إسلام ويب

وإن عدتم عدناللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضمن الله تعالى سورة الإسراء آيات مليئة بزاد القلوب وبيان الحقائق العلمية والتاريخية، فقد ذكر تعالى في فاتحتها منته على نبينا صلى الله عليه وسلم بالإسراء بروحه وجسده إلى بيت المقدس في برهة من الليل، وذكر خبر بني إسرائيل في إفسادهم في الأرض وهلاكهم بعد ذلك، كما ذكر بعض أخبار يوم القيامة، وحقيقة أمر الروح، وغير ذلك من الحقائق العظيمة التي تؤصل توحيد الله في النفوس، وتعظم قدره في القلوب.

    1.   

    وقفات قرآنية في سورة الإسراء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلّ وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن -وهو خير كتبه- على خير نبي بعثه وأرسله، وهو نبينا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وإن من العتاق الأول والتلاد القديم الذي أنزل على نبي الهدى ورسول الرحمة صلوات الله وسلامه عليه سورة (الإسراء، والكهف، ومريم) كما جاء هذا التعبير على لسان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد قال رضي الله عنه لما ذكر سورة الإسراء والكهف ومريم: ( إنهن من العتاق الأول، وإنهن من تلادي) يقصد أنه أخذهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة صلوات الله وسلامه عليه.

    وسورة الإسراء تقوم أعظم غاياتها على شخصية نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد صدرها الله جل وعلا بقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ [الإسراء:1]، وختمها جل ذكره بقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء:111].

    وقد اشتهر عند العلماء أن هذه الآية الأخيرة من سورة الإسراء تسمى آية العز، كما أنها عند كثير منهم -بناءً على ما نقل مما يمكن قبوله من الإسرائيليات- أنها آخر آية في التوراة، كما أن المشهور عند العلماء أن أول آية في التوراة هي قول الله جل وعلا في فاتحة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].

    ولنا مع هذه السورة المباركة وقفات، فنرجو الله جل وعلا بلاغاً للحاضر والباد، ونفعاً للعباد وتقريباً إليه ودعوة نحو دينه تبارك وتعالى.

    حادثة الإسراء والمعراج

    أول تلك الوقفات فإن الله وعلا قد افتتحها بقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، فهذا حدثٌ وقع في ليلة من الليالي عبّر الله جل وعلا عنها بالتنكير، فقال سبحانه وتعالى: (ليلاً)، قال العلماء: إن التنكير هنا ورد لغرضين بلاغيين قال بكل واحد منهما فريق من أهل العلم:

    أما الفريق الأول فقد قالوا: إن الله جل وعلا نكّر كلمة (ليل) هنا لتدل على التقليل، فتكون الغاية من ذلك أن هذا الأمر الذي يقع عادة في شهور وليالٍ وأيام وقع في برهة من الليل، ولا يقدر على هذا إلا العلي الكبير جل جلاله.

    وقال آخرون: إن كلمة (ليل) نكرت هنا للتعظيم والتفخيم، والمراد: ليل وأي ليل؟ ليلٌ دنا فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى فقربه الله وناجاه، وأدناه وكلمه، وفرض عليه الصلوات الخمس، ودخل صلى الله عليه وسلم الجنة واطلع على النار صلوات الله وسلامه عليه.

    قال الله جل وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى [الإسراء:1]، والمجيء بالمفعول المطلق (سبحان) هنا يدل على أن ثمة أمراً عظيماً وقع لا يقدر عليه إلا رب العزة، فقد أسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام أول بيت وضع في الأرض إلى المسجد الأقصى البيت الثاني الذي وضع، وبينهما أربعون عاماً.

    وقول الله جل وعلا: الأقصى إشارة إلى هناك مسجداً سيكون بينهما، وقد وقع بعد الهجرة بناؤه صلى الله عليه وسلم لمسجده الشريف في مدينته صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد أسرى الله به ليلاً بعد أن غُسل قلبه وصدره، غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم، وهذا الغسل غسل حقيقي، حيث أخرج القلب من الصدر ووضع في طست فيه ماء زمزم، ثم غُسل وملئ إيماناً وحكمةً، ثم أعيد إلى مكانه، ثم أسري به على دابة يقال لها: (البراق) من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بيت المقدس، فربط صلى الله عليه وسلم البراق في الحلقة التي في باب المسجد التي يربط بها الأنبياء دوابهم صلوات الله وسلامه عليهم.

    وبيت المقدس أرض الأنبياء، ومع ذلك صلى إماماً؛ ليقول الله جل وعلا للخلق أجمعين ولنبينا في المقام الأول: إن هذا النبي -وإن كان آخر الأنبياء مبعثاً ودهراً وظهوراً- وهو أول الأنبياء وأعظمهم قدراً وأجلهم ذكراً، فصلى بهم صلى الله عليه وسلم في موطنهم في مكانهم في دارهم إماماً بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

    والفعل (سرى) لا يقال إلا لمن مشى وارتحل ومضى في الليل، والله تعالى قال: (ليلاً) للغرضين البلاغيين اللذين قدمناهما، وأحدهما على أن المراد به التقليل، والمقصود أن هذا الأمر لا يتم عادة إلا في الليالي والشهور والأيام، فتم في برهة من الليل، والآخر على أن المراد به التفخيم.

