إسلام ويب

دين العدلللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام هو دين العدل، فما أنزل الله القرآن إلا للعدل، وما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلا بالعدل، وسنته صلى الله عليه وسلم مليئة بالأمثلة والمواقف المبينة لعدله بين الناس؛ ولذا كانت هذه الصفة بارزة في صحابته وخصوصاً الخلفاء الراشدين، فهم أخذوا العدل منه وتربوا على يديه ونشروه في ربوع الأرض، ثم تلاهم على ذلك التابعون من السلف الصالحين، فكم من أمة من أمم الكفر أسلمت لما رأت من عدل المسلمين الفاتحين.

    1.   

    سبب نزول آيات العدل من سورة النساء

    إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، والمصطفى من خلقه صلى الله عليه وعلى آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    لربما تكون هذه بداية حلقة لأحاديث متكررة إن شاء الله طيلة إجازة الربيع هنا في جدة، وسيكون الدرس الآخر القادم إن شاء الله مساء السبت ليلة الأحد في مسجد الأمير متعب ، ولربما تتواصل الحلقات إن شاء الله، ونرجو الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وحلقاتنا سوف تتعرض لدروس من كتاب الله عز وجل، ذلك أن القرآن هو مصدر حياة البشرية، وأن القرآن كما أخبر الله عز وجل عنه: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، وأن الله عز وجل ما فرط فيه من شيء، ولذلك فسوف نختار إن شاء الله دروساً من كتاب الله، كل درس منها يهتم بجانب من جوانب حياة الناس الاجتماعية، وما أكثر الاعوجاج في دنيانا اليوم لدى كثير من الناس، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم وإخواننا المسلمين نتخلق بخلق القرآن الذي هو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي عن عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان خلقه القرآن).

    أما الفصل الذي سوف أختاره لكم هذه الليلة فهي آيات في سورة النساء تقرر قواعد العدل في الأمة، وهذه القاعدة -قاعدة العدل- هي من أكبر الأمور وأهمها التي لا تستغني عنها الأمة، أمر مهم لا تستغني عنه أمة الإسلام، لاسيما في عصر الجور والظلم والطغيان التي سيطرت على عقول كثير من الناس، وهذه الآيات التي تتحدث عن العدل حتى مع الكافر ضد المسلم؛ لأن الآيات مضمونها رجل ينتسب إلى الإسلام فعل جريمة، فألصق الجريمة برجل يهودي، واستشهد قومه من المنسوبين إلى الإسلام فشهدوا ضد اليهودي، وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد اليهودي، لولا أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بصدق الخبر، وأن الجريمة لم يفعلها اليهودي وإنما فعلها رجل ينتسب للإسلام هو أبو طعيمة بشر بن أبيرق الذي تبين في الأخير أنه من المنافقين حسب سياق القصة، وأن إخوته وأبناء عمه الذين شهدوا معه زوراً وبهتاناً أيضاً هم من المنافقين.

    القصة: رجل منافق يدعى بشر بن أبيرق أبو طعيمة سرق ذات يوم درعاً فأخفاه عند يهودي من اليهود في المدينة، ثم جاء الطلب إلى بيت المنافق، فأنكر وجود الدرع عنده، وألصق التهمة باليهودي، فجيء باليهودي وشهد عليه أبناء عم بشر بن أبيرق ، فشهدوا أن بشراً لم يسرق، وأن الذي سرق هو اليهودي، بالرغم من أن السارق هو المنافق بشر بن أبيرق ، وأن اليهودي كان بريئاً من السرقة، فعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على قطع يد اليهودي، فأنزل الله قرآناً يبرئ فيه اليهودي.

    ومن هنا نعرف أيها الإخوة! كيف أن الإسلام يقر قواعد العدل حتى لمصلحة يهودي ضد مسلم؛ من أجل أن يفهم الناس حقيقة العدل، وأن العدل يجب أن يدخل في الحكم مهما كان هذا الحكم، حتى لو كان بين مسلم ويهودي كما يأتينا من قصص غير هذه القصة.

    المهم أنزل الله عز وجل القرآن فبرأ اليهودي، وألصق التهمة بصاحبها المنافق، أما هذا المنافق نعوذ بالله فما زادته هذه القصة إلا بعداً عن الله، هرب من المدينة مرتداً عن الإسلام، ولجأ إلى مكة بسبب فضيحة القرآن له، وانضم إلى معسكر المشركين في مكة، ثم أراد الله عز وجل له سوء الخاتمة فنقب ذات يوم بيتاً من البيوت في مكة، فسقط عليه الجدار فمات مرتداً عن الإسلام نسأل الله العافية؛ فخسر الدنيا والآخرة.

    هذا هو مصير الظالمين الذين يلصقون التهم بالأبرياء، تكون نهايتهم الردة عن الإسلام، والموت شر ميتة وهو يمارس اللصوصية، أقرأ عليكم الآيات، ثم نعود بعد ذلك إليها بشيء من التفصيل، ثم بعد ذلك نستطيع أن نفهم حقيقة العدل في الإسلام.

    يقول الله عز وجل في سورة النساء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    إِنَّا [النساء:105]، الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو موجه لنا أيضاً نحن؛ لأن كل شيء يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم هو موجه لنا أيضاً، حتى نقر قواعد العدل في هذه الحياة.

    إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:105-112].

    ثم يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا * لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:113-115]، هذا الذي ارتد عن الإسلام: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:115-116].

    هذا درس لا يجوز للمسلم أن يغفل عنه أو ينساه أبداً، والعجيب كما قلت لكم: أن هذه الآيات تدافع عن رجل يهودي، فأي دين يستطيع أن يدافع عن أعدائه أشد من هذا الدفاع؟! حتى لقد كان فيه اللوم العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم من أجل رجل يهودي كاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده حسب ما قامت عليه البينة الظاهرة، لولا أن الله عز وجل وجه القصة إلى مجراها الحقيقي بدل أن كانت في مجراها غير الحقيقي.

    هذه هي القصة وهذا هو سبب نزولها، ونعود إلى الآيات بشيء من التفصيل لنعود بعد ذلك إلى قواعد العدل التي يجب أن تطبق في الأمة بأي حال من الأحوال.

    1.   

    تفسير آيات العدل من سورة النساء

    قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق)

    قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، أي: يا محمد (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، لا برأيك.

    إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يحكم برأيه فهل يجوز لفاجر جبار عنيد أن يأتي في مثل عصرنا الحاضر لينحي القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم بين الناس برأيه أو بآراء الرجال وبقوانين البشر؟!

    لا يمكن هذا بأي حال من الأحوال، (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، أي: بما وجهك الله إليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم حتى في أحاديثه الشريفة التي سماها الله عز وجل الحكمة ليست رأياً له، وإنما هي بوحي من الله عز وجل، ولذلك فإن الكتاب والسنة كلاهما وحي من الله عز وجل، لكن هذا وحي هو كلام الله عز وجل مباشرة، وذاك وحي جعله الله عز وجل في قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغه إلى الناس بلسانه، أما الجميع فكلاهما وحي من الله عز وجل، ولذلك لا يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم برأيه في أي أمر من الأمور، وإذا حكم برأيه فإنه يقول للناس: أعينوني برأيكم، كما فعل صلى الله عليه وسلم يوم بدر في اختيار المكان.. وكما هو موقف الحباب بن المنذر ، وكما كان قبل ذلك حينما كان يستشير المهاجرين والأنصار، وغيرها قصص كثيرة، حتى لقد عاتبه الله عز وجل في كثير من هذه القصص كقصة ابن أم مكتوم حينما أعرض عن الأعمى وما أشبه ذلك من الأمور، حتى قال الله عز وجل: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام:35] حتى يصل العتاب من الله عز وجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا المستوى.

    إذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى أي واحد من البشر يأتي وهو معرض للخطأ والزلل أن يعترف بخطئه، ثم إذا كان هذا بالنسبة لحكم الله عز وجل لا بد أن ينفذه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله لا برأي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يحق لواحد من البشر أن يحكم هذا العالم، بل لا يمكن لهذا العالم أن يخضع لغير حكم الله عز وجل، ولذلك فإن من أعرض عن حكم الله عز وجل فهو طاغوت، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، وأي شعب وأي أمة تتحاكم إلى قوانين الرجال وآراء البشر فهي أمة زائغة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60].

    إذاً: لا بد أن يكون الحكم بما أنزل الله عز وجل لا برأي أحد من الرجال أياً كان هذا الرجل، ولو كان محمداً صلى الله عليه وسلم.

    (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، المخاصمة على الخائن تسبب لعنة من الله عز وجل، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (لعن الله من آوى محدثاً)، ما معنى آوى محدثاً؟ أي: غطى على حدثه ومصيبته، وعلى جرمه وذنبه؛ حتى يضيع هذا الجرم أو لربما يلتصق هذا بإنسان بريء كما هو في هذه القصة، ولذلك قد تأخذ الحمية إنساناً بسبب قرابة أو بسبب عداوة ليدافع عن مجرم أو ليلصق التهمة ببريء، وهنا تأتي المصيبة التي تحدث عنها القرآن في مثل هذه الآيات: (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، فالمخاصمة عن الخونة، والمدافعة عنهم، والثناء عليهم، وتبرئة ساحتهم أمر خطير جداً لا يجوز لواحد من المسلمين أن يقدم عليه.

    قوله تعالى: (واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً)

    هنا يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)؛ لأن الذنب صفة من صفات البشر يتعرض له كل الناس، إلا أن ذنب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذنب لا يقرون عليه، فإن الله عز وجل يوحي إليهم بتصحيح الخطأ الذي ربما يحدث من نبي من الأنبياء.

    فالذنب ملازم لهذا الإنسان في كل حالة من حالاته، ولذلك يقول الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ).

    تعال معي يا أخي إلى واحد من الناس اليوم، لو قيل له: اتق الله، فإنه ربما يغضب، لو قيل له: لا تفعل كذا .. أصلح كذا .. لا تفسد كذا .. اتق الله في كذا .. قال: أنا يقال لي: اتق الله! أنا يقال لي: استغفر الله! أنا يقال لي: لا تفعل! فلربما تأخذه العزة بالإثم فيبطش بطشاً عظيماً.

    هنا يقول الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، أي قل: أستغفر الله، والاستغفار كما نعرف أنه سبيل ينقل الإنسان من الذنب إلى الطاعة، ومن المعصية إلى الاستقامة، ولذلك فإن الله عز وجل يقبل توبة الإنسان واستغفاره، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه ليران على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة)، إذاً: كيف لا يستغفر الله إنسان من عامة الناس؟!

    قوله تعالى: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ..)

    قوله: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ)، الرسول صلى الله عليه وسلم ما جادل عنه، وإنما الذي جادل عنه أبناء عمه وإخوته من المنافقين من آل أبيرق الذين برءوا ساحته، فقدموا متهماً غير المتهم الحقيقي أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ربما تعجل في الحكم أو في قبول الدعوى ضد اليهودي قبل أن يتثبت في هذا الأمر.

    فالله تعالى قال: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، يعني: أنت عملت ذنباً عظيماً، ومن نعمة الله عز وجل عليك أنك ما قطعت يد اليهودي، ولو قطعت يد اليهودي لأقدمت على أمر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، وهنا يقول الله تعالى: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ [النساء:107] أصحاب الخيانة لا تجادل ولا تدافع عنهم، وهذا موجه لأي واحد منا ربما يقع أخوه أو ابنه أو ابن عمه أو أبوه أو قريبه في جريمة أو في ذنب، ثم تأخذه الغيرة على النسب ليقوم مدافعاً عن هذا المجرم ويقول: هذا أخي! وهذا ابني! وهذا أبي! وهذا ابن عمي بريء! ويبذل قصارى جهوده في سبيل تبرئة ساحة هذا المجرم وهو مجرم، فهذا أمر عظيم جداً لاسيما أن هذا الذنب قد يلصق بإنسان بريء وحينئذ يكون الجرم مضاعفاً ومكرراً كما كاد أن يحصل في قصة ابن أبيرق.

    قوله تعالى: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ..)

    (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ)، ما هو السبب؟

    قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) فهذه صفة المنافقين، المنافق أمام الناس كأنه عابد ناسك، لكنه أمام الله فاجر طاغوت نعوذ بالله: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)، أي: جلسوا جلسة في الليل كما يجلس المجرمون الآن يخططون، وهؤلاء لا يخططون فقط من أجل تبرئة أبي طعيمة ، وإنما يخططون للإطاحة بالإسلام.

    هذا منهج المنافقين دائماً وأبداً في ذلك العصر وفي هذا العصر وإلى يوم القيامة؛ لأنهم يريدون أن يوقعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حرج حينما يقطع يد اليهودي، ولو قطع الرسول صلى الله عليه وسلم يد اليهودي لكانت المصيبة أكبر، ولكان اليهود يتهمون هذا الدين بأنه دين جائر حيث يسرق فلان وتقطع يد فلان اليهودي! لكن الله عز وجل يكشف مؤامرات المنافقين.

    وفي يومنا هذا تجدون المنافقين حينما يخططون ويرتبون، ويجلسون الليالي الطوال يشتغلون في الظلام بخبث من أجل الإضرار بالأمة الإسلامية والإطاحة بها، نجد أن الله عز وجل بلطفه وكرمه دائماً يكشف لنا هذه المؤامرات؛ لأن سنة الله في هذه الحياة: (ولا يفلح الظالمون).

    ولذلك فإن الله عز وجل كشف هذه المؤامرة فقال: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:106-108]، هل يتصور هذا الإنسان أن الله تعالى معه في كل حالة من حالاته، وأي عمل يقدم عليه خيراً كان أو شراً فإن الله تعالى معه ومطلع عليه؟

    لا بد أن يعرف هذا الإنسان يقيناً أن الله تعالى معه، وأنه يراقب تصرفاته: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [يونس:61]، فالله تعالى مطلع وضع شهوداً في هذه الأرض، فالأرض تحدث أخبارها، والملائكة الكرام الكاتبون يعلمون ما تفعلون، وجوارح هذا الإنسان أيضاً تشهد على هذا الإنسان؛ لأن الله تعالى يقول: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا [فصلت:20] أي: النار، شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:20-21].

    قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ..)

    قوله: هَاأَنْتُمْ [النساء:109]، اتجه الله سبحانه وتعالى إلى شهود الزور نعوذ بالله! وهم أظلم الناس، وشر الناس من ظلم الناس للناس.

    وشهود الزور: هم الذين يشهدون زوراً وبهتاناً ليوقعوا هذا الدين في حرج، وليخلصوا المجرم، ولينقلوا الحق إلى غير صاحبه، وهؤلاء يعملون أكبر الكبائر كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو بكرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور! ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور!)، يقول أبو بكرة : ( فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها حتى قلنا: ليته سكت )، من شدة علامات الغضب التي برزت على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:109]، أنت الآن تدافع عنه أمام السلطة، لكن يوم القيامة من يجادل عن هذا إذا وقف بين يدي الله عز وجل؟!

