إسلام ويب

الاستقامةللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستقامة على دين الله تعالى تعني الالتزام به وعدم الانحراف عنه طرفة عين، وهي سبب من أسباب النجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الدنيا والآخرة، فمن استقام على دين الله ثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومن زاغ عن الصراط المستقيم أضله الله تعالى، وأهلكه في الدنيا والآخرة، وللاستقامة أسباب لابد منها لمن أرادها: كالصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.

    1.   

    الاستقامة على دين الله من أسباب النجاة من عذاب الله وغضبه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونشكره، ونثني عليه الخير كله ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.

    أما بعد:

    فأيها الإخوة! أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع القلوب على طاعته كما جمعنا في هذا المكان المبارك، وأن يجمعنا جميعاً في مستقر رحمته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    موضوع هذا الدرس هو: الاستقامة، وما أحوج المسلمين اليوم إلى الاستقامة والثبات على المنهج الصحيح، قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:112-117].

    إنّ هذه الآيات تلزم المسلمين بستة أوامر من أوامر الله عز وجل، وهي سبب السلامة والعافية من غضب الله تعالى وعقابه، وقد جاءت هذه الآيات في ختام سورة هود، وما أدراك ما سورة هود! إنها السورة العظيمة التي تحدثت عن هلاك كثير من الأمم، ولقد شيبت ناصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (شبت يا رسول الله! فقال: شيبتني هود وأخواتها) أي: وأخواتها من السور التي تتحدث عن مصارع الظالمين، ونهاية المجرمين والمفسدين في الأرض.

    وكان آخر هؤلاء الظالمين آل فرعون، فاتبعوا فرعون في طغيانه وظلمه ودعواه أنه رب العالمين، فأهلكه الله عز وجل في عنفوان قوته وملكه الذي كان يفتخر به ويقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، ولذلك قضى الله تعالى بأخذ هؤلاء الطغاة، فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:97-98].

    قال الله تعالى بعد ذكره أخبار هذه الأمم التي أهلكها في سورة هود التي تضمنت -كغيرها- أحسن القصص: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] إذاً: فطريق السلامة طريق واحدة، وليس هناك طريق أخرى للسلامة من عذاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، هذه الطريق هي: الاستقامة على دين الله.

    وإنّ ما أصاب تلك الأمم من سخط الله عز وجل وأليم عقابه إنما كان سبب ذلك أنهم لم يستقيموا على دين الله ومنهجه، فإذا كنت -يا محمد- تريد السلامة لك ولأمتك فاستقم كما أمرت، وإذا كنت -أيها الأخ المسلم- تريد العافية من عذاب الله فاستقم كما أمرت، ومن هنا نعرف أن هذه العناصر الستة التي احتوتها هذه الآيات تبدأ بالاستقامة.

    1.   

    معنى الاستقامة وفضلها ولوازمها

    الاستقامة معناها: عدم الانحراف عن المنهج الصحيح، فإن الله تعالى -بحكمته- قد رسم لكل مخلوق في هذه الحياة -بما في ذلك الإنسان- طريقاً معتدلة مستوية لا انحراف فيها، قال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]، ومن حاد عن هذه الطريق التي رسمها القرآن فإنه يسلك طرقاً متعددة منحرفة كلها تنتهي إلى النار؛ ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) رسم خطاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله ينتهي إلى الجنة، ورسم عن يمينه وشماله طرقاً منحرفة وقال: هذه السبل، وعلى كل واحد منها شيطان، وعليها سدل مرخاة، فإذا أراد أحد أن يفتح طريقاً من هذه الطرق قال له منادٍ: يا عبد الله! لا تفتح، فإنك إن تفتح تلج إلى يوم القيامة)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هذا الطريق المستقيم طريق واضح لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولكن ربما يكون هناك غبش على العيون، أو التباس في العقول؛ فيضل هذا الإنسان عن الطريق المعتدلة إلى طرق منحرفة، فحينئذٍ لا يلوم إلا نفسه، أما الأصل فهو الاستقامة، وهي المحجة البيضاء التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، وما ترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة يحتاج إليها هذا الإنسان في دينه إلا وقد وضحها.

    الدعوة إلى الله من لوازم الاستقامة

    إنّ الاستقامة هي الثبات، والثبات: هو لزوم الطريق، وأهم شيء في لزوم هذا الطريق: الدعوة إلى الله عز وجل، فمن لم يقم بهذا الواجب فما استقام على هذا الطريق؛ ولذا يندر أن تذكر الاستقامة في القرآن إلا وتذكر معها الدعوة إلى الله تعالى، كما قال تعالى في سورة الشورى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ [الشورى:15]، فقدم الدعوة على الاستقامة، وهنا قال: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، وقال في آخرها: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، وقال سبحانه وتعالى أيضاً في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ثم قال بعدها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:34].

    ومن هنا نعرف صلة الدعوة إلى الله عز وجل بالاستقامة، وأنها صلة وثيقة، وأن من فرط في الدعوة إلى الله عز وجل، وترك أمر المسلمين يلتبس عليهم، وغفل عن هذا الواجب المقدس الذي هو ميراث المرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه ما استقام حق الاستقامة، ما دام أنّه يستطيع أن يبلغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يفعل.

    الاستقرار من لوازم الاستقامة

    اعلم أنّه لابد في الاستقامة من الاستقرار، وذلك بأن يثبّت الإنسان أقدامه على هذا الطريق؛ لأن في هذا الطريق مزالق، ولأن في هذا الطريق عقبات، ولأن في هذا الطريق أموراً تكرهها النفوس البشرية بطبيعتها، فلابد من الثبات على هذا المنهج، وأهم ما في هذا المنهج: الدعوة إلى الله عز وجل.

    الاستقامة هي المخرج من الفتن

    لقد كثرت في عصرنا الحاضر التقلبات والاتجاهات، وظهرت أفكار جديدة لم تُعهد من قبل، تسربت هذه الأفكار إلى المسلمين وكأنها جزء من هذا الدين، وقد يتباكى أصحابها على الإسلام في الظاهر، ويلفون هذا الجرائم وهذه الأفكار المنحرفة بلفائف ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، ثم يغتر كثير من الناس بهذه الدعايات، لاسيما إذا كان أصحاب هذه الدعايات من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.

    إذاً: فما هو المخرج؟

    المخرج قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112].