    علة الإسراء برسولنا صلى الله عليه وسلم

    وقد ذكر الله جل وعلا في صدر السورة العلة فقال جل ذكره: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، وهذه سنة الله في العظماء من الأنبياء، فقد قال الله جل وعلا في الخليل إبراهيم: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75] فالنبي إذا رأى الآيات عياناً، واستقرت في قلبه إيماناً كان أقدر على أن يبلغ عن الله رسالاته، وينصح له في برياته، ويتكلم عن الله وعن آياته على علم بين، وعلى المشاهدة مما أذن الله جل وعلا له بأن يطلعه عليه من الغيب، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أسري به إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به إلى السماوات السبع الطباق حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام بعد أن جاوز سدرة المنتهى صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله جل وعلا: (لنريه من آياتنا) من أعظم الحُجج -على قول جماهير العلماء من السلف والخلف- على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه ليلة المعراج؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لو كان رأى ربه -والآية في مساق الامتنان والثناء عليه- لكان التعبير برؤية الله أعظم من التعبير برؤية آياته جل وعلا، والله جل وعلا قال وقوله الحق: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جماً غفيراً من آيات الله، فرأى الجنة، واطلع على النار، ورأى سدرة المنتهى، ورأى خلقاً كثيراً يعذبون، وآخرين ينعمون، كلٌ بحسب عمله، وكان يسأل جبريل بين الفينة والفينة، ورأى أباه آدم وعن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فإذا نظر جهة اليمين ابتسم، وإذا نظر جهة الشمال بكى، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال هذا أبوك آدم والأسودة التي عن يمينه وشماله أرواح بنيه، فإذا نظر جهة اليمين رأى أهل الجنة فابتسم، وإذا نظر جهة الشمال رأى أهل النار فبكى، فعليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    والمسجد الحرام أول بيت وضع في الأرض، وقد جعل الله جل وعلا الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والمسجد الأقصى بني بعده بأربعين عاماً، والصلاة فيه بمائتين وخمسين صلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المسجد الأقصى: (لنعم المصلى هو، ولصلاةٌ في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه)، رواه الحاكم بسند صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

    فهذه رحلة الإسراء على وجه الإجمال، ذكرناها لأنها أولى الوقفات في هذه السورة.

    إكرام الله لنبيه بالإسراء بروحه وجسده

    والذي ينبغي أن تعلمه -أيها المؤمن- أن هذه الآية دليل صريح على إسراء الله جل وعلا بنبيه صلى الله عليه وسلم، وقول الله جل وعلا بـ(عبده) دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم أسري به جسداً وروحاً، ولم يكن رؤيا منام، ولو كان رؤيا منامية -كما سيأتي بيانه- لما تعجب منه الخلق، ولما كان في ذلك فتنة، ولا اختباراً ولا ابتلاء للناس، ولكنه إكرام من الله العلي الكبير لآخر الأنبياء حطنا من النبيين، ونحنُ حظه من الأمم صلوات الله وسلامه عليه.

    زانتك في الخلق العظيم شمائلٌ يغرى بهن ويولع الكرماءُ

    فإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماءُ

    يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمسُ والجوزاءُ

    يتساءلون وأنت أطهر هيكلٍ بالروح أم بالهيكلِ الإسراءُ؟

    بهما سموت مطهرين كلاهما روحٌ وريحانية وبهاءُ

    تغشى الغيوب من العوالمِ كلما طويت سماءٌ قُلدتك سماءُ

    أنت الذي نظم البرية دينهُ ماذا يقول وينظُم الشعراءُ

    المصلحون أصابعٌ جُمعت يداً هي أنت بل أنت اليدُ البيضاءُ

    صلى عليك الله ما صحب الدجى حادٍ وحنت بالفلا وجناءُ

    واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدنٍ آلك السُمحاءُ

    هذه هي الوقفة الأولى على وجه الإجمال كانت مع ما أخبر الله عنه من الإسراء بنبينا صلى الله عليه وسلم.

    علو بني إسرائيل وإفسادهم

    الوقفة الثانية: مع قول الله جل وعلا: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:4-8].

    إن الله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، والقيادة الروحية للعالم توارثتها أمم عبر التاريخ كله، وآخر الأمم التي حملت القيادة الروحية بنو إسرائيل أتباع الملة اليهودية، ثم أورث الله جل وعلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم قيادة العالم روحياً -أي: ديناً وإيماناً- ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ووجه الارتباط بين قوله جل وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، وقوله جل وعلا: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4] أن الله جل وعلا يخبر أمة اليهود على وجه الخصوص، وكل من يقرأ القرآن على وجه العموم بأن الله جل وعلا بعث نبياً أمياً جعله وجعل أمته قادة للعالم؛ لأن خليل الله جل وعلا الذي لم تبقَ أمة إلا انتسبت إليه وتشرفت به قال الله تعالى عنه: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67]. وجمع الله له أرضين مباركتين، فوفاته كانت في أرض المقدس، وهو الذي بنى الكعبة، وأورث الله جل وعلا هذه الأمة أن بعث نبيها من مكة، ثم أسرى به إلى المسجد الأقصى ليأخذ إرث إبراهيم في المسجد الأقصى كما أخذ إرث إبراهيم مولداً في مكة، وليأخذ ما بينهما، فكانت هجرته ووفاته صلى الله عليه وسلم في مدينته عليه الصلاة والسلام، فحاز عليه الصلاة والسلام المجد كله من جميع أطرافه الثلاثة.