    أنت وإن جادلت عنهم في الحياة الدنيا فإنك لا تستطيع أن تجادل عنهم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة؛ لأن الأمر مكشوف وواضح ليس عليه غبار، وليس فيه سر: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، كل الأمور مكشوفة، ولذلك يقول الله تعالى: (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، أي: عن هؤلاء المجرمين: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)، من يتوكل على أمرهم؟! وكل إنسان يوم القيامة كما أنه مكشوف أمره هو أيضاً مشغول بنفسه، لا يستطيع أن يدافع عن نفسه فضلاً عن أن يدافع عن غيره؛ لأن الله تعالى يقول عن ذلك الموقف: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، وهنا يقول الله تعالى: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:109]، استفهام إنكاري؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يجادل عنهم يوم القيامة، ممكن أن يجادل في الدنيا وممكن أن يذهب المجرم إلى القاضي يدافع عن مجرم آخر، يمكن أن يذهب شاهد الزور ليشهد أن مال فلان لفلان ولربما يحلف؛ لأنه لا يخشى الله عز وجل، ولربما يستطيع أن يخلصه بوساطة، وإن كان مجرماً قد أفسد وعاث في الأرض فساداً يستطيع أن يدافع عنه بواسطة أو بجاه، ولربما يكتفي برفع سماعة الهاتف ليقول: أخرجوا فلاناً من السجن، وهو أكبر المجرمين في الأرض، لكن تعال يوم القيامة حينما يقف الجميع بين يدي الله عز وجل، من يجادل عن هذا المجرم؟

    احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات:22]، يعني: وأشكالهم ونظراءهم وجلساءهم وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:22-23]، هنا يقول الله عز وجل: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:109]، إذاً: يا أخي! لا تجادل عن مجرم، لا تلصق التهمة ببريء، دع المجرم يأخذ نصيبه من العقوبة في هذه الحياة الدنيا، لعل هذه العقوبة تخفف عنه عذاب الله عز وجل يوم القيامة، دع السارق حتى تقطع يده، حتى يكون عظة وعبرة، ولعل الله أن يتجاوز عنه سرقته يوم القيامة، دع الزاني يقام عليه الحد؛ لعل الله أن يتجاوز عنه هذا الذنب يوم القيامة، دع قاطع الطريق يقام عليه الحد، دع شارب الخمر يقام عليه الحد؛ لعل الله أن يخفف عنهم العقوبة يوم القيامة، أما أن يأتي رجل يلبس ثياب الصلاح والتقى؛ ليجادل عن مجرم، أو ليشهد مع مجرم، ولربما تدفعه الغيرة والحمية أو القرابة أو العداوة لمن يشهد عليه، فإن هناك موقفاً بين يدي الله عز وجل لا يستطيع فيه أحد أن يجادل عن أحد؛ لأن الله تعالى يجرد كل واحد من سلطته يوم القيامة ويقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    ثم باب التوبة مفتوح، إذاً لا حاجة إلى اللف والدوران ما دام باب التوبة مفتوحاً، وله أجلان: أجل لكل واحد منا ما لم تبلغ الروح الحلقوم .. ما لم تحضر ساعة الموت، فباب التوبة مفتوح، والله عز وجل يقول عن هذا الأجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ.. [النساء:17] ولفظة (عَلَى) تدل على الوجوب فأوجب الله تعالى على نفسه: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، أن يتوب عليهم، والجهالة ليس معناها الجهل؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ، وإنما معنى ( بِجَهَالَةٍ )، أي: في غفلة، ومعنى (مِنْ قَرِيبٍ) ليس معناه: بسرعة، وإنما معناه: ما قبل الموت، فإن ما قبل الموت قريب، والله تعالى يقول في الآية الثانية: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء:18]، ما معنى (من قَرِيبٍ) ما قبل الموت، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أو: (ما لم تبلغ الروح الحلقوم)، أتعرفون معنى الغرغرة؟

    الغرغرة: أن تقرب الروح من الخروج لتودع هذا الجسد في هذه الحياة. إذاً: الأجل طويل لكل واحد، لكن الإنسان لا يسوف؛ لأن الموت قريب جداً من هذا الإنسان قال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34].

    الأجل الثاني للتوبة بالنسبة لعامة الناس: هو طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، وهي آخر آية من آيات الساعة، ولذلك يقول الله تعالى عنها: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158]، أي: تطلع الشمس من مغربها لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

    قوله تعالى: (ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ..)

    إذاً: معنى ذلك أن باب التوبة مفتوح في هذه الحياة، ولذلك يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، السوء: معناه السيئات عموماً، (يَظْلِمِ نَفْسَهُ) معناه: الشرك بالله سبحانه وتعالى، يعني: حتى الشرك بالله وهو أعظم الذنوب، وإذا كان الشرك بالله يغفره الله عز وجل فليس عجيباً أن يغفر الله عز وجل ما دون ذلك، والذنب الثاني بعد الشرك بالله هو الربا، الربا الذي أصبح الآن سهلاً تناوله عند كثير من الناس، يعلن بنك الرياض المساهمة فيتسابق الناس إلى المساهمة في بنك الرياض، أتدرون ما هو بنك الرياض وأي بنك من البنوك؟

    هو الحرب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا يغركم يا إخوان أنكم ترونها قد فتحت أبوابها أمام الناس، هي حرب لله.. هي أعظم ذنب بعد الشرك بالله عز وجل، أعظم من الزنا، وأعظم من المخدرات التي تحارب الآن بكل الوسائل، وأعظم من اللواط، وأعظم من المسكرات، وأعظم من السرقات، لكنها لا تحارب كما تحارب هذه الذنوب، لكن الله عز وجل توعد عليها بعقاب شديد.

    الربا أصبح الآن مغرياً يسيل له لعاب الناس وفي يوم من الأيام أعلن أحد البنوك فأصبح الريال يساوي أربعين ريالاً، إذاً ليس غريباً أن يقدم الناس على الربا إلا من عنده وازع إيماني؛ لأن هذه هي الفتنة التي يقول الله عز وجل عنها: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ بنو إسرائيل أراد الله عز وجل أن يختبرهم كما نختبر الآن بأرباح البنوك والشركات التي تربح بسرعة، فأعطشهم الله عز وجل، وأجرى لهم نهراً بارداً، وقال: لا تشربوا من هذا النهر إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليل منهم.

    إذاً: لا تعجبوا حينما ترون كثيراً من الناس وقعوا في الربا، ومن لم يأكل الربا أصابه من غباره، بنو إسرائيل حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، وفتنهم، وجعل السمك في يوم السبت يطفو على سطح البحر، ويختفي بقية أيام الأسبوع، لكن بنو إسرائيل أعقل من كفرة أو من فجرة أو من عصاة هذا العصر، ما صادوا يوم السبت لكن استعملوا الحيلة، فصاروا يضعون الشباك يوم الجمعة ويرفعونها يوم الأحد، فهي تكون مملوءة بالأسماك، كما يفعل الناس في حيل البنوك الآن وحيل الربا ما تشاهدونه.

    المهم يا إخوتي! إذا رأيتم هذه الأرباح الهائلة.. فاعرفوا أن وراءها طالباً، فأحذركم من الربا، وأنا تعرضت لهذا الموضوع؛ لأنه موضوع الساعة، أما حديثنا عن مغفرة الذنوب فإن الله عز وجل يتجاوز عن كل الذنوب حينما يصدق الإنسان بالتوبة:

    (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي: سيئة أياً كانت هذه السيئة (أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ)، وهو الشرك بالله عز وجل (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، من نعمة الله أن قال: ثم يستغفر، ولم يقل: فيستغفر، فالفاء للسرعة وثم للتراخي، ولذلك حتى لو مضى على هذا الذنب مدة من الزمن فالمهم أن يتوب بصدق وأن يبادر إلى التوبة والإنابة بعزيمة صادقة، وأن يرد المظالم فيترك الربا إذا كان كسب مالاً من الربا؛ لأن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:279]، فقط رأس المال، أما الربح فليس لك: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، الله تعالى قريب لكن بشرط أن يصدق هذا الإنسان مع ربه سبحانه وتعالى.

    قوله تعالى: (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه ..)

    قوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)، الإنسان لا يكسب الإثم إلا على نفسه، فالسيئة يجني ثمارها يوم يقف بين يدي الله عز وجل، لكن هناك سيئات تجر على المجتمع وبالاً أيضاً، ولا يتعارض ذلك مع هذه الآية: (فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأن الأصل أن السيئة تكون على نفس الإنسان، لكن لا يمنع أن يكون لها آثار تتعدى للمجتمع؛ لأنه صح في الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ...)

