتين:

    المرة الأولى في قوله جل وعلا: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ [الأحقاف:29].

    والمرة الثانية في قوله تبارك وتعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن:1]، فهذا مدخل لمفهوم سورة الجن، وهذا هو أصل القصة ومبناها، ومعنى قول ربنا تبارك وتعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف:29].

    فوائد من نزول سورة الجن

    وفي ذلك جملة من الفوائد:

    الفائدة الأولى: أن الجن موجودون، وهذا رد على كل من أنكر وجود الجن من الملاحدة أو بعض الفلاسفة، والدليل على وجودهم ظاهر بين، فقد حكى الله جل وعلا عنهم أنهم يستمعون القرآن، وأن الله تعالى صرفهم لاستماع القرآن إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن الله خاطبهم بالقرآن في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13].

    الفائدة الثانية: حفظ الله لوحي نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فإن هذا الوحي الذي أنزل على خير نبي صلوات الله وسلامه عليه كان من إرهاصاته العظمى أن مقاعد الجن التي كانت لهم في السماء قد حبسوا عنها وحيل بينهم وبينها، حيث قالت الجن: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن:9].

    فقولهم: يَسْتَمِعِ الآنَ [الجن:9] يدل على أن الوقتين متغايران، ففي الوقت الأول كان بإمكانهم أن يسمعوا، أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقد حيل بينهم وبين السماء، كما قال تعالى عنهم: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن:9]، وهذا من عناية الله تبارك وتعالى برسولنا صلوات الله وسلامه عليه.

    الفائدة الثالثة: دلت السورة جملة على أن الجن منهم مؤمنون ومنهم كفار، ودليلها من السورة نفسها، وهو أنهم قالوا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11].

    وكلمة (طريق) إذا جمعتها وأنت تقصد الطريق المعبد الذي تمشي عليه فإنك تجمعها على (طرق)، وإن جمعتها وأنت تقصد الطريق المعنوي، كطريق الخير وطريق الشر، وطريق الهدى وطريق الضلالة -فإنك تجمعها على (طرائق).

    وهنا قالت الجن: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] أي: كنا جماعات وأهواء وأحزاباً وفرقاً ومللاً ونحلاً متفرقة، ولا يسلم منها إلا فرقة واحدة، وهي التي أرادت الحق، كما قال تعالى عنهم: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ).

    وكل أمة فيها الصالحون وفيها غير صالحين، فتتفاوت أحوالهم ودرجاتهم ومكانهم عند الرب تبارك وتعالى.

    الفائدة الرابعة: أن الجن يسمون جناً لاستتارهم، بمعنى أنهم لا يرون بالعين، والجذر اللغوي لكلمة (جن) يدل على الاستتار، ولذلك يسمى الطفل في بطن أمه جنيناً، وسميت جنة عدن -أدخلنا الله وإياكم إياها- بذلك لأنا لم نرها، قال الله عن خليله إبراهيم: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا [الأنعام:76] يعني: أظلم عليه الليل ولم يعد يرى.

    فالجن مأخوذ اسمهم من هذه المادة؛ لأنهم لا يرون بالعين بقدرة الله، كما قال تعالى عن الشيطان: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].

    تسمية الجن عند العرب وبيان وجودهم قبل الآدميين

    وقد اتفق على أن الجن مخلوقون من نار، واختلف في أيهما أقدم خلقاً الجن أم الإنس؟ والصحيح أنهم الجن بنص القرآن، حيث قال تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر:27] أي: من قبل خلقكم. فلما قطعت الإضافة بنيت (قبلُ) على الضم.

    والعرب في لسانها تسمي الجني بخمسة أسماء، فإذا كانوا يقصدون أصل الخلقة يقولون: جني، فإذا كان مما يسكن البيوت فإنهم يسمونه عامراً، ويجمع على (عمار)، وإذا كان مما يتعرض للصبيان ويفزعهم فإنهم يسمونه أرواحاً، وإذا كان ذا قوة وخبث وتمرد فإنهم يسمونه شيطاناً، فإذا زادت قوته وتمرده فإنهم يسمونه عفريتاً، قال ذلك الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.