    وقد اختلف العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً سلفاً وخلفاً مفسرين وغير مفسرين فيما قاله الله جل وعلا في هذه الآيات، فالله تبارك وتعالى أخبر هنا: أن هناك علوين لبني إسرائيل وإفسادين، ويتبعها قهر ودحر مرتين، فقال جل ذكره: وإن عدتم عدنا وسأنقل أقوال العلماء إجمالاً، وبذلك نكتفي؛ لأننا لا نستطيع أن نرجح؛ لأن المسألة ليست بذات البيان الصحيح الصريح الواضح الذي نقدر على أن نرجّح فيه؛ لأنها لو كانت واضحة صريحة صحيحة بينة لما اختلف الناس من قبل فيها مع الاتفاق على أن هناك إفسادين لليهود، ودحراً لهم مرتين.

    فقد قال فريق من العلماء -وعليه أكثر من فسر القرآن من السابقين-: إن كلا الإفسادين تم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فعند هؤلاء أن قول الله جل وعلا وإن عدتم عدنا معناه أنهم أفسدوا في الأول، فسلط الله عليهم، ثم علوا وأفسدوا فسلط الله عليهم، ثم جعل الله منهم أنبياء كموسى وعيسى ويوشع بن نون، ثم إنهم بعد ذلك عادوا للإفساد، فسلط الله جل وعلا عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأجلاهم النبي عن المدينة، ثم أجلاهم عمر رضي الله عن من أرض تيماء.

    وقالوا: إنهم عادوا للإفساد في هذا العصر، فسلط الله جل وعلا عليهم النازي (أدولف هتلر ) القائد الألماني المعروف، فحرقهم وأبادهم وأكثر القتل والتحريق فيهم، قالوا: هذا مصداقٌ لقول الله جل وعلا: وإن عدتم عدنا أي: إن عدتم للإفساد عاد الله جل وعلا لتسليط خلقه عليك.

    وقال آخرون: إن الإفساد الأول تم في أيام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقهرهم الله على يد (بختنصر ).

    والإفساد الثاني: ما هو حاصل اليوم في أرض بيت المقدس.

    وإن هلاكهم مرة أخرى سيكون على يد المسلمين، قريباً كان أو بعيداً عاجلاً أو آجلاً، فعلى يديهم يكون قهر اليهود وإخراجهم من بيت المقدس، كما قال الله جل وعلا: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:7]، ويرد على هذا التأويل إشكالان:

    الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال عنهم: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء:5] و(بختنصر ) لم يكن مسلماً حتى يقال فيه: إنه من عباد الله، أي: الطائعين.

    والإشكال الثاني: كيف يفسر قول الله جل وعلا: وإن عدتم عدنا ؛ لأننا إذا قلنا إن إخراجهم مرتبط بخروج المهدي وقيام الساعة فإنه لا يصبح هناك أمل في أن يعودوا للإفساد بعد الإفسادين العظيمين اللذين أخبر الله عنهما.

    وقال آخرون: إن كلا الإفسادين والظهور لبني إسرائيل لم يقعا بعد، وإن هذا الذي نحنُ فيه من احتلال اليهود اليوم لأرض المقدس هو الإفساد الأول، ثم يقدر الله للمؤمنين إخراجهم منها، ولكنهم لا يخرجون إلا من الضفة الغربية فقط، ويعودون إلى تل أبيب، ثم يعودون مرة أخرى بنصرة الغرب لهم فيفسدون في الأرض ويخرجون المسلمين، ثم يقع مرة أخرى علو المسلمين عليهم فيكون إخراجهم من المسجد الأقصى؛ لقوله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء:5-6]، إلى أن قال: .. وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7].

    وقال آخرون بالتوقف، وهذا هو الأظهر، ويؤيده أن الله جل وعلا قال في آخر السورة: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]، وقد كان السابقون من المفسرين يقولون: (اسكنوا الأرض) أي: مصر وبلاد الشام، وهذا عندي بعيد؛ لأن الله قال: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]، ومن تأمل تاريخ اليهود يعلم أنهم كانوا قبل أن يجتمعوا في إسرائيل عام (1948) من الميلاد، كانوا متفرقين في أنحاء الأرض، فلما أقيمت دولة إسرائيل زحفوا من كل بقاع الدنيا، حتى إنه من اليمن وحدها خرج أربعة آلاف يهودي، وخرج من يهود الفلاشا من أرض الحبشة ومن يهود الدونمة من أرض الروس وغير ذلك من أصقاع الأرض عدد كثير، مصداقاً لقوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104].

    وقد قلت: إن كل قول يدخل عليه إشكال فنرى التوقف في الآيات، ولكن الله جل وعلا مُظهر دينه، ومبلغ رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد كتب الله لنبيه التمكين وزوى له الأرض، وسيبلغ ملك أمته ما زوى الله جل وعلا لنبينا صلى الله عليه وسلم منها.

    الدعوة إلى العفاف والنهي عن الاقتراب من الفواحش

    الوقفة الثالثة: مع قول تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32].

