إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الذارياتللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقسم الله تعالى في سورة الذاريات بجملة من مخلوقاته على وقوع يوم القيامة، ويقسم مرة أخرى على مجيء قول جديد لم يعهده كفار قريش، هو أمر الوحي والنذارة، وذلك دعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة مبيناً في ذلك فضيلة عباده الصالحين الموحدين القائمين ليلهم المنفقين أموالهم في سبيله، وعاقبة المكذبين المخالفين بهلاكهم، داعياً نبيه إلى استمراره في الذكرى النافعة للمؤمنين.

    1.   

    بيان جملة أمور في التأملات القرآني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الأميين ورسول رب العالمين، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن السور التي سنشرع في تفسيرها -بإذن الله تعالى- هي في الجزء السابع والعشرين من كتاب الله تبارك وتعالى، ومعلوم أن الجزء السابع والعشرين يبدأ من آخر سورة الذاريات، وسنشرع -إن شاء الله تعالى- في تفسير سورة الذاريات كاملة، وسنقف في كل درس -إن شاء الله تعالى- مع سورة من هذا الجزء، بدءاً بالذاريات ثم نثني بالطور، وهكذا بحسب ترتيب المصحف.

    الأمر الثاني: أننا لا نقف عند كل آية؛ لأن الله جل وعلا أخبر أن كتابه مثاني، بمعنى: أنه يثنى ويكرر، بل سنقف وقفات معينة.

    الأمر الثالث: أن الغاية من الدرس كله تأملات في كتاب الله، واطلاع على المسائل العلمية، وقليلاً ما يكون الوعظ؛ لأن المخاطب بالدرس أولاً طلبة العلم، وإن كان الوعظ لا يستغني عنه أحد، ولكنه لا يكون هو قوام الدرس في الغالب.

    الأمر الرابع: أننا لا نعذر أنفسنا في أننا لم نترك قضية إلا ونحاول قدر الإمكان الإشباع العلمي فيها، بمعنى أننا نتكلم في المقام الأول مع طلاب العلم، فما لا يحسن كتمه عنهم وينبغي أن يعرفوه سنعرج عليه ونعرض له بحول الله تبارك وتعالى وقوته، سائلين الله جل وعلا أن يجعلنا أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إنه سميع مجيب.

    1.   

    ذكر نسبة سورة الذاريات وموضوعها

    ثم إن السورة هي سورة الذاريات وهي سورة مكية تعنى كغالب السور المكية -بشأن مسائل العقيدة، وذكر دعائم التوحيد، فعلى هذا أكثر سور القرآن المكية، وقد بينا في دروس سلفت الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، وذكرنا الخلاف في ذلك، واخترنا أن السور المكية هي التي نزلت قبل الهجرة بصرف النظر عن موطن نزولها، وأن السور المدنية: هي التي نزلت بعد الهجرة بصرف النظر عن موطن نزولها.

    وقلنا: إن قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] نزل على النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة يهم بالخروج منها، ومع ذلك نقول: إن هذه الآية مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذاريات ذرواً...)

    قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:1-8].

    صدر الله جل وعلا هذه السورة بقسمين: قسم متتابع، وقسم منفرد.

    فالقسم المتتابع هو قوله تبارك وتعالى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات:1-4]، فالفاء هنا عاطفة على ما قبلها، وجواب القسم هنا هو قوله جل وعلا: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6].

    ثم أقسم تبارك وتعالى قسماً منفرداً عن الأول غير متصل به فقال جل وعلا: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:7-8].

    بيان المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات

    أما تفسير الآيات فإن العلماء رحمهم الله اختلفوا في معنى: (الذاريات)، و(الحاملات)، و(الجاريات)، و(المقسمات)، وجمهور المفسرين على أن المقصود بـ(الذاريات) الريح، ويؤيده من القرآن قول الله جل وعلا: تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45].

    وأن المقصود بقوله تعالى: فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا [الذاريات:2] السحب، والذي تحمله هو الماء.

    وأن المقصود بقوله تعالى: فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا [الذاريات:3] السفن، تجري بيسر وسهولة في البحر، ويؤيده من القرآن قوله تعالى: وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ [الرحمن:24].

