إسلام ويب

الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهمللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الوجل والخوف من الله علام الغيوب منزلة عظيمة لطالما سمت إليها نفوس الصالحين من عباده، فيها يعظم قدر العبد عند ربه وترتفع درجته وتعلو منزلته، ولا يتم للعبد حقيقة الوجل إلا بمعرفة الله تعالى، ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، واقتفاء آثار السلف من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ورجاء تحقق وعد الله بورود حوض نبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    اعتراف بالنعمة وثناء على المنعم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وسع كل شيء رحمة وعلماً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفي أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن وجل القلوب من علام الغيوب منزلة عالية، ومطلب رفيع طالما سأله الصالحون ربهم جل وعلا، وقد جعل الله جل وعلا الوجل منه قرينة من أعظم قرائن الإيمان الحق، كما جعله تبارك وتعالى خصلة أعطاها لأئمة الدين وسادة الخلق، فقال صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة المكرمين في ظلال عرش رب العالمين: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) فسبحانك ربنا وبحمدك كيف لا نقدسك، ولا نسبح بحمدك، ولا نرجوك ونحن نعلم أنك أنت الله لا إله إلا أنت أهل الحمد والمجد والثناء، لا رب غيرك، فاطر الأرض والسماء؟! سبحانك ربنا وبحمدك كيف لانحبك ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو أوجدتنا من العدم، وربيتنا بالنعم، واسبغت علينا من فضلك وعطائك، وأعطيتنا من كرمك وسخائك؟! سبحانك اللهم ربنا وبحمدك كيف لا نعبدك وحدك ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو ولا رب غيره ولا إله سواه، ولا شريك معه؟! سبحانك ربنا وبحمدك كيف لا نفزع إليك في الملمات ونرغب إليك في النائبات ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو وسع سمعك الأصوات، وقهرت جميع المخلوقات، ما من نعمة إلا وأنت وليها، وما من نقمة إلا وأنت القادر على دفعها؟! سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، كيف لا توجل قلوبنا عند ذكر اسمك ونحن أعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو الحي حين لا حي، ليس لك سمي ربنا وخالقنا ورازقنا ورب كل شيء؟!

    يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] جعلني الله وإياكم أجمعين برحمته منهم، وأعاذنا الله من أن نتكل على أعمالنا أو أقوالنا أو سرائرنا طرفة عين، وأحالنا الله وإياكم إلى رحمته وعفوه وكرم ورضوانه؛ إن ربي لسميع الدعاء.

    1.   

    الوجل من علام الغيوب

    تحقيق معرفة الله تعالى

    إن الوجل من علام الغيوب لابد له من أمور أربعه: معرفة الله، ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون هناك سلف نقتفي آثارهم ونتبع هديهم، وأن يكون هناك وعد نرجوه ونأمل أن يحققه الله جل وعلا لنا، وسنحاول في هذا الدرس أن نعرِّج على شيء من هذا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

    وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سئلتا

    وناد إذا سجدت به اعترافاً بما ناداه ذو النون ابن متى

    وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    أما أول ذلك فإن الإنسان ما قدر له أن ينعم بشيء كما ينعم بأن يعرف ربه تبارك وتعالى، فإن الله نعى على أهل الكفر أنهم لم يعرفوا قدره فقال الله جل وعلا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، ولا أحد أعلم بالله من الله، والقرآن هو كلام الله، فمن أراد العلم بالله فليتدبر هذا الكتاب العظيم الذي بين أيدينا.

    ذكر بعض ما نعت الله تعالى به نفسه

    وإن من الآيات التي نعت الله بها ذاته العلية قوله جل ذكره في سورة الأعراف: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] .

    فبين جل وعلا فيها أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فبدأ جل وعلا بخلق الأرض أولاً في يومين، ثم استوى إلى السماء وهى دخان فسواها في يومين، ثم أكمل خلق الأرض جل وعلا، قال سبحانه: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30] ولم يقل: (خلقها) لأنه سبق أن خلقها من قبل، كما بين جل وعلا ذلك في سورة فصلت، فخلق ذلك جل وعلا في ستة أيام ليعلِّم خلقه الأناة، وإلا فهو تبارك وتعالى قادر على الخلق بقوله سبحانه: (كن) فيكون.

    ثم قال جل ذكره: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] والفعل (استوى) في القرآن جاء على ثلاثة أنماط: جاء متعدياً بحرف الجر (إلى)، ومعناه الانصراف إلى الشيء، قال سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت:11] وهذا بعد أن خلق الأرض أولاً في يومين.

    وجاء غير متعد، وهذا معناه النضج والكمال والتمام، قال الله جل وعلا عن كليمه موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [القصص:14].

    وجاء متعدياً بحرف الجر (على) والمقصود منه العلو، قال جل وعلا: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف:13] أي: إذا علوتم، وهنا قال جل ذكره وعز ثناؤه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] وأهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- مؤمنون بأن الله جل وعلا مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته بائن عن خلقه، وأن الله تبارك وتعالى غني عن العرش، وغني عن حملة العرش، وغني عن كل خلقه، بل كل خلقه -حملة العرش وسائر الخلق- مفتقرون إليه جل جلاله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    قال تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف:54] أي: يجعل الليل غاشياً للنهار مذهباً لنوره وبهائه، وقال في سورة أخرى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ [الحديد:6] والليل والنهار مخلوقان من مخلوقات الله أجراهما الله جل وعلا وجعلهما موئلاً للأعمال الصالحة، والموفق المسدد من جعل النهار مقاماً لمعاشه وجعل الليل مقاماً للوقوف بين يدي ربه تبارك وتعالى، قال الله يؤدب نبيه ويعلم سيد خلقه صلوات الله وسلامه عليه: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:6-7] أي: اجعل النهار لمعاشك وقضاء حوائجك، والليل قف فيه بين يدي ربك وخالقك ومولاك.

    ونعى الله جل وعلا على أهل الكفر أنهم لم يعرفوا قدر الليل فيقوموا فيه بين يدي الله، فقال سبحانه وبحمده: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:27].

    ولله عبادات في النهار لا تقبل في الليل، وله طاعات في الليل لا تقبل في النهار، وأفضل الليل جوفه الآخر، والليل جملة أفضل من النهار، قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر، ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17])، ثم قال جل ذكره: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فما الشمس والقمر والنجوم إلا آيات من آيات الله تجري بقضائه وقدره، لحكمة اقتضتها مشيئته وإرادته جل وعلا.

    قال سبحانه يبين إذعانها لأمره وانقيادها لمشيئته: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:38-40].

    بعد أن ذكر هذه الآيات قال سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] واللام هنا لا الملك المطلق الذي لا يكون إلا لله.

    ثم قال جل وعلا: الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] ففصل بينهما بواو العطف، والواو في اللغة الأصل فيها أنها تقتضي المغايرة، والخلق غير الأمر، فالخلق المراد بها جميع المخلوقات، وأمره: كلامه تبارك وتعالى، قال جلا ذكره: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115] صدقا في أخباره وعدلا في أوامره ونواهيه؛ وبهذه الآية.

    احتج الإمام أحمد رحمه الله على المعتزلة على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فاحتج بقول الله جل وعلا: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فإن الله جل وعلا فرَّق بين الخلق وبين الأمر، فالقرآن كلام الله جل وعلا وهو من أمره تبارك وتعالى.

    ثم قال سبحانه خاتماً هذه الآية التي عرّف فيها بذاته العلية وأثنى بها على ذاته جل وعلا: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] والفعل (تبارك) لا يأتي منه مضارع ولا أمر، ويسميه علماء النحو فعلاً جامداً، أي: غير متصرف، ولا يقال إلا للرب تبارك وتعالى، فلا يقال لأحد غير الله تبارك؛ لأنه جل وعلا وحده الذي تعاظم وتقدس، ومنه البركات، ومنه الخير العميق، كما جاء في الحديث (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت ربنا وتعالي).

    زيادة العلم بالله وأثرها في الخشية

    فهذه آية واحدة تبين ما لله جل وعلا من نعوت الجلال وصفات الكمال، وأنه سبحانه وبحمده هو الرب الواحد الكبير المتعالي، وقد بيَّن الله جل وعلا ماله تبارك وتعالى من جليل العظمة وعظيم الصفات في آيات عدة منثورة في القرآن العظيم، كأول سورة الحديد، وخواتيم سورة الحشر، وآية الكرسي والفرقان، وغيرها من السور، والمقصود من هذا جملة أن وجل القلوب من الله لابد يسبقه علم بالله، ولهذا قال السلف: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، وقال صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي وجبريل كالحلس البالي من خشية الله) والذي جعل جبريل بهذا المقام أو بهذه الحالة علمه بربه تبارك وتعالى، والإنسان كلما ازداد علماً بالله وبأسمائه وصفاته كان أكثر وجلاً وأعظم رجاءاً وأشد محبة لله، قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] وجاء في حديث داوود أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرب إلى حبك).

    والمقصود جملة أن معرفة الرب تبارك وتعالى لها على العبد من الآثار الحميدة والخصال المطلوبة المرغوبة شرعاً ما الله به عليم، ولقد كان لسلف الأمة -نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه- في هذا أرفع المقامات وأجل العطايا ألحقنا الله بهم ورزقنا الله وإياكم حسن اتباعهم.

    تحقيق الوجل من الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    فإذا عرف العبد هذا فإنه ينبغي عليه أن يعلم أن الله جل وعلا تعبده باتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه آخر الأنبياء عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، ختم الله به النبوات وأتم به الرسالات، فحبه دين وملة وقربة، واتباع شرعه واقتفاء هديه ولزوم سنته هي الدين كله.

    هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديانِ

    هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفانِ

    هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيرانِ

    وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربانِ

    وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن

    وهذا النبي الأمي كان في هيئته الخلقية ربعة من القوم لا بالطويل ولا بالقصير، سبط الشعر، بمعنى أنه لم يكن شعره مسترسلاً ولا جعداً، في جبهته عرق يجره الغضب، فإذا غضب صلى الله عليه وسلم في ذات الله امتلأ عرقه دماً، أزج الحواجب في غير قرن، طويل أشفار العينين، أشم الأنف كبير الفم، كث اللحية، الشيب فيه ندرة، بمعنى أنه قليل متفرق في صدغيه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى صلوات الله وسلامه عليه، بعيد مابين المنكبين، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس، أي: عظام المفاصل، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: (سبحان الله)، وعند البخاري في الأدب المفرد أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفته السفلى صلوات الله وسلامه عليه، إذا مشى مشى يتكفأ تكفؤاً كما ينحدر من مكان عال، قال جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما عند مسلم في الصحيح: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاته الأولى -أي: صلاة الظهر- فجعل غلمان أهل لمدينة يتبعونه، فسلمت عليه فسلم عليَّ فوجدت لكفه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار) وقال محمد بن عمار للربيع بنت معوذ رضي الله عنها: يا أماه! صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. بعثه ربه بعد أن أتم له أربعين عاماً في غار حراء، وجاءه الملك وكان يتحنث الليالي ذوات العدد حتى يقترب حساً ليقترب بعد ذلك معنى، فكأن الله جل وعلا -لحكمته- أراد أن يتحنث نبيه فوق الجبل كأنه ينظر من علو إلى حقارة الدنيا وعلى اختصام أهلها.

    وإن تجتنبها تجتنبها بعزة وإن تجتذبها نازعتك كلابها

    فهو صلى الله عليه وسلم في مكان عال كأنما يرقب الدنيا تهيئة من غير أن يدري بما يعده الله جل وعلا له من كريم الرسالة وعظيم النبوة، ثم جاءه الملك فخرج فزعاً في أول الأمر يقول: (دثروني دثروني)، والدثار: الثوب الذي فوق الثوب الداخلي، والشعار ما لاصق الجسد، وقد كان عليه الصلاة والسلام علية ثياب، ولكنه يقول: (دثروني دثروني) فدثرته خديجة فأرسله الله بالمدثر قائلاً: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2] ثم بيَّن له طريق الدعوة وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:3-7]، فأعطاه هذه الوصايا حتى يسير على دعوة الله، فبلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته حتى أتم الله له من العمر ثلاثة وستين عاماً قضاها صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الله بسنانه ولسانه، مجاهداً في سبيل الله، قائماً في فلق الأسحار، صائماً في أكثر أيام النهار، مقيماً للفرائض والنوافل على الوجه الأتم والنحو الأكمل، وما عبد الله أحد أكمل من عبادته صلوات الله وسلامه عليه.

    فمعرفة هديه يعين على لزوم سنته، ولزوم سنته من أعظم الدلائل على الوجل من رب العالمين تبارك وتعالى، ومن تأمل سيرته العطرة وأيامه النضرة عليه الصلاة والسلام خرج بعلم نافع وطريق قوي ومنهج مستقيم.

    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    انطواء الأيام ورحيل رسول الله عن الدنيا

    هذا النبي الأمي خرج من الدنيا وقد نظر نظرة إلى أصحابه وهم صفوف خلف الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فقرت عينه واطمأنت نفسه وتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف صلوات الله وسلامه عليه بعد أن أدى الرسالة وبلَّغ الأمانة ونصح الأمة على أكمل وجه.

    أوذي في الطائف فرجع إلى مكة، فلما صده الإنس منّ الله عليه بالجن يستمعون إليه، فوقف في وادي نخلة قائماً يصلي يقرأ القرآن أطيب كلام من أطيب فم، وهو لا يشعر بالجن وهم يحفون حوله ويركب بعضهم بعضاً، قال الله: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19] يستمعون القرآن، وإن قلباً لا يتأثر بالقرآن لحري ألا يتأثر بغير القرآن، قال جل ثنائه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6].

    فلما انصرفوا عنه أخبره ربه بالأمر الذي كان فقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف:29-30] ثم هاجر صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، ثم مكث عليه الصلاة والسلام يجاهد في الله حق الجهاد في بدر وأحد وغيرها من المواقع والغزوات حتى دخل الكعبة فاتحاً بعد ثمان سنين من خروجه من مكة، فكبَّر في نواحي البيت وأعطى بني شيبة مفتاحه وقال: (خذوه خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلى ظالم) ثم حج في العام العاشر وودع الناس وقال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) واستشهدهم على أنه بلغ الرسالة فشهدوا، فلما كان آخر صفر وأول ربيع شعر بدنو الأجل وقرب الرحيل، وتوالت الساعات ومضت الليالي والأيام حتى كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول اليوم الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، فدخلت عليه أول الأمر ابنته فاطمة فأخبرها بأن جبريل كان يراجعه القرآن في كل عام مرة، وأنه راجعه القرآن في هذا العام مرتين وقال: (وما أراه إلا حلول أجلي) فبكت، ثم أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة وأنها أول أهله لحوقاً به ففرحت، فلما خرجت دخل عليه أسامة بن زيد يسأله أن يدعو له فلم يستطع -وهو إمام الفصحاء وسيد البلغاء- أن يرفع صوته بالدعاء، وإنما رفع يديه حتى تقر عين أسامة ، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يد عبد الرحمن سواك، فلم يستطع -وهو نبي الأمة ورسول الملة- أن يقول: أعطوني مسواكاً، سنة الله جل وعلا في خلقه لا تتبدل لا تتغير الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] ففهمت عائشة رضي الله عنها مراده، فأخذت السواك وطيبته، ثم أعطته إياه صلوات الله وسلامه عليه فاستاك، وسمعته عائشة وهو يخير يقول (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]) ثم قال: (بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، وغسِّل كما يغسل أي ميت وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144] وتولى غسله أهل بيته، ثم بعد ذلك كُفِّن، ثم حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة ، ونزل قبره علي وقثم والفضل وأسامة وشقران ، ثم وضع صلى الله عليه وسلم في لحده ووضع عليه تسع لبنات، ثم حثي التراب بعد أن صلى عليه الناس أفراداً قبل دفنه، ولم يتخذوا إماماً لهم حتى يؤدي كل منهم الصلاة مباشرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى صلوات الله وسلامه عليه، فجسده في الأرض وروحه في عليين، وهو يحيا حياة برزخية الله أعلم بها، لا يملك لنفسه ولا يملك لغيره -من باب أولى- ضراً ولا نفعاً، وإنما ترك ديناً يقوم على توحيد الله وإخلاص العبادة له، وهدياً عظيماً وطريقاً قويماً، قال الله له: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ [الشورى:52] هذا على وجه الإجمال أيها الأخ المبارك في حياة نبيك صلوات الله وسلامه عليه.

    وإلى جانب هيئته الخَلْقية وسيرته العطرة ترك صلى الله عليه وسلم منهجاً وسنة من أعظمها تعظيمه لربه تبارك وتعالى؛ فلم يكن أحد من الخلق يعظم الله ويوحده ويجله كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك بمحافظته صلوات الله وسلامه عليه على الصلوات الخمس في الجماعة حضراً وسفراً، حرباً وسلماً، وقيامه في الليل بين يدي ربه يناجيه ويسأله ويدعوه، تقول عائشة : فقدته ذات ليلة فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) إلى غير ذلك مما هو ظاهر بيِّن في مواطنه من خصاله وهديه صلوات الله وسلامه عليه.

    تحقيق الوجل من الله باقتفاء آثار السلف

    الأمر الثالث: لا بد من أن يكون لنا سلف نقتفي آثارهم ونتبع هديهم، ومن أولئك السلف أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله جل وعلا مثنياً عليهم: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] الأنصار: اسم رباني جاء ذكره في القرآن، وهم قبيلتان من اليمن سكنتا المدينة في العهد الأول يقال لهما: الأوس والخزرج، والأوس والخزرج في الأصل ولدان لرجل يقال له: حارثة ، وأمهما اسمها قيلة بنت كاهل ، ولذلك كانوا ينادون كثيراً (يا بني قيلة) فسكنوا المدينة بقدر الله حتى يكون بعد ذلك استقبالهم لنبي آخر الزمان صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد كان النبي في مكة يعرض دعوته على القبائل في موسم الحج، فقابله نفر من الخزرج قبل بيعتي العقبة الأولى والثانية، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (من أنتم؟ قالوا: نحن من الخزرج قال: من موالي اليهود؟ -أي: من حلفاء اليهود- قالوا: نعم. قال: أنصتوا إليَّ) فأنصتوا فتلا عليهم صلى الله عليه وسلم آيات من سورة إبراهيم، فكتب الله لهم أن آمنوا وقبلوا، ثم لما رجعوا إلى المدينة أخبروا قومهم، فلما كان العام الذي بعده جاء وفد من الأوس ومن الخزرج وكانت بينهما حروب واقتتال عظيم، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بايعوه بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير معهم، ثم كانت بيعة العقبة الثانية، ثم أذن الله لنبيه بأن يهاجر إلى المدينة، فاستقبلوه رضي الله عنهم وأرضاهم، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام المدينة بعد أن قطع بطن وادي ريم في جنوب المدينة الآن، فدخلها من الجنوب من جهة قباء، فمكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي يوم الجمعة قبل الزوال دخل المدينة بعد أن بعث إلى أخواله من بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف، فدخلها صلى الله عليه وسلم وسمع في نواحيها التكبير وهو على ناقته القصواء يقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، فإذا كانت ناقته صلى الله عليه وسلم تسير بأمر الله فما بالك بهديه صلوات الله وسلامه عليه؟!

    الله قسَّم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم

    إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله لا منك أو نعم

    يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    وبركت الناقة في موضع المنبر اليوم ولم ينزل، ثم قامت فجالت جولة، ثم رجعت إلى مبركها الأول، ثم نزل صلوات الله وسلامه عليه، فبادر أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله) ومن ذلك اليوم أخذ الأنصار يقدمون النماذج الإيمانية في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من جاهد بلسانه، ومنهم من جاهد بسنانه، ومنهم من جاهد بالاثنين وهم كثير، وكانوا -رضي الله عنهم وأرضاهم- نعم السلف لنا مع إخوانهم من المهاجرين.

    مضي السلف الأبرار يعبق ذكرهم فسيروا كما ساروا على الدرب واصنعوا

    ولا خير في الماضي إذا لم يكن له من الواقع الزاهي بناء مرفع

    نماذج من رجال الأنصار

    الثناء على الأنصار

    ولقد أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] وكان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يعجب من صنيع الأنصار بالمهاجرين وإكرامهم لهم وإيوائهم إياهم، فكان يقول: إن مثلنا ومثل إخواننا من هذا الحي من الأنصار كما قال الأول:

    أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت

    وهذه تزكية لهم من الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وهؤلاء الأخيار أخبر النبي عنهم صلى الله عليه وسلم أنهم سيجدون أثرة بعده، فلم يول أنصاري إمرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدهم صلى الله عليه وسلم الحوض، وسيأتي الحديث عنه.

    وفي غزوة حنين لما جمعت الغنائم قسّمها صلى الله عليه وسلم على أقوام يتألف بها قلوبهم إلى الإسلام، ولم يعط الأنصار شيئاً، فوجدوا في أنفسهم شيئاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي عليه الصلاة والسلام سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه فقال له عليه الصلاة والسلام: (ما مقالة بلغتني عنكم يا سعد ؟) فأخبره سعد بالأمر، فقال عليه الصلاة والسلام: (وأنت ماذا تقول؟) قال: يا نبي الله وهل أنا إلا رجل من قومي؟! فقال: (اجمع لي الأنصار في حظيرة) أي: في مكان مسور، فلما جمعوا قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله، وعالة وأغناكم الله؟) وأخذ يعدد ما أفاء الله به عليهم بسبب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وهم يقولون: لله ولرسوله المن والفضل. فقال: (ألا تجيبونني؟) فقالوا: بماذا نجيبك يا نبي الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: (أما إنكم لو قلتم لصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك...) وذكر غير ذلك مما من الله به على رسوله بسبب الأنصار، ثم قالوا: لله ولرسوله المن والفضل، فقال صلى الله عليه وسلم يخاطب تلك القلوب المؤمنة: (يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟) فقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً.

    ذكر ما يحصل به العطاء الإلهي

    إن الله جل وعلا له سنن لا تتبدل ولا تتغير، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، والعطاء الإلهي لأي أحد يكون بمقدار ما في قلب ذلك العبد لله تبارك وتعالى، ألا ترى أن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وطئ على صخر ليرقى عليه ليكمل بنيان الكعبة، والصخر لا يؤثر فيه شيء، فلما ألان إبراهيم قلبه لله ألان الله جل وعلا الصخر تحت قدميه، فأصبح مقام إبراهيم آية ينظر إليها الناس يرون فيها أثر قدمي إبراهيم على صخر فانشغلوا بهذا الأثر حساً، ونسوا المعنى العظيم الذي وراءه، كما قال أبو طالب :

    وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل

    لقد كان أمراً مشهوداً، وإن اندثر من كثرة مسح الناس عليه ممن لا يعرف الأحكام الشرعية.

    فالغاية من هذا أن يعرف المرء أن لله جل وعلا سنناً لا تتبدل ولا تتغير، وحظك من الرب تبارك وتعالى بناءاً على ما يكون في قلبك من حبك لله، ورغبتك فيما عند الله جل وعلا من النعيم، وصدق سريرتك، وكمال إخلاصك، وحسن طويتك، وبمثل هذا يستجدى ما عند الله من النعيم.

    لقد قالت هاجر وهي تتبع زوجها إبراهيم: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. فبقيت عليها السلام هي وابنها، فلما انتقص الماء ونفد أخذت تمشي بين الصفا والمروة، فجعل الله جل وعلا ماء زمزم كرامة لـهاجر وفرجاً لإسماعيل، وهذه عطية إلهية، ثم توالت أقدام الأنبياء على هذا الموطن تسعى بين الجبلين الصفا والمروة كما كانت هاجر تسعى بينهما من قبل، فأحيا الله جل وعلا سنتها وأقام الله جل وعلا شريعة ابتدأتها لما كان من في قلبها من قنوت واستسلام ورضاً بالرب تبارك وتعالى.

    وعلى الضد من ذلك فإن الذنوب شؤم على أصحابها، ووبال على أهلها، قال سبحانه: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نوح:25] وقال: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:38-40]، فنجأر إلى الله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نعوذ بك من ذل الفضيحة يوم العرض عليك.

    الخصلة الحسنة الباقية لتابعي الصحابة الكرام

    فالمقصود أن اتباع هؤلاء الأخيار حجة عليك من الله، ولا تقل: هذا الدين لا أقدر عليه، فتكاليفه شاقة، أو ما إلى ذلك من وساوس الشيطان ونزغات الأصحاب، ولكن اعلم أن الطريق قائم، والله جل وعلا يقول: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11] ثم قال: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14] ولم يحرم جل وعلا من كان آخراً من أن يلحق ذلك السبق ويدرك الركب وإن كان لم يبلغ مبلغهم، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم شامة في جبين الأيام وتاج في مفرق الأعوام رضي الله عنه وأرضاهم، ورزقنا حسن الاقتداء بهم.

    أيها الأخ المبارك! يقول ربنا جل وعلا: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ [التوبة:100] ولو سألنا أنفسنا: هل نحن من المهاجرين؟ لقلنا جمعياً لا، ولو سألنا أنفسنا: هل نحن من الأنصار؟ لقلنا جميعاً: لا، فنحن لسنا مهاجرين ولا أنصاراً؛ لأن هذا أمر قد فات ومضى، فبقي طريق واحد، وقلادة واحدة، وتاج واحد إما أن تكساه وإما أن تتركه، قال الله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100] فبقيت هذه وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100]، فإذا أراد الله بعبد فضلاً وكرامة وعطاء جعله من المتبعين بإحسان.

    جادل شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله بعض الرافضة، فقال لهم: قبل أن ندخل في أي نقاش علمي أسألكم بالله: هل أنتم من المهاجرين؟ فقالوا: لا، قال: وأسألكم بالله: هل أنتم من الأنصار؟ قالوا: لا. فلف عباءته وقام وهو يقول: وأنا أشهد عند الله أنكم لستم ممن تبعهم بإحسان.

    فالمقصود من هذا أن هذه الخصلة هي التي بقيت، فالله يقول: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100] ولكي تكون ممن تبعهم بإحسان وحد الله ولا تعبد غيره ولا تشرك معه، وأحب نبيك صلى الله عليه وسلم وأصحابه جميعاً بلا استثناء، وسر على نهجهم وهديهم حتى تلقى الرب تبارك وتعالى، واصبر والزم جماعة المسلمين، فهذه وصية نبينا صلى الله عليه وسلم (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد)، فهذا هو المنهج الحق الذي ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أمته.

    تحقيق الوجل من الله بتذكر الحوض المورود

    بقيت الرابعة، وهي أن يكون هناك موعد، وأن يكون هناك رجاء، وهذا الموعد هو الحوض المورود حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح وغيره (أنه صلى الله عليه وسلم تلا: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3] ثم قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر في الجنة عليه خير كثير وعدنيه ربي، ترد عليه أمتي يوم القيامة) والناس يحشرون يوم القيامة عراة ليس عليهم ثياب، عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، تدنوا منهم الشمس فهم أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفق من جمع الله له حلل الإيمان وورد حوض نبي الرحمن، وجعل تحت ظلال عرش رب العزة والجلال جل جلاله، أسأل الله أن يجمعها لي ولكم.

    والكوثر نهر في الجنة له ميزابان يصبان في الحوض المورود، والحوض خارج الجنة في عرصات يوم القيامة قبل أن يدخل الناس الجنة، وأما الكوثر فالأصل أنه في الجنة، وترد هذه الأمة على هذا الحوض، قال عليه الصلاة والسلام بعد أن زار المقبرة: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم ياتوا بعد) قال: (وأنا فرطهم على الحوض) أي: سابقهم إليه. فقالوا: (يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟! قال: أريتم لو أن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل دهم بهم أكان يعرف خيله؟! قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض) صلوات الله وسلامه عليه.

    وفي أيام بني أمية ظهرت طائفة تنكر الحوض، منهم عبيد الله بن زياد أحد الأمراء، كان في أول أمره ينكر الحوض، فدخل عليه أبو برزة الأسلمي أحد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فقال عبيد الله بن زياد لـأبي برزة الأسلمي أأنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الحوض؟ قال: لم أسمعه مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً، بل سمعته أكثر من ذلك، ولما بلغ أنساً رضي الله عنه وأرضاه أن عبيد الله بن زياد ومن معه ينكرون الحوض ويمارون فيه دخل عليهم، فلما سمعهم كذلك قال: والله ما كنت أظن أن يأتي عليَّ يوم أسمع فيه من يماري في الحوض، والله لقد تركت في المدينة خلفي عجائز ما صلت إحداهن لله صلاة إلا وسألت الله فيها أن يسقيها من حوض نبيهن صلى الله عليه وسلم.

    فما عند الله يطلب بالعمل الصالح، يطلب بالإيمان، ويطلب بدعائه جل وعلا، فإن بالدعاء تذلل به الصعاب وييسر كل أمر عسير، فالله جل وعلا يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم [غافر:60] وأعظم من الحوض دخول الجنة، وما الحوض إلا مقدمه لمن سقي منه لأن يدخل الجنة.

    والجنة -أدخلنا الله وإياكم إياها- ثمانية أبواب، مابين مصراعي كل باب مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام، وإن من أعظم الغبن أن يقول الله: إنها جنة عرضها السموات والأرض ثم لا يجد أحد منا فيها موضع قدم جعلنا الله وإياكم من أهلها.

    وفي الجنة باب لهذه الأمة، وأبوابها حسب الأعمال، فباب للمتصدقين، وباب لصائمين، وباب للجهاد، وأول من يطرق بابها نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فيقول له الخازن: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك، فيدخلها صلى الله عليه وسلم، ثم الأنبياء والمرسلون، ثم الصالحون الأمثل فالأمثل حتى إذا دخلوا فيها قيل لهم: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ألم يجرنا من النار، ألم يدخلنا الجنة؟! فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم تبارك وتعالى، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله تبارك وتعالى.

    1.   

    حتمية لقاء الله تعالى

    اعلم -يا أخي- أن الدنيا أنفاس معدودة وأيام محدودة، وأن الخلق -بربهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم- سائرون على هذا الطريق، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فإذا منَّ الله عليك وجعلت الأمل في رؤية وجه الله تبارك وتعالى مناك ومطلبك وغايتك هانت عليك كل طاعة أن تأتيها وكل معصية أن تجتنبها، وزدت توفيقاً إذا كنت تريد بعملك الصالح وجه الله والدار الآخرة.

    فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله في هذا الدرس وهذه الموعظة المختصرة، والله المستعان، وعليه البلاغ، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.