    هذه الآية ذكرها الله في جملة آداب خاطب الله جل وعلا بها في أول الأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، والله تبارك وتعالى كما بيّن للمؤمنين علاقتهم مع غيرهم من الأمم، بيّن لهم العلاقة بينهم في المجتمع المسلم على ما ينبغي أن تكون عليه، وأعظم ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم العفاف والحياء، ولقد جاء الدين كله بالعفاف والحياء، وبيان عظيم هذا الأمر عند الرب تبارك وتعالى، فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)، وهذا تحذير للمؤمنين من رب العالمين على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، والله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالضد فيقول: (ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر .

    فهذه كلها آثار تبين أنه ينبغي على المسلم أن يتحلى بالعفاف والحياء، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم السبعة المقربين تحت ظل العرش فقال عن أحدهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله).

    فأعراض المؤمنات من أعظم ما حرمه الرب تبارك وتعالى، ولقد ساعدت الآلة المعاصرة على التصوير الفوتوغرافي والثابت والمرسل والمبعوث عن طريق أجهزة الجوال وغيرها، فيتسلط المسلم على مؤمن أو على مؤمنة، وعلى غلام أو على فتاة، أو على بيت مستور، أو على امرأة في دارها أو خارج دارها فيصورها فيجمع السقطاء من أصحابه والسفهاء من أقرانه ثم يعرض عليهم ما رآه، يفتخر بذلك ويبعثه إلى زيد وإلى عمر، وينسى هؤلاء قدرة الرب تبارك وتعالى عليهم، وأن الله جل وعلا يقول يوم القيامة: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] ويقول تبارك وتعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:24]، وينسى أمثال هؤلاء أنه ما من أحد إلا وسيوسد التراب وتُحل عنه أربطة الكفن وسيسأله الملكان، ثم يبعث، وقد جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه عند البخاري وغيره: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان، فيلتفت أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، ويلتفت أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه)، ومن علم ذلك حفظ على نفسه الدين وخشي الله جل وعلا في أعراض المؤمنات وإعراض المؤمنين، وعلم أن الرب تبارك وتعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] مع أن الآية آية مكية، ولكن الزنى وقتل النفس بغير حق والشرك بالله اتفقت جميع الشرائع على تحريم كل منها، فما من نبي إلا وحرم على أمته الشرك بالله، وحرم عليها قتل النفس بغير حق، وحرم عليها الزنا، فهذه الثلاث مما اتفقت عليه كلمة الأنبياء والمرسلين، وقد قيل:

    إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تمر على سلمى وواديها

    والمؤمن الحق يتقي الله جل وعلا ويعمل بمحكم القرآن، وبمواعظ نبينا صلى الله عليه وسلم، ويحذر من أن يتعرض للمؤمنين والمؤمنات، ويتذكر وقوفه بين يدي الله، وقد ينزع الله عنه الستر، وينزع الله عنه الحفظ وينزع الله جل وعلا عنه الكلأ، فيفضحه الله تبارك وتعالى على رءوس الأشهاد، وإن لم يكن ذلك في الدنيا فضحه الرب تبارك وتعالى في الآخرة، فيرى في قبره ما يتمنى معه أنه يعود إلى الدنيا حتى يتحلل من إيذاء المؤمنين والمؤمنات والتعرض لأعراضهن، والخوض في الحديث عنهن، عافانا الله وإياكم من ذلك.

    التحذير من القول على الله بغير علم

    ومن جملة ما أدب الله جل وعلا به نبيه وأرشد إليه خلقه في هذه السورة المباركة قوله جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    إن كون الإنسان يعطى حظاً من علم دلالة على توفيق الرب تبارك وتعالى له، ولكن الله يخاطب في هذه الآية أعلم الخلق بالله -نبينا صلى الله عليه وسلم- فيقول له: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] وإن من أعظم الكذب: أن يكذب الإنسان ويفتري على الرب تبارك وتعالى، ومن رزق العلم الحق رزق الخشية، ومن رزق الخشية خاف أن يقول على الله ما ليس به علم.

    فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا

    فإن أوتيت فيه طويل باعٍ وقال الناس إنك قد رؤستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ علمت فهل عملتا؟

    ذكر الناس أن العرب في جاهليتهم كانوا يعمدون إلى رجل يقال له: عامر بن الضرب العدواني يحتكمون إليه في جاهليتهم إذا اختلفوا، فجاءه مرةً وفد من إحدى القبائل، فقالوا: يا عامر ! وجد بيننا شخصاً له آلتان: آلة الرجل وآلة الأنثى، ونريد أن نورثه، فهل نحكم له على أنه أنثى أو نحكم على أنه ذكر؟

    فمكث هذا الرجل المشرك أربعين يوماً لا يدري ما يصنع بهم، وكانت له جاريه ترعى له الغنم يقال لها: سخيلة ، فقالت له في اليوم الأربعين: يا عامر ! قد أكل الضيوف غنمك ولم يبقَ لك إلا اليسير، أخبرني. فقال: مالكِ ولهذا، انصرفي لرعي الغنم، فأصرت عليه، فلما أصرت عليه الجارية أخبرها بالسؤال وقال لها: ما نزل بي مثلها نازلة، فقالت له تلك الجارية التي ترعى الغنم: يا عامر ! أين أنت؟ أتبع الحكم المبال. أي: إن كان يبول من آلة الذكر فاحكم عليه بأنه ذكر، وإن كان يبول من آلة الأنثى فاحكم عليه بأنه أنثى. فقال: فرجتها عني يا سخيلة . وأخبر الناس.