    وأن المقصود بقوله تعالى: فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات:4] الملائكة، ولكنهم يقولون: ليس المقصود جميع الملائكة، وإنما المقصود أربعة منهم: وهم جبريل للوحي والحرب، وميكال للرحمة والغيث والرياح، وإسرافيل للنفخ في الصور، وملك الموت لقبض الأرواح، وإن قدمت ملك الموت على إسرافيل كان ذلك أليق في الخطاب، فملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ في الصور.

    فهؤلاء الأربعة من مخلوقات الله، وأقسم الله جل وعلا بهم، وأداة القسم هنا هي (الواو)، فمعناها القسم، وعملها جر ما بعدها ولذلك قال تعالى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:1-6]، فالجواب هنا جواب القسم، لتأكيد ما كان القرشيون ينكرونه من قبل، فالسور المكية نزلت على قوم ينكرون البعث والنشور، فأهم قضية عالجتها السور المكية هي قضية الإيمان بالله واليوم الآخر.

    ومن جملة الآثار التي تدل على صحة هذا التفسير -أي أن (الجاريات) هي السفن، (والحاملات) هي السحب، (والذاريات) هي الريح، (والمقسمات) هي الملائكة- ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه صعد المنبر ثم قال في أول من خلافته أيها الناس! اسألوني قبل أن تفقدوني؛ فإنكم لن تسألوا بعدي من هو مثلي. فقام إليه رجل يقال له ابن الكواء ، فقال: يا أمير المؤمنين! ما (الذاريات ذرواً)؟ فقال: الريح، قال: فما (الحاملات وقراً)؟ قال: السحب. قال ما (الجاريات يسراً)؟ قال: السفن، قال فما (المقسمات أمراً)؟ قال: الملائكة. فهذا الأثر يدل على صحة قول جمهور المفسرين بما ذكرناه.

    وبعض العلماء يقول: إن (الذاريات ذرواً) هي المرأة عندما تحمل، وبعضهم حملو على غير ذلك، ولكننا نقف هنا عند قول جماهير العلماء؛ لأن الأثر يدل عليه، وكذلك يدل عليه كلام الرب جل وعلا كما بينا في ذكرنا لما يدل على الجاريات وعلى الذاريات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق...)

    وقلنا: إن جواب القسم: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6]، فقوله تعالى: (ما توعدون) أي: البعث، والدين المقصود به هنا: الجزاء والحساب.

    وكون الرب جل وعلا يقسم بأربعة من مخلوقاته فيه شرف لمن أقسم الله بهم، وفي نفس فيه دلالة على أهمية القضية، ولذلك جعل الله الإيمان باليوم الآخر أمراً يترتب عليه الكفر والإيمان، فمن آمن بالله بوجود الله ولم يؤمن باليوم الآخر بالبعث والنشور لا يعتبر مؤمناً، ولكن ليس كل من آمن باليوم الآخر يعتبر مؤمناً حتى يؤمن بالحساب والعقاب الذي أخبر به الرسل، فاليهود والنصارى يؤمنون باليوم الآخر، ويؤمنون بأن هناك جنة وناراً، ولكنهم يزعمون أن الجنة لهم والنار لغيرهم، قال الله جل وعلا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، وقال الله جل وعلا: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135]، وقالوا: لن ندخل النار إلا أياماً معدودات. وهذا كله إخبار منهم بأن هناك بعثاً ونشوراً، وهم مؤمنون بالبعث والنشور، ولكنهم يؤمنون بأمور أخر، منها: أنهم يجعلون مع الله آلهة أخرى، فقد زعمت اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، فأركان الإيمان المنصوص عليه في حديث جبريل عليه السلام لابد من الإتيان بها كلها، حتى يحكم على أي رجل بأنه مؤمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك)

    ثم قال تبارك وتعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:7-9]، هذا قسم آخر غير متتابع جاء لوحده.

    وجملة ما يقال في معنى قول الرب جل وعلا: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات:7] أي: والسماء ذات الخلق الحسن، وأقوال المفسرين فيها تصب في نهر واحد، حيث اختلفوا -رحمهم الله- في معنى الحبك؛ لأن الكلمة تحتمل هنا أكثر من معنى في اللغة:

    فمنهم من قال: إن المقصود: والسماء ذات النجوم. من باب قولهم: (حبكت الشيء) بمعنى: زينته، والنجوم زينة للسماء.

    ومنهم من قال: إن الحبك هنا بمعنى الطرائق، وهذا يؤيده القرآن في قوله تعالى: فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ [المؤمنون:17].

