إسلام ويب

تفاعل دائم لا تعاطف مؤقتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما حدث للمسلمين من مآسٍ وأحداث مؤلمة لا يمكن لمسلم أن ينساه ما دام في صدره قلب ينبض، وبين جوانبه نفس تتحرك، وفي رأسه عقل يدرك، وإن العداء اليهودي للمسلمين والحقد المستمر على الإسلام ما زال قائماً ومتأججاً في صدورهم، وما حصل للمسلمين من مآس فأغلبها بتدبيرهم وكيدهم ومكرهم، وما حصل ويحصل في فلسطين والبقاع المقدسة هناك خير شاهد على عداوتهم وحقدهم الدفين على أبناء الأمة المحمدية، فهل يمكن أن ننسى هذا العداء العقدي على مر العصور؟! تلك إذاً كرة خاسرة.

    1.   

    الصراع مع اليهود على بيت المقدس صراع ديني متأصل

    الحمد لله جل جلاله، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وعم نواله.

    له الحمد قدّر الأقدار، وكتب الآجال، لا يخلف وعده، ولا يهزم جنده، ولا يعز أعداؤه، ولا يذل أولياؤه، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.

    له الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ما دامت السماوات والأرض، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويكافئ فضله وإنعامه، ويقينا سخطه وعذابه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، المرسل إلى الناس كافة أجمعين.

    أشهد أنه عليه الصلاة والسلام، قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإننا سنتحدث عن أرض الإسراء لنبقى على صلة وطيدة مستمرة، فإن القضية ليست أمراً عابراً أو حدثاً طارئاً أو جريمة بشعة يمكن أن نسمع بعدها ما نسمع من الملهيات التي تعود بنا إلى ما كنا عليه، بل إلى ما وراءه، حيث يكون هدوء نسبي، وانسحاب جزئي، وحل سياسي، ودعم مادي، وتطوى الصفحة، وتعود الغفلة، وتنطفئ الجمرة، وكأن شيئاً لم يكن.

    وهذه صورة قد وقعت لها مثيلات في أمتنا الإسلامية، اللاتي ربما كان كثير من أصداء تحركها رد فعل وقتي، وتحرك شعور عاطفي، ثم ينتهي الأمر إلى قطيعة ونسيان، وبعد أن يحصل ما يحصل مما يقال: إنه تهدئة الأوضاع أو تسوية القضايا، كأن ذلك سوف يزيل كل الآثار الواقعية المادية فضلاً عن الآثار المعنوية الإيمانية.

    ألسنا نعرف حجم المآسي التي وقعت في هذه الكارثة الأخيرة؟! أليست هي امتداداً لعقود متطاولة من الزمان زادت على الخمسين عاماً؟!

    إنه حدث يهز عقلاء الناس، ويدمع عيونهم، ويدمي قلوبهم، ثم يأتي بعد ذلك من يلطف بكلمات عابرة، وأمور ليست مما يقدم أو يؤخر، فإذا بنا ننسى الأشلاء الممزقة، والجثث المحترقة، والبيوت المتهدمة، والمدن المدمرة، والأسر المشردة، والطفولة المروعة، والحياة المتوقفة، بل ننسى ما هو أعظم من ذلك، ننسى الحرمات المنتهكة، والمقدسات المدنسة، والدين الذي يهان، والأمة التي تذل، وكل معاني العجز والضعف التي لا يمكن أن يقبل بها حر أبداً.

    هل يمكن لهذه الجروح الغائرة أن تندمل؟! هل يمكن لتلك الدماء النازفة أن تسكن وأن تتوقف؟! إنه لا يكون ذلك إلا إذا ماتت النفوس وقتلت معاني الحياة في القلوب، وأشبعت العقول ضلالاً وزيغاً وانحرافاً.

    أما من كان في صدره قلب ينبض، وبين جوانحه نفس تتحرك، وفي رأسه عقل يدرك فإنه لا يمكن بحال أن ينسى أو أن يغير أو أن يعود إلى ما كان؛ لأن قضيتنا مختلفة اختلافاً كاملاً، فهي قضية لا تنتهي بمثل هذه الألاعيب والأكاذيب الصهيونية الصليبية الإجرامية.

    إننا نعرف أصولاً ثابتة تجعل هذا الصراع دائماً وقوياً وفاجراً وإجرامياً إلى أقصى حد، إنهم اليهود أصحاب الفساد والانحراف العقدي، الذين لم تسلم منهم ذات الإله سبحانه وتعالى، ولم تسلم منهم أرواح ودماء رسل الله صلى الله عليهم وسلم، ولم تسلم منهم البشرية في قرونها وعصورها المتعاقبة، إنهم أصحاب الحقد النفسي الذي رأينا صوره متجسدة في أمور وتصرفات ليس لها ما يفسرها إلا التشوه النفسي والانحراف الإنساني الذي ينشأ في تلك النفوس المنحرفة عن منهج الله عز وجل.