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن من ميزة آخر زمان هذه الأمة أن تكثر الأهواء والفتن، وأن يكون لهذه الفتن آثار في حياة الناس، وهذه الآثار تبرز في استقامة هؤلاء الناس، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) وقال: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: وما المخرج منها يا رسول لله؟ قال: كتاب الله وسنتي).

    وهذه الفتن التي نعيشها اليوم هي -والله- كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضاً كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءت الفتنة قال المرء: هذه مهلكتي، فإذا جاء ما بعدها قال: تلك أهون من هذه.

    والخلاص منها يكون بالاستقامة على دين الله، فإنّ الدين واضح، والمحجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.

    وقد نلاحظ في حياة الناس هذا التقلب في كثير من الأحيان، ولا يكاد الإنسان يسر بأن فلاناً من الناس قد استقام على دين الله بعد أن كان منحرفاً، إلا ويفاجأ -في بعض الأحيان- بأنّ فلاناً قد انحرف عن هذا الدين؛ لنشاط دعاة الباطل، وضعف دعاة الحق، ولوجود بيئة متلوثة في العالم الإسلامي كله، وهذه البيئة المتلوثة فيها من الفتن ما قد يؤثر على عقول كثير من أبناء المسلمين.

    إنّ المؤمن مطالب بالاستقامة والثبات على الحق ولو انحرف كل الناس، بحيث لا يرتبط هذا المرء بغيره من الناس ارتباطاً يجعله ينحرف معهم، وإنما يرتبط بهم ارتباطاً يجعله يستقيم معهم إذا استقاموا، فإذا انحرفوا لزم المنهج الصحيح ولو لم تكن الدنيا معه بل ضده، ويتمثل بقول الشاعر في حق الله عز وجل:

    فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

    وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

    الاستقامة سبب للنجاة والسلامة في الدنيا والآخرة

    إنّ الاستقامة والثبات عليها أمر لا مناص منه للمؤمن، خصوصاً في زمن التقلبات والأهواء والفتن، وفي زمن المساومة على دين الله تعالى في كثير من الأحيان من قبل كثير من المسلمين، تلك المساومة التي يسيل لها لعاب كثير من الناس، ولكن المسلم حقاً لا يمكن أن يرجع من منتصف الطريق، بل يكمل هذا المشوار إلى ربه وإلى الدار الآخرة، وهذه الاستقامة هي أفضل سلاح يستطيع المؤمن من خلاله أن يتخطى هذه العقبات التي تقف في طريقه وتعترض سبيله، وحينئذٍ لا يضره من خالفه ولا من خذله حتى يأتي أمر الله تعالى.

    هذه الاستقامة هي التي تؤمن الإنسان في ساعة الموت، كما أنها تؤمنه في هذه الحياة الدنيا، فإذا كان مستقيماً على المنهج الصحيح لا يغير ولا يبدل، ولا يقبل المساومة، ولا يقبل أي منهج غير هذا المنهج الذي اقتنع به، وعرف أنه هو المنهج الصحيح الذي جاء به المرسلون من عند الله عز وجل؛ فإنّه يبشر في ساعة الموت بجزاء هذه الاستقامة، فتنزل عليه ملائكة تبشره في ساعة الاحتضار حينما تلتف الساق بالساق، وحينما تكون رجل في الدنيا ورجل في الآخرة، وحينما يريد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مدبراً عن الحياة الدنيا، ومقبلاً على الله عز وجل والدار الآخرة، في ساعة رهيبة يفكر فيها الإنسان فيما أمامه من مخاوف: من حياة البرزخ وما فيها من الأهوال والمخاوف، والقبر وضمته، وسؤال الملكين، وما بعد حياة البرزخ من الصحف التي تسجل فيها الأعمال، والموازين التي توزن فيها الأعمال، والصراط والأمور الهائلة في ذلك الموقف.

    وهو أيضاً يتصور هذه الحياة الدنيا وما فيها من أهل ومتاع، ويريد أن يودعه، فمن استقام على دين الله فإنه في ذلك الموقف الرهيب تنزل عليه الملائكة مبشرة له، كما قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [فصلت:30-31] أي: كنا معكم، وكنا -بأمر من الله عز وجل- نثبتكم، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31]، هذا جزاء الاستقامة، وإذا ثبّت الله عز وجل الإنسان في الحياة الدنيا ثبته في ساعة الموت، وثبته حينما يريد العبور على الصراط الدحض المزلة، الذي ورد وصفه بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف، ويغطيه دخان جهنم.

    فالمستقيم يثبته الله على الإيمان، فلا تستطيع هذه الفتن العاصفة، وهذه الأهواء المضلة، وهذا الزمان المغبر المخيف المرهق أن تغير مبدأ هذا المسلم الذي عرف الله عز وجل، واقتنع بهذا المبدأ، ورضي بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ويثبته الله عز وجل في المواقف العصيبة.

    الاستقامة هي أخذ الدين من جميع جوانبه دون استثناء

    إن الاستقامة التي يطالب الله عز وجل الناس جميعاً أن يثبتوا عليها بقوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، وقوله: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ [الشورى:15] هي أخذ الدين من جميع جوانبه، لا أن يتتبع المرء ما سهل عليه أو وافق هواه؛ لأننا حينما نأخذ من هذا الدين ما رق ولان، ومن هذه الأحكام ما سهل، ومن هذه العبادة ما تيسر، ونترك ما شق على النفوس؛ لم نكن مستقيمين، ولكن الاستقامة أن يأخذ بهذا الدين في المنشط والمكره، وأن يثبت على هذا المبدأ ولو تخلف عنه الناس أجمعون، فهو يسير على هذا المبدأ القويم ويستقيم عليه حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى.

    ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) أي: أنّه يطلب من الله أن يستقيم على هذا الدين، وتقول له عائشة في ذلك: (كيف تخاف على نفسك يا رسول الله؟! قال: إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).

    الاستقامة المحمودة هي التي تكون حتى الممات

    لقد زلت القدم بأقوام كانوا على منهج قويم، وكانوا على حال مشرفة، لكن الله تعالى كتب لهم الشقاوة في الخاتمة، وكل ميسر لما خلق له، فمن خلق للسعادة مات عليها، نسأل الله ذلك! ومن خلق للشقاوة وللنار فإنه يموت على الشقاوة، ولو كانت حياته كلها في طاعة الله عز وجل، والعبرة بالخواتيم، الله تعالى يقول: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وقال يعقوب عليه السلام حينما حضرته الوفاة: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، فالعبرة هنا على ساعة الموت لا على مدة الحياة، وهذا هو معنى الاستقامة؛ لذا لا تعتبر الاستقامة استقامة إلا مع حسن الخاتمة.

