إسلام ويب

أسباب النصر والهزيمةللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله للنصر أسباباً لا يمكن للإنسان الانتصار إلا بها، وقد بين الله تعالى هذه الأسباب في كتابه، ورسوله في سنته، ويوم أن عمل بها رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام كان النصر حليفهم، فملكوا مشارق الأرض ومغاربها، فإذا أردنا أن ينصرنا الله فلنحقق هذه الأسباب في واقعنا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

    1.   

    أزلية الصراع بين الحق والباطل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فما أجمل استغلال الساعات العصيبة التي نرجو الله سبحانه وتعالى فيها أن يهلك الظالمين بالظالمين، ويخرج المسلمين من كيدهم سالمين!

    إن الموضوع الذي نتناوله هنا يتعلق بشكل كبير بأحداث الساعة، وهو: أسباب النصر وأسباب الهزيمة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لنقول ما ينفعنا والمسلمين!

    قبل الحديث في هذا الموضوع نحتاج إلى أمرين:

    الأمر الأول: أن نرجع إلى المنهج الصحيح المثبت في كتاب الله عز وجل وسنة وسيرة رسوله خير البرية عليه الصلاة والسلام، وسيرة أصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

    الأمر الثاني: أن نعي خطورة الموقف.

    ومن خلال ذلك نستطيع -بتوفيق الله تعالى- أن نستشف أسباب النصر وأسباب الهزيمة.

    إن الصراع بيننا وبين عدونا قديم قدم الحياة الدنيا، قال تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36] فكانت هذه هي البداية، وسيبقى الصراع حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ولا يمكن أن ينتهي هذا الصراع أبداً؛ ولذلك شرع الجهاد، ولم يزل قائماً منذ صدر الإسلام، اللهم إلا في فترات يضعف المسلمون فيها عن الجهاد في سبيل الله، ولذلك فإن الأمة الإسلامية مسئولة عن رفع راية الجهاد في كل فترة؛ لأن الله عز وجل يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] فهذه غاية، بل ونهاية آخر مرحلة من مراحل التكليف بالجهاد، الذي بدأ بالأمر بالصبر في مرحلته الأولى -المرحلة المكية- ثم تلا ذلك الأمر بدفع العدو في أول المرحلة التالية -المرحلة المدنية- ثم قتال العدو أو أخذ الجزية منه في المرحلة الوسطى، ثم المرحلة الرابعة والأخيرة -وهي التي يجب أن يعيها المسلمون دائماً وأبداً- ألا يوضع السلاح ولا يترك الجهاد طاعة لله عز وجل القائل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    وإن كان الواقع خلاف ذلك فالمسلمون مسئولون عن التقصير، إذ ركنوا إلى الدنيا ولم يقوموا بهذا الدور، وهذا عين التفريط في أمر من أعظم الأمور التي حملهم الله عز وجل مسئوليتها، وتجاهل أكثرهم أنهم إذا تركوا الجهاد ذلوا، وتسلط عليهم أعداؤهم، وغزوهم في عقر دارهم.

    فيجب أن يكون الجهاد في سبيل الله مرفوع الرايات كما قال الله عز وجل: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، ونريد هنا أن نفهم معنى الفتنة، فالناس في أيامنا الحاضرة لا يفهمون عن الفتنة إلا أنها الاضطرابات وعدم الانضباط وعدم استقرار الأمور، لكن الفتنة في مفهوم القرآن الكريم هي: الكفر والردة عن الإسلام، ولو كانت الأمور المعيشية مستقرة استقراراً كاملاً، وهادئة هدوءاً منتظماً، فما دام أن في الأرض من يدين لغير الله، ومن يعبد غير الله، وما دام أن فيها نظاماً أو أمة تحكم بغير شرع الله، فهذه هي الفتنة التي أُمرنا بالجهاد حتى لا تكون هذه الفتنة قائمة، ولو كانت الأمور المادية مستقرة.

    هذا هو مفهوم الفتنة -الذي يجب أن يفهمه المسلم- بدليل قوله تعالى: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] وهذا -أيضاً- يبين أن الغاية من منع قيام الفتنة هي حفظ دين الله تعالى، ولذلك يقول الله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، ويقول: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] وهذا دليل على أن الفتنة شيء والقتل شيء آخر، والفتنة أشد وأكبر من القتل؛ فتأمل!!

    وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور:63] أي: عن أمر رسوله عليه السلام أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور:63] أي: كفر أو ردة عن الإسلام أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] فالفتنة هنا تفيد شيئاً آخر غير العذاب.

    فعلى المسلمين أن يصححوا هذا المفهوم، فإذا استقرت الأمور مادياً مع وجود بلاء ومصائب، وإجرام وفساد في الأرض، وردة عن الإسلام؛ فهذه هي الفتنة؛ وإذا وجد الخلاف والنزاع في الأرض على الحق، وفي سبيل البحث عن الحق، فليست هذه هي الفتنة؛ وهذا هو مفهوم القرآن الكريم.

    فعلى المسلم أن يعرف أن الصراع بينه وبين عدوه قديم قدم الحياة الدنيا، وباق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلا مجال لترك الجهاد في سبيل الله تعالى.

    وبمقدار ما يتخلف المسلمون عن هذا الواجب يتحرك العدو مستهدفاً دينهم وأنفسهم وأرضهم وأموالهم، ولا يوقفه عن عدوانه ويكف كيده ويطفئ ناره إلا الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله جل وعلا؛ لأننا عرفنا هذا العدو جيداً، وأنه كالفئران لا تتحرك إلا حينما تهدأ الأمور.

    1.   

    الأسباب المؤدية إلى تنزل النصر عند لقاء العدو

    الجهاد في سبيل الله هو الوسيلة التي بواسطتها نستطيع أن نزيح الفتنة عن الأرض؛ وبالجهاد في سبيل الله يكون الدين كله لله، فلا يبقى نظام لله ونظام لقيصر، وما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن يكون الدين كله لله، ولتحكم هذه الأرض كلها بشريعة الله، ولا تُحكم بقوانين البشر وآراء الرجال؛ وعندها سيتحقق هذا الهدف: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    فالأمة الإسلامية مطالبة بالجهاد في سبيل الله، لا سيما حينما يهجم العدو على بلاد المسلمين، فإن النفير يصبح إجبارياً واجباً، ويصبح فرض عين على كل واحد من المسلمين أن يجاهد في سبيل الله، كيف لا والمسلم قد أبرم بيعة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى؟! وهذه البيعة استوفيت فيها كل شروط وأركان البيع المعهودة المعروفة عند الفقهاء، وهذه البيعة موثقة في كل الكتب السماوية، وقد جاءت في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة:111] وأركان البيع الأربعة موجودة في هذا السياق، وهي البائع وهو: المسلم، والمشتري: وهو الله عز وجل، والسلعة وهي: النفس والمال، والثمن: وهو الجنة، وهذا البيع نافذ وليس فيه خيار، ثم وثق الله تعالى هذا البيع في الكتب السماوية حيث قال: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآن) ولما سمع عبد الله بن رواحة رضي الله عنه هذه الآية قال: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، قال: يا رسول الله! والله ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل).