    لكن المشكلة أكبر من ذلك، حين يجني إنسان سيئة ويبرئ نفسه منها، ويلصقها بإنسان آخر: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112].

    الخطيئة: هي التي يفعلها الإنسان وهو يشك بأنها خطيئة، لكن الإثم هو الذي يفعله الإنسان ويعرف أنه إثم، وسواء كانت خطيئة يشك الإنسان في حرمتها أو إثماً يجزم بحرمته فإن عليه أن يعترف، وليس معنى ذلك أن كل من فعل ذنباً عليه أن يقدم نفسه للمحكمة أو للسلطة، فإن باب التوبة مفتوح، فإذا تاب الإنسان بينه وبين ربه سبحانه وتعالى فإن الله تعالى يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، بشرط: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:54-55].

    فالذنوب على نوعين: هناك ذنوب بين الإنسان وبين ربه سبحانه وتعالى، وهذا يكفي في التوبة أن يتوب الإنسان بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، دون أن يكشف نفسه أمام الناس، بل إنه إذا وصل إلى درجة المجاهرة بالذنب فإن الذنب يكون عظيماً، ولذلك جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين إلا المجاهرون) على روايتين.

    فالذنب إذا كان بينك وبين ربك سبحانه وتعالى فبادر بالتوبة، وثق بأن الله تعالى قد أوجب التوبة على نفسه إذا صدقت في التوبة، فقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، و(عَلَى) هنا تدل على الوجوب، فالله تعالى أوجبها على نفسه ولم يوجبها عليه أحد غيره، بشرط أن تستوفي هذه التوبة شروطها من الإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود، وأن يندم على ما مضى، لكن هناك ذنب ومثل هذا الذنب قصة ماعز رضي الله عنه، فـماعز رضي الله عنه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خيار الصحابة، زنا ذات يوم فاعترف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى أن لا يعترف ماعز ، وإنما يتوب بينه وبين ربه، فكان يعرض عنه وماعز يتابعه ويقول: يا رسول الله! زنيت .. زنيت .. أربع مرات، ويسأله الرسول صلى الله عليه وسلم لعله أن يتراجع: (لعلك قبلت، لعلك غمزت، ماذا فعلت؟ فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: أبك جنون؟)، كل ذلك من أجل أن ينصرف ماعز .

    إذاً: التوبة بين الإنسان وبين ربه، لا حاجة إلى أن تقام عليه الحدود إذا كان هذا الذنب لا يمس أحداً من الناس، لكن حينما يكون الذنب بين الإنسان والإنسان فهو من ديوان لا يترك الله عز وجل منه شيئاً يوم القيامة، وهنا لا بد في التوبة من رد المظالم إلى أصحابها قبل أن ترد يوم القيامة إن كان هناك مال يرد، وإن كان هناك عرض يستحل إلى غير ذلك.

    لكن إذا فعل هذا الذنب وزيادة على إصراره على هذا الذنب ألصقه بغيره، سرق وقال: فلان سرق، زنا نعوذ بالله، وقال: فلان زنا، قتل وقال: فلان قتل، فهذا هو أعظم الذنوب عند الله عز وجل، ولذلك أخرها الله تعالى وقال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [النساء:112]، يتهم به إنساناً ليس هو فاعل الذنب، (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)، (بهتاناً) وهو إلصاقه بغيره، (وإثماً) خطأ عظيماً ومبيناً.

    إذاً: لا بد لفاعل الذنب في مثل هذه الحال أن يعترف لاسيما إذا كان سيؤخذ البريء بدلاً منه، وأشد من ذلك حينما تقوم بينات وشهادات زور تبرئ المجرم لتلصق الجريمة بإنسان آخر: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

    قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته ..)

    ثم يتوجه الله عز وجل بعد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه أن يتأنى في الأمور، ولولا أن الله تعالى من على الرسول صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي لكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل أمراً عظيماً يشوه به الإسلام، ويصبح حجر عثرة في طريق الإسلام أمام اليهود وأيضاً يضر بإنسان بريء.

    (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ) يا محمد (وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ) شهود الزور، (طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: عن الحكم الصحيح (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) الأصل أنهم سيضرون بأنفسهم، لكن يضلونك أنت لو أقدمت على قطع يد الرجل اليهودي البريء، وإن كان يهودياً من أبناء القردة والخنازير، لكن يكفي أنه إنسان بريء من هذه السرقة، لو أقدمت لكان الأمر عظيماً، مع أن اليهود هم أشد وألد أعداء الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم، وألد أعداء الإسلام، ومع ذلك يدافع الله عز وجل عنهم من أجل أن يقر قواعد العدل في هذه الحياة.

    (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) يعني: يرتكبون الذنب العظيم؛ لأن هذا من أكبر الكبائر وهو شهادة الزور: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)، في الأصل أنت لا تتضرر، هم يتضررون، لكن أنت أيضاً تصبح عرضة لليهود حينما تقطع يد اليهودي بدون ما جرم.

    (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ).

    ثم قال الله تعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، (الْكِتَابَ): القرآن، (الْحِكْمَةَ): السنة، وهذا هو معنى قولنا: إن السنة وحي آخر جاء من عند الله نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ).

    انظر يا أخي! إلى التربية من عند الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي المواقف أفضل هذا الكلام أم ما يقوله الصوفية في أيامنا الحاضرة الذين يقولون: إن محمداً هو أول المخلوقات! محمد ليس له ظل! محمد خلق من نور! كل الأنبياء خلقت من نور محمد!

    الله تعالى يوقع الرسول صلى الله عليه وسلم موقع العدل أي: أنت رسول ونبي لكنك بدون هذا الوحي لا تعرف شيئاً من ذلك، هكذا الله عز وجل يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوقعه أفضل موقع (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، فأنت لا تعلم الكتاب ولا الحكمة.. كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً، ولكن الله عز وجل رفعه فوق العلماء، وجعل العلماء يستقون علمهم من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فضل من الله عز وجل، وليس عيباً في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أمياً، بل هو فضل وشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أكرمه، ولذلك لا يتسرب الشك إلى هذا القرآن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أمياً كما قال عز وجل في سورة العنكبوت: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48]، إذاً: لا يمكن أن يرتابوا بعدما عرفوا أنك أمي، وأن الله عز وجل علمك ما لم تكن تعلم، حتى وجد في عصرنا الحاضر من يقول: محمد ليس أمياً، ويظنون أنهم في هذا الأمر يرفعون قيمة الرسول صلى الله عليه وسلم، الحقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عز وجل أنه أمي: النَّبِيَّ الأُمِّيَّ [الأعراف:157]، وهنا يقول: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113]، فما كان يقرأ ولا يكتب عليه الصلاة والسلام قبل النبوة، لكن أصبح العلماء يستقون من علمه صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم كفر به صلى الله عليه وسلم، وكفر بالقرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، وما تشاهدونه من البدع والخرافات التي أحدثها الناس، ويظنون أنهم بها يرفعون من قيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله غيره إنهم ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقسم بالله العظيم لو بعث فينا اليوم محمد صلى الله عليه وسلم لقطع رءوس قوم غلوا فيه كما غلت النصارى في المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام، ولو بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فينا اليوم لقاتل هؤلاء الذين يطرونه ويرفعونه إلى درجة الألوهية قبل أن يقاتل الشيوعيين والملاحدة الذين ينكرون الخالق وينكرون الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة! ليست محبة الرسول صلى الله عليه وسلم محبة عاطفة لكنها محبة متابعة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، ليست كمحبة الزوجة والأولاد محبة عاطفة إنما هي محبة متابعة، ونقول لمن ادعى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: تعال نحن وإياك نحتكم إلى شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل أنت حينما تريد أن تغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؟

    هل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يشدون الرحال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر رجب كما يفعل كثير من الناس اليوم، ويحدثون شيئاً يسمونه الرجبية؟! ما هي هذه الرجبية؟! نحن لا نعبد الله عز وجل إلا بما شرع الرسول صلى الله عليه وسلم، فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله أن لا نعبد الله إلا بما شرع.

    هل شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لنا الرجبية؟ هل شرع لنا أعياد ميلاد؟

    يا أخي! قف عند سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتكون أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما محبة الغلو والإطراء فالرسول صلى الله عليه وسلم يرفضها، لما قال له رجل: (يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟).

    إذاً: أيها الإخوة! المسألة تحتاج إلى وقوف عند سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا تكون المسألة عواطف وشهوات نبتعد فيها كثيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، هل يعتبر هذا سباً للرسول صلى الله عليه وسلم من الله سبحانه وتعالى؟ لا، هذا تعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم أنه علمه ما لم يكن يعلم، ولو كان يعلم قبل النبوة لأصبح موضع شك عند القوم، لكن العجيب عند القوم أنه رجل أمي، وأصبح معلم البشرية كلها إلى يوم القيامة، (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

    قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم ..)

    ثم تحدث الله عز وجل عن كشف مؤامرة، كان المنافقون يجلسون بالليل حتى دبروا مؤامرة قصة أبي طعيمة ، فالله تعالى مطلع على جلساتهم في الظلام؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت الظلام فقال سبحانه وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114].

    المناجاة التي كانوا يتناجونها في السر ليدبروا المؤامرة ضد اليهودي وليلصقوا المشقة والعنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه النجوى أمرها خطير، فالنجوى -وهي الكلام السري الخفي- لا تجوز إلا في ثلاثة أشياء: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، أن يحث الناس على البذل في سبيل الله وعلى الإحسان إلى الفقراء والمساكين وما أكثرهم اليوم! أو يأمر بالمعروف إذا رأى الناس عطلوا واجباً من واجبات هذا الدين، أو يصلح بين اثنين بينهما خلاف وشقاق، وخلافهما وشقاقهما يؤدي إلى ضياع دينهما (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

    ثم تعود الآيات مرة أخرى إلى ابن أبيرق الذي انتهت حياته بالردة، وسقط عليه جدار في مكة وهو ينقبه ليسرق مرة أخرى، فيموت مرتداً عقوبة على ما فعل في المدينة؛ لأن الله عز وجل يقول: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، فالمعاصي يجر بعضها بعضاً، فانتهت المعصية وإلصاق التهمة ببريء إلى الردة عن الإسلام، ثم الموت وهو مرتد، وصار حطباً لجهنم.

    قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ..)

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء:115].

    ما معنى (يُشَاقِقِ)؟ أي: يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم في شق وهو في شق آخر، أي: يسير في طريق غير الطريق التي سار فيها محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: نور قلبي يا نور السماوات والأرض! يا أول المخلوقات! يا من خلق من نور! لكنه في شق والرسول صلى الله عليه وسلم في شق آخر، هذا هو الذي شاقق الرسول صلى الله عليه وسلم وإن ادعى المحبة فإنها محبة عاطفية، (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، فدين الإسلام وضح لهؤلاء الناس كل طريق.

    هل تظنون أن الله عز وجل الذي بعث لنا الرحمة محمداً صلى الله عليه وسلم، فعلمنا كيف ندخل الحمام وكيف نخرج، وكيف نلبس النعل والثوب؛ أتظنون أنه يعجز عن تعليمنا أصول ديننا؟ فيعلمنا أن هناك رجبية في ليلة سبعة وعشرين من رجب، يذهب الناس إلى مكة والمدينة يحيون ليلة المعراج كما يقولون، وليلة المولد يحيونها، وما فعلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وعلي ، وكذا غيرها من الأمور والعبادات التي أصبح الدين بها مطاطاً الآن في نظر الناس، مع أن الدين مقفل قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    هل من المعقول أن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي علمنا كيف ندخل الحمام لا يعلمنا كيف نعبد الله بأمور تمس العقيدة وأصول الدين؟!

    إذاً: هذا مستحيل، ولذلك نقول لمن سلك غير طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحدث عبادة ولو كانت عبادة ترضي الله في الظاهر أجمع علماء المسلمين على أن الأصل في العبادات التحريم، وأنه لا يجوز لأحد أن يحدث أية عبادة إلا إذا شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم، أو فعلها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، الذين قال عنهم الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)، متى كان أبو بكر وعمر يأتون من المدينة إلى مكة في ليلة سبعة وعشرين من رجب؟!

    ومتى كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يحيون ليلة الميلاد .. إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثها الناس اليوم؟

    الفرق بعيد يا إخوتي والله بين الناس وبين سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي مات وتركنا عليها، وهي: محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    يقول الله عز وجل عن البدعة: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، والله لو كان راكعاً ساجداً لله عز وجل بالليل والنهار صائماً طيلة النهار، ما دام أنه يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، و(ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، أمة الإجابة ليس أمة الدعوة، أمة من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، كلها في النار إلا واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، قيل: (من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    إذاً: يا أخي! أنت لست بحاجة إلى أن تذهب بعيداً، انظر أي عبادة أحدثها الناس اليوم، اعرضها على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابة من بعده، إن كانوا فعلوها فهي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، احملها على رأسك، وإن لم يفعلوها ولو كانت عبادة في ظاهر الأمر فارفضها؛ لأن اثنتين وسبعين فرقة من أمة الدعوة والإجابة كلها في النار، وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    المسألة يا إخوتي ليست مسألة أذواق، كلما أعجبنا شيء قلنا: هذه بدعة حسنة، ما هي البدعة الحسنة؟

    أين موقع البدعة الحسنة في دين الله؟

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في كل جمعة على المنبر: (ألا إن كل محدثة في دين الله بدعة! ألا أن كل بدعة ضلالة! ألا أن كل ضلالة في النار)، متى كانت هناك بدعة حسنة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة)؟!

    ليست هناك بدعة حسنة.

    إذاً: العبادات يا إخوتي دائرة مقفلة، أقفلها الحبيب عليه الصلاة والسلام ليلة عرفة في حجة الوداع، في آخر آية نزلت من القرآن: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، فأي عبادة تحدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يجمع عليها الخلفاء الراشدون الأربعة فإننا نعتبرها بدعة، وليست عبادة ولو كانت صلاة وصياماً وطاعة، فمن قال إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم رجباً؟ إذاً نقول: حتى العبادات التي ترهق الإنسان وظاهرها الصلاح، ما دام أنه ما فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الخلفاء الراشدون من بعده فنعتبرها ضلالة، وكل ضلالة في النار ولو كانت عبادة، وكم من عابد أحدث في دين الله عز وجل فهو يحاسب عن ذلك يوم القيامة.

    يقول الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، القرآن واضح والسنة واضحة: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)، نوجهه الطريق التي يريد في الدنيا، وفي الآخرة (نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

    قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ..)

    يقول الله تعالى بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، ما صلة الآية الأولى بالثانية؟

    كل من وقع في البدعة وقع في الشرك، فالمسألة تبدأ من بدعة وتنتهي بشرك، والله يا إخوان من خلال جولة في العالم الإسلامي رأينا كيف تتطور البدعة حتى تصل إلى شرك، ففهمنا هاتين الآيتين بجوار بعضهما: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساء مصيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:115-116].

    فالبدعة يعاقب عليها الإنسان بالشرك، ولذلك جاءت آية الشرك: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:116]، بجوار آية البدع ومشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرفنا يقيناً كيف تنتقل البدعة بالإنسان إلى الشرك، اليوم بدعة حسنة! غداً هذه والله أحسن عبادة جاءت في مخ هذا الإنسان! فيخرج سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ويضع مكانها بدعة، حتى رأينا أن بعض المجتمعات لا يعرفون شيئاً من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والله يا إخوان رأيت ناساً يصومون رجباً ولا يصلون في بعض البلاد الإسلامية المجاورة.

    يصوم شهر رجب ويلحقه بشعبان، وصيام شعبان سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمضان ركن من أركان الإسلام، لكنه يأتي برجب، فنقول: من أين أتاكم شهر رجب؟ لا يوجد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم صيام رجب، نجد بعضهم لا يصلي ولا يركع لله عز وجل ركعة، وهذا عجيب!

    إذاً: لما دخلت بدعة لا بد أن تخرج سنة، بل لا بد أن تخرج واجباً، بل لا بد أن يخرج ركن من أركان الإسلام مقابل هذه البدعة نعوذ بالله، ولذلك الذين وقعوا في البدع وقعوا بعد ذلك في الشرك بالله عز وجل، فعبدت القبور، وحج إليها الناس.

    صدقوني يا إخوان! حينما أقول لكم: عبدت القبور لا نبالغ، أكبر رقم قياسي للأوثان التي عبدت من دون الله عز وجل في آخر يوم من أيام الوثنية في مكة يوم دخل الرسول صلى الله عليه وسلم فاتحاً لمكة، فكان في الكعبة ستون وثلاثمائة صنم، فكم يوجد من صنم الآن في العالم الإسلامي؟ تقول الإحصائيات: يوجد الآن عشرون ألف ضريح يعبد من دون الله.. كلما بعد الناس عن عصر النبوة دخلت البدعة، وكلما دخلت البدع في دين الله عز وجل أخرجت السنن، وكلما أخرجت السنن أوجدت فراغاً نعوذ بالله!

    عشرون ألف ضريح رأيت كثيراً منها بعيني هاتين يحج إليها الناس، الطواف حولها مدة أربع وعشرين ساعة لا يتوقف، حتى أن بعضها عنده سدنة يقول للناس: شوطاً واحداً فقط، لماذا؟!

    لأن الوقت لا يتسع، ولأن الزحام شديد، وممكن يطوف سبعة أشواط إذا كان له أهمية في المجتمع، لكن لعامة الناس ليس هناك إلا شوط واحد من شدة الزحام، والله يراق حولها من الدموع أكثر مما يراق حول الكعبة المشرفة، والله إن الذين يتمسحون بها ويقدمون لها النذور والقرابين أكثر من الذين يطوفون حول الكعبة في أيام الزحام، اقسمها على عشرين ألف ضريح في العالم، اضربها في عشرين ألف مرة في العالم، إذاً: أين العالم الإسلامي يا إخوة؟

    العالم الإسلامي كثير منهم ضل الطريق؛ لأن البدع بدأت تدخل، ويقولون: هذه بدعة حسنة .. هذه بدعة حسنة .. حتى أصبح الناس في حيرة من هذا الدين، والله يا إخوان زرت بعض هذه الأضرحة لأرى بعيني، فجئت قبل الفجر بساعتين فما استطعت أن أدخل من شدة زحام السيارات والباصات التي تنقل الحجاج من أقطار باكستان إلى ضريح من الأضرحة، فهذا واحد فقط من عشرين ألف ضريح.

    إذاً لا تعجبوا أيها الإخوة! حينما يقول الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:115-116].

    1.   

    دين الإسلام يقوم على العدل

    هنا نستطيع أن نرجع إلى صلب الموضوع بعدما أنهينا الحديث عن الآيات بشيء من التفصيل لنقول لكم: دين الإسلام يقوم على العدل، والعدل هو الميزان الذي يقول الله عز وجل عنه: وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن:7]، والعدل: هو حكم الله عز وجل، فقد حرم الظلم على نفسه وحرمه بين الخلائق، وبهذا العدل ينتشر الإسلام في الأمم.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل مع نفسه

    ولذلك نجد في قصص كثيرة كيف يهتم رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده بهذا العدل، ولو أدى ذلك إلى أمور ليست لمصلحة الإسلام، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحكم على نفسه بالعدل، ما كان يرى لنفسه أمراً يختص به، حتى قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

    (أيم الله) يعني: والله، متى كان هذا الكلام؟ حينما سرقت امرأة من بني مخزوم، من أشراف أهل مكة، فعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يقطع يدها، فجاء خيار أهل مكة إلى أسامة ين زيد حب الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: قدموه ليكون شفيعاً، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أتشفع في حد من حدود الله)، لماذا؟

    لأن الحد إذا ما أقيم على الناس كافة لا تستقيم هذه الحياة، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيمه على نفسه، ذات يوم في غزوة بدر كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسوي الصفوف، فـسواد بن غزية كان متقدماً قليلاً على الصف، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومسح بطنه بشيء من القوة ليرجع، قال: أوجعتني يا رسول الله! أتظنون الرسول صلى الله عليه وسلم قال: هذا سبني أدخلوه السجن؟ لا، كشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطن نفسه وقال: خذ يا أعرابي حقك، وذلك أمام الناس في الحال، ما قال: خذوه هذا يسب الزعيم، فقام سواد بن غزية رضي الله عنه وقبل بطن رسول الله، قالوا له: لماذا فعلت ذلك؟ قال: والله لقد علمت أنها ساعة ربما تكون هي الأخيرة في حياتي، وأريد أن تكون آخر حياتي مباشرة جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انظروا يا إخوان إلى الإيمان! يعرف أنه قادم إلى الجنة فيقول: أريد أن ألصق شفتي بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ألقى الله عز وجل.

    أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول على المنبر: (إن رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني) هل تظنون أن الناس سيقولون: لا، أنت أعدل الناس، ما فيك اعوجاج؟! بل قام أعرابي بدوي فشهر سيفه وقال: (يا عمر ! والله لو رأينا منك اعوجاجاً لعدلناه بسيوفنا هذه).

    علي بن أبي طالب يختصم مع يهودي في درع له

    أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد فقد درعه ذات يوم، وهو راجع من غزوة صفين، فذكر له أن درعه عند رجل يهودي، فقال لليهودي بلباقة وهو أمير المؤمنين: هذا درعي، قال اليهودي: بل هو درعي أنا، قال علي بن أبي طالب : نذهب أنا وأنت إلى القاضي، فذهب الاثنان إلى القاضي شريح رحمه الله، فجلس علي واليهودي على كرسيين متساويين أمام القاضي شريح، فقال القاضي شريح: هل لك بينة يا أبا الحسن؟ فغضب علي رضي الله عنه وقال: لماذا تكنيني ولا تكني اليهودي؟ لا بد أن تعدل حتى في الكنية، قل: يا علي ، قال: هل لك بينة؟ قال: والله ما عندي بينة، فقال: الدرع لليهودي، مع أنه لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن البينات حسب الظواهر أنه لليهودي وليس عند علي بينة.

    فاليهودي خجل وتعجب من هذا الحكم، كيف يجلس اليهودي مع علي بن أبي طالب أمير المؤمنين على كرسيين متساويين؟! فقام اليهودي وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أنها أحكام أنبياء، الدرع لك يا أمير المؤمنين، تبعتك يوم صفين ووجدته قد سقط منك، فقال علي رضي الله عنه: أما وقد اعترفت وأسلمت فإن الدرع لك.

    ما الذي دعا اليهودي إلى أن يعتنق دين الإسلام؟! الذي دعا اليهودي إلى أن يعتنق الإسلام هو العدل الذي طبق.

    عمر بن الخطاب وعدله مع جبلة بن الأيهم

    أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان له موقف لا ينسى، كتب إليه رجل من كبار ملوك غسان يدعى جبلة بن الأيهم قال: يا أمير المؤمنين! أنا اعتنقت الإسلام أنا وقومي وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأستأذنك في العمرة، فرحب به عمر بن الخطاب .. وفرح به فرح شديداً.

    فجاء هذا الموكب العظيم من بلاد الشام إلى مكة، وكان يطوف حول الكعبة جبلة بن الأيهم ومعه خمسمائة من الحرس الذين اعتنقوا الإسلام معه، وبدون إرادة كان هناك رجل من فقراء المسلمين يطوف خلف جبلة بن الإيهم وهو من فزارة، وكان جبلة ما زال حديث عهد بجاهلية فكان يجر رداءه وراءه بعظمة الملوك، فوطئ الفزاري رداء جبلة بن الأيهم فسقط الإزار؛ فالتفت جبلة فلطم الفزاري لطمة فانهدم حاجبه، كيف تطأ ردائي وأنا ملك من ملوك العرب؟

    فذهب الفزاري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: يا أمير المؤمنين! انظر ماذا فعل بي جبلة قال: جيئوني بـجبلة ، ما قال عمر جبلة هذا مسلم جديد اتركه يا أخي! نحن ندفع ديتك من بيت المال، ثم قال لـجبلة : أأنت ضربت هذا الرجل؟ قال: نعم، قال: القصاص، الآن أهدم حاجبك. إنه العدل! قال: يا أمير المؤمنين! أنا ملك وهو سوقة؟ قال: ليس عندنا في الإسلام ملك وسوقة، الناس كلهم سواء، قال: يا أمير المؤمنين! والله لو نفذت لأتنصرن، قال: والله لو تنصرت لقطعت عنقك لأنك مرتد عن الإسلام، كل هذا المكسب نسيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل أن يقر قواعد الأمن في بلاد المسلمين، وفي أرض المسلمين، قال: يا أمير المؤمنين أعطني فرصة ثلاثة أيام أفكر في أمري، قال: لك ثلاثة أيام إما أن ترضي الفزاري، وإما أن أهدم حاجبك، بعد ثلاثة أيام هرب الرجل في الليل هو ومن معه مرتدين عن الإسلام إلى بلاد الشام مرة ثانية، ورجعوا نصارى نعوذ بالله، ما قال عمر : يا ليتني كسبت جبلة بن الأيهم ! كيف أهدده بالقصاص وهو رجل من ملوك العرب؟!

    خسرنا خمسمائة دخلوا في الإسلام ثم خرجوا منه، وإنما شكر الله عمر بن الخطاب أن وفقه إلى أن يقيم العدل في بلاد المسلمين.

    نختم الحديث أيها الإخوة؛ لأني أخشى أن تكون هناك بعض الأسئلة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    وجوب التوبة من كل الذنوب

    السؤال: هل التوبة تكون من المعصية التي يجب فيها حد من حدود الله التي أوجبها في كتابه، أم أن التوبة تكون من الصغائر فقط؟

    الجواب: التوبة تكون من كل الذنوب حتى الشرك؛ لأن الشرك بالله عز وجل أعظم من الذنوب التي فيها حدود، فالتوبة لكل الذنوب إلا حقوق الناس فإنه يشترط فيها مع التوبة رد المظالم، أما إذا كانت حقوقاً لله عز وجل فيكفى فيها الندم، ونحن نعرف قصة ماعز رضي الله عنه الذي زنا واعترف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رجموه هرب رضي الله عنه لما وجد من ألم الحجارة، فلحقوه ورجموه حتى مات رضي الله عنه، فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه!) إذا كان الإنسان قبل أن يعترف تقبل توبته فأولى أيضاً إذا تراجع عن اعترافه، لكن التوبة على نوعين:

    توبة في الدنيا وتوبة في الآخرة، أما توبة الدنيا فإنها لا تقبل في الأمور التي فيها حدود إذا كان فيها تهديد لأمن الناس، ولذلك يقول الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34]، فقاطع الطريق الذي يهدد أمن الناس إذا تاب قبل أن نقدر عليه تقبل توبته، لكن إذا تاب بعد أن نقدر عليه فإنها لا تقبل توبته، ومعنى: أنه لا تقبل عند الناس أي: أنه يقام عليه الحد، فقاطع الطريق إذا عثرنا عليه وأمسكناه قبل أن يتوب فإننا لا بد أن نقيم عليه حد قاطع الطريق، وهو قول الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33].

    وعلى هذا نستطيع أن نقسم التوبة إلى ثلاثة أقسام: توبة لا تقبل إلا بأداء الحقوق وهي حقوق الناس، وتوبة تقبل لكن قبل أن نقدر على صاحبها كقاطع الطريق إذا تاب وأعلن توبته، ورجع إلى الله تعالى قبل أن نمسكه، فنعتبره تاب حقيقة ونقبل توبته، أما إذا تاب بعد أن نمسكه فلا بد أن نقيم عليه الحد، وعلى هذا نقسم التوبة إلى توبة في الدنيا، وتوبة في الآخرة، أما بالنسبة إلى توبة الآخرة فهي لكل الناس، فإذا تاب الإنسان تاب الله عز وجل عليه إذا صدق في التوبة.

    أما توبة الدنيا فإن هناك ذنوباً لا تقبل فيها التوبة بالنسبة للدنيا أي: بالنسبة للعقوبات، ولذلك يقول الفقهاء: لا تقبل توبة من سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو سب الدين الإسلامي، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وليس معناه أنهم يدخلون النار وإن تابوا إلى الله عز وجل، بل المعنى أننا لا نقبل توبتهم نحن في الدنيا، فإذا وجدنا من يسب الله عز وجل، أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسب دين الإسلام كالعلمانيين الذين يقولون: دين الإسلام لا يصلح للحياة، هؤلاء لا نقبل توبتهم في الدنيا، وإنما نقيم عليهم العقوبة ونترك آخرتهم لله عز وجل، وإلا فالأصل أن تقبل التوبة من كل الذنوب بشرط رد المظالم التي عند المذنبين إلى أصحابها.

    حكم من اقترض نقوداً من البنك وبنى بها ثم أراد أن يتوب

    السؤال: لقد اشتريت بيتاً، واقترضت بعض النقود من أحد البنوك قبل فترة من الزمن، والآن تبت إلى الله، فما حكم ذلك، علماً بأنني ساكن في ذلك البيت، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: والله يا أخي! إذا كنت فعلت هذا الأمر بجهل فإنك معذور بالجهل، لكن لا أظن الناس يفعلون هذا الأمر بجهل، وأظنك يا أخي أخطأت في الأول ورجعت إلى الله عز وجل، لكنك لو أردت أن ترد الحق إلى البنك فإنك لا ترد إلا الأصل؛ لأنه ليس له إلا الأصل، أما إذا كنت قد أديت هذا الأمر ودفعت الأصل مع الزيادة فليس أمامك الآن إلا أن تتوب إلى الله عز وجل وتستغفر، ولا تعود إلى الربا مرة أخرى، فإن الربا حرب لله ولرسوله.

    حكم العمرة في شهر رجب

    السؤال: البعض من الناس يفضلون العمرة في شهر رجب عن الأشهر الأخرى، فهل في هذا خطأ، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أنا قلت لكم: الأصل في العبادات وفي توقيتها وتحديد شكلها هو شرع الله عز وجل، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله أن لا نعبد الله إلا بما شرع، وعلى هذا فإن من أوقع العمرة في رجب إن كان جاء بدافع شهر رجب، ومخصصاً شهر رجب لهذا الأمر فهو مبتدع؛ لأن شهر رجب لم يرد في فضل العمرة فيه أي دليل، ولم يرد في أي شهر من الشهور إلا في شهر رمضان كما جاء في الحديث عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة) أو تعدل حجة معي، أما ما سواه من الشهور فليس فيها وقت محدد للعمرة لا في شهر رجب ولا في شهر ربيع الأول الذي وافق مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا غير ذلك، فمن جاء معتمراً في شهر رجب؛ لأنه وافق فرصة له كإجازة الربيع أو ما أشبه ذلك أو لأي سبب من الأسباب فلا شيء عليه، لكن من جاء معتمراً في شهر رجب يقصد شهر رجب فهو مبتدع، فعليه أن يستغفر الله عز وجل ويتوب إليه، وأن لا يخصص للعمرة وقتاً معيناً، فإن العمرة جائزة في كل السنة.

    أما شهر رجب فكونه يختاره لأنه موعد الإسراء والمعراج بالرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا وإن كان له أهمية لكنه ما ورد دليل على تخصيص هذه الفترة بنوع من أنواع العبادات، كليلة النصف من شعبان التي يتخذها بعض الناس وقتاً للعبادة لم يرد فيها دليل، وكما هو يوافق يوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، كل هذه عبادات ما شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً، وإنما الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون العمرة دائماً وأبداً، ولم يرد دليل إلا في شهر رمضان كما قلت لكم.

    حكم إهداء قراءة القرآن للميت

    السؤال: ما حكم اجتماع جماعة من الناس لقراءة القرآن، وعند الانتهاء يهدون ثواب ما قرءوه إلى الأموات؟

    الجواب: أما بالنسبة للاجتماع لقراءة القرآن فهذا طيب قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة)، إلى غير ذلك.

    أما إهداء الثواب للميت فقد اختلف العلماء فيه، وأفضل وأعدل الآراء التي أعتقد إن شاء الله أنها خير أنهم قسموا العبادات إلى قسمين:

    عبادات مالية، وعبادات بدنية، أما العبادات المالية كالصدقة وألحقوا بها الحج؛ لأن فيه دليلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه العبادات إذا أهداها للميت فلعله أن يستفيد منها الميت، يعني: كأن تتصدق أو تحج أو تعتمر فقد وردت أدلة في إهدائها للميت، أما العبادات البدنية الأخرى فإنه لم يرد فيها دليل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، كل إنسان له سعي يحاسب عن سعيه يوم القيامة.

    وعلى هذا فإن من أهدى القرآن لميت لم يرد الدليل في ذلك فقد يدخل في البدع ولكن نقول: يا أخي! إذا ختمت القرآن فادع للميت؛ لأن الإنسان له عند ختم القرآن دعوة مستجابة، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا خير من أن تهدي له هذه الختمة، أما إهداء الختمة فإنها عمل بدني محض لا يوجد دليل عن الرسول صلى الله عليه وسلم على جواز إهدائه، فالأولى ترك ذلك، أما الأعمال المالية والحج والعمرة والطواف فهذه أرجو من الله سبحانه وتعالى أن تصل إلى الميت ويستفيد منها، وقد وردت أدلة في ذلك.

    حكم التعامل مع شركة التأمين

    السؤال: تحدثت عن معصية الربا، ولكن يجري الآن التسويق عن التأمين سواء داخل المكاتب أو في الشركات، السؤال: هل من كلمة حول التأمين على الحياة.. التأمين على المنازل.. التأمين على السيارات وغيرها، والتأمين على الحوادث؟

    الجواب: أما بالنسبة للربا فتحدثنا عنه بما يكفي إن شاء الله، أما بالنسبة للتأمين فهو باطل من عدة وجوه أولاً: هو عدم ثقة بالله عز وجل، لماذا هذا الإنسان بدل أن يعتمد على شركة تأمين لا يعتمد على الله سبحانه وتعالى، وأن يحسن الظن بالله عز وجل؟! والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)، لماذا تؤمن على حياتك وتؤمن على منزلك وعلى سيارتك؟ فهذا هو فقد ثقة بالله عز وجل.

    ثانياً: هو من الميسر الذي يقول الله عز وجل عنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، والميسر مأخوذ من اليسر، فكل مال يحصل عليه الإنسان بيسر وسهولة هو نوع من الميسر، كيف يكون التأمين ميسراً؟ نعم، أنا قد أدفع طول عمري لشركة التأمين على بيتي أو على سيارتي ولا أحتاج منهم قرشاً واحداً في يوم من الأيام، إذاً بم يستحلون هذا المال الذي دفعته لهم طول عمري أو في سنوات معدودة؟ ثم بعد ذلك لا أستفيد منهم مرة واحدة، وقد يكون العكس، قد لا يدفع إلا مالاً قليلاً لهم ثم تصيب هذا الإنسان نكبة في سيارته أو في بيته أو في نفسه فيدفعون الدية وحينئذ يكون قد ظلمهم هو بدل أن كانوا ظلموه في الحالة الأولى، حيث أخذ منهم أكثر مما أخذوا منه، والميسر دائماً هو كل مال يؤخذ بيسر وسهولة دون أن يكون مقابله مشقة أو تعب يقدمه هذا الإنسان، وعلى هذا فإن القمار والمقامرة أمر محرم، إذاً: هذا التأمين وشركات التأمين إما أن تأخذ أموال الناس ولا تعطيهم مقابل ذلك حينما لا تصيبهم نكبة، وإما أن تعطيهم أكثر مما أخذت منهم فيكونون ظلموا هذه الشركة إذاً: هو مبني على الغرر، وكل معاملة بنيت على الغرر فإنها معاملة محرمة لاغية باطلة.

    حكم الصيام في رجب وشعبان

    السؤال: هل الصيام في بعض أيام شهر رجب وشعبان أو تقديم بين يدي رمضان صيام، هل هناك ما يرغب في ذلك أم أن هذا بدعة؟

    الجواب: علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم مواقيت الصيام المسنونة، فمثلاً ثلاثة أيام من كل شهر، فلو صام الإنسان ثلاثة أيام من شهر رجب نقول: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو صام الإثنين والخميس من شهر رجب قلنا: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو صام شهر رجب كله قلنا: هذه هي البدعة، ما هو الدليل على بدعيته؟

    الرسول صلى الله عليه وسلم ما ورد أنه صام أبداً شهر رجب كله، أنت أحدثت شيئاً في دين الله ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا فعله الخلفاء الراشدون، لكن لو صمت شهر شعبان كله قلنا: هذا طيب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على صيام شعبان، ولو صمت ستة أيام من شوال قلنا: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو صمت مثلاً يوم عرفة فهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد فيها دليل، ولو صمت العشر الأول من ذي الحجة فهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد فيها دليل، لو صمت يوم التاسع والعاشر من محرم، قلنا: هذه سنته صلى الله عليه وسلم، ورد فيها دليل، ولو صمت يوماً وأفطرت يوماً طول حياتك قلنا أيضاً هذا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو صيام داود، لكن تصوم شهر رجب ما هو دليلك؟

    لم يرد من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تخصيص شهر رجب بالصيام، ولذلك فإني أنصح أي إنسان يعذب نفسه بهذا الصيام أنه فعل شيئاً ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، إذاً: هو غير متابع للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هو متبع أهواءً أو متبع طريقة ورثها من آبائه وأجداده أو من مجتمعه، والله تعالى يقول: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170].

    إذاً نقول: يا أخي! اتق الله حتى العبادات التي ترهق فيها نفسك وتتقرب فيها إلى الله لا بد أن تتحرى فيها متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنها بدعة وكل بدعة ضلالة.

    بيان معنى (وشهد شاهد من أهلها)

    السؤال: لقد استمعت لشريط لك بعنوان: عبر من قصة يوسف عليه السلام، ولقد ذكرت في تلك المحاضرة الشخص الذي شهد على امرأة العزيز والذي قال الله تعالى فيه: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا [يوسف:26]، فالسؤال هو: هل هو طفل رضيع الذي شهد بذلك؟

    الجواب: نعم الذي ورد في الأثر أنه طفل رضيع، ولذلك تعتبر آية ومعجزة ليوسف عليه الصلاة والسلام، ولذلك جاء في الحديث أنه ما تكلم في المهد إلا ثلاثة فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم:

    صاحب جريج ، وصاحب يوسف، وصاحب الأخدود الذي قال لأمه لما وقفت على حافة الأخدود: يا أماه! اقدمي ولا تقاعسي إنك على الحق المبين، والرابع هو عيسى عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء هم الذين تكلموا في المهد.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.