    الاستقامة أمر وسط بلا إفراط ولا تفريط

    نستطيع من خلال كلمة (فاستقم) أن نأخذ معنىً آخر وهو: أن دين الإسلام دين وسط بين طرفي نقيض دائماً وأبداً، فإذا نظرت إلى الأفكار العصرية والأفكار القديمة والمذاهب والملل وجدت أنها على طرفي نقيض دائماً، فجانب إلى اليمين وجانب إلى الشمال، والإسلام وتعاليمه يمثل جانب الوسط، وهو جانب الاستقامة، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

    فهناك جانب يقدس الروح ويهمل الجسد، وهو منهج الصوفية، ويقابله جانب آخر يقدس الجسد ويهمل الروح، وهو عالم المادية الطائشة في أيامنا الحاضرة، بينما نجد أن الإسلام يستقيم في معاملة الاثنين جميعاً، فلا يهمل الروح ولا يهمل الجسد، ولكنه يربي الروح والجسد، فيعطي الروح حقها، لكن لا يكون ذلك على حساب الجسد، ويعطي الجسد حقه ولا يكون ذلك على حساب الروح، فلا هو بالصوفية الموغلة التي لا ترعى حقاً للجسد، ولا هو بالمادية المنحرفة التي لا تعطي الروح شيئاً من حقها.

    وفي جانب الاقتصاد نجد أن في عالمنا نظامين كافرين: نظاماً يسمى بالشيوعية الاشتراكية، يبتز أموال الناس لا للفقراء، ويقابله في الطرف الآخر نظام آخر، وهو الرأسمالية في مفهومه العصري، لا يبالي من أين يكسب المال ولو كان عن طريق الربا أو المحرمات، المهم أن يكون هناك مال، ولا يحترم هذا المال، ولا يعتبر فيه حقاً للسائل والمحروم من الزكاة وغيرها.

    ونجد في الوسط دين الإسلام، فهو ملة وسط، فلا هو بالذي يأخذ أموال الناس بغير حق، ولا هو بالذي يجعل الأمر مفتوحاً لهذا الإنسان أن يكسب المال متى شاء ومن أي طريق شاء، إذاً فهو الطريق الوسط المستقيم.

    وفي باب المعتقد نجد المعطلة والمشبهة على طرفي نقيض، ونجد أن الجانب الوسط هو إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه من غير تشبيه ولا تعطيل، وهكذا دائماً نجد الإسلام ديناً وسطاً مستقيماً بين طرفي نقيض، وهو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدولاً، ومنهجكم منهج الوسط، فلا هو بالجانب المنحرف ذات اليمين، ولا هو بالجانب المنحرف ذات الشمال.

    الاستقامة كما أمر الله لا كما تشتهيه الأنفس

    إن هذه الأمة مطالبة بأن تسير على هذا المنهج القويم: (فاستقم كما أمرت)، وهذه الاستقامة مقيدة هنا بقوله تعالى: (كما أمرت)، فهل هناك استقامة منحرفة؟!

    نعم، فقد تكون الاستقامة في الظاهر، لكنها منحرفة وليست كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له حرية في أن يختار طريق الاستقامة؛ بل الأمر كما قال الله تعالى: (كما أمرت).

    أيها الإخوان! إن من يسير في العالم الإسلامي سيرى أقواماً أحدثوا عبادات لو نظرت إليهم من أول وهلة لقلت: هؤلاء هم عبّاد الله في الأرض، وإذا نظرت إليهم بعين البصيرة وجدت أنهم من أبعد الناس عن دين الله عز وجل، كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية:2-4]، والعجيب أنها عاملة خاشعة ناصبة تقية -في الظاهر- لكنها تصلى ناراً حامية!! لأنها لا تسير على المنهج الصحيح الذي جاء من عند الله عز وجل، يحدثون في دين الله، ويشرعون لأنفسهم من العبادات ما لم يأذن به الله، وكلما أعجبتهم عبادة قالوا: هذه بدعة حسنة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة)، فليس هناك في الإسلام بدعة حسنة، وقد تطورت هذه البدع إلى أن وصلت إلى درجة الشرك بالله عز وجل، فتعبد الأصنام الآن من خلال ما يسمونها بالبدعة الحسنة!

    لقد رأينا أُناساً يسجدون للقبور، وقد ولوا ظهورهم صوب الكعبة، ووجوههم -وهم ساجدون لغير الله عز وجل- صوب القبور والأضرحة، يعبدون أناساً قد صاروا تراباً، ويسجدون لهم من دون الله عز وجل، وحينئذٍ نعرف أن الشرك قد عاد على أشده، فإنّ أكبر مرحلة وصل إليها الشرك في آخر أيام الشرك يوم فتح مكة، وهي آخر لحظة من لحظات الشرك، وكان عدد الأصنام ستين وثلاثمائة صنماً تعبد من دون الله، وقد كسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى الأمر، وأما في وقتنا الحاضر فإنّ الإحصائيات تقول: إن في العالم الإسلامي أكثر من عشرين ألف ضريح يعبد من دون الله. وقد رأيت أنا بعضها؛ فيها حجاج من جميع بلاد العالم، ويحجون إليها أكثر ممن يحج إلى الكعبة المشرفة، والطواف حولها أكثر من الطواف حول الكعبة المشرفة، وتراهم يريقون الدموع في ذلك الموقف، ويتوسلون، ويدعون، ويخشعون، ويذبحون ويريقون من الدماء أكثر مما يفعله المسلمون في أيام منى!

    فقلت: سبحان الله! لقد عاد الشرك الآن على أشده، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تلك الغربة ستعود أعنف مما كانت، وبلادنا هذه -والحمد لله- لا تعرف الشرك بهذا المعنى، فقد حماها الله سبحانه وتعالى من هذا الشرك بدعوة سلفية صالحة، نسأل الله أن يثبتنا على التوحيد، لكن نريد أن نصلح ما دون ذلك.

    والخلاصة -أيها الإخوة- في قول الله تعالى: (كما أمرت): ألّا تستقيم كما يروق لك، حتى رسول الله وخاتم الأنبياء وخير المرسلين، قال له ربه: استقم كما أمرت، أي: لا كما تريد، ولا كما يحلو لك.