    وقد التزم سلف هذه الأمة بهذه الوثيقة الربانية، فبعد نزول هذه الآية وأمثالها جعل المسلمون يخرجون كافة من المدينة للجهاد، ولم يستثن أحد منهم نفسه، حتى أمرهم الله عز وجل أن تتفرغ منهم طائفة لطلب العلم بقوله: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] وهكذا كانت تؤثر الآية القرآنية في المسلمين.

    وقد جاء الوعد الحق من الله عز وجل ومن رسوله عليه الصلاة والسلام للمجاهدين في سبيله بالدرجات العلى في الجنة، كما جاء في الحديث: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله) فإذا كان ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فأعلى درجة كما بين السماء والأرض، مائة درجة بهذا القدر للمجاهدين في سبيله تعالى.

    وأما عن المسئولية عن تعطيل الجهاد فالمسلمون هم الذين يتحملون مسئولية تعطيل الجهاد في أي فترة من الزمن، ويكون تسلط العدو على المؤمنين بمقدار ما يعطلون من هذا الأمر العظيم (وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا).

    بل إنه يوشك أن يكون ترك الجهاد ردة عن الإسلام، وقد روي عن النبي عليه السلام قوله: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم بأذناب البقر -يعني: انشغلتم بالحرث عن الجهاد- سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)، ولا يقال: (حتى تراجعوا دينكم) إلا لمن تركه أو قارب!!

    والجهاد في سبيل الله كما علمنا واجب حتمي، وأما ما يترتب عليه من نصر فلا يحصل عليه كل الناس، فالنصر لا يكون إلا بشروط بينها الله تعالى في القرآن، والذي يقرأ التاريخ يرى كيف استطاعت الأمة الإسلامية أن تحقق النصر والقيادة والريادة في العالم عبر التاريخ الطويل، عندما تمسكت بشروط وأسباب النصر، وكيف تأخرت وتخلفت وانهزمت حينما تركت هذه الأسباب.

    وهذه الأسباب بيَّن الله تعالى أكثرها في سورة الأنفال، وهي السورة العظيمة التي نزلت لتتحدث عن موقعة بدر، وتتكون من ست وسبعين آية كلها تتكلم عن التربية المعنوية، ما عدا آية واحدة تناولت التربية المادية والإعداد، وهي قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فإذا استثنينا هذه الآية، فيصح أن نقول: إن السورة كلها تتكلم عن تربية هذه الأمة وإعدادها إعداداً معنوياً للجهاد في سبيل الله.

    وبإمكاننا أن نجملها في ستة أسباب ثم نبيّن مدلولاتها، وهذه الأسباب الستة يقول الله تعالى عنها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:45-47].

    السبب الأول: الثبات وعدم الفرار

    أول هذه الأسباب: الثبات، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45] أي: إذا قاتلتم جماعة من الكافرين فَاثْبُتُوا [الأنفال:45].

    والثبات: حسي ومعنوي، والأمر بالثبات في الآية يشمل الأمرين جميعاً: الثبات الحسي؛ والثبات المعنوي.

    أما الثبات الحسي فهو: ما نعرفه في أحكام الشرع من عدم الفرار عند الزحف، والفرار عند الزحف من الكبائر العظام عند الله عز وجل؛ لأنه يؤدي إلى أن يختل نظام الجيش المسلم، فيشجع -بفراره- جزءاً منهم على الفرار، ويبقى جزء منهم يتعرض للفناء، كما أن العدو أيضاً يطمع في هزيمة المسلمين حينما يفر منهم من يفر من الزحف، فالله سبحانه وتعالى الذي شرع حد المرتد عن الإسلام -لأنه يطعن في الإسلام بدخوله فيه ثم خروجه منه- هو الذي حرم الفرار من الزحف؛ لأن ذلك يعني أن الجيوش الإسلامية أصبحت ضعيفة هزيلة لا تستطيع أن تقف أمام عدوها، ولذلك كان الفرار من الزحف من الكبائر.

    وهناك آية أخرى قد يفهم بعض الناس أن بينها وبين هذه الآية تعارضاً، وهي قوله تعالى في أول السورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال:15-16] فالأمر في تلك الآية مطلق (فاثتبوا)، بينما هذه الآية جوزت التولي من موقع المعركة في حالتين:

    1- أن يكون متحرفاً لقتال: فالمقاتل له أن يبحث عن مكان وموقع أحسن لمواجهة العدو، وهذا ما يسمى بـ(تكتيك القتال).

    2- أن يكون متحيزاً إلى فئة: أي: يرى جماعة من المسلمين قد أحاط بها العدو، فيريد أن ينصر هذه الجماعة من المسلمين.

    وعلى هذا نقول: تحمل تلك الآية المطلقة على الآية المقيدة: أي: (فاثبتوا) إلا في تلك الحالتين اللتين ذكرهما الله تعالى بقوله: إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:16].

    أما أن يكون المسلم جباناً في نفسه، فما أن يدخل المعركة، ويرى العدو أمامه حتى يفر منه كاشفاً بذلك عورة المسلمين، فذلك أمر محرم شرعاً، وهو أمر خطير يعطي صورةً سيئة عن الإسلام، ويعرض الأمة المسلمة إلى الفناء والدمار، فيتسلط العدو على البقية الباقية التي لم تفر فلا تستطيع المقاومة؛ لأن نظام المعركة قد اختل.

    لكن هذا الأمر بحرمة الفرار مقيد بمقاييس معينة، وهذه المقاييس نجدها في قوله تعالى في آخر السورة: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65].

    ومعنى ذلك: أنه لا يجوز الفرار من الزحف ما دامت نسبة المسلمين إلى الكفار قد بلغت واحداً إلى عشرة، ثم نُسخ هذا، وخفف عن الأمة الإسلامية هذا العدد وهذا المقياس، فألزم الله عز وجل أن يقف المسلم أمام اثنين والمائة أمام مائتين، وذلك في قوله تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [الأنفال:66].