    ومنهم من قال: (ذات الحبك) أي: الشيء المحبوك، وهذا يؤيده إخبار الرب عن السماء بأنه جعلها سقفاً محفوظاً.

    وهذه الأقوال كلها يجمعها أن المراد: السماء ذات الخلق الحسن وهذا اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله، وكل من قال من المفسرين قولاً غير هذا فإنه لا يبعد عنه ويصيب فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك)

    ثم قال جل وعلا: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:8-9].

    قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] قال فيه بعض العلماء: (في قول مختلف) أي: مصدق ومكذب.

    فإن قلنا بهذا تكون الآية قد خوطب بها جميع الناس؛ لأن الكفار منهم لا يصدقون بالبعث.

    وقال الأكثر (في قول مختلف) أي: اختلفتم في النبي صلى الله عليه وسلم، فمنكم من قال: إنه شاعر، ومنكم من قال: إنه كاهن، ومنكم من قال: إنه ساحر، ومنكم من قال: إنه مجنون.

    وعلى هذا القول يصبح عائداً على الكفار، وكفار قريش في المقام الأول.

    وقوله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9]، المعنى: يصرف عنه من يصرف، ويدفع عنه من يدفع بقدر الله.

    و(عن) هنا جارة، والهاء ضمير يعود على النبوة، ويعود على القرآن، ويعود على البعث والنشور، فالإيمان بذلك يصرف عنه من صرفه الله جل وعلا عن الإيمان، هذا قول علماء التفسير في هذه الآية ونقول غير متجرئين -والله تعالى أعلم-: إن هذا القول في نظرنا لا يستقيم؛ لأنه لا يمكن أن يقسم الرب على شيء لم ينكره أحد.

    فالله تعالى قال: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا [الذاريات:1]، ثم قال: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6]، أقسم الله لأنهم أنكروا البعث والنشور ولكن إذا أخذنا بقول المفسرين في قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] فمعنى الآية أن هؤلاء القرشيين اختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يحتاج إلى قسم؛ لأنهم لم ينكروا اختلافهم في النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم إننا إذا أخذنا قوله تعالى: (يؤفك عنه)، وجئنا بالضمير؛ فإن الضمير لا يمكن أن يعود على (قول مختلف)، فيعود على القرآن، ويعود على النبوة، ويعود على البعث والنشور كما قال العلماء، وهذا تكلف في الخطاب.

    فالصحيح -فيما نظن والله أعلم- أن معنى قول ربنا جل وعلا: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] أي: هذا القول الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مختلف مغاير لما عهدتموه من الأقوال، ومغاير لما عهدتموه من الأساطير والأقوال، وهذا القول الذي هو الإيمان جملة يصرف عنه من يريد الله جل وعلا صرفه عنه.

    فقوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] أي في نبأ جديد مختلف عما عهدتموه مما ينقل لكم من أساطير الأولين يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9] أي: يقبله من يريد الله، ويصرف عنه ويدفع عنه من يريد الله تبارك وتعالى أن يصرفه ممن لم يكتب الله جل وعلا له الهداية.

    ولا أعلم أحداً قال بهذا القول قبل، ولكننا في مجلس علم، ولا يلزمك شيء من قبوله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون...)

    الوقفة الثانية في قول الرب تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:15-18].

    بيان معنى قوله تعالى (آخرين)

    قوله تعالى: (آخذين) يحتمل معنين: فإما أن يكون المقصود: (آخذين) وقت دخولهم الجنة، فيصبح المعنى: آخذين ما هم فيه من النعيم.

    والمعنى الآخر: أن يكون ذلك في حال كونهم في الدنيا، فالله تعالى يصف حال المحسنين عندما كانوا في الدنيا، فيقول: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ [الذاريات:16].

    فإذا قلنا بهذا يصبح المعنى: كانوا راضين عن الله؛ ولأنهم رضوا عن الله أخذوا عنه الأمر بتنفيذه، والنهي باجتنابه، والمصائب بالصبر عليها، والنعماء بالشكر.

    وإن قلنا: إنها حال لهم في الآخرة؛ إن قوله تعالى: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ [الذاريات:16] هذه ظاهرة لا تحتاج إلى تفسير، أي: أنهم يتقلبون في نعم الرب تبارك وتعالى إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:16].