    قال الإمام الأوزاعي رحمه الله معقباً على هذه القصة: هذا رجل مشرك لا يرجو جنة ولا يخاف من نار ولا يعبد الله، ويتوقف في مسألة أربعين يوماً حتى يفتي فيها، فكيف بمن يرجوا الجنة ويخاف النار؟! فينبغي عليه أن يتحرى إذا صُدِّر للإفتاء، ولقد أدركنا شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت عندنا أنه جاءه وفد من الكويت يسألونه عن مسائل شرعية، والرجل في آخر أيام حياته، ولو قال قائل: إنه ليس على وجه الأرض آنذاك أحد أعلم منه لما ابتعد عن الصواب، ومع ذلك لما سألوه قال: لا أدري لا أدري لا أدري، فلما أكثروا عليه غَيَّر هيئة جلسته ثم قال: أجيب فيها بكتاب الله، فانتظر الناس الجواب، فقال -رحمه الله وغفر الله له-: أقول كما قال الله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، فلما أكثروا عليه رحمه الله قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، أما أنا فلا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً، لا أدري، قال هذا وهو هو في منزلته وعلمه.

    والمقصود أن في هذا موعظة لكل من صدره الله، فلا يغتر بكثرة حضور الناس له، ولا يجب عليك أن تُجيب إن كنت لا تعلم، ولقد قالت الملائكة عند ربها: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32].

    ومن دلائل الخشية والتقوى: أن لا يقترب الإنسان من هذه الحُجز، وأن يقف عند ما أوقفه الله جل وعلا عليه، فلا يقول على عينه ما لم ترَ، ولا يقول على سمعه ما لم يسمع، ولا يتحدث على لسانه ما لم يقل، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    فتنة الكافرين برؤية بيت المقدس والشجرة الملعونة

    وومما سنقف عنده في هذه الآيات الكريمات قول الرب تبارك وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60].

    (الناس) عام أريد به الخصوص، والمراد به -على الصحيح- كفار قريش، والمقصود أن الله متمكن قادر عليهم، ومعلوم أن الله قادر عليهم وعلى غيرهم، ولكن المخاطبة بالآيات لكفار مكة.

    قال جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60] ومعنى الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس فأين الفتنة في الرؤيا؟ وأين الفتنة في الشجرة الملعونة؟

    الفتنة في الرؤيا هي: أن كفار قريش يؤمنون بعقولهم، ولا يؤمنون -كما يؤمن أهل الإيمان- بقلوبهم، فالفتنة أن الغدو والرواح من مكة إلى بيت المقدس يحتاج إلى أربعة أشهر، فإذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: إنه وقع في برهة من الليل فهذا بالعقل لا يقبل، ولكنه يقبل بالقلب إذا كان المرء مؤمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يقول على ربه الكذب، وكفار قريش لم يؤمنوا ففتنوا بهذه الرؤيا.

    أما سادات المؤمنين -كـالصديق رضي الله عنه وأرضاه- فقد قالوا: نصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فكيف لا نصدقه بأنه غدا وراح إلى بيت المقدس في برهة من الليل؟!

    وهنا تأتي قضيه مهمة، وهي أن المؤمن يعلم أن ما أخبر به الله وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق، فنؤمن بكلام الله على مراد الله، ونؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ذكر الأفذاذ -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- فقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].

    والمؤمن الحق يعلم أنه لو لم يقدر على أن يفقه ذلك بعقله فإنه ما دام قد ثبت عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقد وجب قبوله وترك ما يرده عقله بالكلية، فالعقل مكتشف للدليل وليس منشئاً له، فهذه هي الفتنة في الرؤيا.

    وأما الفتنة في الشجرة فإن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم، والفتنة فيها أن العرب وغيرهم من الأمم يعلمون أنه لا يجتمع خضرة مع نار، والله يقول عن هذه الشجرة: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64] ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول لكفار قريش ما أخبره الله به: إن هذه الشجرة تنبت في أصل النار، فقال بعضهم لبعض متهكماً: ما يخبرنا به محمد جنون، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم؟! ونسي هؤلاء ومن تبعهم أن الله جل وعلا خلق الأسباب ومسبباتها.

    فالنار جعلها الله جل وعلا ذات قدرة على الإحراق، فالله أعطاها القدرة على أن تحرق البشرة والجلود وغيرها، فلما أراد الله إكرام خليله إبراهيم ووضع عرياناً صلوات الله وسلامه عليه في النار، أمر الله النار -وهو ربها وخالقها-: بأن تسلب عنها خاصيتها التي أعطاها -وهي الإحراق- فناداها ربها وهو أعلم: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فالنار التي جرت السنن على بأنها تحرق لم تحرق؛ لأن الله جل وعلا سلبها تلك الخاصية، والشجرة لم يعطها الله في الدنيا خاصية أن تحيا في النار، فهذه الخاصية يعطيها الله جل وعلا في نار جهنم لشجرة الزقوم فتنبت، وهي طعام أهل النار، عياذاً بالله، فهذا كله بقدرة الرب تبارك وتعالى.

    قدرة الله تعالى على خلق النقيضين والجمع بينهما

    ونحن نسلم بأن قدرة الله أعظم من هذا كله، بل إن الله قادر على أن يخلق النقيضين، بل إنه جل وعلا يجمع بين النقيضين في وقت واحد، فقد قال الله عن أصحاب الكهف: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ .. [الكهف:19] فلو كانوا هؤلاء الفتية رأوا على أنفسهم تغيراً في الخلقة -بأن طالت أشعارهم، وأظفارهم، واحدودبت ظهورهم، وخطهم الشيب- لما قالوا: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) لكن الله جل وعلا أوقف الزمان الذي يجري علينا عن أصحاب الكهف فلم تجرِ عليهم أحكام الزمان، فلم تحدودب لهم ظهور، ولم يطل لهم شعر، ولم تنم لهم أظفار، ولم يخطهم الشيب، ولم يتغير منهم شيء، فهذا وقع من غير جمع للنقيضين.

    وأما النقيضان فقد جمعهما الله جل وعلا في قصة الرجل الذي قال عنه: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] فأين الجمع بين النقيضين؟

    إن الجمع بين النقيضين أن الله في مكان واحد أجرى الزمان على شيء ولم يجره على شيء آخر، فالحمار أجرى الله عليه أحكام الزمان فمات وأصبح عظاماً نخرة، والطعام لم يُجرِ عليه أحكام الزمان، فمكث الطعام مائة عام لم يفسد ولم يتغير منه شيء، ثم بعثه الله فشاهد بعينيه أحكام الله تجري على شيء ولا تجري على شيء آخر، وهذا كله بقدرة الرب تبارك وتعالى، والحكمة وراء ذلك كله بيان: أنه لا يقدر على هذا الصنيع إلا الله، فلا يمكن لأحد مهما بلغت قوته، وعظمت سطوته، وجل سلطانه أن يقدر على أن يصنع هذا الشيء أبداً، فهذا من خصائص الله التي جعلت ذلك العبد يقول لما رأى الآية بأم عينيه في طعام له مائة عام لم يفسد وحمار أصبح عظاماً نخرة: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] ومن علم أن الله على كل شيء قدير فإنه إذا ذكر بآيات الله يخاف، ولذلك قال الله مختتماً آية سورة الإسراء: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59].

    فلنأخذ خسوف القمر مثلاً، فإن القمر يخسف فيراه أقوام فيتعجبون ويمضون، ويراه أقوام ربما كانوا يلعبون الورق، فتارة ينظرون إلى القمر وتارة يكملون ما هم فيه من اللهو، ويراه رجل مشغول بالبحوث العلمية، فيدون ذلك الخسوف يومه وليلته ونهاره وساعته ودخوله وابتداءه ونهايته، ويراه رجل لا يدري ما خسوف القمر.

    ويراه مؤمن -جعلنا الله وإياكم مثله- فيتذكر فيه سطوة الجبار جل جلاله، فيخشى الله ويخافه وتتسابق خطواته إلى المسجد يفزع إلى الله جل وعلا ويتذكر قول الله: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، وقول الله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60].

    فإذا أردت أن تعرف أين مقامك عند الله فانظر كيف حالك عند آياته، فإذا كانت آيات الله التي يجريها في الكون لا تزيدك إلا عبثاً ولهواً وطغياناً وفساداً فأنت بعيد عن الله.

    وإن كانت آيات الله التي تراها في نفسك أو في الكون أو تسمع بها أو تشاهدها أو تقرأ عنها لا تزيدك إلا خوفاً وفرقاً ووجلاً من رب العزة والجلال؛ فإنك على حظ عظيم من الدنو من الله.

    فالرسول الخاتم الذي جعله الله جل وعلا أمنةً لأمته كان إذا رأى تكاثر الغيم أخذ -صلى الله عليه وسلم- يغدو ويروح خوفاً من أن يكون عذاباً وسخطاً، فتتغير أسارير وجهه حتى يكشف عنه ويقول: (يا عائشة ! وما يدريني أنه عذاب)، مع أن الله جل وعلا يقول له: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]، فصلوات الله وسلامه عليه.

    والغاية من هذا أن يعلم العبد أن القلوب أوعية، ولا تنشغل إلا بما ملئت به، فقلوب ملئت بحب النساء، وقلوب ملئت بحب الغناء، وقلوب ملئت بحب الغلمان، وقلوب ملئت بحب الأسفار، وقلوب ملئت بحب الريال والدولار، وقلوب ملئت بغير ذلك، وقلوب مؤمنة صادقة ملئت بحب الله جل وعلا، فكل ما تراه يذكرها بالله جل وعلا، فتحبه وتجله وترجوه وتخافه سبحانه وبحمده، قال الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

    اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرب إلى حبك، اللهم إنا نعوذ بك من أن نعدل بحبك أحداً كائناً من كان.

    والمقصود والغاية أن العبد إذا أحب الله يفقه كلام الرب جل وعلا، فإذا قال الله: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، وإذا قال الله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60] جعله حبه لله يلجأ إلى الله ويخافه ويخشاه ويرجوه، ويبتعد عن معاصيه، ويستغفر الله دائماً وأبداً؛ لأنه لن يخلو أحد من معاص، ولن يسلم أحد من ذنوب، وإلا لما شرع الله تبارك وتعالى أن يستغفره عباده ويخافوه

    دعوة كل أناس بإمامهم يوم القيامة

    ثم نقف عند قوله سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71].

    اتفق المفسرون على أن هذه الآية المقصود بها يوم القيامة، ولكنهم اختلفوا في معنى قوله جل وعلا: (بإمامهم) على أقوال ثلاثة مشهورة، وقول غير مشهور.

    أما الثلاثة المشهورة فإن من العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) أي: بكتابهم، ثم اختلفوا في المقصود بالكتاب، فمنهم من قال: الكتاب الذي أنزل على نبي تلك الأمة، فيقال للمسلمين: يا أهل القرآن، ويقال لليهود: يا أهل التوراة، ويقال للنصارى: يا أهل الإنجيل.

    وقال آخرون: المقصود الكتاب، ولكن لكل إنسان كتاب بنفسه، وحجة هؤلاء قوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] فسمى الله جل وعلا الكتاب إماماً، وحجة الأولين قول الله جل وعلا: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17]، فوصف الله جل وعلا كتاب موسى -وهو التوراة- بأنه إمام.

    القول الثاني: أن المقصود بـ(إمام) هنا العمل، فقالوا: إن المعنى: ينادى كل إنسان بعمله، فيقال: أين الصابرون على المقدور؟ أين الممتنعون من المحذور؟ أين أهل الصلوات؟ أين أهل كذا؟

    وقالت طائفة: المقصود بكلمة (إمام) القدوة، فيقال: أين أتباع موسى؟ أين أتباع عيسى؟ أين أتباع نوح؟ أين أتباع محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    وذهب محمد بن كعب القرظي

    رضي الله عنه ورحمه إلى قول غير ذلك، وهو أحد سادات التابعين، وأصله يهودي، فقد كان أبوه كعب ممن لم ينبت يوم بني قريظة فسلم من القتل، ثم أسلم وتزوج وأنجب محمداً هذا، وهو من أئمة التفسير رحمه الله تعالى.

    ومما يروى عنه من جميل خصاله: أنه رزق مالاً وفيراً، فقيل له ادخر هذا المال لولدك، فقال: بل ادخر هذا المال لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي.

    فـمحمد بن كعب رضي الله عنه قال في تفسير هذه الآية: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]: المقصود: يوم ندعو كل أناس بأمهاتهم، فلا يقال: فلان ابن فلان، وإنما يقال فلان ابن فلانة.

    وقال: إن الحكمة من وراء ذلك إظهار شرف عيسى ابن مريم أولاً، والأمر الثاني: الستر على أولاد الإثم.

    قال القرطبي رحمه الله: في هذا القول نظر، وقال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: هذا قول باطل، واحتج عليه بحديث ابن عمر مرفوعاً أنه (يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان).

    ونرى -والله اعلم- أن القول مقبول، ولا يقال في حقه: باطل، بل هو مقبول إلى حد ما، والأقوال الأخرى أرجح، والمفسرون مجمعون على أن المقصود من الآيات، ذكر أهوال يوم القيامة، وأن أخذ الصحائف بالأيمان أو بالشمال من أهوال وكرب يوم القيامة التي منها الميزان والصراط والدنو من الحوض أو البعد عنه والاستظلال بظل العرش أو النأي عنه، وكل ذلك من أهوال يوم القيامة أجارنا الله وإياكم منها.

    الروح وتعلقها بالجسد

    يقول الله جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    هذه الآية المشهور عند العلماء أنها مدنية، وقد جاء فيها أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر عليه ملأ من يهود فقال بعضهم: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم سألوه، فقالوا: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود : فعلمت أنه يوحى إليه، ثم تلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]) ولا ريب في أن أهل علم الحديث وأهل الفلسفة ومن تكلم في أمور عدة وتصدر لعظيم الفنون قد عجزوا عن مسألة الروح، وحق لهم أن يعجزوا، وأنى لهم أن يدركوا ذلك، والله يقول: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]؟!

    وسنتكلم عنها إجمالاً وفق ما جاء في الكتاب والسنة، فالروح خلق من خلق الله، ينفخ في جسد ابن آدم وهو جنين في بطن أمه فتدب فيه الحياة، فهذا أول تعلق الروح بالجسد، ثم يكون تعلق آخر، وهو الثاني بعد الولادة، ثم تعلق ثالث حال حياة البرزخ، ثم تعلق رابع -وهو أكملها وأتمها- بعد البعث والنشور؛ إذ لا فراق بعده.

    هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع

    هبطت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات تفجع

    هذا قول فلسفي لـابن سينا يصح في أوله، وهو فاسد في آخره.

    والذي يعنينا أن هذه أنواع التعلق الأربعة للروح بالجسم، ولكن الميت -وإن فارقت روحه جسده، وهذا حقيقة الموت- تتصل به اتصالاً لا نعلم كنهه، كما دلت السنة عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنه يسمع قرع النعال)، وأخبر بأن الجنازة إذا كانت صالحة تقول لأصحابها الذين يحملونها: قدموني قدموني، وإذا كانت غير ذلك تقول يا ويلها، أين تذهبون بها؟! والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب قتلى بدر من أهل الإشراك، وقال لـعمر : (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فهذا كله نوع من التعلق.