    ومعنى ذلك: أن الأمر الذي استقر عليه الإسلام أن عدد الكافرين إذا كان ضعف عدد المسلمين فلا يجوز الفرار من الزحف، وإذا زاد العدد أكثر من ذلك، فللمسلمين أن ينسحبوا بطريقة منظمة تحددها قيادة الجيش، كما فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه في يوم مؤتة حينما تسلم قيادة الجيش بعد مقتل القادة الثلاثة، عندها وجد خالد أن جيش المسلمين بأعداده القليلة لا يقوم لجيش الروم بأعداده الهائلة، فسارع بإعادة تنظيم جيشه، وانسحب بالمسلمين بطريقة منظمة؛ ليحافظ على بقية الجيش الإسلامي، وهذا لا يعد فراراً من الزحف.

    وعلى كل فهذا الأمر مقرر في كتب الفقه، بل إن له أدلته من نصوص القرآن، لكن هناك ثبات يغفل عنه الناس، وأرى الحاجة إليه ملحة جداً في أيامنا الحاضرة: وهو ثبات القلوب والأفئدة.. ثبات العقيدة، فلربما يعتمد الناس على غير الله، ولربما تعلقت قلوبهم بغير الله، وتزعزعت عقائدهم وانهارت معنوياتهم إذا واجههم عدو متسلط وطاغية من طغاة الأرض، وعاث جنوده في الأرض فساداً، وداسوا التوراة والإنجيل والقرآن بأقدامهم، وهذا منهج من مناهج مبدئهم، ولا عجب! وهو من المبادئ المتبعة لدى هذه الأحزاب التي تحاربنا اليوم.

    وتعلق الناس بغير الله في مثل هذه الأيام هو الشيء الذي أصبحنا نخاف منه اليوم؛ لذلك نرى أن كثيراً من الناس تعلق بغير الله عز وجل، واعتمد على القوة الكافرة، واعتبر أن القوة البشرية هي النصر، لم يقل: إنها سبب النصر، وإنما قال: هي النصر! وحقيقة الأمر أن هذه القوى هي أسباب، وإذا أراد الله تعالى أن تكون سبباً للنصر كانت كذلك، وإذا أراد الله تعالى أن يبطل مفعولها فلن يكون لها أثر في ترجيح كفة المعتمدين عليها؛ لأن كل شيء بيد الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون النصر بيد الخلق، والله تعالى يقول: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126].

    ويظهر ذلكم النصر الإلهي جلياً في معركة بدر إذ كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر مقاتلاً، يلاقون ألفاً من الكافرين، فلم يكن هناك تكافؤ في العدد ولا في العدة، فالمسلمون لا يملكون من السلاح ما يكفيهم، فما لبثت أن جاءت أوامر الله سبحانه وتعالى التي أصدرها للملائكة: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12] فجاء الخبر أولاً: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، فما معنى مردفين؟ معناه: أن كل واحد من الملائكة أردف معه مجموعة، حتى بلغت هذه المجموعة خمسة آلاف من الملائكة كما أخبر الله عز وجل في سورة آل عمران: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] فكانت الملائكة في بدر خمسة آلاف؛ وكل واحد من هؤلاء الملائكة مسوم، وموجه من عند الله، ومزود بالسلاح، وكان جبريل أحد هؤلاء الملائكة، وهو -كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم- له ستمائة جناح، ويستطيع أن يحمل الأرض كلها بجناح من أجنحته ويقلبها، كما فعل بديار قوم لوط، لكن الله جلت عظمته أراد أن يكون ذلك زيادة في التنكيل بالمشركين، وشرحاً لصدور المؤمنين.

    وما جاء هؤلاء الملائكة المسومون بالنصر، إنما قال الله تعالى عنهم: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران:126] فكان نزولهم مجرد بشرى، ولكي تطمئن القلوب، ولكي يستبشر الناس بأن النصر قد أقبل، وحتى ينام المسلمون في تلك الليالي آمنين مطمئنين وهم ينتظرون موقعة بدر، ومن أجل ألا تؤرقهم هذه الأحداث وتزعجهم، فالنصر ليس من هؤلاء الملائكة الخمسة الآلاف، إنما النصر يأتي من عند الله، ولذلك قال الله تعالى عن هؤلاء الملائكة الألف المردفين الذين تعدادهم خمسة آلاف وجبريل معهم: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأنفال:10].

    ومعنى ذلك: لو جاءت جنود الأرض كلها لتحمي بقعة من الأرض -ونحن لا نناقش مسألة جواز الاستعانة بالكفار ودخولهم جزيرة العرب؛ لأن هذا الأمر أصبح واقعاً- فلن تستطيع أن تأتي بالنصر، فالذي يأتي بالنصر هو الله عز وجل، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأنفال:10]، (وما النصر إلا) تفيد في لغة العرب الحصر، بمعنى أنه يستحيل أن يأتي النصر حتى من هؤلاء الملائكة، وليس هؤلاء الذين جيء بهم ليدافعوا عن بلاد المسلمين أقوى من الملائكة.

    وقبل نهاية الكلام عن السبب الأول من أسباب النصر أؤكد على أنه لابد من فهم معنى قوله تعالى: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45] لابد أن تثبت العقيدة، وأن تستقر النفوس إلى أن النصر لا يأتي إلا من عند الله عز وجل، وأن هذه الأسباب لا تغني من الله عز وجل شيئاً، ولذلك يقول العلماء: الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على المسبب سبحانه وتعالى عقل، والاعتماد على الأسباب وحدها كفر بالله تعالى، وإلغاء الأسباب نقص في العقل، معنى ذلك: أنه لابد من الأخذ بالأسباب بشرط أن يقترن بها الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.

    فواجبنا الذي يحتمه علينا ديننا هو: الثبات في مثل هذه المواقف الرهيبة التي تعيشها أمتنا اليوم: ثباتاً في الميدان عند ملاقاة العدو، وعدم الفرار من الزحف، وثباتاً في العقيدة والنفس بحيث يشعر هذا المسلم أن النصر لا يأتي إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

    وحين ينزل الله نصره فإن أكثر ما يخشى على الناس هو اهتزاز عقيدتهم، فيؤدي ذلك إلى أن تتعلق النفوس بهؤلاء الكفرة الذين استعان بهم المسلمون، ثم تزيد الأمور خطورة، ويُنسى مالك النصر وواهبه وهو الله سبحانه وتعالى الذي يُنزل النصر.

    فمن لوازم اليقين بالله أن يتعلق القلب بالله، وتترسخ الثقة به عز وجل قبل المعركة وبعد المعركة، وحتى نلقى الله سبحانه وتعالى، ولابد أن يكون ثبات العقيدة في القلب والجنان ثباتاً يوافقه القول والعمل؛ حتى لا نطلب النصر -دائماً وأبداً- إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

    السبب الثاني: الإكثار من ذكر الله وخاصة في ساحة المعركة

    السبب الثاني لتنزل النصر: ذكر الله، قال تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] فذكر الله سبحانه وتعالى من أكبر أسباب النصر، ولذلك كانت الحصون تهتز وتتساقط ويستسلم أهلها حينما يسمعون تكبير المسلمين قائلين: الله أكبر، وكان كلما استعصى فتح حصن من الحصون في عهد الرسول عليه السلام وفي عهد سلفنا الصالح -في عهد الفتوحات- كان ترديدهم (الله أكبر) أشد من القنابل الموجودة في عصرنا الحاضر، إذ كانت تهتز لها الحصون، وتتساقط بإذن الله عز وجل، ويدخلها المسلمون فاتحين.

    وهذه القوة البشرية الموجودة في الأرض هي تحت تصرف الله عز وجل، وفي قبضته، والله تعالى أكبر منها وأكبر من قوى الدمار والشر التي يملكها البشر؛ ولذلك لابد من ذكر الله عز وجل سواء كان الذكر باللسان أو بالجوارح أو بالقلب.

    فذكر القلب: أن يتعلق بالله سبحانه وتعالى ويتوكل عليه.

    وذكر الجوراح: بالعبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى.

    وذكر اللسان: اللهج بالثناء عليه وتسبيحه وتحميده.

    أما إذا كان المسلمون قبل المعركة في لهو ولعب حتى يفاجئوا بساعة الصفر، فلن يتحقق النصر لأمة هذه حالها -في مثل هذه الظروف- ولن يتم النصر إلا إذا تعلقت هذه الأمة بالله عز وجل.

    ولذلك يقول الله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] فالتضرع هو المطلوب في مثل هذه الظروف، فعلينا دائماً أن نرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل: يارب! يا رب! هذا هو التضرع.

    يقول الله تعالى عن الأمم التي أنزل بها بأسه وعذابه: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون:76].

    فنعلم يقيناً أن الكفار والطغاة والظلمة والمتجبرين لا يتسلطون على بلاد المسلمين إلا بتسليط من الله عز وجل، وهذا عذاب من عند الله؛ لأن الأمة الإسلامية قد ارتكبت كثيراً مما حرم الله عز وجل، وإن إرهاصات هذا العذاب قد بدأت، ولعلها تكون تربية من الله عز وجل وإنذاراً لهم لعلهم يرجعون، فإن الله تعالى يقول: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] فالفساد موجود في البر والبحر، وحتى في الجو.

    وهذه الأحداث ربما ترد الناس إلى دين الله عز وجل، وتعيدهم إلى الحق، وتعلمهم أن النصر لا يأتي إلا من عند الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] و(لعل) إذا جاءت من الله فليس معناها الترجي ولا التوقع كما نعرفها في لغة العرب، وإنما معناها: تحقق الوقوع وتأكيده، فمدلول الآية تأكد رجوع الخلق إلى الله إذا أذاقهم بعض العذاب على ما اجترحوه من الشر، وهذه بشرى من الله سبحانه وتعالى، حيث بين الله أن الناس عند الشدة يلجئون إلى التوسل والخضوع بين يدي الله عز وجل.

    بل إن المشركين كانوا إذا ركبوا في البحر وهبت ريح عاصف، واضطربت السفينة يفزعون إلى الله عز وجل، ولا يفزعون إلى أحد سواه، حتى الأصنام التي نصبوها حول الكعبة -وعددها ستون وثلاثمائة- لم يكونوا يفزعون إليها في حال الشدة، وإنما يرجعون إليها في حال الرخاء، أما في الشدة فكانوا يفزعون إلى الله عز وجل وحده، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67]، وقال جل في علاه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65] فهذا حال أولئك المشركين الذين يعبدون الأوثان، وأولى بها أن تكون صفة من صفات المؤمنين الموحدين.

    ولكن لما فوجئت هذه المنطقة -أسأل الله أن يحفظها بحفظه- بهذه الأحداث على أيدي هؤلاء الطغاة الذين يريدون بها سوءاً، ويأبى الله إلا أن يتم نوره؛ رأينا أناساً فزعوا إلى كل شيء إلا إلى التوبة، فادخروا الأرزاق والأطعمة والسرج والأشياء التي تتخذ احتياطاً للحرب دائماً وأبداً كما هي العادة، ولكن لم يفكر أحد أن يغير وضع بيته أو سوقه أو مجتمعه أو أهله أو زوجته أو ولده إلا من رحم الله، والخير كثير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لكن الأكثرية الساحقة ما رأينا أحداً منهم فكر في تغيير شيء من واقعه؛ على كل المستويات: الرسمية والشعبية، وربما يكون هناك تغيير بعد هذه الأحداث؛ لأن سنة الله تعالى في هذه الحياة أن يؤدب ويربي هؤلاء الناس ويردهم إليه، كما قال: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    فإذا كان المشركون يرجعون إلى الله عز وجل في حال الشدة، فنحن أولى أن نرجع إلى الله عز وجل في مواجهة مثل هذه الأحداث، ولعلها من أحلك الفترات -في اعتقادي- التي مرت على هذا البلد منذ سنين طويلة.

    فمن يراقب الموقف والأحداث فسيقول: إن هؤلاء الناس إما أن يكونوا شجعاناً شجاعة منقطعة النظير، وإما أن تكون القلوب قد ماتت، فإذا كانوا يسمعون بأن عدواً متربصاً مجرماً يملك قوة مبيدة من قوى الأرض المادية، ويهدد بلاد الإسلام، ورغم ذلك لا يزال المسلمون لا يغيرون من حال واقعهم؛ فهذه إما شجاعة منقطعة النظير! وإما غفلة شديدة رانت على القلوب!

    وكان ما كان؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فالأولى لنا أن نرجع إلى الله، فإن الرسول عليه السلام -وهو الذي غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قام في ليلة بدر يجأر إلى الله عز وجل، مع أنه قائد الأمة، وليس هناك من يعبد الله في الأرض غيره وغير هذه المجموعة التي كانت معه عليه السلام، وسوى عدد قليل ممن بقي في المدينة، فقام عليه السلام يتضرع بين يدي الله، ويناشد ربه أن ينجز له ما وعده، ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض) إلى غير ذلك من الأدعية والتضرع بين يدي الله عز وجل، فكان يرفع يديه إلى السماء حتى كان يسقط رداؤه من على كتفيه، فيضع أبو بكر الصديق رضي الله عنه رداءه على كتفيه، ويقول: (يا رسول الله! ارفق بنفسك، فإن الله منجز لك ما وعدك).

    لكن السؤال: هل المسلمون اليوم يتضرعون بين يدي الله؟ وهل هناك تهجد في آخر الليل وبكاء بين يدي الله عز وجل وتضرع أم أن الغفلة ما زالت تضرب أطنابها في قلوب الناس؟

    بل نطلب أقل من ذلك ونقول: هل منا من فكر أن يطهر بيته مما حرم الله من الأفلام والأغاني والموسيقى؟

    فالله تعالى يقول: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ [النحل:45-47] فيستمر النقص شيئاً فشيئاً حتى تنتهي النعمة.

    ثم يبين الله تعالى في القرآن أن سنة الله في هذه الحياة أن يمتحن الناس بالمصائب والبلايا، فإذا لم يجد هذا الامتحان، ولم يرعوِ هؤلاء الناس، فإن الله تعالى يمتحنهم بالنعم والخيرات والأمن والاستقرار، فإذا لم تنفع الثانية جاء العذاب بعدها مباشرة.

    وهاتان المرحلتان قد أدركتهما في عمري، وأكثر من في مثل عمري قد أدرك هاتين المرحلتين، فلقد كنا في شظف من العيش، وكنا في جوع ومسغبة حتى فجر الله لنا هذه الخيرات من تحت أقدامنا، وكنا في خوف وذعر حتى هيأ الله لنا الملك عبد العزيز رحمه الله، فوحد الجزيرة العربية في ظل الإسلام، وانتهت المرحلة الأولى، ثم جاءت المرحلة الثانية، وأصبحنا في رخاء ونعيم وأمن واستقرار، وإذا قيل لأحد منا: اتق الله يا أخي! أنت في نعمة، وكنت في جوع ومسغبة، يقول: أبي وجدي عاشا تلك الفترة، وقد انتهت!

    وقد جاء ذكر هذا الموقف كله في كتاب الله عز وجل، حيث قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] والبأساء هي: الحروب والفتن وعدم الأمن، والضراء: الجوع والمسغبة، ثم قال تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف:95]، والمقصود بالسيئة هنا: الجوع، فأبدل الله مكان الجوع الشبع، حتى إن بعض الناس صار لا يعرف كم مقدار رأس ماله الذي لا يحصر، فصار يتقلب في الخيرات، والنعيم، والقصور، والترف، والرخاء، والطمأنينة.

    قال: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ) المصائب، (الْحَسَنَةَ) النعيم، حَتَّى عَفَوا [الأعراف:95] أي: زادت الأموال وزاد الأهل وزادت القصور، فإذا قيل لهم: اتقوا الله قَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95] فيحتج بأن الدنيا تتقلب، وليست هذه ابتلاءات من الله، زاعماً أن آباءه وأجداده ما عاشوا هذه النعمة التي يعيشها اليوم، فما كانت النتيجة؟ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:95].

    فهذه نتيجة امتحانين وليس امتحاناً واحداً، وقد مرّ هذان الامتحانان بنا جميعاً، وأكثرنا قد أدرك هاتين الفترتين: الجوع والخوف، والشبع والأمن والطمأنينة.

    ونحن نرى أنه منذ سنوات والعالم يُتخطف من حولنا، ونحن نعيش في ظل حرم آمن، فبمقدار ما طبقنا من شريعة الله عز وجل أعطانا الله من الأمن والرخاء والطمأنينة، وليس معنى ذلك أننا أمة بيننا وبين الله نسب! إنما هي سنة الله تعالى في الحياة: خط مستقيم مرسوم، من سار عليه أمن، ومن انحرف عنه يميناً أو شمالاً عُوقب، ولذلك يقول الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45].

    السبب الثالث: التزام أوامر الله تعالى ورسوله في كل الأحوال

    ثم يقول تعالى مبيناً السبب الثالث للنصر: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:46].

    فعند مقابلة الفئة الكافرة في المعركة وقبل مقابلتها وبعد مقابلتها، لابد من طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة، لا خلاف فيها ولا اعوجاج ولا انحراف، ليست هناك خيرة، وإنما الخيرة لله عز وجل ولرسوله.

    فلقد عُوقب الصحابة -وهم خير البرية- يوم أحد بسبب معصية صغيرة، وذلك حينما قال النبي عليه السلام للرماة في ذلك اليوم: (اثبتوا على الجبل، ولا تنزلوا ولو رأيتم الطيور تتخطفنا) فلما تقهقر المشركون، وبدأ المسلمون يجمعون الغنائم، ظن الرماة الذين كانوا على رأس الجبل أن المعركة قد انتهت، وأن الوقت قد حان للنزول، فنزلوا متأولين، ومع ذلك فإن الله تعالى يقول: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران:152] وهذه المعصية أحاقت بالمسلمين هزيمة قاسية؛ حتى إن الرسول عليه السلام شج رأسه، وكسرت رباعيته، ووقع في حفرة، حتى أحاط به المسلمون يحمونه ويذودون عنه أذى الكفار، وكل ذلك كان بسبب معصية خمسين رجلاً من المسلمين، لا ملايين البشر، وكانت معصية صغيرة حسب رأيهم، وكانت بتأول، ومع ذلك فإن الله تعالى يقول: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران:152].

    وإذا بدأنا نستعرض معاصي الناس اليوم في ساعة المعركة، فسيطول بنا المقام، وهي معلومة لدى الجميع، ولكن نقول: إن الله تعالى شكور حليم لطيف، ولولا لطف الله سبحانه وتعالى لما تحقق لنا النصر، لكن الله تعالى قد يعطينا النصر إما امتحاناً، وإما لحملنا على الرجوع إليه عز وجل، ولذلك أقول: لابد من التوبة في مثل هذه الأيام، ولابد من مراجعة الحساب، ولابد من الإنابة إلى الله عز وجل وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:54-59] فهذه المعاصي لربما تحبط كل سبب، وتبطل مفعول كل سلاح؛ فلا بد من العودة إلى الله عز وجل.

    وفي ساحة المعركة يغربل الله عز وجل المؤمنين ويمتحنهم، ولقد ذكر الله تعالى في القرآن قصةً تصوِّر هذا الأمر، ألا وهي قصة جالوت وطالوت ، فإن الله سبحانه وتعالى أخرج مع طالوت أمة كبيرة للجهاد في سبيل الله، فانقسموا إلى قسمين:

    قسم عصوا الله، فتخلفوا عن المعركة، وكانوا يمثلون الأكثرية الساحقة.

    وقسم التزم بأمر الله عز وجل فتحقق لهم النصر، وإن كان عددهم قليلاً.

    وتفاصيل هذه القصة أن الله عز وجل بعث لبني اسرائيل ملكاً يُدعى طالوت وأمرهم بالقتال معه، فكان منهم أصحاب مقاييس مادية، نظروا بمنظار مادي إلى طالوت ، وقالوا: لم يؤت سعة من المال؛ فكان هذا سبباً من أسباب تخلفهم عن المعركة؛ لأن النظرة المادية دائماً تؤدي إلى الغفلة عن القدرة الإلهية، ومن ثم تؤدي إلى الهزيمة النفسية.

    ثم أراد الله سبحانه وتعالى أن يمتحنهم، فأجرى لهم نهراً بارداً وهم عطاش، فقال لهم: لا تشربوا من هذا النهر إلا بمقدار شربة واحدة واتركوا البقية فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:249] وهذه هي المعصية الثانية؛ حيث شرب أكثرهم من ماء النهر ولم يتقيدوا بما أمروا به.

    ثم بعد ذلك حينما حانت لحظة المواجهة، وقف الناس في جيش طالوت وقد أرهبتهم قوة البشر: قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249] فكان ذلك سبباً ثالثاً من أسباب الزعزعة التي حلت بجنود طالوت ؛ حيث استعملوا المقاييس المادية وغفلوا عن المقاييس الروحانية.

    إلا أن الفئة القليلة التي ثبتت انتصرت في المعركة لأسباب:

    أولاً: هذه الفئة لم تشرب من النهر طاعة لله عز وجل.

    ثانياً: لما رأوا العدو أيقنوا بنصر الله سبحانه وتعالى، وقالوا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] فكان تعلقهم بالله لا بالبشر، وكان نظرهم إلى الكيف لا إلى الكم.

    ثم جاءت القضية الأخيرة وهي التضرع بين يدي الله عز وجل، فلما برز هؤلاء القلة الذين لم يشربوا من النهر، ولم يدخل في قلوبهم خوف غير الله عز وجل، ورأوا العدو؛ تضرعوا إلى الله عز وجل: قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:250] ثم تحقق النصر للعدد القليل، وقد خاف من الهزيمة العدد الكثير، قال تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:251]، بالرغم من قلة الأسباب لكن النصر كان بإذن الله.

    إذاً: فالمقاييس المادية لا تصلح أن تكون ضابطاً لتنزل نصر الله عز وجل أو حلول الهزيمة في حق أي فئة من الفئات.

    السبب الرابع: اجتماع كلمة المسلمين وعدم التنازع والاختلاف

    السبب الرابع من أسباب النصر هو ما يدل عليه قوله تعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    وهذا عامل مهم من عوامل النصر، فإن وحدة الصف تؤدي إلى ظهور مواطن القوة في أي تجمع مهما كان قليل العدد، وبالعكس من ذلك فإن الخلاف شر، والتنازع لا يؤدي إلا إلى الفشل والضعف، وقد بين الله عز وجل عواقب الفشل في هذه الآية بقوله: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    كما بين النبي عليه السلام الحكم على من سعى في تثبيط المسلمين، وذلك في حديث عرفجة بن شريح قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: (ثم ستكون بعدي هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر أمة محمد عليه السلام وهم جميع فاضربوه بالسيف)، وفي رواية أسامة بن شريك قال: قال عليه السلام: (فمن رأيتموه يريد تفريق أمر أمة محمد عليه السلام وهم جميع فاقتلوه كائناً من كان من الناس).

    وهذا الحكم من الرسول عليه السلام إنما يدل على مدى خطورة الفرقة والنزاع على الصف الإسلامي، وقد تجلى هذا الأمر واضحاً في أحداث غزوة أحد؛ حين أقدم المنافق ابن سلول على ترويج بياناته المثبطة، والتي أدت في نهاية الأمر إلى رجوع ثلث جيش المسلمين معه إلى المدينة.

    ومن هنا فإن التنازع والاختلاف في المجتمع المسلم له آثاره الخطيرة على الأمة، سواء كان هذا التنازع على مستوى الأفراد أو المجتمعات، إلا أن التنازع الأكثر خطراً هو الذي يتولاه ويحمل رايته أهل الريادة والزعامة في الأمة، والذين يمثلهم أهل العلم وذوو السلطان، فالدولة الإسلامية على مر العصور ما فتئت قوية يمتد سلطانها من مشرق الأرض إلى مغربها، إلى أن دب الخلاف بين الأمراء والسلاطين، فأضحى كل واحد منهم يكيد للآخر، إلى أن بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يستعين بالنصارى الصليبيين على جيرانه من الإمارات المسلمة، حتى باتت إمارات المسلمين هدفاً لكل رام، وغرضاً لكل طامع، ومن أمثلة هذه الصراعات والتي سطرها التأريخ بالمداد الأحمر، ما حصل من صراعات وحروب بين أمراء الطوائف في الأندلس، والذي أدى في نهاية الأمر إلى سقوط الأندلس حاضرة الإسلام في أوروبا، والتي ما برح العالم يبكيها عقوداً من الدهر.

    السبب الخامس: توطين النفس على الصبر خاصة عند لقاء العدو

    لا ننسى أن نشير إلى ما قاله الله تعالى واصفاً حال الفئة القليلة من قوم طالوت حين تراءى لهم جالوت ومن معه، فقالوا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا [البقرة:250].

    وهذا هو السبب الخامس من أسباب النصر، ألا وهو الصبر.

    والمسلم لا يتوقف صبره على مواجهة العدو في ساحة المعركة، بل إنه يشمل جميع نواحي حياته في طريق دعوته ودفاعه عن هذا الدين.

    ومن أمثلة الصبر في مجال الضغط النفسي الذي يتعرض له المسلم: ما حصل لـسعد بن أبي وقاص حين أسلم، بينما بقيت أمه على الشرك، فاستعملت هذه الأم كل طريقة لثني ابنها عن اعتناق هذا الدين، فلما عجزت عن ذلك لجأت إلى سلاحها الأخير وهي تعلم مقدار تأثيره على ولدها، فاستغلت حبه لها وبره بها للضغط عليه للرجوع عن دينه، لدرجة أنها امتنعت عن الطعام والشراب، وربطت بين رجوعه عن هذا الدين وبين خروجها من حالة الاضطراب تلك، وخلال ذلك بقي سعد في صراع داخلي بين حبه لأمه وخوفه من أن تهلك نفسها، وبين حبه لدينه ونبيه، والذي لن يتردد في سبيلهما في التضحية بنفسه التي بين جنبيه، فضلاً عن أمه، لكن الصراع بين العاطفة والعقل يغلب فيه العقل حينما يكون الإيمان قد ملأ القلب واستقر في النفس، فقال: (اسمعي يا أماه، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني؛ فإن شئت كلي وإن شئت فلا تأكلي) فأكلت في آخر الأمر؛ لما رأت عدم جدوى هذه الطريقة مع ابنها المؤمن، فأنزل الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]؛ لأن العاطفة في هذا الموقف تعد فتنة وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3]، ثم جاء الأمر من الله تعالى بعد ذلك فقال: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8] لكن هذا الإحسان لابد أن يكون له ضوابط، فلا يصل إلى درجة أن يتنازل المرء عن دينه، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:8].

    فهذه الفتن قد تعرض على نفوس كثير من الناس: فتنة المال .. فتنة الشهوة .. فتنة حب الحياة وكراهية الموت .. فتنة العاطفة .. فتنة الأهل والقرابة... إلى غير ذلك من الفتن التي تُعرض على كثير من الناس وتتكرر، ولا سيما في هذه الظروف التي بات فيها أبناء المسلمين عرضة لهذه الفتن، وربما تعرض الإنسان لموجة عارمة من الفتن: فتنة مع أبيه.. مع أمه.. مع أقاربه.. مع مجتمعه، ولمواجهة ذلك لابد أن يكون هناك إيمان أصلب من العاطفة، حتى لا ينجرف هذا الإنسان أمام العاطفة، والأمة لا تدرك النصر في هذه الحياة -سواء كان نصراً على النفس أو نصراً على العدو- إلا بالصبر، ولذلك قال الله تعالى: وَاصْبِرُوا [الأنفال:46] ثم قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] وفيه تعليل للصبر يبين عاقبته حتى يسهل أمره.

    ومعية الله سبحانه وتعالى هي التي تمهد لكل شيء في هذه الحياة، فإذا كان الله معك وكنت مع الله فإن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.

    السبب السادس: أن يكون الخروج إلى الجهاد طلباً لمرضاة الله ورفعة دينه

    السبب السادس والأخير من أسباب النصر هو المفهوم من قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47] وهذه الآية تحكي قصة خروج كفار قريش في بدر، وذلك حين خرج المسلمون مع رسول الله لاعتراض عير لقريش، فقام أبو سفيان باتخاذ طريق الساحل حتى لا يواجه المسلمين، فلما تم له ذلك أرسل إلى أهل مكة ألا يخرجوا؛ لأن العير قد سلمت من محمد، إلا أن أبا جهل أبى ذلك، وقال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً وننحر الجزور ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان؛ حتى تعلم العرب بمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر، فهو مصمم على أن يحارب الإسلام بالرغم من أن عير قريش قد سلمت!

    فهو إنما خرج لإحقاق الباطل ولإظهار الفساد والاستكبار في الأرض.

    وقد نهى الله عز وجل المسلمين أن يخرجوا مثل هذا الخروج، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47] أي: بطرين، ومن أجل أن يرى الناس مكانهم في هذه الأرض ويهابوهم، وهؤلاء هم الذين أحلوا قومهم دار البوار، فعلى المسلمين إذا خرجوا للجهاد في سبيل الله أن يكون خروجهم لهدف سامٍ وواضح، فإن أول سبب من أسباب النصر هو حسن القصد، فيجب أن يكون الخروج من أجل أن يكون الدين كله لله، ومن أجل الدفاع عن بلاد المسلمين ومقدساتهم، ومن أجل ألا يتسلط الكافرون على المؤمنين، وألا تكون للكافر شوكة في هذه الأرض، وألا تطأ الأقدام القذرة أرض الإسلام ومقدسات المسلمين، ومن أجل أن ترتفع راية الإسلام وراية التوحيد، وهذا هو الهدف الذي من أجله يجب أن يجاهد المسلم ويقاتل؛ أما من كان خروجه في سبيل الوطن دون أن يكون قصده الدفاع عن بلاد المسلمين، أو كان خروجه من أجل الشهرة أو يقال: إنه شجاع، فهذا يكون حطباً لجهنم، وقد ورد في الحديث أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وجاء فيه: (ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: ماذا فعلت؟ فيقول: أي رب! أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل) فمع أنه استشهد في سبيل الله حسب ظواهر الأمور، إلا أنه يكون من أول من يدخل النار والعياذ بالله.

    فلابد من إصلاح القلب؛ ولابد من إصلاح القصد، بحيث لا يخرج الإنسان بطراً ولا رياءً، وإنما يكون خروجه من أجل أن ترتفع راية الإسلام، وأن تنخفض راية الشرك والكفر والطغيان في الأرض.

    أما لو خرج الجيش مغروراً بعدده الكبير؛ أو بعتاده وتقنيته العصرية المتطورة التي بلغت الذروة، ففي مثل هذه الحال يأتي الخطر، خصوصاً إذا صدر هذا الفعل عن أمة مسلمة تخرج مغرورة بقوتها أو بعددها أو بعتادها أو بأسلحتها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47].

    (والبطر) الكبر وهو: غمط الحق واحتقار الناس، (ورئاء الناس) من أجل أن يرى الناس مكانهم في هذه الأرض كما قال أبو جهل عليه لعنة الله!

    فينبغي لمن أراد الخروج للقتال أن يخرج خاضعاً لله عز وجل، يمد أكف الضراعة لله سبحانه وتعالى، ويستكين لله سبحانه وتعالى، ويطلب النصر من عند الله دون أن يغتر بالقوة.

    ولقد كان عدد المسلمين يوم حنين اثني عشر ألفاً بقيادة الرسول عليه السلام، وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة، ولم يسبق أن اجتمع مثل هذا الجيش في أي غزوة من غزوات الرسول عليه السلام، وبالرغم من كثرة هذا العدد وقلة العدو كانت المعركة في بدايتها لغير صالح المسلمين، وفر الناس لا يلوون على شيء، وبقي الرسول وحده مع طائفة قليلة.

    وسبب ذلك: أن أحد المسلمين أخطأ، إذ نظر إلى الجيش الكبير المكون من اثني عشر ألف مقاتل فقال: لن نُغلب اليوم من قلة، وما زاد على هذه الكلمة، فلم يقل: نتحدى القدر، كما يقول ذلك بعض الناس الذين يريدون أن يحاربوا وهم بعيدون عن الله عز وجل، وقد كان قوله: لن نُغلب اليوم من قلة. بحسن قصد؛ فحاقت الهزيمة بالمسلمين، وفر أكثر المسلمين من المعركة وعددهم حينذاك اثنا عشر ألفاً، وما بقي مع الرسول عليه السلام إلا عدد قليل، ثم أمر الرسول عليه السلام عمه العباس أن ينادي: يا أهل الشجرة! يا أهل بيعة الرضوان! فاجتمع المسلمون حول النبي عليه السلام، ودارت المعركة مرة ثانية، ولنا أن نتصور الهزيمة التي كادت أن تنزل بجيش الرسول عليه السلام بسبب كلمة، فلما فاء المسلمون إلى ربهم وعرفوا أنهم بحاجة إلى نصر الله تعالى، دارت المعركة مرة ثانية، وانتصر المسلمون، وقد صور الله تعالى هذا الموقف فقال: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [التوبة:25] بالرغم من سعة الأرض فقد أصبحت في نظركم ضيقة، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] أي: هربتم من حول الرسول عليه السلام، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:26].

    فالغرور هو الذي يبطل مفعول القوة، والقوة مهما كانت ضارية فيها العتاد والسلاح والتقنية الحديثة، إلا أنه لا يمكن أن تنتصر إلا بالخضوع لله عز وجل والاستكانة إليه.

    فلابد من الاستكانة لله عز وجل، والشعور بالضعف أمام قوته، والتضرع بين يديه جلت قدرته؛ فلا ينظر المسلم إلى الكثرة، وإلى عدد الطائرات والأسلحة والأموال والجيش والجنسيات المتعددة، وإنما ينظر إلى شيء واحد وهو أن هذه أسباب إذا أراد الله لها أن تنتصر فستنتصر، ولو كانت أقل بكثير من هذا العدد، وإذا أراد الله تعالى أن تنهزم فستنهزم، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47].

    فيجب علينا تصحيح الهدف، بحيث يكون الهدف هو: الدعوة إلى دين الله، وتطهير الأرض من الفساد، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإذا كان الهدف غير ذلك فالأمر خطير.

    وقوله تعالى: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47] يدل بمفهومه أنه لابد أن تكون هذه القوة من أجل أن تفتح الطريق لدين الله تعالى حتى ينتشر في هذه الأرض، وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ [الأنفال:47-48].

    وقصة الشيطان معروفة مع ابن آدم، إذ لم يزل يفتنه حتى ورطه وأدخله في متاهات الكفر ثم تخلى عنه، وقد جاء الشيطان إلى أهل مكة في يوم بدر، وكانوا خائفين من كنانة، فقال لهم: (إني جار لكم)، أي: أنا أحميكم من كنانة، وما زال بهم ليخرجوا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم حتى خرجوا، فلما تراءى الجمعان ورأى الشيطان الملائكة تنزل من السماء هرب ورمى نفسه في البحر: وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:48].

    1.   

    تجديد العهد مع الله تعالى

    إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تجدد العهد مع الله عز وجل دائماً وأبداً، وفي ساعة الصفر التي تعيشها أمتنا ومنطقتنا هذه لابد من التوبة الصادقة، والاعتماد على الله عز وجل وحده، ولابد من تفقد أمور المسلمين، ونوجه هذا النداء أولاً إلى المسئولين عن هذه الدولة، ونظن فيهم خيراً كثيراً إن شاء الله.

    ونقول: إن قوى البشر التي ملأت هذه الأرض لا تستطيع أن تدفع عنا أمراً من أمور الله عز وجل، والله هو الذي يدافع عن الذين آمنوا، وهذه القوى إنما هي أسباب قد تنفع وقد لا تنفع، فلابد من العودة إلى الله عز وجل، والله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد فتح تبارك وتعالى أبواب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، فلابد من إزالة كل محرم من المحرمات التي لا ترضي الله عز وجل حتى يتم النصر، ولابد من محاربة الربا، وإصلاح الإعلام، وإصلاح جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولابد من إصلاح أمور كثيرة يعرفها الناس، وهي من بدهيات هذا الدين، وهي تمثل المنهج السليم الذي يجب أن يكون عليه المسلم.

    ولا نقول هذا الكلام لغاية ما؛ كما يفعل العلمانيون في أيامنا الحاضرة، والذين يريدون أن يربكوا الدولة في ساعة الصفر، ولكن نقوله ونحن على ثقة بأن الله سبحانه وتعالى سوف ينصرنا بمقدار ما نعزم في قلوبنا على أننا سوف نصلح حينما تستقر الأمور وتعود إلى طبيعتها، فنحن لن نكون كالعلمانيين الذين ما إن طوق العدو بلادنا حتى بدءوا يربكون الدولة من الداخل، ويثيرون القضايا، لكننا سنقدم أنفسنا ودماءنا وكل ما نملك في سبيل الله وفي سبيل الدفاع عن أرض الإسلام؛ لا لأنها أرض وتراب، ولكن لأنها أرض الإسلام وأرض المقدسات، وهي معقل الإسلام الأول والأخير، وفيها قبلة المسلمين.

    وإننا في نفس الوقت نطالب من المسئولين أن يستعرضوا الساحة التي يعيشون عليها، وما فيها مما يتنافى مع دين الله عز وجل، وتعاليمه وسلوكه وآدابه، بحيث يتم الإصلاح، وسوف يتم الإصلاح إن شاء الله بجرة قلم منهم إذا أرادوا؛ لأنهم يملكون هذا الأمر، ونحن نملك أن ندعو الله عز وجل أن يثبت أقدامهم ويوفقهم.

    ولكن أيضاً لا ننسى أن الشعوب هي مسئولة عن كثير من هذه الأخطاء الموجودة في الساحة، فلابد لكل واحد منا أن يستعرض أمامه ما في بيته، أو ما يستطيع إنكاره مما حرم الله عز وجل، فيعاهد الله عز وجل على التوبة، والله سبحانه وتعالى كريم، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25]، ونصر الله عز وجل قريب: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] فما علينا إلا أن نتعامل مع الله عز وجل بالإحسان، ثم بعد ذلك نأخذ بأسباب النصر ونعتمد على الله عز وجل.

    أسأل الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الظروف الشديدة أن يوفق ولاة المسلمين للعمل بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وأن يعينهم على إحقاق الحق وإبطال الباطل، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يفسد في هذه الأرض، أو يجر على هذه الأمة الويلات والفتن.

    اللهم إنا نتوجه إليك -يا أرحم الراحمين- أن تردنا وأن ترد المسلمين إليك رداً جميلاً، ربنا لا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر كل معصية نراها أو نسمعها، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، اللهم فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم وأبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً، يعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا رب العالمين!

    اللهم إنّا نسألك نصراً مؤزراً مبيناً.

    اللهم عليك بأعدائك الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم عليك بطغاة الأرض وجبابرتها، رب لا تذر على الأرض منهم دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، وأرح المسلمين من شرهم، يا رب العالمين!

    اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

    اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، اللهم إنا نسألك يا حي يا قيوم أن تزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائنا، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم انصرنا عليهم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007983307

    عدد مرات الحفظ

    720878291