    بيان معنى قوله تعالى (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون)

    ثم ذكر الله جل وعلا صفتين من صفاتهم، وسنقف عندهما وقفة علمية لا وقفة وعظية.

    قال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، فالله جل وعلا هنا يخبر عن حال أهل النعيم، فالآية في سيقال المدح، وحين تفسر لابد لك من أن تستحضر سياق الآية حتى لا تقع في حواجز اللغة.

    فـ(ما) في قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) معنيين:

    المعنى الأول: أن تكون نافية، والمعنى الثاني: أن تكون موصولة.

    فإذا قلنا: إنها نافية يصبح معنى الآية: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعون. أي: أن قيامهم في الليل قليل بالنسبة إلى النوم.

    وإن قلنا: إنها موصولة يصبح المعنى: كانوا أكثر الليل قائمين بين يدي ربهم، وقليلاً ما ينامون.

    فمن حيث اللغة العربية تحتمل الآية معنيين؛ لأن (ما) في اللغة تأتي موصولة، وتأتي نافية، ولا يعرف المرجح إلا من السياق العام، والسياق العام في معرض المدح والثناء، وأنا كنت في معرض المدح والثناء، فإنه لا يمكن أن تكون (ما) نافية، فلا يُعقل أن الله يثني على خلق من خلقه وعدهم الجنان، وأعطاهم ما يشاءون بأنهم كانوا أكثر الليل نائمين.

    فحواجز اللغة هنا أخرجها السياق القرآني؛ لأنه سياق مدح وثناء على تلك الفئة.

    بيان معنى قوله تعالى (وبالأسحار هم يستغفرون)

    ثم قال تعالى: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، والسحر: آخر الليل، وهو موطن التنزل الإلهي، وهو موطن إجابة الدعاء، وقد قال العلماء رحمهم الله: إن يعقوب لما قال لبنيه (سوف أستغفر لكم ربي): إنما كان ينتظر ساعة السحر؛ لأنها أقرب إجابة وكان طاوس بن كيسان رحمه الله لا ينام السحر، فذهب إلى رجل يسأله عن مسألة وقت السحر، فلما طرق الباب ردت عليه الجارية أو الغلام فقالت: إن مولاي نائم، فقال: سبحان الله! ما ظننت أن مؤمناً ينام السحر؛ لأنه موطن وقت عظيم، فيه يتقرب الصالحون إلى ربهم جل وعلا، وقد النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ في بيان بعض الأعمال الفاضلة: (وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر، ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين...)

    الوقفة الثالثة مع قول الرب تبارك وتعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:24-25].

    هنا يخبر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بنبأ ضيف إبراهيم المكرمين، وهم ملائكة كرام، قيل: إنهم جبريل وإسرافيل وميكال نزلوا من السماء، وأصل مهمتهم أن يعذبوا قوم لوط، ولوط عليه الصلاة والسلام ابن أخ لإبراهيم، كانا يسكنان بأرض بابل في العراق، فلما تآمر القوم على إبراهيم وأدخلوه النار هاجر لوط بزوجته وابنتيه، وكذلك إبراهيم، فتركوا أرض العراق، فنزل لوط عليه الصلاة والسلام في أرض سدوم جهة الأردن حالياً في الضفة الشرقية من الأردن، ونزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس في أرض فلسطين، فكانا بعيدين.

    فلما جاءت الملائكة مرسلة لتعذب قوم لوط لأنهم أنكروا نبوة نبيهم وجاءوا بالفاحشة العظيمة مرت وهي في طريقها على إبراهيم، وكان إبراهيم آنذاك متزوجاً من سارة الحرة، ولم تكن تحته هاجر الأمة، وكان إبراهيم يفتح بيته للضيفان، فلذلك لم تستأذن الملائكة، فدخلت البيت على إبراهيم عليه الصلاة والسلام في صور رجال غير معروفين، فاستقبلهم وهو منكر لهم؛ لأنه لا يعرفهم، ولما حيوه كأنهم سلموا بطريقة غير معهودة قال تعالى: فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:25]، فدخلوا عليه، فبادر عليه الصلاة والسلام فعمد إلى عجل سمين فقربه إليهم وقدمه لهم على أنه طعام لضيفه، وكان عامة النعم التي يملكها البقر، ولكن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة فلم تقرب أيديهم الطعام، فازداد خوفه، قال تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات:28]، فلما شعر بالخوف طمأنته الملائكة وأخبروه بأنهم رسل من الله، فلما زال عنه الخوف بشروه، قال الله تعالى: وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:28]، وقال في آية أخرى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:101]، وكان الذي يتولى خدمة الضيوف إبراهيم بنفسه ومعه زوجته سارة .