    إن الاستقامة لها قيود وشروط، والعبادة لها ضوابط، وقد أكمل الله تعالى هذا الدين بحيث لا يصبح أُلعوبةً لبعض المسلمين يزيد فيه وينقص، ويتهم الله عز وجل بعدم إكمال هذا الدين، وهو الذي يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، ويتهم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم تبيين هذا الدين، وهو الذي يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها).

    1.   

    الطغيان من أسباب الهلاك والعذاب

    الأمر الثاني من هذه الأوامر: (ولا تطغوا)، والطغيان في اللغة العربية معناه: تجاوز الحد، سواء كان ذلك في العبادة أو في المعصية، فتجاوز الحد في المعصية يعتبر طغياناً في الأرض، فالمتجبرون الذين يسومون الناس سوء العذاب، والذين يريدون أن تخضع لهم هذه الشعوب على غير منهج الله عز وجل، هم طغاة البشر.

    خطر الطغيان والغلو في جانب العبادة

    هناك طغيان في العبادة، والمراد به: تجاوز الحد، أي: كونوا وسطاً؛ ولا تتعدوا هذه الحدود ولو كان ذلك في أمر العبادة؛ ولذلك فكل أوامر الإسلام مضبوطة ببداية ونهاية، وبحدود وحواجز؛ لئلا يفكر أحد من الناس أن يزيد فيها أو أن ينقص، فإنّ من زاد في شرع الله فإجرامه أكبر مِن إجرام مَن نقص منه؛ لأن من نقص من شرع الله فهو عاصٍ، وأما من زاد فيه فإنه يضع نفسه في مقام الربوبية التي لا تجوز لأحد إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وهذا هو الطغيان، ولهذا فإن أوامر الإسلام محدودة: خمس صلوات لا نزيد عليها كفرائض، وصيام رمضان لا نزيد عليه، حتى إنّ من صام اليوم الذي يشك فيه قبل رمضان فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا نزيد يوماً قبله ونعتبره من رمضان، ولو كان ذلك اليوم يوم شك على سبيل الاحتياط فيه، ولا يجوز أن نصوم يوم العيد؛ لأنه يزيد في رمضان، وهكذا كل العبادات تجدها قد رُسم لها طريق بداية ونهاية وحدود، بحيث لا يستطيع أحد من الناس أن يزيد فيها أو أن ينقص، ولذا قال الله تعالى: (ولا تطغوا) أي: لا تتجاوزوا الحدود في هذا الأمر، فإن الإفراط أخطر على حياة المسلم من التفريط.

    جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا عن عمله، فذكر لهم عمله، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فقال أحدهم: (أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد -أي: يصلي كل الليل- وقال الثاني: وأما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، -أي: يريد أن يتبتل وينقطع عن العبادة- فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم غضب غضباً لم يغضب مثله، وقال: أما إني أتقاكم لله وأعلمكم بالله، وإني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    إذاً: فالإفراط وتجاوز الحد والطغيان في العبادة أمر لا يقل خطراً عن أمر التقصير في العبادة، بل يزيد خطره على ذلك.

    وهنا ننبه على أمر يقع فيه كثير من الناس وهو: أنّ كثيراً من شباب المسلمين -الآن- حينما يتجهون إلى الله عز وجل فإنهم يوصفون بالتطرف، أو يوصفون بالتشدد، وما هذا الأمر بتشدد في الحقيقة، إنما هو دين، لكن لما غفل الناس عن هذا الدين مدة طويلة من الزمن، وهدى الله عز وجل هذه الشبيبة المسلمة؛ ظن كثير من الناس أن هذا تجاوز وتعدٍّ للحدود، فصاروا يسمونه تطرفاً، ومرة أخرى يسمونه وسواساً، وحيناً يسمونه شدة في الدين.. إلى آخر ذلك، حتى إنهم يسمونه في بعض الأحيان رجعية وتخلفاً، وهذا حقيقته الطعن في الدين، وهذا هو ما يحدث بالنسبة لمن يسنون الشرائع الأرضية، والقوانين البشرية، فإنهم يقولون: هذا الدين لا يصلح لهذه الحياة، إذاً لابد أن يأتوا بقوانين وآراء الرجال، ويضلون الأمة عن الطريق المستقيم وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    1.   

    الركون إلى الظالمين من أسباب الهلاك والعذاب

    قال تعالى في الأمر الثالث: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، اعلم أنّ كلمة (الظلم) تأتي في الشرع على ثلاثة معانٍ: فتأتي بمعنى: التعدي على حقوق الناس، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من ظلم من الأرض قيد شبر ..) الحديث، وتأتي بمعنى: الشرك بالله عز وجل، يقول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وتأتي بمعنى: المعصية؛ صغيرة كانت أم كبيرة، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:32]، فلها معان متعددة؛ ولذلك فإن الظالم -بكل معانيه- لا يجوز لأحد أن يتعاون معه، أو يركن إليه، أو يجالسه، أو يشاربه، أو يعاونه في أي أمر من الأمور، فمن عاونه مسته النار.

    إنّ الميل إلى الظالمين يسبب مس النار والإحراق في نار جهنم، فكيف بالظالم نفسه الذي يتعدى على حرمات المسلمين وأموالهم وحرياتهم وحقوقهم وأعراضهم، وغير ذلك؟!!

    فالأمر خطير جداً، ولذلك فإن هذه الآية: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) تحذر المسلمين من أن يميلوا إلى طغاة البشر أو أن يتعاونوا معهم، كما تحذر المسلمين من أن يميلوا إلى الكافرين، وتحذرهم أيضاً من مخالطة الفسقة والعصاة؛ لأن ذلك يسبب فسقاً وعدواناً في الأرض؛ ولذا فإن الله عز وجل عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم حينما فكر تفكيراً بعيداً في أن يجذب القوم إلى الإسلام عن طريق الميل القليل إليهم؛ كأن يخصص لهم مجلساً، أو أن يلين مع كفار قريش من أجل أن يجذبهم إلى الطريق المستقيم، يقول الله تعالى له: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:74-75]، فالركون شيء قليل، والعذاب مضاعف في الحياة الدنيا وبعد الموت، مع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

    إنّ نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم -وهو خير البرية المبلغ من عند الله- عندما فكر في أن يركن إليهم شيئاً قليلاً، هدده الله تعالى بالعقوبة ضعف الحياة وضعف الممات، إذاً فماذا نقول في ركون المسلمين إلى الكافرين هذا الركون الطويل العريض، حتى أصبح بعضهم يسب الإسلام من خلال أخلاق هؤلاء الكافرين، ويسب المسلمين تصنعاً لهؤلاء الكافرين، بسبب ابتسامتهم في وجوهنا، ويقول هذا المسلم الخائن: الكفرة خير من هؤلاء؟! كلمات نسمعها دائماً وأبداً، ولربما يزيد الأمر خطورة حينما يصل إلى درجة محبة هؤلاء.