    وابن عبد البر إمام مالكي شهير، وهو من أكثر علماء الأمة قدراً، وله كتابان في العلم شهيران جداً: الأول: التمهيد، والثاني: الاستيعاب، وله الاستذكار، فرحمه الله تعالى.

    فالعماد منهم يسكنون البيوت، وقد جاء في موطأ مالك بسند صحيح أن رجلاً من الصحابة كان حديث عهد بعرس، فخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، فكان يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام ليرجع إلى بيته، ولا يرابط في الخندق؛ لأنه حديث عهد بعرس.

    وفي ذات مرة استأذن فرجع، فوجد زوجته خارج البيت، فأصابته الغيرة فسل السيف، فأشارت إليه أن: ادخل الدار. فلما دخل الدار وجد حية عظيمة قد التفت على فراشه، فأخرج رمحاً أو سيفاً فضربها به، قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه راوي الحديث، فلا يدرى أيهما أسبق موتاً؟ أي: ماتت الحية التي قتلها ومات الشاب في نفس الوقت، فلما علم صلى الله عليه وسلم قال: (إن في المدينة عماراً)، أي: إخواناً لكم من الجن يعمرونها، وشرع لهم صلى الله عليه وسلم التحريج، أي: أن يحرج على الجني إذا وجده في البيت أو غلب على الظن وجوده، فيحرج عليه أن يخرج ثلاثاً، ثم بعد ذلك إن لم يخرج فإن له قتله.

    أصل الجن وأصل إبليس

    واختلف العلماء في أصل الجن، فالأكثرون -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- على أن الجن من نسل إبليس.

    وإبليس نفسه اختلف فيه هل هو من الملائكة أم هو من الجن؟ والقرآن يدل صراحة على أنه من الجن، قال الله تعالى في سورة الكهف: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50].

    والذين قالوا: إنه من الملائكة يخرجون قول الله جل وعلا: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ على أن المراد بالجن هنا الملائكة.

    ولهم دليل على أن الجن يراد بهم الملائكة، وهذا هو العلم؛ إذ المعلوم ثلاثة أقسام: محكم، ومنزل، ومؤول، ومضمار العلماء الذين يجرون فيه هو المؤول.

    فقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ، قلنا فيه: إن الجن بمعنى الاستتار، وهؤلاء قالوا: إن الجن هنا المقصود بهم الملائكة، أي: كان من الملائكة.

    والدليل على أن كلمة الجن تطلق على الملائكة قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:158] والجنة هنا هم الملائكة؛ لأن الكفار ما قالوا: إن بين الله وبين الجن الأرضيين نسبة، وإنما ادعوا النسبة للملائكة، فنسبوا لله البنات، فقالوا: إن الملائكة بنات الله.

    فالنسبة التي ادعاها الكفار هي أنهم نسبوا الملائكة بأنهم بنات الله، كما قال تعالى: لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى [النجم:27].

    إرشاد لطالب العلم في التأني في الحكم على الأقوال

    وإنما أوردت هذا لتتأنى، حتى إذا سمعت قولاً لأحد العلماء لم تسارع في ذمه حتى تعلم دليله، ولا تستعجل في الحكم؛ إذ يظهر لك العلم من وجه، ويظهر للعالم من وجه آخر، وهذا الذي ينبغي لطالب العلم أن يعرفه.

    وفي ذلك يروى أن أبا حنيفة رحمه الله كان له تلاميذ، فكان في كل فترة يعطي أحد التلاميذ إذناً بأن يدرس، فيقول: قم يا فلان فدرس. وكان له تلميذ من أنجب طلابه، وهو أبو يوسف قاضي القضاة رحمه الله، يوسف فكان أبو يوسف يجلس في الحلقة وهو أفضل ممن يأذن لهم أبو حنيفة ، فكان يتعجب من الإمام حين يأذن لغيره أن يدرس ولا يأذن له.