    فلما قالوا ذلك بدر من الزوجة ردة فعل، حيث تعجبت فأظهرت صوتاً، قال الله جل وعلا: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذاريات:29] و(أقبلت) هنا ليس بمعنى (مشت)، وإنما أخذت في الفعل، فهو نظير قول الله: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه:121] أي: أخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وقوله تعالى: (في صرة) يعني: -ظهرت صوتاً- يقال: صرير الباب، أي: صوته، فصكت وجهها تعجباً وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29]، فذكرت سببين من أسباب منع الحمل، فقالت: (عجوز عقيم)، فأخبرتها الملائكة بأن هذا أمر الله: قَالُوا كَذَلِك قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الذاريات:30]، فاطمأن إبراهيم وقبل البشارة، فلما ذهب عنه الروع والخوف سألهم: لماذا قدمتم؟ فأخبروه بأنهم قدموا ليعذبوا قوم لوط، فأدركته العاطفة والشفقة على ابن أخيه لوط، فقال: إِنَّ فِيهَا لُوطًا قالت الملائكة: قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ [العنكبوت:32]، وأخبرته الملائكة بأنهم معهم حجارة مسومة -أي: معلمة- عقاباً لأولئك المجرمين، هذا ما تدل عليه الآية جملة.

    بيان كرامة الملائكة

    يقول الرب جل وعلا: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24]، هذا يسمى أسلوب تفخيم، حتى يتهيأ النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع الخطاب.

    وكلمة (ضيف) تطلق على المذكر وعلى المؤنث، وعلى المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، وقوله تعالى: (المكرمين) معناه أنهم مكرمون أصلاً، ومكرمون عارضاً.

    فهم مكرمون أصلاً؛ لأنهم ملائكة، والدليل قوله تعالى: كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:11] وأوضح منها قوله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26]، فهذا نعت للملائكة بأنهم مكرمون أصلاً.

    وهم مكرمون عارضاً لأنهم ضيوف، ومن شدة كرمه عليه السلام باشر بإكرامهم بنفسه، فهو الذي قدم الطعام، وهو الذي أدخلهم، وهو الذي دعاهم فقال: (ألا تأكلون) ومن عناية الرجل بضيفه أن يباشر هو بنفسه إكرام الضيف، فهذا معنى قول ربنا: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:24-25].

    بيان حصول الأنس بالمؤاكلة

    والعامة تقول (بينك وبين فلان عيش وملح) في التقاليد الموروثة إنسانياً شيء اسمه حرمة المؤاكلة، وهو معنى قول العامة: (عيش وملح)، فالإنسان إذا جلست معه على طعام واحد يصبح بينكما شيء من الحرمة، وليست الحرمة أن ترى زوجته ويرى زوجتك، ليس المقصود هذا، ولكن المقصود أنك تغير تعاملك معه؛ لأن هذا الأمر يغير فيك، وهذه جبلة إنسانية موجودة عبر التاريخ، وإذا أردنا أن نخوض في هذا إنسانياً نقول: إن موسى عليه الصلاة والسلام كان ذكياً في الصغر، فلما أراد فرعون أن يقتله ائتمر بأمر آسية فقدم له جمراً وتمراً، فعمد موسى إلى التمر يريد أن يأكله، فجاء جبريل ووضع يد موسى على الجمر، حتى يفهم فرعون أن موسى لا يفقه، فلا يعمد إلى قتله، ولأن تحرق يد موسى قليلاً خير من أن يقتل ولما أصابت يد موسى الحرق أصبح غير قادر على أن يأكل في الصبا بنفسه، فلا يستطيع أن يأكل مع فرعون، بل يحتاج إلى وقت حتى يأكل معه، فيضطر إلى أن لا يأكل مع فرعون، فحين يضطر موسى إلى أن لا يأكل مع فرعون لا تكون بينه وبين فرعون حرمة مؤاكلة، فإذا قدر الله بعد ذلك أن يزيل ملك فرعون على يد موسى لم تكن لفرعون يد على موسى حتى في باب حرمة المؤاكلة.