    إذاً: فالأمر خطير، الله تعالى يقول: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا [الإسراء:74-75]، والتنوين في (إذاً) يسمى بتنوين العوض، والمعنى: إذاً لو ركنت إليهم شيئاً قليلاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:75]، أي: عاقبناك عقاباً شديداً مضاعفاً في الحياة الدنيا وبعد الموت.

    ضرورة استقلال الشخصية الإسلامية وعدم ركونها إلى غيرها

    لقد أمر الله سبحانه وتعالى الشخصية الإسلامية أن تستقل عن غيرها، وأمر المسلمين ألا يستعينوا بالكافرين، وألا يركنوا إليهم وألا يميلوا إليهم، وألا تكون هناك محبة أو موالاة لهم، قال الله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] وهم الكفرة وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، يعني: لا تواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباً لك، وانظر إلى امتثال ذلك في حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما تبرأ من أبيه لأنه رجل كافر، قال تعالى عنه: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114].

    وهذا نوح عليه الصلاة والسلام يلومه الله تعالى أن مال قليلاً إلى ابنه الكافر: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46]، ثم يقول: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، فيعتبرها نوح عليه الصلاة والسلام ذنباً عظيماً اقترفه في جنب الله فيقول: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47].

    وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ينزل الله عز وجل في عمه أبي لهب قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، وأدنى النبي عليه الصلاة والسلام الأباعد من الرجال، وأبعد الأقارب؛ لأن أولئك الأقارب الذين أبعدهم أعداء لله ولرسوله، ولأن أولئك الخيار الذين أدناهم من أولياء الله تعالى إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56].

    ولما أنزل الله عز وجل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51] قال المنافق عبد الله ابن أُبي بن سلول لعنه الله: نريد أن نعقد حلفاً مع اليهود؛ فإنا نخشى أن تصيبنا دائرة، يعني: نخاف من أيام الدنيا فنستعين بهم على نوائب الحياة، مع أنهم يسكنون المنطقة التي يعيش فيها المسلمون، فينزل الله تعالى آية أخرى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة:52] أي: المنافقين يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة:52] أي: في ولاية الكافرين، يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52] فما هو الحل؟ الحل: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52].

    إذاً: فالركون إلى الكافرين محبةً وموالاةً أمر خطير جداً، قال الله: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، فإن العقوبة شديدة وليست هينة، فالمس هنا معناه: الإحراق بالنار.

    خطورة مجالسة الفسقة والعصاة والركون إليهم

    مجالسة الفسقة والعصاة أمر خطير جداً؛ فإن الله تعالى يقول: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68]، ويقول: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء:140]، وكم يسخر أعداء الإسلام من هذا الدين، ويضحكون من المتدينين، وكم يتفكه كثير من أصحاب المجالس -وإن كانوا من المنسوبين إلى الإسلام- بالدين والمتدينين، حتى إذا ذهب أحدهم إلى أهله انقلبوا فكهين! فيضحك مع زوجته قائلاً: والله! ابن فلان من الناس كأنه مصاب بعقله، أراه قد قصر ثوبه، وأرخى لحيته! كذا يسخر من دين الله عز وجل، وربما يقول: فلان أصيب بالوسواس. حتى ربما يسخر من ولده حينما هدى الله سبحانه وتعالى أبناء المسلمين إلى الفطرة في أيامنا الحاضرة، وهذا هو معنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:29-33]، ولكن هذه السخرية وهذا الضحك تنقلب رأساً على عقب في يوم القيامة: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:34-35]، فيطلعون عليهم وهم في نار جهنم، ويأتي دور المؤمنين في الضحك، فيضحكون منهم.

    أيها الإخوة! إنّ من البلاء مخالطةَ الظلمة ومجالستهم، والاطمئنان والركونَ إليهم، والله تعالى يقول: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ [هود:113]، ولذلك فإن المسلم مطالب ألاّ يركن إلى الكافرين، أي: لا يتخذ ركناً يعتمد عليه بعد الله إلا في المؤمنين إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ [المائدة:55]، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم:4]، ولا يركن إلى الفسقة وإن كانوا مسلمين.

    اتخاذ بطانة الشر من الركون إلى الظالمين

    الركون معناه: أن تتخذ هذا الرجل أو هذا الإنسان كالركن تعتمد عليه كما تعتمد على الجدار أو على الركن، أي: فتتخذ هذا الرجل الكافر أو الفاسق أو الظالم أو الطاغية ركناً تعتمد عليه من دون المؤمنين، وهذا هو الخطر، وهذه هي البطانة التي حذر الله عز وجل من اتخاذها في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118] أي: من غيركم ممن لا يوافقكم في دينكم وعقيدتكم، فإنّ اتخاذهم بطانة أمر خطير جداً؛ ولهذا فإن كثيراً ممن وقعوا في سخط الله عز وجل إنما وقعوا في ذلك بسبب هذه البطانة، ولم يوفقوا إلى جلساء صالحين، ولعل السر في ذلك: أنهم أعرضوا عن شرع الله عز وجل، فقيض الله تعالى لهم هذه البطانة، وهذا ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، سواء كان من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، ( فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) أي: لا يتركه حتى يكبَّه في نار جهنم.

    فالأمر خطير، يقول الله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، فمصاحبة الفسقة أمر خطير، يذهب بالإنسان مذاهب خطيرة، فهؤلاء الفسقة ربما يفسدون على الرجل الصالح -الذي لم يحسن اختيار الجلساء- صلاحه ودينه، فلا يدعوه حتى يخرجوه من الملة، ولذلك فإن المسلم مطالب بألّا يخالط إلا الأتقياء، وألّا يأكل طعامه إلا الصالحون، وألّا يأنس إلا بأولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإن رغب عن هذا المنهج فإنه على خطر، ويكون من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا؛ فتمسه النار، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ [هود:113] أي: ليس لكم أي ولي من الأولياء، و(من) هنا زائدة للتأكيد، والمعنى: أن هؤلاء الذين ركنتم إليهم لا يستطيعون أن يدفعوا عنكم ضراً أو يجلبوا لكم نفعاً، أياً كان هذا النفع وأياً كان هذا الضر؛ لأن دخول (من) في هذا المكان بعد النفي تفيد العموم المطلق، والمعنى: أي ولي اعتمدتم عليه غير الله، فإن هذا الذي اعتمدتم عليه ليس ولياً يركن إليه، وإنما هو عدو لهذا الذي ركن إليه.