    والميت -وإن كان ميتاً في قبره- ينتفع ببعض الأعمال التي يصنعها من يحبه له في الدنيا، وأعظمها الدعاء والحج والعمرة والصدقة، فهذه الأربع ثابتة، ومثلها الصدقة الجارية، وبقية الأمور فيها خلاف بين العلماء، وقد ذكروا أن رجلاً كان بينه وبين بيته والمسجد مقبرة، فإذا مر على الطريق يمر على المقبرة فيدعوا لهم قائلاً: (اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم) يصنع هذا كل ليلة، وفي ذات ليلة قُدر له أن ينساهم، فلما نام رأى في منامه رجالاً يلبسون ثياب بيضاً، فقال من أنتم يرحمكم الله؟ قالوا: نحنُ أصحاب هذه المقبرة التي بجوارك، كان الله يفرج عنا كل ليله بدعائك، فلما تركتنا هذه الليلة لم يأتنا من فرج الله شيء.

    ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته زيارة القبور لغرضين شرعيين: الاتعاظ بحالهم، ونفعهم بالدعاء لهم لا بالانتفاع منهم، فإنهم لا يملكون لأنفسهم -فضلاً عن غيرهم- حولاً ولا طولاً ولا حياةً ولا بعثاً ولا نشوراً.

    القرآن المعجزة الكبرى

    الوقفة الأخيرة مع قول الله جل وعلا وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء:106]، هذا القرآن معجزة نبينا الكبرى صلوات الله وسلامه عليه.

    الذكر آية ربك الكبرى التي فيها لباغي المعجزات غناءُ

    أنزله الله جل وعلا على خير خلقه صلى الله عليه وسلم منجماً على ثلاثة وعشرين عاماً، وأخبر الله أنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال الصلد، والحجارة الصماء لتشققت من خشية الرب تبارك وتعالى، ولما تسمع من إنزال الذكر عليها.

    1.   

    وقفة مع الزهراوين

    وسنقف هنا مع سورتين قال عنهما صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما فرقان من طير صواف أو غمامتان أو غايتان يحاجان عن أصحابها)، وقد اختلف العلماء في سبب تسمية هاتين السورتين بالزهراوين على ثلاثة أقوال:

    فقال بعض العلماء: إنما سميتا بالزهراوين لما يزهر للمؤمن عند تلاوتهما من معانيهما ونور قراءتهما.

    وقال آخرون: لأنه يرزق الإنسان بهما النور التام يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون في الدنيا تقدمهم البقرة وآل عمران).

    وقال آخرون: إنما سميتا بالزهراوين لأنهما اشتملتا على اسم الله الأعظم، فقد قال صلى الله عليه وسلم -كما اخرج أبو داود وابن ماجة من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن بسند حسن-: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163] والتي في آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2]).

    ونقول وفق قواعد التفسير: يصح أن يقال: إنما سميتا بالزهراوين لهذه الثلاثة الأقوال كلها؛ لأنه لا تعارض بينها، وقد تضمنت سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله، وهي آية الكرسي، وختمت سورة البقرة بآيتين قال عنهما صلى الله عليه وسلم: (من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وختمت سورة آل عمران بقول الله جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190].

    وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما أنه نام عند خالته ميمونة أخت أم الفضل ، وأم الفضل أم ابن عباس ، فـميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم خالة ابن عباس ، فنام عندها وهو صبي، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل، فأول ما بدأ به عليه الصلاة والسلام أنه مسح النوم عن عينيه، ثم تلا العشر الأواخر من آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] حتى ختمها صلوات الله وسلامه عليه، ثم قام إلى شنٍ معلق فتوضأ ثم فصلى وابن عباس يرقبه رضي الله عنهما وأرضاه.

    فهذا -أيها المؤمن- بعض ليل نبيك صلى الله عليه وسلم، فلينظر أحدنا كيف يقضي ليله، سترنا الله علينا وعليكم في الدنيا والآخرة، ووفقنا الله وإياكم لاتباع سنة نبيه.

    نقول: العشر الأواخر من سورة آل عمران كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يفرك النوم عن عينيه ثم يتلوها ثم يصلي، وفي سورة البقرة ذكر الله جل وعلا آية الكرسي، وفي سورة آل عمران ذكر الله جل وعلا آية عظيمه جليلة قال فيها: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:26-27]، وهذا كمثل ذكرناه، وإلا فالقرآن كله تجب قراءته، وفيه من الفضل ما لا يخفى على أحد.

    ولقد قال محمد بن إبراهيم التيمي رحمه الله: من لم يبكه القرآن وقد أوتي علماً فخليقٌ أن لا يكون قد أوتي علماً، ثم تلا: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:108-109].

    فهي من أعظم الآيات التي ترقق القلوب، وتدل على الرب تبارك وتعالى، وإن من تعظيم القرآن الذي قال الله تعالى فيه: فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [الإسراء:106] أن يؤمن الإنسان بمحكمه ومتشابهه، ويعمل بمحكمه ويخضع لأوامره ويجتنب نواهيه، ويتذكر قول الله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115].

    هذه وقفات منّ الله علينا بطرحها بين أيديكم حول سورة الإسراء، وكتاب الله جل وعلا أعظم وأجل من أن يستنبطه منه فرد أو شخص كائناً من كان، وإنما فيه من الغُرر والدرر ما لم نحط به علما، وفيه ما أحطنا به علماً ولكن لا يتسع الدرس لقوله، وفيه من وراء ذلك ما اختص الله جل وعلا بعلمه.

    والله المستعان وعليه البلاغ، ونسأل الله القبول، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.