    فحين تريد أن يكون بينك وبين امرئ نوع من الحرمة فتقدم له الطعام يصيبك الخوف، لذا قال إبراهيم عليه السلام: قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:25]، بعد أن قال الله: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:26-27]، وقلنا: إن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل ولا تتناكح، ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة، بل هم كما نعتهم ربهم وخالقهم: عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26].

    بيان بشارة الملائكة لزوج إبراهيم

    يقول تعالى: وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:28]، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29].

    إذا أردت أن تفسر القرآن فاجمع الآيات كاملة، ولا تأخذ القرآن مجزأ، لأنه كله كلام الله، فليس بعضه بأولى من بعض.

    فـسارة ذكرت سببين لمنع الحمل، وهما أنها عجوز وعقيم و(عجوز) على وزن فعول يجتمع فيها المذكر والمؤنث، فيقال للرجل: عجوز، وللمرأة عجوز، و(عقيم) معناها أنها امرأة لا تأتي بالولد، فهذان سببان، وبقي سبب ثالث ذكره الله جل وعلا في هود، وهو قوله تعالى عنها: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود:72]، فالله جل وعلا ذكر هذه الأسباب متفرقة.

    ذكر ما قيل في تعيين الذبيح

    يقول الله تعالى: وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:28].

    إن هناك أموراً لا ينبغي لطالب العلم أن يجهلها، فأهل كل الملل من اليهود والنصارى والمسلمين متفقون على أن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه، وأن الله جل وعلا فدى ذلك الذبيح، ولكن السؤال من هو الابن الذي أمر إبراهيم بذبحه ثم فداه الله جل وعلا بكبش عظيم.

    فقول على إنه إسماعيل، وقول على إنه إسحاق.

    وجمهور العلماء على أنه إسحاق، واختاره ابن جرير الطبري شيخ المفسرين رحمه الله، وهو المروي الثابت عن عبد الله بن مسعود ، والرواية الصحيحة عن عبد الله بن عباس، وهو قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وعن جملة من الصحابة، وروي عن أكثر من عشرة من سادات التابعين.

    وذهب بعض العلماء -وهي الرواية الثانية عن ابن عباس ، وقول الإمام أحمد -إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وكل منهم له أدلة.

    وقال الزجاج رحمه الله: الله أعلم أيهما هو الذبيح، لكثرة الاختلاف في المسألة.

    وأما أنا فلا أدري أيهما الذبيح، فكلما ترجح قول صُدم بشيء، وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا ابن الذبيحين) والجواب: أن الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وقال عنه الذهبي : إن سنده واهٍ جداً، فلا يقبل في مسألة كهذه.

    أما اختلاف أقوال العلماء فسنحاول الإجمال فيه لتتبين.

    فالله تعالى: ذكر أن قوم إبراهيم أرادوا أن يحرقوه، ثم ذكر عنه أنه قال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، ثم دعا ربه: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100]، قال الله: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:101-102]، والذي بلغ معه السعي هو، الغلام الذي بشر به، وذلك عند خروجه من أرض العراق، فدعا ربه أن يهب له من الصالحين، ثم قال الله عنه: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102].

    فالذين قالوا: إنه إسحاق قالوا: ليس في القرآن دليل واحد على أن الله بشر إبراهيم بإسماعيل، بل المبشر به في القرآن هو إسحاق، كقوله تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا [الصافات:112]، فكل القرآن يدل على أن الذي بشر به بشارة هو إسحاق، فقالوا: إن الذبيح هو المبشر به؛ لأن الله قال: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ [الصافات:101-102].

    فهذا هو الذي دفع العلماء إلى القول بأنه هو إسحاق.

    ومن أدلتهم أنهم قالوا: إن الله يقول: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات:102] أي أنه كان يعيش في كنف من؟ في كنف أبيه، وإسماعيل لم يعش في كنف أبيه، بل كان مع أمه في مكة، فإسحاق هو الذي كان مع أبيه يخدمه، وأما إسماعيل فكان مع أمه، وإبراهيم قد جاء إلى مكة ثلاث مرات، فمرتان لم يجد فيهما إسماعيل، وفي المرأة الثالثة وجده.