    ولذلك يقول الله تعال: ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود:113] أي: لا يستطيع ذلك أن ينصركم من دون الله، ولذا شبّه الله تعالى الذين اعتمدوا على غيره، وركنوا إلى غير الركن الشديد، واتخذوا بطانة من غير المؤمنين؛ شبههم بالعنكبوت حينما تبني لها بيتاً تدافع به عن نفسها، وتتحصن به في وقت الشدائد، فلا يستطيع هذا البيت أن يحمي هذه العنكبوت، فهؤلاء أشبه ما يكونون ببيت العنكبوت، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، وقد جاءت هذه الآية بعدما أخبر الله عز وجل بأنه أهلك الأمم الذين اتخذوا بطانة من غير المؤمنين، وصرفوا العبادة لغير الله، وظنوا أن هذه الآلهة تدفع عنهم ضراً أو تجلب لهم نفعاً، قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:40-41].

    1.   

    وجوب الركون إلى الله تعالى دائماً وأبداً

    يجب على المسلم أن يركن إلى الله عز وجل دائماً وأبداً، في حال الشدة وفي حال الرخاء، ولا ينسى ربّه في حال الرخاء فيتخلى الله عز وجل عنه في وقت الشدة؛ بل عليه أن يتعرف إلى الله في وقت الرخاء حتى يعرفه في الشدة، وأخطر الأمور كلها: أن يَنسى الله في وقت الرخاء وفي وقت الشدة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، ويقول سبحانه وتعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر:61]، فما دام أنهم اتقوا الله في أيام الرخاء ينجيهم الله عز وجل في وقت الشدة في الأمور المخيفة التي لا يستطيعون أن يدفعوها عن أنفسهم، وإنما يدفعها الله عز وجل بمقدار ما تقربوا إليه في وقت الرخاء واتقوه.

    1.   

    خطر تقليد الآباء والأجداد في الدين

    أيها الإخوة! إن من أخطر الأمور أن يميل المسلم إلى الكافر، أو أن يأخذ دينه من غير المنهج الصحيح، وذلك حينما يقلد الآباء والأجداد، ولذلك فإن حال الكافرين الأولين، وكذلك المشركين في أيامنا الحاضرة: وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا [البقرة:170] أي: ما وجدنا، فقال الله تعالى: أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة:170] أي: لو كان الآباء قد ضلوا الطريق فإن الأبناء سيضلون الطريق؛ بسبب تمسكهم بمنهج آبائهم ولو كان آباؤهم على غير الدين والمنهج الصحيح!! وهذا هو السبب في انحراف كثير من الناس، وهو الذي جعل لجهنم ملأها، وهو الذي جعل الكبر يملأ قلوب وعقول أولئك الناس الذين لا يريدون أن يتبعوا المنهج الصحيح، وإنما يتبعون ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، حتى لو كان الآباء والأجداد لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.

    1.   

    خطر موالاة الكافرين

    إنّ المسلم مطالب بألّا يعتمد إلّا على الله عز وجل، وألّا يركن إلا إلى المؤمنين، وألا يتخذ البطانة إلا من المؤمنين، وألّا يوالي الكافرين؛ فإن موالاتهم أمر خطير يجب على المسلم أن يحذره، وأن يعلم أن أعداء الإسلام وإن ابتسموا في وجوه القوم فقلوبهم مملوءة حقداً على هؤلاء الناس، كما قال تعالى: يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ [التوبة:8]، فكم ابتسموا في وجوه الناس وفي وجوه المسلمين ثم قلبوا لهم ظهر المجن في لحظة سريعة.

    فمن الذي يجوب خلال ديار المسلمين اليوم، وينشر الفساد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل في بلاد المسلمين؟!

    ومن الذي استولى على بلاد المسلمين مائة وسبعين عاماً والدماء تجري كالأنهار؟!

    حتى نصارى العرب لم تغن عنهم قوميتهم من دون الله عز وجل شيئاً، فهم الذين فتحوا الباب للصليبيين حينما قدموا عن طريق لبنان، وهذا يشهد به التاريخ.

    الرابطة هي رابطة العقيدة، والأخوة هي الأخوة في الله عز وجل، وهي أوثق عرى الإيمان، لكن الله تعالى يقول لنا: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8]، فإذا كانت المسألة مسألة عدل وإنصاف فحينئذٍ لا يجوز للمسلم أن يميل مع المسلم ضد الكافر إذا كان الحق لغير المسلم.

    1.   

    الصلاة من أسباب النجاة من غضب الله تعالى وعقابه

    قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114] إنّ الصلاة على طرف نقيض مما سبق من الركون إلى الكافرين؛ لأن الصلاة ركون إلى الله عز وجل، واستمداد للقوة من الله سبحانه وتعالى مباشرة، وتتجدد وتتكرر كل يوم خمس مرات، فكلما ضعف اليقين في قلب هذا الإنسان، أو ضعفت قوته وخارت؛ فإنه يرتبط بالله عز وجل، ويقف بين يديه؛ ليستمد منه العون والتوفيق، فيخشع بين يدي الله خمس مرات، وينحني له، ويضع جبهته خضوعاً لله عز وجل، ويتوسل إلى الله عز وجل بآياته، ويعظم الله بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، وهذه أفضل العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى.

    ولذلك لما ذكر الله تعالى موالاة الكافرين بيّن كيف يجب أن تكون الموالاة له وحده فقال: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، وطرفا النهار: صلاة الفجر وصلاة المغرب والعشاء، أو صلاة الفجر والمغرب، (وزلفاً من الليل) هي صلاة العشاء، وتدخل صلاة الظهر وصلاة العصر في الطرف الثاني من النهار، فالمراد هنا بالصلاة: الصلوات الخمس التي هي أعظم فريضة شرعها الله على عباده، وقد فرضت فوق السماء السابعة، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله، وهي آخر ما يفقد من هذه الأمة، وأي أمة تُفقد فيها الصلاة فلا حظَّ لها في هذا الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).

    لقد غفل بعض المسلمين عن أولادهم فارتدوا عن الإسلام حينما تركوا هذه الصلاة المكتوبة، وهذا أمر خطير جداً، ليس الأمر مجرد معصية فحسب، ولكنه يتعداها إلى درجة الكفر والردة عن الإسلام، نسأل الله العافية والسلامة!

    الصلاة طهارة من الذنوب الآثام

    إنّ الصلاة صلة بين العبد وربه سبحانه وتعالى، وتطهر الإنسان من الآثام كنهر غمرٍ بباب أحدنا يغتسل منه خمس مرات كل يوم فهل يبقى من درنه شيء؟ وقد نزلت هذه الآية في رجل من الصحابة رضي الله عنه فعل ذنباً، وهو أنه قبل امرأة، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! عملت ذنباً عظيماً، قبلت امرأة، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجلس، فأنزل الله تعالى في حقه وفي حق جميع المسلمين إلى يوم القيامة لتكفير صغائر الذنوب: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] فلما نزلت هذه الآية تلاها صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل، فقال: يا رسول الله! ألي خاصة أم لجميع الأمة؟ قال: بل لجميع أمتي)، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لنا هذه الصلاة العظيمة التي يكفر الله عز وجل بها هذه السيئات التي يقترفها الإنسان في حين غفلة، أو في حين انحراف، ولذلك يقول الله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    خطر السهو عن الصلاة وتأخيرها عن وقتها

    الصلاة أمرها عظيم، وشأنها خطير، وقد يتأخر عنها الإنسان بعض الوقت، فيؤدي ذلك إلى أن يتساهل في مواقيتها؛ بحيث يصليها في غير وقتها، فيكون من الذين قال الله عز وجل فيهم: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ [مريم:59-60]، فإذا كان هذا الأمر في تأخير الصلاة عن وقتها، فكيف بتركها كلية؟! نعوذ بالله من ذلك!

    وقال الله عز وجل في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، والويل هو العذاب الشديد، فإذا كان العذاب الشديد للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، فما هو مصير الذين لا يركعون لله ركعة واحدة، ولا يعرفون الطريق إلى المسجد إلا حينما يقدّمون جنازة يصلي عليه المسلمون؟! نسأل الله السلامة والعافية!

    وهذا كثير فيمن ينتسب إلى الإسلام في أيامنا الحاضرة، نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة.

    أهمية الصلاة ووجوب إقامتها على كل حال

    أيها الإخوة! إنّ الصلاة هي رأس العبادات البدنية، وقد فرضها الله عز وجل من فوق السماء السابعة، بينما كل شرائع الإسلام فرضت على الأرض؛ ليعرف هذا الإنسان أهمية هذه الصلاة التي لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتركها في أي حال من أحواله، حتى في ساعة المعركة والنفوس تختطف، والرءوس تقطع، قال الله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، ولو كنت تركض على الأقدام فلابد أن تصلي، ولو كنت على البعير أو على الدابة، لا تترك هذه الصلاة أبداً في ساعة المعركة ولو كنت على أي وسيلة من وسائل القتال، لابد أن تؤدي هذه الصلاة، ولا تسقط حتى في حال المرض، فإذا كان الصيام يؤخر في حال المرض كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، والحج يؤخر إلّا لمن استطاع إليه سبيلاً، لكن الصلاة يقول صلى الله عليه وسلم فيها: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، ولو أن يومئ إيماءً، أو يحرك عينيه حركة، فلابد أن يشعر أن هذه الصلاة فريضة، وشعيرة عظيمة، لا تسقط بأي حال من الأحوال ما دامت الروح في الجسد.

    ولذلك لا تتعجبوا أيها الإخوة! حينما يقول الله تعالى في وسط هذه الأوامر العامة: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)، وكلمة (أقم) لها معنى غير معنى (صل)، فمعنى (صل) أي: أدَّ الصلاة، لكن معنى: (أقم) أي: ائت بها مستقيمة كاملة غير ناقصة.

    الصلاة تكفر صغائر الذنوب

    قال الله: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، كم يقترف الناس من السيئات التي قد يشعرون بها أو لا يشعرون. فأعطاهم الله عز وجل هذه الصلاة العظيمة التي تكفر عنهم هذه الصغائر، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة، وهذه التوبة بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، هذا بالنسبة إلى عامة الناس، وأما بالنسبة لخاصة الناس -أي: لكل واحد من الناس- فما دامت هذه الروح في ذلك الجسد فباب التوبة مفتوح إلى قبل الموت إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17]، فقوله تعالى: (من قريب) أي: قبل الموت، فلا يفرط الإنسان في هذا العمر، ولا يمهل، ولا يغتر بالصحة والعافية والقوة والشباب، لا يؤخر التوبة فقد يهجم عليه الموت على غرة فلا يستطيع أن يستعتب، ويقول وهو في حسرات الموت وفي سكرات الموت: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، فيقال له: كَلَّا [المؤمنون:100] أي: لا ترجع أبداً، يقول الله تعالى: إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    خطر ترك الصلاة

    أيها الإخوان! إن ترك الصلاة ردة عن الإسلام، يقول العلماء: من ترك الصلاة فإنه كافر مرتد، وإذا كان في عصمته امرأة مسلمة فإنه يجب أن يفرق بينهما؛ لأن الله تعالى يقول: فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]، ويقول بعض العلماء: إنّ الأولاد الذين يولدون في فترة عدم صلاته موضع شك هل هم أولاد شرعيون أم هم غير شرعيين؟! ويقولون: لا يكفن، ولا يغسل، ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يدخل المسجد، فالأمر خطير يا إخوان! وكثير من الذين يتركون الصلوات الخمس، أو يتركون بعضها يغفلون عن هذا الأمر الخطير، ويغفلون عن هذه المسئوليات الكبيرة، ويصبح أولادهم موضع شك بالنسبة لإلصاقهم بهم من الناحية الشرعية، ويفرّق بينهم وبين زوجاتهم، فالمراد أنّ حياتهم تتغير تغيراً كاملاً، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن يجعلنا وإياكم وذرياتنا ممن يقيم الصلاة، ويخشى الله سبحانه وتعالى.

    فضل الصلاة مع الجماعة

    ومن مظاهر الاستقامة: إقامة الصلاة، وهي أعظم وأهم مظهر من مظاهر الاستقامة على دين الله تعالى، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، بل إن من ترك الصلاة مع الجماعة فإنّه يخاطر بدينه، فتراه يسمع المنادي يقول له: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وكأنه لا يسمع، فإذا جاء يوم القيامة قيل له: اسجد لله ما دمت لم تسجد، فلا يستطيع السجود؛ لأن الظهر يعود طبقاً واحداً، فينكب على وجهه في نار جهنم، وهذا هو معنى قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا [القلم:42-43] أي: في الدنيا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:43]، إنّهم معافون الأجساد، ومع ذلك لا يستجيبون، والمنادي ينادي من جانب داره كل يوم خمس مرات: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يرفعون لذلك رأساً، ولا يقيمون له وزناً، فيكشف عن ساق يوم القيامة، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود.

    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في وصف المجتمع الإسلامي الذي عاشه: (إن الله عز وجل شرع لنبيكم سنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم)، والصلاة في البيت تؤدي إلى ترك الصلاة نهائياً؛ لأنه عصى الله تعالى، والله يقول: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، قال: (ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم).

    ثم يقول عن مجتمعه: (ولقد رأيتنا -ونحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- وما يتخلف عنها -أي: في المسجد- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل منا يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) أي: أنه لا يستطيع المشي، فيحمله اثنان حتى يقيمانه في الصف، مع أن صلاة الجماعة غير واجبة عليه، لكنه لا يريد أن يتخلف عن الصلاة مع المسلمين.

    1.   

    بيان أهمية الصبر وأنه من لوازم الاستقامة

    يقول تعالى: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:115] أي عبادة من العبادات لابد أن يكون من أهم مقوماتها الصبر، والصبر معناه: حبس النفس، وعدم الشكوى. والاستقامة تحتاج إلى صبر؛ لأن الإنسان ربما يكون في مجتمع يرهقه أن يكون مثل هذا الرجل الصالح فيهم، فيضايق؛ فلابد له من الصبر، وقد يفسد المجتمع فتحتاج الاستقامة إلى شيء كثير من الصبر والمصابرة، ودائماً الصبر هو طريق الفوز بسعادة الدنيا والآخرة.

    إن الركون إلى الكافرين قد تفرضه بعض الظروف على المسلم، فهو مطالب أن يصبّر نفسه حتى لا يركن إلى الكافرين، والصلاة تحتاج إلى صبر؛ لأنها عبادة تتكرر كل يوم خمس مرات، ولا يطيقها إلا الصابرون الذين يصبرون أنفسهم على طاعة الله وعن محارم الله، وهكذا يكون الصبر دائماً هو طريق الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النجاة من غضب الله تعالى وعذابه

    يقول الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [هود:116]، أي: لم يكن في الأمم السابقة من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً، وهؤلاء القليل لو تتبعتهم لوجدتهم هم الذين ينقذون أنفسهم وينقذون العالم من عذاب الله عز وجل؛ ولذلك إذا أنزل الله تعالى العقوبة فإنه لا يسلم منها إلا الذين ينهون عن السوء، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ) أي: فهلا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ) أي: لم يكن فيمن قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض، فلا تكونوا مثلهم فيعاقبكم الله كما عاقبهم، ولكن كونوا ممن ينهى عن الفساد في الأرض؛ لأن ذلك هو سبب سلامة العالم صالحهم وفاسقهم، وهو سفينة النجاة، فإذا تُركت هذه السفينة يعبث بها السفهاء، ونام العقلاء عن ذلك، واستطابوا العيش الرغيد، ولم يفكروا في أن يغيروا شيئاً من الأوضاع التي ألفها الناس؛ لأنهم يريدون أن يعايشوا هذا المجتمع معايشة سليمة خالية من التنغيص، ولو كان ذلك على حساب الدين، ولو كان ذلك على حساب بقاء الأمم وهلاكها؛ كان ذلك سبب هلاك وفناء هذا العالم.

    (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) أي: لم يكن هناك من ينهى عن الفساد إلّا قلة، وهؤلاء القلة هم الذين أنجاهم الله عز وجل، وهم المرسلون ومن آمن بالمرسلين.

    ثم قال الله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:116-117]، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، ولم يقع في تاريخ البشرية أن الله تعالى أهلك أمة مصلحة، ولكن أهلك المفسدين، وأهلك معهم الذين يسكتون عن الفساد في الأرض، أما المصلحون فإذا وُجِدوا في الأرض فإنهم يكونون من الأمم التي ينجيها الله عز وجل.

    فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يؤذى المصلحون في الأرض؟ ولما يتعرض المصلحون في الأرض من الذين يدعون إلى الله تعالى، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر للأذى، وهم سبب بقاء هذا العالم، وسبب بقاء هذه الدول التي وجد فيها المصلحون؟!! إن وجود هؤلاء المصلحين في أمة أو في دولة هو علامة على بقائها.

    صلاح الأمم بوجود المصلحين وهلاكها بفقدهم

    إنّ المصلحين إذا فُقدوا من الأرض، أو تهاونوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الجو يخلو للمفسدين ليعثوا في الأرض فساداً، وإذا كان الأمر كذلك فإنه بداية النهاية، وهو سبب دمار العالم، ولذلك نقول للناس: اتقوا الله وكونوا من المصلحين، ونقول: إن الله تعالى مدح المصلحين ولم يمدح الصالحين، فالصالح بنفسه الذي لا يصلح أوضاع الناس قد لا يخلص نفسه من عذاب الله عز وجل، فضلاً أن يخلص غيره؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، فكون أهلها صالحين لا يكفي، بل لابد أن يكون أهلها مصلحين، فإذا وجد المصلحون فهم علامة بقاء هذه الأمة، ومع ذلك فإني أعجب كل العجب كيف يكافَح المصلحون في الأرض؟! وكيف توجه لهم التهم؟! وكيف يوجه لهم الأذى؟! وكيف تشل حركة الدعوة إلى الله؟! وكيف تشل حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم سبب بقاء هذا العالم؟!!

    واعلم أنه بمقدار ما يكون في الأمة من المصلحين يكون نصيبها من الخلود والبقاء في الأرض، ونقصد بالخلود طول العمر، وبمقدار ما يُفْقَدُ هؤلاء المصلحون تكون هذه الأمة هينة، ولا يبالي الله عز وجل بها أبداً، وتسقط من عين الله تعالى.

    أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من المصلحين، وأن يوفق للأمة الإسلامية قادة رشداء، وأن يهيئ لها أمراً رشيداً يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يجعل ولاة أمرنا وولاة أمر المسلمين كافة من الذين قال فيهم: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.