    وفي ذات مرة مرض أبو يوسف ، فزاره أبو حنيفة في بيته، فوافقت زيارة أبي حنيفة شدة مرض أبي يوسف ، فظن أبو حنيفة أن أبا يوسف سيموت، فلما خرج قال للطلاب: لئن مات أبو يوسف ليفقدن العلم أحد رجالاته، والله لقد كنت أعده للناس من بعدي.

    فرجع الطلاب يجرون جبلة إلى أبي يوسف فقالوا: الإمام قال وقال وقال، فطاب بذلك أبو يوسف ، فجلس أبو حنيفة في الحلقة يوماً فقال: ما فعل الله بـأبي يوسف ؟ فقالوا: لقد برئ. فقال: أين هو؟ فقالوا: أقام حلقة للعلم. وذلك لأن الإمام قال: إنني أعده للناس من بعدي. وجلس يدرس.

    وهنا أراد أبو حنيفة أن يؤدبه، ويبين له العلم، فقال أبو حنيفة لأحد الطلاب اذهب إلى أبي يوسف وقل له: إن رجلاً أخذ ثوبه وأعطاه الغسال ليغسله له، فلما رجع ليأخذ الثوب أنكر الغسال أنه أخذ ثوباً، ولم يكن عند صاحب الثوب دليل، فذهب ثم إن الغسال بعد فترة تاب، فأراد أن يرد الثوب لصاحبه، وقد غسّله، فهل له أجرة أم ليس له أجرة؟ وقال للطالب الذي بعثه: إن قال لك: له أجرة فقل له: أخطأت، وإن قال: ليس له أجرة فقل له: أخطأت.

    فخرج الرجل وذهب إلى أبي يوسف فجلس في الحلقة، فلما انتهى الدرس بدأ بالأسئلة، فقام الطالب ورفع يده وقال السؤال، فتفكر أبو يوسف رحمه الله قليلاً ثم قال: ليس له أجرة فقال: أخطأت، فتفكر مرة أخرى ثم قال: نعم له أجرة، فقال الطالب: أخطأت، ورجع، فلما خرج فطن أبو يوسف أن الذي بعثه أبو حنيفة ، فرجع وجلس في الحلقة مرة ثانية، فبدأ أبو حنيفة بالدرس ثم نظر إليه وقال: يا أبا يوسف ! أعادتك إلينا مسألة الغسال؟!

    ثم قال له: كان ينبغي لك أن تسأل من سألك، فإن كان الغسال سرق الثوب قبل أن يغسله فليس له أجرة؛ لأنه عندما غسله غسله لنفسه، وإن كان غسل الثوب، ثم بعد أن غسله نظر إليه فأعجبه فنوى سرقته فله أجرة؛ لأنه غسله لصاحب الثوب.

    ثم قال رحمه الله: شاب لا يحسن مسألة في الإجارة يريد أن يجلس ليعلم المسلمين!

    والمقصود من هذا أنك لا تدري حجة من قال، ولذلك قال العلماء: كلما كان الإنسان أكثر علماً كان أقل إنكاراً؛ لأنه يعرف أن للمسألة عدة أوجه، فيقل إنكاره على الناس، أما الذي لا يعرف إلا شيئاً واحداً فإنه ينكر كل شيء يراه، وأنا لا أتكلم فيما اتفق العلماء على أنه منكر، بل أتكلم في المسائل التي يخوض فيها الناس.

    بيان معنى قوله تعالى (وأنه تعالى جد ربنا ..)

    قال تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3] الجد هنا بمعنى الجلال والعظمة، وهو أحد معانيها، ومن معاني الجد الحظ والغنى، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، يعني: ولا ينفع ذا الحظ العظيم منك الحظ؛ لأن الأمور بين الله وبين عباده بحسب الأعمال الصالحة.

    بيان قول السفهاء من الجن على الله تصديق الآخرين لهم

    وقول الله جل وعلا: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا [الجن:4] أي: أن الجن تقول: إن السفهاء منا كانوا يقولون جوراً على الله.

    وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الجن:5] معناه أن هؤلاء المؤمنين من الجن يقولون: كنا نصدق من يقول: إن لله صاحبه وولداً، فلما سمعنا القرآن من محمد صلى الله عليه وسلم تبين لنا ضلال قومنا، ولكن الذي جعلنا نتبعهم هو أننا لم نكن نتوقع أن يتجرأ أحد على الله، وهذا معنى قولهم: وَأَنَّا ظَنَنَّا [الجن:5] والظن بمعنى العلم. أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الجن:5].

    بيان معنى قوله تعالى (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ..)

    وقولهم: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] أي: اجتراء وطغياناً؛ لأن بعض الإنس من العرب كانوا يستغيثون بزعماء الجن، فأكبر ذلك في أنفس الجن وتعاظموا، وزادوا طغياناً على ما هم فيه، وهو أظهر الأقوال في الآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله ..)

    بيان المراد بإضافة المساجد إلى الله وإضافتها إلى غيره

    وقد دلت السورة كذلك على أن المساجد لله، حيث قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، ومن اليقين أن هذه الآية من كلام الله، وليست من كلام الجن.

    وهنا مسألة، وهي أنه لو قال لك قائل: ما اسم هذا المسجد، فقلت له: اسمه مسجد فلان، فقال لك: كيف والله يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ [الجن:18] وأنت تقول: مسجد فلان؟

    والجواب أن يقال: إن المساجد تضاف إلى لله تشريفاً، وتضاف إلى غيره تعريفاً، والدليل من السنة على أن المساجد تضاف إلى غير الله قوله صلى الله عليه وسلم: (وصلاة في مسجدي هذا) ، وقوله: (من أتى مسجد قباء)، وفي الصحيح أنه أجرى الخيل من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.

    فهذا كله أدلة على أن المساجد تضاف إلى غير الله، ولكن تضاف إلى الله تشريفاً، وتضاف إلى غير الله تعريفاً.

    وقد ذكروا أن هارون الرشيد الخليفة العباسي المعروف غضب يوماً على أحد حرسه أو أحد خدمه، فأقسم بالله على أن امرأته طالق إن بات هذا الرجل في ملكه، وخلافة هارون الرشيد كانت خلافة عامرة، فكل البلاد الإسلامية تبع لـهارون الرشيد ، فسأل أحد العلماء: أين يبيت هذا وأنا قد حلفت على أنه لا يبيت الليلة في ملكي، وأنا أملك من المشرق إلى المغرب، فأشار إليه بأن يبيت الرجل في المسجد؛ لأن الله يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    حكم القبر الكائن في المسجد

    وهنا مسألة، وهي وجود القبور داخل المساجد، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والواقع أنه إما أن يبنى القبر أولاً ثم يبنى عليه المسجد، وإما أن يبنى المسجد ثم يُدخل فيه القبر، وإما أن يبنى المسجد دون أن يوجد فيه قبر، ولكن يصل بتوسعته إلى القبر.

    فإذا بني القبر أولاً فلا يجوز بأي حال من الأحوال بناء مسجد عليه، فإن بني مسجد عليه فإنه لا تجوز الصلاة فيه؛ لأن الأصل أنه قبر.

    وإن بني المسجد ثم وضع فيه القبر فهذا يختلف بحسب القدرة، فإن كنت تقدر على إزالة القبر بحسب جاهك فإنه يجب أن يزال القبر، وإن كنت لا تقدر فإن الصلاة تجوز، وتركها أولى.

    وإذا كان هناك مسجد وسع حتى وصل إلى قبر، فلاُ يدخل في المسجد دخولاً كلياً، ولكن يبقى محجوزاً، كحال قبر نبينا صلى الله عليه وسلم في مسجده، ولا شك في أن الصلاة في مسجده لا يقول عنها مؤمن: إنها لا تجوز، وقد أدخلت حجرات أمهات المؤمنين في عهد الوليد بن عبد الملك حين كان عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز .

    تعظيم المساجد بالتوحيد

    والمساجد مكان تعظيم، ولا يعظم فيها إلا الله، فلا يجوز لأحد أن يجعل من المساجد طريقاً لتعظيم أحد كائناً من كان، ومن تعظيم الله فيها أن يقرأ القرآن ويقال الدعاء وذكر الله والصلاة في المقام الأول، وحضور الجمعة، وحضور الجماعات، فهذا هو المعنى الحرفي لقول الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقد شاع في الأمة -عياذاً بالله- اتخاذ بعض القبور مساجد، فتؤم وتقصد كما تؤم المساجد.

    فنحن نسمع في هذه الأيام بما يسمى بالنجف الأشرف، والنجف أرض خارجة عن الكوفة، الكوفة، وكانت الكوفة معقلاً لـعلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين ترك المدينة إلى الكوفة، وقتل علي رضي الله عنه شهيداً على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي في الكوفة.

    لا يوجد ثبت تاريخي يؤكد مكان دفن علي ، ولكن من الروايات التي نُقلت أنه دفن بظاهر الكوفة، وهذا منقول عند أهل السنة، ولم يكن يعلم قبره رضي الله عنه وأرضاه مدة من الزمن.

    ثم: إن هارون الرشيد الخليفة العباسي -كما قيل- خرج للصيد، وكانت عاصمة هارون بغداد، وبغداد في العراق فك الله أسرها، فخرج هذا الخليفة -فيما يزعمون- حتى وصل إلى ظاهر الكوفة، وهناك اكتشف قبر علي بظاهر الكوفة في المنطقة التي تسمى النجف، فأخذ يتردد عليه ويزوره، ثم كان أحفاد علي رضي الله عنه من الأئمة عند الشيعة - مثل موسى الكاظم وجعفر الصادق - يدفنون غير بعيدين عنه، أي: في العراق.

    ثم مع الأيام جاءت دول فيها وزراء يتبنون المذهب الشيعي، فبني على القبر قبة، ثم بعد ذلك بني مسجد، ثم ما زال الأمر يتطور تاريخياً بحسب قوة نفوذ الشيعة، ثم بني بناء يحيط بالقبر أشبه بالبناء الذي بنته الدولة على الحرم المكي، فما بين الكعبة وبين المسجد يسمى صحن الكعبة، فأنت حين تذهب إلى مكة تقول: أريد أن أصلي في السطح، أو: أريد أن أصلي في الصحن. ويقصد بالصحن المسافة التي بين الكعبة وبين البناء.

    وهذا البناء لم يكن موجوداً في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر ، وإنما بني في عهد عمر ، وأول من أحاط المسجد بالبناء هو عمر رضي الله عنه.

    فالشيعة بنو على قبر علي مثل الحائط، وجعلوه على دورين، فجعلوا الدور الأعلى حوزة علمية يدرسون فيها، فأصبحت المساحة التي بين القبر نفسه وبين البناء أرضية صحن، فسموها بالصحن، ثم سميت بالصحن الحيدري نسبة إلى علي رضي الله عنه؛ لأن علياً من أسمائه حيدر ، وهو القائل يوم خيبر:

    أنا الذي سمتني أمي حيدرة ليث غابات كريه المنظرة

    ثم جاءت كلمة الأشرف اعتقاداً منهم أن هذا المكان يشرف بوجود علي رضي الله تعالى عنه، فمع الأيام أصبح يسمى بالنجف الأشرف، وأقول هذا حتى تفقه الحال حين تسمع أخبارهم، بصرف النظر عما يكون، فالأمريكيون عدو ظاهر لا جدال فيه، فلا يفرقون بين سنة وشيعة، وليس هذا مجال الكلام، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن الأمة ينبغي عليها أن توحد ربها، ولا تعظم إلا خالقها، ولو قدر أن علياً رضي الله عنه وأرضاه وحشرنا وإياه مع نبينا صلى الله عليه وسلم قام من قبره؛ لكان أول من ينكر هذا الصنيع على قبره.

    وهذا مقصودنا من قول الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ..)

    ثم قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:22].

    اختلف في سبب النزول، فقيل: إن جمعاً من الجن أو من أهل الإشراك قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم: اترك الدعوة ونحن نجيرك. فقال عليه الصلاة والسلام: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجن:22-23].