    وممن قالوا: إنه إسماعيل وانتصروا لهذا الرأي العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب (أضواء البيان)، فقد قال: إنه لا يسوغ القول بأنه إسحاق، وإن ظاهر القرآن يدل على أنه إسماعيل، واحتج بآيتين:

    الآية الأولى: قوله تعالى في الصافات: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ [الصافات:101-102] وذكر الله قصة الذبح كلها، ثم قال الله بعد أن ذكر الذبح: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:106-112].

    يقول الشنقيطي رحمه الله: إن قواعد القرآن تقتضي أنه لا يمكن أن يعيد الله البشارة مرة ثانية، فالمبشر به الأول غير المبشر به بالثاني؛ لأن الله قال: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:101] ولم يسمّ، ثم قال بعد الحدث، قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا [الصافات:112]، فـ(الواو) واو عطف، والعطف يقتضي المغايرة.

    ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن تكون الواو واو العطف، فيمكن أن تكون الواو واو استئناف، فتكون الآية قد نزلت منفكة عن الأولى وقال رحمه الله تعالى: والدليل الثاني على أن الذبيح هو إسماعيل: أن الله قال: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] ووجه الدلالة هو أنه لا يعقل أن يبتلي الله إبراهيم بذبح إسحاق وقد أخبره بأن من ذرية إسحاق يكون يعقوب، فليس هناك معنى للابتلاء؛ لأن إبراهيم يعرف أنه لن يموت؛ لأن الله قال: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، فلن يأتي يعقوب إلا بحياة إسحاق.

    ويجاب عن هذا بأن العرب تكرر حرف الجر في نحو قولك: مررت بصالح ثم مررت بعده بخالد، ولا يستقيم أن تقول إذا أردت العطف: مررت بصالح ثم مررت بعده خالد.

    فالله هنا قال: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] فلو كان المقصود العطف -أي أنها بشارة واحدة -لكان لفظ الآية: (ومن وراء إسحاق بيعقوب)، فلما حذفت الباء دل حذفها على أن الآية منفكة، بمعنى أن البشارة كانت بإسحاق فقط، وأما جملة (ومن وراء إسحاق يعقوب)، فغير داخلة في البشارة.

    ومن المعلوم أنه لا يتعلق بمعرفة أحد الذبيحين عمل في حياتك اليومية، والذي أردته من إثارة القضية أن تعرف أولاً أنها مسألة خلاف، وأن كثيراً من العلماء قالوا بأنه إسحاق، وكثيراً منهم قالوا بأنه إسماعيل، والمهم أن تعرف أن لكل قوم دليلاً، وأشهر من قال من المفسرين أنه إسحاق ابن جرير أمام المفسرين، وأشهر من قال من المفسرين أنه إسماعيل الحافظ ابن كثير رحمه الله، والعلامة الشنقيطي رحمه الله ورحم الله جميع علماء المسلمين.

    1.   

    ذكر خبر عاد

    وقد ذكر الله بعد ذلك أخبار الأمم والرسل، ونقف إجمالاً مع قول الله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات:41] والريح العقيم هي التي لا تلقح شجراً ولا تثير سحاباً.

    قال تعالى: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ[الذاريات:42]، وهذا لا يعني العموم، فليس كل شيء أتت عليه جعلته كالرميم؛ لأن الله قال: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ[الأحقاف:25]، فأثبت وجود المساكن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم)

    ثم قال تعالى لنبيه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، فقول الله جل وعلا لنبيه: فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54] يشعر بأن الله أعذر نبيه في عدوة أولئك الناس.

    فهو لفظ يشعر بأن الأمور انتهت، فقد فعلت ما عليك، ودعوت وأنذرت وبلغت، (فتولّ عنهم) أي: اتركهم، فالمؤمنون الذين كانوا آنذاك أحياء، ونزلت هذه الآية وهم موجودون أخذوا ينتظرون العذاب على الكفار وانقطع الوحي؛ لأن الله أعذر نبيه وأمره أن يتولى فقال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، فلما أصابهم هذا الخوف أخبر الله أن الوحي ما زال مستمراً، فقال بعدها: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] يعني: لا تترك البلاغ، واستمر في تذكيرك، فهذا يدل على أن الوحي آنذاك غير منقطع، فأصبحت هذه الآية -كما قال علي رضي الله عنه وغيره- نوعاً من البشارة للمؤمنين.

    هذا ما تهيأ إيراده، وتيسر قوله حول هذه السورة، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم.