إسلام ويب

ويمكرون ويمكر اللهللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يزال الكفار والمنافقون يؤذون الله ورسوله والمؤمنين، ويمكرون المكر الشديد في محاربة الإسلام والمسلمين، ولذلك يسلط الله عليهم في آخر الزمان عباده المؤمنين، ويمكنهم من رقابهم. ومن رحمته سبحانه أنه فتح باب التوبة لكل من أراد العودة إلى الدين، والكف عن إيذاء عباده المؤمنين، ومن لم يتب فإن الله له بالمرصاد.

    1.   

    أسباب تسليط الله للمؤمنين على الكافرين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه حلقة جديدة في موضوع آيات القتال والجهاد في سبيل الله من سورة الأنفال التي تتحدث بمجموعها عن الجهاد في سبيل الله، وتتحدث بصفة خاصة عن موقعة بدر وأسبابها، والسر في انتصار المسلمين وانهزام الكافرين.

    يقول الله عز وجل: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:30-32] إلى آخر الآيات.

    مكرهم برسول الله عليه السلام

    إن هذه الآيات والتي قبلها تتحدث عن الجرائم العظيمة التي من أجلها سلَّط الله تعالى المؤمنين على الكافرين، وتقدم لنا الجريمة الأولى من جرائمهم، وهي قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] وتلك الجريمة كانت هي الشرارة التي من أجلها كانت موقعة بدر، ومن أجلها سلط الله المؤمنين على الكافرين ونصرهم عليهم؛ لأنهم أخرجوا رسوله عليه السلام من مكة بغير حق، وطاردوه عند خروجه إلى المدينة.

    فالله عز وجل يسلط على من يتجرأ على حدوده جنداً من جنوده وأولياء من أوليائه، ولربما يسلط على المسلمين فجرة كفرة بسبب بعدهم عن الله سبحانه وتعالى، لا عجب من ذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: (من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، وإذا كان الله تعالى قد سلط المسلمين على المشركين الوثنيين في يوم بدر، فقد سلط على المسلمين في فترات كثيرة متقطعة من التاريخ أعداء أبعد منهم عن الله عز وجل، وقد يسلط الله تعالى على المسلمين المنحرفين كفرة بسبب ما كسبت أيديهم، فلله عز وجل جنود السماوات والأرض يسلط من يشاء على من يشاء.

    ادعاؤهم المقدرة على الإتيان بمثل القرآن

    والجريمة الثانية التي استحقوا بها الهزيمة هي ادعاؤهم المقدرة على الإتيان بمثل هذا القرآن، قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31].

    لقد كان النضر بن الحارث ومن على شاكلته من الوثنيين المعاندين إذا سمعوا القرآن سخروا منه، وقالوا: هذه أساطير الأولين؛ كما هو منطق كثير من المعاندين للإسلام اليوم، ولربما يكون بعضهم من المحسوبين على الإسلام، كما قال طاغية من طغاة الأرض ذات يوم: إن العقل لم يعد يصدق بما يقوله محمد في القرآن من عصا موسى، وقصة أصحاب الكهف، وإن محمداً يأتي بخرافات ويضعها في القرآن.. فأخذ الله عز وجل هذا القائل أخذ عزيز مقتدر، ولربما أخذ الله أمة بسبب مقالة رجل يتعدى حدود الله عز وجل ويتجرأ على دينه.. إذا سكتت عن مثل هذا القول الذي قاله رجل في عهد الرسول عليه السلام.

    يقول الله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا [الأنفال:31] أي: سمعنا ما تقوله يا محمد، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [الأنفال:31] أي: إن القرآن كلام نستطيع أن نقول مثله، ولذلك وجد منهم من عارض القرآن وسخر منه وجاء بشيء مضحك زعم أنه يشبه القرآن! وهؤلاء هم المستهزئون الذين يقول الله تعالى عنهم في سورة الحجر: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95].

    ثم قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31] أي: ما هذا إلا قصص وخرافات من الأولين يأتي بها محمد ويضعها في القرآن، ويقصدون بأساطير الأولين ما قصَّه الله تعالى من أخبار الأمم السابقة الذين في قصصهم عبرة لأولي الألباب.

    فهذه هي الجريمة الثانية من جرائم القوم، والتي كانت سبباً في تسليط المسلمين على المشركين، فليحذر المنسوبون للإسلام الذين يتجرءون في مثل هذه الأيام على مثل هذه المقالات، ويطعنون في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، ويسخرون من المسلمين ومن دينهم.. فليحذروا أن يجروا قومهم إلى دار البوار والهلاك والدمار؛ بسبب ما تتفوه به ألسنتهم.

    طلبهم إنزال العذاب بهم

    قال سبحانه: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32] وهذه المقولة قالها أيضاً النضر بن الحارث ومن معه من كبار المعاندين للإسلام، وكان المفروض أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه؛ فإن هذا هو أقل ما يقال في حال الشك أو البعد عن الله عز وجل.

    وقراءة: (الحقَّ) بالنصب على أن (هو) ضمير فصل ليس له محل من الإعراب، واسم كان: (هذا) وخبرها: (الحقَّ)، أما قراءة: (الحقُّ) بالرفع فعلى أنها خبر المبتدأ (هو) باعتباره مبتدأ، والجملة الإسمية هي خبر كان.

    وإنما قال النضر بن الحارث ذلك تأكيداً منه على أن هذا القرآن ما جاء من عند الله، لا أنه يريد حجارة تنزل عليه من السماء، إنما يريد تأكيد الخبر، ويريد أن يثبت للقوم بأن هذا القرآن لم ينزل من عند الله -كما يزعم- ويقول: يا رب! إن كان القرآن نزل من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء.

    أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32] يطلب العذاب أياً كان، وهذا العذاب من السهل أن ينزل؛ لأن القوم تجرءوا على حدود الله، وكفروا به، وسخروا من كتابه، وآذوا رسوله عليه السلام، وأخرجوه من بلده، وحاربوا الإسلام، ووقفوا له عند كل مرصد، لكن حلم الله عز وجل أكبر من ذلك، فالله تعالى لا يعاجل هذه الأمة بالعقوبة، والسر في ذلك: أنها آخر أمة، وكونها آخر أمة فستظل باقية، تتناقل الإسلام جيلاً بعد جيل.

    1.   

    أسباب رفع العذاب والشدائد

    ما جعله الله لهذه الأمة أماناً من الاستئصال

    لقد أعطى الله تعالى لأمة محمد عليه السلام أمانين من الاستئصال، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:

    الأمان الأول: ألا يعذبهم ما دام محمد فيهم حياً، وذلك لا يمنع أن تُعذب طائفة منهم كما حصل يوم بدر، فقد أهلك الله يوم بدر سبعين من رءوسهم، لكن الاستئصال الكامل لهذه الأمة لا يحدث أبداً، بخلاف الأمم السابقة التي قد استؤصل بعضها؛ لأن الله سبحانه وتعالى كلما أهلك أمة جاء بأمة جديدة وأرسل إليها رسولاً جديداً، لكن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسالتها آخر الرسالات، ونبيها آخر المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وكتابها آخر الكتب السماوية، ولذلك أعطى الله تعالى لرسوله عليه السلام هذين الأمانين، الأول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33].

    والأمان الثاني: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] ومعنى (يستغفرون): يقولون نستغفر الله، وقيل: إنهم كانوا يستغفرون خصوصاً إذا ركبوا في الفلك ويدعون الله مخلصين له الدين، وقيل: كان أحدهم إذا طاف بالبيت قال: لبيك لا شريك لك. لكنهم يلوثون هذا التوحيد بقولهم: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك!

    وهم مع هذا خيرٌ من مشركي هذا العصر؛ لأن مشركي هذا العصر لادينيون.. كفرة.. ملاحدة، لا يعرفون الله في حال الرخاء ولا في حال الشدة، أما أولئك فكانوا يفزعون إليه حال الشدة وينسونه حال الرخاء، ومعنى ينسون الله، أي: يشركون به.

    فقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] دليل على أهمية الاستغفار في ساعة الشدة وأيام الحروب؛ كهذه الأيام التي نعيشها، فهل يستغفر الناس فيها؟!

    أولئك الذين ادخروا الأرزاق في بيوتهم لسنين خوفاً من الحرب المدمرة هل استغفروا الله تعالى من سيئاتهم؟! إن الله تعالى لا يرفع العذاب عن هذه الأمة إلا إذا استغفرت وتضرعت إلى الله في كشف ما بها كما قال: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43].

    لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

    ولا يظن أن الاستغفار كلمة تقال باللسان، بل هو قول وعمل، ولذا نجد أن قوم موسى عليه السلام استغفروا وتابوا وأنابوا ورفعوا أكفَّ الضراعة إلى الله عز وجل أن يكشف ما بهم من أذى فرعون وتسلطه وطغيانه في الأرض، فقضى بنو إسرائيل عمراً طويلاً وهم يقولون: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:85-86] فمتى استجيب دعاؤهم؟ لقد استجيب دعاؤهم حين غيروا ما بأنفسهم. أي: حصل شيء من التغيير في الواقع.

    فالأمة الإسلامية تمر بأيام شديدة لابد معها من تغيير شيء من الواقع على مستوى الدول والشعوب، فالدعاء والتضرع وحده لا يكفي، فبنو إسرائيل كانوا يقولون طيلة مدة استعباد فرعون لهم: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:85-86].

    فعلمهم الله تعالى كيف يتوبون، وكيف يقدمون المال، ويضحون بأعز وأغلى ما يملكون، وحينئذٍ يتقبل الله تعالى دعاءهم، فقال لهم: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:87].

    هذه هي التغييرات الجذرية التي كانت السبب في رفع العذاب عن بني إسرائيل، وهي التي سوف ترفع عنا ظلم الظالمين وطغيان الطغاة في أيامنا الحاضرة، فإذا كان أمننا الذي بذلنا في سبيله الغالي والنفيس، والذي نعمنا به مدة طويلة، قد حصل له ما حصل في أيامنا الحاضرة؛ فذلك يتطلب منا توبة وإنابة إلى الله عز وجل، بإصلاح أوضاع البيوت والأسر والمجتمع، وإصلاح أوضاع الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتنظيمية وغير ذلك، بحيث تكون وفق منهج صحيح.

    إن بني إسرائيل لما أمرهم الله بجعل بيوتهم قبلة امتثلوا أمره، وجعلوا بيوتهم قبلة -أي مكان عبادة كالمساجد- من أجل رضا الله عز وجل، ولما نفذوا هذا الأمر من أوامر الله دعوا مرة أخرى، قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88] ومعنى ذلك أن التغيير قد وقع.

    ولقد استجيب لهم هذا الدعاء؛ لأنه قد حصل منهم بذل في سبيل الله، وتغيير وضع مألوف منذ زمن طويل؛ لذا قال الله: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:89-90] فاستجيبت الدعوة بعد التغيير، وبعد الدعاء والتضرع، أما الدعاء والتضرع وحده فلا يكفي، ولذلك يقول الله تعالى: فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف:5] أقروا أنهم كانوا ظالمين، ولكن بعد أن جاءهم بأس الله.

    إذاً: لا بد لتحقيق رفع العذاب من أمرين:

    الأمر الأول: تغيير أوضاع الناس من سيئ إلى أحسن.

    الأمر الثاني: الدعاء والتضرع بين يدي الله عز وجل.

    ونحن نطالب الناس اليوم على كل المستويات أن يفهموا أمثال هذه الآيات: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    إن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كان الناس يحاربون ويقاتلون أعنف عدو على وجه الأرض، وأعتى جبابرة الأرض، فلابد من تجديد توبة، ولابد من تغيير الأوضاع، فإن الخطر يحيط بالأمة الإسلامية.

    1.   

    الصد عن سبيل الله والاستهزاء بالمسلمين من أسباب تسليط المسلمين على الكافرين

    أيها الإخوة! إن الخطاب في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33] ليس خطاباً للأمة في عهد الرسول عليه السلام، ولكنه خطاب خالد إلى يوم القيامة، ولذلك بين الله تعالى في الآية التي بعدها أنهم مستحقون للعذاب، لكن رحمة الله أدركتهم.

    قال الله: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:34].

    هذه أيضاً جريمة من الجرائم التي بسببها سلط الله تعالى عليهم المؤمنين، فقد كانوا يصرفون الناس عن دين الله، ولربما صرفوا الحجاج والمعتمرين، وكانوا يقولون: نحن أهل البيت وأولياء الله، وهم أبعد الناس عن الله لشركهم ولصدهم للمؤمنين عن المسجد الحرام. ولا تكون حماية البيت إلا لأولياء الله وللصالحين من عباده، ولا تصلح أن تكون سلطته إلا بأيدي أولئك الذين يحكِّمون شرع الله عز وجل.

    ولذلك يبين الله تعالى جريمة من جرائمهم كانت سبباً في عقوبتهم يوم بدر فقال: وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:34] كانوا يمنعون الطائفين والمعتمرين من المسجد الحرام، وكم منعوا الناس من الدخول في الإسلام أيضاً، وهذا شأن دعاة الضلال، فهم لا يكتفون بضلالهم وحدهم، بل يسعون إلى أن يضلوا الناس عن الطريق المستقيم.

    ثم قال الله: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [الأنفال:34] يعني: ليسوا هم بأوليائه، وإن كانوا يدعون ذلك بقولهم: نحن أولياء البيت وسدنته.

    إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34] و(إن) هنا: حرف نفي بمعنى (ما)، أي: ما أولياء هذا البيت إلا الذين يتقون الله ويمتثلون أمره، فالمسألة ليست مسألة وطن أو مولد، أو آباء وأجداد وأمجاد، لكن المسألة مسألة دين، فمن أخذ به فهو ولي هذا البيت، ومن رفضه فليس من أوليائه.

    بعد ذلك يبين الله تعالى أن من جرائمهم أنهم كانوا يضحكون ويسخرون ويصفقون ويصفرون عند البيت، لا سيما إذا رأوا الرسول عليه السلام والمسلمين يصلون، فيتخذون عبادتهم سخرياً ويهزءون بدين الله عز وجل كما يهزأ به كثيرٌ من الناس اليوم، وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35].

    المكاء: التصفير، والمكَّاء طير يصفر، والماكي الذي يضم يديه ويضعهما عند فمه ويصفر.

    والتصدية: التصفيق، فهم يلعبون ويسخرون في وقت الصلاة التي هي أعظم عبادة وأعظم شعيرة فرضها الله عز وجل على هذه الأمة، فإذا رأوا الرسول عليه السلام يصلي صفروا وصفقوا، واكتفوا من الصلاة بذلك التشويش على المسلمين، وهذه أيضاً جريمة من جرائمهم التي كانت سبباً في تسليط المسلمين عليهم، فليحذر الذين يسخرون من دين الله أو الصلاة أو شخصية المسلم أو صفته!

    وقد أخذ العلماء من هذه الآية النهي عن التصفيق، وقد قال رسول الله عليه السلام: (إنما التصفيق للنساء)، وإذا أخطأ الإمام في صلاته وخلفه الرجال والنساء، فالرجل يسبح والمرأة تصفق.

    أما تصفيق الرجال فإنه خلاف الفطرة وخلاف سنة محمد عليه السلام؛ وفيه تشبه بالكافرين الذين كانوا يسخرون من الصلاة بالتصفيق، ولذلك قال الله: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنفال:35]، أي: ذوقوا عذاب القتل يوم بدر، وهو بداية العذاب لا نهايته كما أخبر الله، ولذلك لا ينتهي بهم العذاب في الدنيا، بل يتبع هذا القتل عذاب البرزخ، ثم ينتهي بهم الحال إلى عذاب الآخرة الذي لا ينتهي: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107].

    1.   

    فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً

    لما انتهت موقعة بدر، ورجع المشركون إلى مكة سعى رجالٌ منهم وصاروا يطوفون خلال مكة ويقولون: يا قوم! إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، ورمل نساءكم، ويتم أطفالكم، المالَ المالَ! أي: ابذلوا المال لحرب محمد مرة أخرى.

    جهود النصارى لتكفير المسلمين خائبة

    إن هذه القضية تشبه إلى حدٍ بعيد ما يُفعل في أيامنا الحاضرة، فقد بخل كثير من المسلمين بالمال الذي لا تقوم دولة الإسلام ودعوته إلا به، وقدَّم الكافرون هذا المال سهلاً من أجل تكفير وتنصير أبناء المسلمين، وحين دعت الكنيسة إلى جمع المال لتنصير أبناء المسلمين، جمعوا في فترة وجيزة مليار دولار.

    إن مليار دولار ليس رقماً ارتجالياً، إنه رقم يقصدون به عدد المسلمين؛ فكأنهم قالوا: إن عدد المسلمين مليار، فادفع دولاراً واحداً تُنَصِّرُ به واحداً من المسلمين، ولكن الله تعالى غالب على أمره، ومتم لنوره.

    أما المسلمون فإنهم إذا دعوا إلى البذل في سبيل الله أو الدعوة فإن كثيراً منهم يبخلون.

    إن هذه هي سنة الله تعالى في الحياة، وقد ذكرها الله تعالى بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36].

    ورغم هذا المبلغ الضخم الذي جمعه دعاة التنصير فإن الكنيسة ما استطاعت أن تنصر واحداً من المسلمين، اللهم إلا طفلاً ولد على الفطرة وربي على غير الفطرة.

    إن الله تعالى حافظ دينه الذي هو فطرته في نفوس الناس: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172].

    وهذه الفطرة لا يستطيع أحد أن ينتزعها من هذا الإنسان إلا لظروف خاصة، ولذلك بشر الله تعالى المسلمين وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، لقد رأينا معنى هذه الآية متجسداً في قصة العالم الإسلامي في وضعه الحاضر، إذ تبذل الأموال لإقامة مراكز للتنصير، ثم يأتي داعية أعزل لا يملك من المال إلا النزر اليسير، فإذا بهؤلاء الذين نصرتهم الكنيسة يعودون إلى الفطرة..

    ولقد شاهدنا هذا في بعض مناطق في أفريقيا وقلنا: صدق الله العظيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] فأموالهم الطائلة التي تبذل لا تستطيع أن تحرف أبناء المسلمين عن الفطرة؛ ونحن مستبشرون بموعود الله عز وجل، وهذه قضية يعيشها العالم في كل فترة من فترات التاريخ؛ حيث تبذل الأموال من أجل صدّ أبناء المسلمين عن دينهم، لكن الحقيقة: فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36].

    دعوة المسلمين للإنفاق في سبيل الدعوة إلى الله

    إننا ندعو المسلمين إلى البذل حتى يكون بذلهم أكثر من بذلك أولئك الكافرين، لأمور:

    الأمر الأول: لأن الله سيخلف عليهم في الحياة الدنيا، وهم يؤمنون بهذا الإخلاف؛ لأن الله عز وجل يقول: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

    الأمر الثاني: لأن الله تعالى ينمي هذا المال القليل الذي يبذله هذا الإنسان ولو كان قرشاً أو ريالاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما أخبر الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261].

    الأمر الثالث: أن المسلم إذا بذل المال للجهاد في سبيل الله، وللدعوة إلى الله، وللمحافظة على الكيان الإسلامي والأمة الإسلامية إنما يرجو بذلك الجنة، وأعداؤنا لا يرجون الجنة ولا يؤمنون بها، والله تعالى يقول لنا: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] فإن كان يؤلمك بذل المال فعدوك يؤلمه بذل المال أيضاً، لكنك ترجو من الله الجنة وترجو عز الإسلام ونصره في القريب العاجل، وهو لا يرجو إلا الفخر في الدنيا، فالمسلمون أولى ببذل هذا المال في سبيل الله عز وجل.

    وقد أخبر الله عنهم بالفعل المضارع (ينفقون) (ليصدوا) وفي هذا إشارة إلى أن هذا الأمر (الإنفاق) و(الصد عن سبيل الله) يتجدد منهم باستمرار، والإخبار بالفعل الماضي يفيد ذلك، والله سبحانه وتعالى يريد أن يبين أن هذه قضية سننية تتكرر عبر التاريخ؛ أن الكفار يبذلون أموالهم دائماً وأبداً للصد عن دين الله عز وجل.

    وأعجب ما رأيناه في ذلك: ما رأينا في مجاهل أفريقيا وغاباتها الموحشة.. رأينا شباباً في مستهل العمر من البنين والبنات، يأتون من أوروبا إلى أفريقيا يركبون البقر ليدعوا إلى النصرانية، وكنا ذات يوم في غابة من الغابات البعيدة عن الحضارة، والتي لا يستطيع أن يعيش فيها أبسط الناس؛ لما فيها من الأمراض، والحر الشديد، وقلة الماء والطعام، وكثرة البعوض والأوبئة، ورأينا هؤلاء يأتون من إيطاليا وغيرها من البلاد الأوروبية المترفة، ثم يعيشون في هذه البيئة السيئة الملوثة من أجل أن يربوا أبناء المسلمين على غير الفطرة، وعلى غير الملة، قلت: صدق الله العظيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36].

    ثم قلت: أين المسلمون؟! أليسوا هم أولى بتربية أبنائهم من هؤلاء؟! وفي تلك المناطق يعيش كثير من المسلمين المهاجرين من دول أفريقية مجاورة.

    أيها الإخوة ! أعداؤنا أنشط منا في الدعوة إلى مبدئهم الباطل ومنهجهم الفاسد، ونحن مطالبون بأن ننفر خفافاً وثقالاً لنجاهد في سبيل الله.

    إن أولئك المنصرين يأخذون الطفل في أول أيام طفولته، وربما كان يحمل كل الأمراض، حتى المعدية منها.. تأخذه الفتاة المترفة المنعمة الرقيقة لتضعه في حجرها وتصنع له الطعام والعلاج وكأنه طفل من أطفالها، لولا أنه يختلف عنها في اللون.

    إن أعداء الإسلام يضربون آباط الإبل من أقصى الدنيا من أجل أن يكفِّروا أبناء المسلمين، فإلى متى والمسلمون نيام وهؤلاء يفتنون أطفال المسلمين، ويربونهم على غير الملة ليكونوا في يوم من الأيام قُسُساً يدعون إلى منهج ودين محرَّف!

    إن الذين يحاربون المسلمين سوف ينهزمون حينما يعود المسلمون إلى دينهم فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36]؛ سوف يتحسرون على أنهم أنفقوها ثم لم تتحقق بها أهدافهم ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] في المعركة، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، فهذه هي نتائج نفقاتهم: غلبة في الدنيا، وحشر إلى جهنم في الآخرة، ما نفعتهم أموالهم، ولا جمعهم، ولا قوتهم؛ لأنهم ما أرادوا بذلك الحق، ولا أرادوا رضا الله عز وجل ولا الجنة.

    1.   

    الحكمة من ابتلاء الله للناس بالكفر والإيمان

    تمييز الخبيث من الطيب

    سلط الله تعالى الكافرين على المسلمين؛ يقدمون أموالهم وأنفسهم ليحاربوا بهما الإسلام، وجعل له سبحانه وتعالى جنداً يقاتلون في سبيله، وجنداً للطاغوت يقاتلون في سبيل الطاغوت.. السر في ذلك: أن يكون للجنة أهل وللنار أهل، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، كما قال تعالى:لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، ولولا هذه الفتن، ولولا الجهاد في سبيل الله، ولولا تسلط الطغيان في الأرض على المؤمنين ما كان ليتميز الخبيث من الطيب، ولو أن هذا الدين لم يطالب أهله بجهود ولا تضحيات ولا إراقة دماء ولا بذل للأموال ولا دعوة إلى الله.. لولا هذه المطالب لما تميز الخبيث من الطيب.

    ولو كان الدين مجرد شعائر تعبدية دون أن تكون هناك تكاليف وعقبات ونكبات وأمور موحشة ومخيفة في طريقه، لما عرف الصالح من الطالح، ولما تمايز الناس إلى درجات، والله تعالى يقول: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، وقد أخبر الله تعالى بأن من ظن أن طريق الجنة سهل فعليه أن يراجع أمره فقال سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214]... أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة:16]، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2].

    تبين من يصبر على الإسلام فيستحق الجنة

    معنى ذلك: أن طريق الجنة طريق وعر، فيه عقبات ومخاوف، وأشلاء ممزقة، وجماجم مطوَّح بها، ومخاوف وسجون، وتسلط، وأمور عظام، ولابد أن يسلك المسلم طريق هذه الجنة، ويتخطى كل هذه العقبات الذي تعترض سبيله، لابد من أن تكون هناك أحداث وأمور مخيفة حتى يتميز الخبيث من الطيب في هذه الحياة، يقول الشاعر:

    لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يدرى طيب عرف العود

    فلو أخذت عوداً ثميناً وشممت رائحته، فقد لا تستطيع أن تميز جودته، لكن إذا مسته النار خرجت رائحته، وهكذا الفتن تميز الرجال، وتظهر الطيب من الخبيث كما تظهر النار الملتهبة رائحة العود الطيب من رائحة الحطب، والله تعالى يبين أن تميز الخبيث من الطيب إنما يحتاج إلى فتن ومحن وأمور عظيمة، وكأن الله تعالى يقول: جاهدوا في سبيل الله وكونوا من جنده، وحاربوا أولياء الشيطان إن كيده كان ضعيفاً.. لماذا؟ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].

    أيها الأخ المسلم! إن طريق الجنة طريق وعرة ينكص عنها أقوام ويسلكها رجال، وهؤلاء الرجال هم الذين لا يرجعون من منتصف الطريق مهما عز الطلب وغلا الثمن، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس والمال والولد من أجل رضا الله عز وجل، ولذلك أخبرنا الله عز وجل بأن قوماً يسلكون طريق الجنة ولكن الإيمان لم يتمكن من نفوسهم بعد، حتى إذا اعترضت سبيلهم عقبة من العقبات عادوا من منتصف الطريق ناكصين على أعقابهم، ويقول قائلهم إذا أصابته فتنة أو عذاب من عذاب الناس: خير لي أن أمتع نفسي اليوم ولا أتحمل هذا العذاب الحاضر المؤكد فراراً من عذاب متوعَّد به! ثم يرجع من منتصف الطريق.

    وهؤلاء هم الذين قال الله عز وجل عنهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ [العنكبوت:10] (فتنة الناس) أذى الناس في الحياة الدنيا، (كعذاب الله) في الآخرة.

    تميز عبد الله بن حذافة رضي الله عنه بالثبات على الدين

    يروى أن عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وكان من قواد الجيش الإسلامي في موقعة اليرموك، وقع في أسر الروم، وكان رجلاً ذكياً وضيئاً شجاعاً فذاً، بقي في السجن أشهراً، فأعجب السجانون بقوة شكيمته، ووصلت أخباره إلى قيصر الروم ، وقيل له: إن في سجنك رجلاً لو ضممته إليك لكان في ذلك مكسباً كبيراً للنصرانية. قال: ائتوني به.

    فجيء بـعبد الله بن حذافة رضي الله عنه، فقال له قيصر : يا عبد الله ! لو تنصرت لشاطرتك ملكي.

    وهكذا تعرض الفتن على القلوب، فالقلوب الضعيفة هي التي تتقبلها، أما القلوب العظيمة فإنها ترفضها رفضاً باتاً.

    فقال عبد الله بن حذافة : اخسأ يا عدو الله! -يقول هذا لـقيصر الروم وهو رجل أسير- والله لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني!

    فتعجب من قوة شكيمته، وقال: ردوه إلى السجن وشدوا عليه وثاقه. فأعيد عبد الله بن حذافة إلى السجن وزادوا في أغلاله.

    ثم جمع الملك مستشاريه وقال: دلوني على أمر أفتن به هذا الرجل؟ فقالوا: إنه شاب قوي، بعيد عن زوجته وأهله منذ أشهر، وتستطيع أن تفتنه عن طريق الشهوة.

    والشهوة سلاح من أسلحة أهل الباطل قديماً وحديثاً، وها نحن نرى الشهوة تعرض في بلاد المسلمين على أهل الإسلام، فتفتن كثيراً منهم عن دينهم.

    قال: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي. فجيء بها، وأغريت بالمال إن هي فتنت هذا الشاب.

    فتجردت عن ملابسها، ودخلت عليه ورمت بنفسها في أحضان هذا المؤمن، فلما رآها صرف نفسه عنها، وأكبَّ بوجهه على الأرض وهو يتلو القرآن، وصار كلما اتجه إلى جهة تابعته بجسدها الرقيق الجميل، وهو ينحرف ويبتعد عنها، وهي تلاحقه، وهو يقول: معاذ الله!

    فيئست هذه المرأة من أن تنال من هذا الرجل نظرة؛ فضلاً عن أن ينالها بفاحشة. وقالت: أخرجوني. فلما أخرجوها قالت: والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! ووالله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! تعني: أن هذا ليس من البشر الذين عهدتهم يفتنون بجمال النساء؛ وقد كان عبد الله بن حذافة رضي الله عنه من أولئك الرجال الذين يريدون الجنة، ولا تصرفهم عن غايتهم هذه الشهوات.

    فتحير قيصر الروم في أمره، واستشار الناس، فقالوا: خوفه بالموت، فكل الناس يخافون منه.

    فيقال: إنه طلب قِدراً عظيمةً، ملئت زيتاً، فأوقد تحتها حتى غلى زيتها، ثم قال: ائتوني بـعبد الله وبأصحابه الذين كان يأنس بهم ويطمئن إليهم، فجيء بهم، ثم أمر أن يؤخذ صديق لـعبد الله ويبدءون به فيرمى في القدر، فرمي في القدر فطفت عظامه بعد أن ذاب عنها اللحم، عليه رحمة الله -وكان قيصر يراقب عين عبد الله - فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله وهو على حافة القدر، فظن عدو الله أنه نجح في زعزعة إيمان هذا الشاب، فقال: يا عبد الله ! جزعت من الموت؟

    فقال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت حينما رأيتني بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلدك هذه إلا لأبحث عن الموت والشهادة، لكني بكيت على أن سبقني هذا إلى الله والدار الآخرة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله، وكان ينافسني وأنافسه، فكنت إذا صلى ركعتين في جوف الليل المظلم صليت أربعاً، وإذا صلى أربعاً صليت ثمانياً، وإذا صام يوماً في شدة الهاجرة صمت يومين، وإذا صام يومين صمت أربعة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله والدار الآخرة، وبكيت الآن لأنه سبقني إلى الجنة.

    إن مثل هذا لا يستطيع أحد أن يؤذيه أو أن يناله بسوء.. مؤمن يتحدى الخوف من الموت الذي يخاف منه الناس، ويتحدى نار الدنيا، والمنصب، والشهوة التي فتنت كثيراً من الناس، حتى ارتد بعضهم عن الإسلام بسببها.

    أيها الإخوة! إن الله سبحانه وتعالى أخبر بأنه بهذه الفتن يميز الخبيث من الطيب، فيخرج الخبيث الذي سوف يذهب إلى النار من الطيب الذي أعده الله عز وجل للجنة، يقول الله تعالى: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال:37].

    وجميع أنواع الملل قد تختلف في أسمائها، لكنها تتحد في مفهومها: علمانية، وثنية، نصرانية، يهودية، شيوعية؛ فأياً كانت تسميتها فهي تلتقي جميعاً في نار جهنم، وكل أنواع الخبث يركمه الله تعالى في جهنم.

    أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:37] خسروا لذة الحياة الدنيا والتي لا تنال إلا بطاعة الله عز وجل فيها، ثم خسروا بعد ذلك جنة عرضها السماوات والأرض بسبب عنادهم لهذا الدين، ووقوفهم ضده؛ ولذلك يقول الله تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:37].

    1.   

    فتح باب التوبة للكفار والمنافقين

    إن باب التوبة مفتوح، وهؤلاء الذين يسبون الله ورسوله في أيامنا الحاضرة لو تابوا لقبل الله توبتهم؛ لأنه تعالى أوجب على نفسه قبول التوبة؛ بشرط ألا تفارق الروح الجسد وهم على باطلهم، وبشرط ألا تطلع الشمس من مغربها وهم على منكرهم، فنقول لكل الذين يحاربون الإسلام بالسلاح أو بالقلم، بالكلمة أو بالسخرية: ما زال باب التوبة مفتوحاً، اتقوا الله، وعودوا إليه، وأصلحوا العمل، فإن توبتكم لا تقبل إلا إذا تأكد صلاح العمل كما قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:160]، فلربما يتوبون ظاهراً خوفاً من الأمة الإسلامية، فلابد أن يصلحوا العمل، وأن يبينوا؛ بحيث ينقضون ما كانوا يقولونه بالأمس من حربهم للإسلام وسخريتهم وعدائهم لهذا الدين، فالله تعالى قد فتح باب التوبة، وقال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38].

    ليس هناك دين أعظم من هذا الدين في فتحه باب التوبة مع وضع الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فإن بني إسرائيل لما أرادوا أن يتوبوا قال الله لهم: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] والنصارى لا تتم توبتهم إلا بالاعتراف بالذنوب أمام القساوسة ليعطوهم صكوك الغفران كما يقولون؛ لكن الإسلام يقول: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها؛ اللهم إلا إذا كانت هناك حقوق للخلق فلابد من ردها، وإذا عجز الإنسان عن ردها فقد يتجاوز الله عز وجل عنه، ويرضي صاحب الحق بما يعطيه في الآخرة؛ بحيث يعفو عن هذا الحق الذي له.

    وهذا الرد للحقوق شرط من شروط التوبة للمسلم، أما الكافر فإنه بإسلامه يغفر له ما قد سلف، ولا يلزمه شيء مما فعله في كفره ولو قتل من المسلمين آلافاً مؤلفة.

    فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان أكبر من نال من المسلمين في يوم أحد، ومع ذلك صار من خيار الصحابة حين أسلم، وقال له الرسول عليه السلام حين أخذ الراية في مؤته: (فأخذها سيف من سيوف الله، حتى فتح الله على يديه).

    وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أشد المشركين عداءً للإسلام، فلما هداه الله تعالى للإسلام أصبح أحد المبشرين بالجنة، بل هو ثاني العشرة المبشرين بالجنة.

    باب التوبة مفتوح، بشرط ألا يتمادى الإنسان في غيِّه، وألا يركب رأسه، وألا تغره الحياة الدنيا، وألا يغره بالله الغرور.. بشرط ألا يغتر بالصحة والعافية والشباب.. بشرط ألا يغتر بالمنصب والتخويل الذي خوله الله عز وجل إياه، والله تعالى يقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94].

    إن باب التوبة مفتوح، ولذلك يقول الله تعالى لرسوله عليه السلام: يا محمد! قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] عن كفرهم وحربهم للإسلام، ومطاردتهم لرسوله عليه السلام، وأذيتهم للمؤمنين، وحمل السلاح في وجوه المسلمين، (يغفر لهم ما قد سلف).

    و(يغفر) جواب الشرط، و(ينتهوا) فعل الشرط، وجواب الشرط لا يأتي إلا إذا جاء فعل الشرط؛ فلا (يغفر) ما قد سلف إلا إذا (انتهوا) عن حربهم وعنادهم للإسلام.

    وعيد الله للكفار إن لم يتوبوا

    ونحن نقول لكل الذين يحاربون الإسلام أياً كان نوع الحرب؛ سواء كانت حرباً حارة أو باردة، حرب سلاح أو أفكار، من الخارج بالعداء السافر، أو من الداخل بالنفاق: إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] فإن الله عز وجل كما أخبر عن نفسه: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25]، ونحن ندعوهم إلى التوبة، ونقول لهم: ويلكم! آمنوا وادخلوا في طاعة الله، ولا تحاربوا الله ورسوله؛ فإن من حارب الله ورسوله فإن الله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    وماذا يكون لو لم ينتهوا، وعادوا لحرب الإسلام والمسلمين مرة أخرى، وعادوا للعناد والمكابرة والطغيان في الأرض وأذية المسلمين وإرهابهم وإزعاجهم، وعادوا إلى الطعن في الإسلام والنيل من دين الله والسب له ولرسوله.. لو عادوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:38].

    وجواب الشرط محذوف، وجملة (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) ليست هي جواب الشرط، ولكنها تعليل لجواب الشرط المحذوف، أي: وإن يعودوا نعد لإهلاكهم وقتلهم بسيوف المسلمين والملائكة، فقد مضت سنة الله عز وجل في الأولين أنه يأخذ الطغاة والمتكبرين والكفرة والمعاندين لدين الله تعالى أخذ عزيز مقتدر.

    وهذه الآية فيها بشرى لنا إذا استقمنا على دين الله، وإن أوذينا فيه، وإن حاربنا طغاة الأرض، وسلطوا علينا صواريخهم وأسلحتهم الفتاكة، ووجهوا إلينا كل ما يوجهونه من أذى وبلاء وفتن، فإننا على ثقة بنصر الله سبحانه وتعالى، لكن بالشرط السابق؛ وهو أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع، وبشرط أن نصلح الأوضاع الداخلية والخارجية، وأن نتفقد الأمور كما أمر الله عز وجل بني إسرائيل بألا يدعوه إلا بعد أن يغيروا شيئاً مما في واقعهم، وإذا غيروا شيئاً مما في واقعهم فإنهم يدعونه، وإذا دعوه فإن رحمة الله قريب من المحسنين بعد التغيير والدعاء والتضرع.

    أيها الإخوة! إن سنة الله في الأولين إهلاك الطغاة، وقد ينتفخ الباطل ويظهر مخيفاً كما يحدث في أيامنا الحاضرة، ويعجز المؤمنون عن دفعه، لكن نهايته قريبة، واضمحلاله وشيك، ولربما لم تستكمل شروط النهاية بعد، وإذا استكملت هذه الشروط فإن الله سبحانه وتعالى سوف يقذف بالحق على الباطل بعد أن يتفقد المسلمون أنفسهم وأوضاعهم، وقد تطول مدة الابتلاء، لكن من المؤكد أن لكل ليل فجراً، ولكل طغيان نهاية؛ لأن الله تعالى وعدنا وقال: وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:38]؛ فهذا وعد منه سبحانه بإهلاك المتجبرين والطغاة، والمعاندين للإسلام، والمحاربين لأولياء الله عز وجل وجنده، وهذه سنة الله في الأولين التي تتكرر عبر التاريخ، لكنها قد تتأخر لاسيما حينما لا تتوفر أسباب تواجدها، فعلينا أن نبحث عن الأسباب التي بها نستجلب نصر الله عز وجل، ثم علينا بعد ذلك أن نحسن الظن بالله، وأن نوقن بأن نصر الله قريب، وأن رحمة الله قريب من المحسنين.

    1.   

    وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة

    قد يركن المسلمون إلى الراحة والدعة، والرخاء والاسترخاء، والمساكن المترفة، والمراكب الفارهة، والزوجات والأبناء، والأهل والعشيرة، ويتركون الجهاد في سبيل الله مدةً من الزمن، ثم يتسلط الكافرون والظالمون عليهم، والسر في ذلك هو: ترك الجهاد في سبيل الله.

    لا وضع للسلاح حتى يكون الدين كله لله

    نحن أمة مطالبة بألا تضع السلاح حتى يكون الدين كله لله، وإذا وضعنا السلاح قبل أن يكون الدين كله لله، فلنتحمل ضريبة هذا الترك والإخلاد إلى الدنيا، فإن دين الإسلام كان آخر ما استقر عليه ألا يوضع السلاح وفي الأرض ملة غير ملة الإسلام، ودين غير دين الله، وإذا وضع السلاح فإن رد الفعل سوف يأتي من الخارج بتسليط الكافرين على المسلمين، نجد ذلك في قول الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    ليس في الإسلام (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، ليس فيه علمانية: الصلاة والصيام والحج والعمرة لله، أما الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فللبشر، فالإسلام لا يعرف هذا.

    العلمانية إنما وجدت في الأمم النصرانية التي كانت تحارب التطور والتقدم، لكن ذلك لا يكون في أمة الإسلام التي يقول الله عز وجل لها في آية من آيات كتابه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فهو يأمرها بالصناعة والإتقان وضبط الأمور.

    نحن أمة شرعت الخلافة في الأرض، ووضعت نظاماً للسياسة والاقتصاد والاجتماع، ولذلك ليس فيها نظام علماني يقول: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، الدين في المسجد والنظام لأناس غير أهل الدين.

    ليس في الإسلام رجال دين، فكل واحد من المسلمين يجب أن يكون رجل دين، أما إذا كان الدين بعضه لله وبعضه للبشر فهذا من قول أهل الشرك كما قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ [الأنعام:136] إن العلمانية نظام لا يصلح للبقاء، فهو نظام يريد أن يحصر الدين في المسجد، وفي المحكمة يحكم بغير ما أنزل الله، وفي الأنظمة الاقتصادية يشرع أنظمة على غير ما أنزل الله، وإن أمة هذا نظامها لابد أن يتسلط عليها أعداؤها.

    إذاً: ما الحل؟ الحل أن يكون الدين كله لله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] ليس هناك دين لله ودين للبشر؛ فالدين كله لله.

    أيها الإخوة! إن الحد الذي يمكننا عنده أن نضع السلاح هو أن يكون الدين كله لله، وألا يكون هناك عبث في دين الله، أما إذا كان الدين لغير الله، ويعبد في الأرض غير الله فلا يجوز أن يوضع السلاح، فآخر ما استقرت عليه الوثنية والجاهلية التي بعث فيها الرسول عليه السلام أن عبد في مكة ستون وثلاثمائة صنم، فجاء رسول الله عليه السلام ودخل مكة فاتحاً، وليس هناك صنم معلق في الكعبة إلا وكسره بينما تقول الإحصائيات الآن: إن في الأرض عشرين ألف وثن تعبد من دون الله.

    معنى أنه لا إكراه في الدين

    يقول بعض المعاصرين الذين يضعون الإسلام في قفص الاتهام: إن أعداء الإسلام يقولون إن الإسلام انتشر بالسيف، فحتى لا نشوه الإسلام فإننا نقول: إن أمر الإسلام في الجهاد استقر على الدفاع لا على الهجوم، ويستدلون بأدلة ليس فيها دلالة على ما يقولون، كقوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].

    ونحن نقول لهم: (لا) هنا نافية وليست ناهية، بدليل أن الله تعالى قال: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] ما دام قد تبين الرشد من الغي واتضح الأمر، فلا يسمى إكراهاً وإن كان إلزاماً؛ لأن الإلزام بالأمور المجهولة الفائدة يسمى إكراهاً، والإلزام بالأمور المعروفة الفائدة لا يسمى إكراهاً.

    ومن ظن أن الإسلام يقاتل الناس دفاعاً فعليه أن يفهم قوله تعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال:39]؛ لأن (حتى) للغاية، أي بحيث ينتهي الأمر إلى أن لا يبقى في الأرض دين غير دين الإسلام، ولا يعبد في الأرض غير الله.

    وتقول الإحصائيات: إن في العالم عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله، وقد مررت على بعض الأضرحة في بعض بلاد العالم قبل الفجر بساعات فوجدت ازدحام حجاجها عليها؛ يأتونها من جميع بلاد العالم، وزحامهم أشد من زحام الحجاج الوافدين إلى مكة، حتى رأيت قبوراً يطوف عليها الناس شوطاً واحداً فقط؛ لأن الزحام لا يسمح بسبعة أشواط!

    فهذا يؤكد أن الدين ليس كله لله، ولابد أن يقام الجهاد حتى يكون الدين كله لله، وما دام هناك من يعبد في هذا الوجود غير الله عز وجل، فالأمة الإسلامية مسئولة عن هذا الجهاد، وما أصاب الأمة الإسلامية اليوم من غزوها في عقر دارها وفي مهبط الوحي ومنازل الأنبياء وفي مواقع كثيرة إلا بسبب أن المسلمين تركوا الجهاد في سبيل الله، والرسول عليه السلام يقول: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا) هذه الذلة هي التي سلطت الكافرين على المؤمنين، ولو أن المؤمنين نشروا هذا الدين نشراً حقيقياً في العالم لما بقي على وجه الأرض إلا مسلم، ولو أنهم على الأقل أعطوا صورة حقيقية عن الإسلام لكان الدين كله لله.

    و(فتنة) في قول الله تعالى: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) معناها: كفر، أي: حتى لا يبقى في الأرض كفر، ومن أراد أن يفسر الفتنة بغير هذا المعنى في مثل هذه الآية فعليه أن يأتي بالدليل؛ لأن الفتنة إذا أطلقت فإنما يراد بها الكفر، وقد يراد بها في مواضع أخرى الاضطرابات، لكنها ترد غالباً في القرآن بمعنى الكفر، كقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    موقف الإسلام ممن انتهى عن عداوته وممن لم ينته

    قال الله عز وجل: فَإِنِ انتَهَوْا [الأنفال:39] أي: انتهوا من حرب الإسلام ومعاندة المسلمين ودخلوا في طاعة الله فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال:39] جواب الشرط محذوف، وهذا تعليل لجواب الشرط المحذوف؛ فقد يقول إنسان: انتهوا في الظاهر لكننا لا نعرف بواطنهم. نقول: اتركوا الباقي لله سبحانه وتعالى، ما داموا قد انتهوا عن حرب الإسلام وأعلنوا الدخول في طاعة الله فاتركوا البقية لله تعالى.

    وَإِنْ تَوَلَّوْا [الأنفال:40] أي: إن صمموا على حرب الإسلام، وعلى أذية المسلمين، و(إن) شرطية، و(تولوا) فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، وجاء بالعلة لجواب الشرط، وهي جملة تعليلية تنوب مناب جواب الشرط.

    قال الله عز وجل: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ [الأنفال:40] هذا تعليل لجواب الشرط المحذوف نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال:40] مولاكم: ناصركم، فأنتم بحاجة إلى الله عز وجل، فاطلبوا النصر منه إذا قاتلكم الكافرون، وآذاكم الطغاة والمتجبرون في الأرض، ففي يوم بدر أنزل الله على المسلمين خمسة آلاف من الملائكة مسومين، فله جنود السماوات والأرض، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ [الأنفال:40] أي: هو الذي ينصر حقيقة، ثم أثنى على نفسه سبحانه وتعالى فقال: نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال:40] أي: ليس كالخلق الذين يُتولون وينُتصر بهم، فإن الخلق ضعاف لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم، لكن الله عز وجل يمدح نفسه ويقول: (نعم المولى) أي: الوالي والناصر (ونعم النصير) الذي ينصر أولياءه إذا رجعوا إليه، وخضعوا بين يديه، واستكانوا له، وأعلنوا الذلة والإنابة والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى، فإنه نعم المولى ونعم النصير.

    وأخيراً ننصح الأمة الإسلامية دائماً وأبداً، وننصح ولاة الأمر بأن يخضعوا لله عز وجل، وأن يرجعوا إليه، وأن يطلبوا منه وحده سبحانه وتعالى النصر والتأييد؛ وحينئذٍ لا يحتاجون إلى أحد، وإن احتاجوا إلى أحدٍ من البشر فإنما هي أسباب لا تغني من الله عز وجل شيئاً، فلا يجوز لهم أن يعتمدوا على هذه الأسباب، وإنما عليهم أن يعتمدوا على المسبب سبحانه وتعالى.

    والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015599693

    عدد مرات الحفظ

    723690952