    ومعنى الآية: إنني إذا بلغت رسالة الله يجيرني الله، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة وأداها على أكمل وجه، واستشهد أصحابه على هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا: نشد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة).

    1.   

    نصائح وإرشادات للمرء المسلم

    إنه لا نعمة أعظم من الهداية، ولا موقف أخوف من الوقوف بين يدي الرب تبارك وتعالى، ولا منصرف أعظم من الانصراف بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا زحام أمتع من الزحام على أبواب الجنة، ولا نعيم تقر به العين أعظم من نعيم الجنة، ولا عطاء أعظم من رؤية وجه الله تبارك وتعالى، وهذه كلها تتحقق إذا رحمك الله جل وعلا ويسر لك الأمر.

    وتحقيق هذه الرحمة بقول ربنا: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]، وأعظم درجات الإحسان أن تعظم الله جل وعلا في قلبك تعظيماً جليلاً، ولا تجعل لله نداً كائناً من كان.

    حفظ القلب من التعلق بغير الله

    ومعلوم أن مثلك لن يدعو غير الله فيما نحسب، ولكن قد يتعلق القلب بأحد تعلقاً يوازي تعلقه بالله، والعلماء يقولون: إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون كالكعبة، فالكعبة لا تعلق فيها صور ولا أزلام، فكذلك قلب المؤمن ينبغي ألا يكون فيه إلا الله، أو ما كان داخلاً في محبة الرب تبارك وتعالى.

    وإن حفظ البصر من النظر إلى المحرمات من أعظم ما يمكن أن تصرف به القلوب إلى طاعة الله؛ لأن البصر إذا أدمن النظر -عياذاً بالله- تعلق بالصور والوجوه التي يراها، وقد يفتن بها إن كانت وجوه رجال أو كانت وجوه نساء.

    ومن التعلق بغير الله حب الإنسان للشهرة والظهور، ومنه حب الإنسان للمال، ومنه حب الإنسان للانتقام، ومنه حب الإنسان للشهوات وما أشبه ذلك.

    فهذه كلها صوارف تصرف القلب عن الرب تبارك وتعالى.

    سلامة الصدر

    ومما يثبت به قلبك على طريق الله ألا يكون في قلبك غل ولا حقد على مؤمن كائناً من كان وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    ومن أخطأ من علماء الأمة -غفر الله لنا ولهم- فالتمس العذر، ولست ملزماً بأخذ قوله، فيرد عليه القول، ويبقى له إيمانه بربه تبارك وتعالى.

    وفي طلبك العلم لا تشتغل بالناس، ولا تشتغل بفلان ولا جماعة فلان ولا حزب فلان، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78]، فنحن مسلمون، ولا نريد اسماً زائداً على هذا الاسم بعد أن سمانا الله جل وعلا به، وكفى به فخراً.

    وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على المهاجرين والأنصار لما قال أحدهم: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) مع أن (المهاجرين) و(الأنصار) اسمان قرآنيان، قال الله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ [التوبة:100].

    لزوم جماعة المسلمين

    كما أن من سلامة الصدر ما ذكر عليه الصلاة والسلام في قوله: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم .) وذكر منهن لزوم جماعة المسلمين والنصح لهم، فنحن -ولله الحمد- في بلاد آمنة مستقرة مطمئنة مباركة، والمنصف يعلم، ووالله الذي لا إله إلا هو لا نعلم بلاداً أكثر منها إيماناً، وأنا أتكلم من حيث الجملة لا من حيث الأفراد.

    ففيها -ولله الحمد- يحكم الشرع، وتقام الحدود، وفيها الحَرَمان، ويأتيها المسلمون من كل مكان، وبقاؤها مجتمعة الكلمة موحدة آمنة مطمئنة فيه خير لكل مسلم، ولا يريد هدم هذا الكيان وتوزيعه وتشتيته إلا شخص جاهل لا يعرف مصلحة المسلمين، أو حاقد لا يريد للمسلمين مصلحة.

    وليكن في قلبك الحب للحكام والعلماء والدعاة والأمراء والجيران والأهل والوالدين، كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في حياته مع أصحابه رضي الله عنهم، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، والكمال عزيز.

    السعي في تزكية النفس

    كما أنه ينبغي عليك أن تسعى -أيها الأخ المبارك- في تزكية نفسك، فاجعل لنفسك حظاً من الليل تقوم فيه بين يدي ربك جل وعلا تتلو القرآن وتسمعه وتقرؤه، وتسجد لله، وتتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وليكن بينك وبين الله أعمال في السرائر لا يعلمها أحد كائناً من كان، تجعلها ذخراً لك بين يدي رب العالمين جل جلاله.

    فما أنت فيه طلبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب فلم ينله، وتمناه إبراهيم لأبيه فلم ينله، وتمناه نوح لأحد أبنائه فلم ينله، وكتبه الله جل وعلا لك، فقدم بك إلى بيت من بيوت الله تطلب فيه العلم، فلا تنشغل عن العلم بشيء آخر، فاسهر ليلك لتدوين المسائل، وقراءة القرآن، وحفظ المتون، ولا تنشغل بزيد وزيد أقل، وفلان أحبه وفلان أبغضه، بل اشغل نفسك بطاعة الله، وأكثر من الاستغفار، قال الله جل وعلا: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، فأعظم ما يجلب الرحمة كثرة استغفار الله.

    ومن الرحمة أن توفق لطلب العلم والبلوغ فيه، ونفع الناس بعد ذلك إذا مكنت منه.

    البر بالوالدين

    وكن حريصاً على بر والديك، فلا ينال خير عند الله بشيء بعد الصلاة والشهادتين أعظم من بر الوالدين، ولن يدرك عاق من الله جل وعلا خيراً؛ فمن وصاك الله به فجعلته وراء ظهرك فلن يعطيك الله به خيراً أمامك، والله جل وعلا يقول: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، وقال: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23].

    وإن برك بأمك أو بأبيك خير لك من ألف محاضرة تحضرها؛ لأن ذلك أمر أوجبه الله، والمهم أن تحتسب العمل عند الرب تبارك وتعالى، وأن تحتسب الصنيع عند الله جل وعلا.

    كثرة ذكر الله تعالى

    ومما يقربك إلى الله تبارك وتعالى زلفى كثرة ذكره جل وعلا، ففي الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).

    ولا تشمت بأحد كائناً من كان، فإن القلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، واسأل الله الثبات على الهداية، وقل: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك.

    النظر في أحوال المخذولين بالمعاصي

    وانظر إلى رحمة الله بك، فكم في هذه الساعة من هو واقف على شواطئ العراة ينظر ميمنة وميسرة يملأ قلبه بسخط الله جل وعلا وغضبه.

    وكم في هذه اللحظة من هو عاكف في زاوية يتناول مخدراً أو يشم مسكراً أو يشرب ما حرم الله جل وعلا.

    وكم في هذه اللحظة من هو في بارات الشرق وحانات الغرب يزني.

    وكم في هذه اللحظة من هو واقف أمام الشاشات أو مع ساحات الانترنت يفعل من المعاصي ما الله به عليم.

    فهل تعتقد أن الله الحكم العدل يساوي بينهم وبين من ترك كل شيء وقدم إلى بيت من بيوته يلتمس علماً وأجراً من الله؟!

    حاجة طريق الجنة إلى الصبر

    فالصبر الصبر حتى تبلغ الجنة، وطريق الجنة عال صاعد يحتاج إلى جهد، ويحتاج إلى تواص بالحق، ويحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى سلامة صدر، فلا تتكلم في أحد، وأحسن الظن بالمسلمين، وانشغل بذنوبك عن ذنوب الناس حتى تلقى الله جل وعلا وقد غفر ذنبك، وقبل توبتك، ورد عليك أمرك، وأعانك وأدخلك جنته.

    يقول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:32-35].

    اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة، ونعوذ بك -ربنا- من سخطك والنار.

    اللهم اختم لنا بخير، واجعل مآلنا إلى خير، وعافنا -اللهم- من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.