    وهناك إجرام عسكري وحلم توراتي متأصل في عروقهم وفي قلوبهم وفي أفكارهم، إنه هدم الأقصى وقيام الهيكل، إن إسرائيل الكبرى لا تنتهي بهذه الألاعيب والأكاذيب التي يضحك بها على كثير من المسلمين، فتنطلي عليهم الحيل، وينسون ثوابت القرآن، وينسون قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82]، وينسون قوله تعالى: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33]، وينسون: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة:64]، بل وينسون كل ما جاء في القرآن، وينسون الشريط الأسود الكالح الذي كان لليهود مع خير خلق الله صلى الله عليه وسلم.

    وعبر تاريخ أمتنا كله لا تنسخ الأحداث، ولا يمكن قطعاً أن تنسخ الآيات، ولا يمكن بحال أن يلغى من السيرة وأحداثها شيء، شاء من شاء وأبى من أبى، غيّر في المناهج من غيّر وأثبت من أثبت، قال في الإعلام من قال وصمت من صمت، فإن حقائق القرآن ثابتة ثبوت الجبال إلى قيام الساعة، وإن حقائق الإيمان التي في قلوب المؤمنين لا تنتزع منهم إلا يوم تنتزع أرواحهم، ويخرج آخر نفس من أنفاسهم، إن كانوا مؤمنين حقاً وإن كانوا مسلمين صدقاً.

    1.   

    ضرورة التفاعل الدائم مع مآسي المسلمين وعدم نسيانها

    وقفتنا هنا نقفها لئلا نكرر المآسي السابقة، فإن لنا فيها عبراً، ولعلي أقف وقفة سريعة لأذكر بها، فهل ما زلنا نذكر البوسنة والهرسك؟!

    قد نسخت من عقولنا، ومُسحت من واقعنا، وطويت صفحتها وكأن قضيتها انتهت؟! فهل انتهت فعلاً؟! وأين هي كوسوفا؟! وهل ما زلنا نذكر أحداثها ونستعيد فظائعها؟! وهل انتهت آثارها واندملت جراحها؟!

    ما حال الثكالى اللائي فقدن أزواجهن؟ ما حال الأيتام الذين فقدوا أهلهم؟ ما حال المعاقين؟! ما حال الذين تشوهت أجسادهم؟! ما حال أوضاعهم المادية؟! ما حال المدارس التي دمرت والمساجد التي محيت؟! ما حال أوضاع إخواننا الإسلامية والإيمانية؟!

    أليس يدمي قلوبنا أن نعرف أن بعض تلك البقاع أصبحت اليوم مرتعاً للغرب المسيحي يصول فيها ويجول ويجعل بعض بلادها الأولى في قائمة تصدير البغايا؟!

    لقد بكينا لأجلها كثيراً، وأنفقنا في سبيلها مالاً وفيراً، ثم سكنوها فسكنا، وسكتوا عنها فسكتنا، وأزالوا صورها من الإعلام فنسينا.

    إن ردود الأفعال لا تكفي، إن اليقظة اللازمة في حياة الأمة ينبغي أن تكون يقظة دائمة، وحركة دائبة، وتصوراً واضحاً، ومشاعر مستمرة متأججة، إن قضايا أمتنا أعظم من أن نتكلم عليها جميعاً ثم نجففها ونمسحها، وهي أكبر وأضخم في ميزان الحق والإيمان والإسلام من أن ننفق لأجلها دريهمات ثم نمسك، إن إيماننا وإسلامنا هو المستهدف، إن تاريخنا وأمتنا هما المهاجمان، إن وجودنا هو الذي يراد له أن يمحى إما باجتثاثه وإما بتمييعه ومسخه كما فعل بتلك الديار والبلاد.

    كم هي الجرائم الفظيعة التي ظن كثيرون أنه لا يمكن أن تبقى!

    وشراذم اليهود وما وقع لهم أقل بكثير مما وقع للمسلمين في الاتحاد السوفيتي الشيوعي الاشتراكي أول ما بدأ وقام.

    بضعة يهود -مع أكاذيب وتدليس- يُذكر أنهم قتلوا على يد النازية الألمانية، ولا تزال ذكرى حادثتهم وقضيتهم ومجزرتهم -إن صحت- تملأ سمع الزمان كله، وتقام لها المحافل والمشاهد، وتركع لأجلها الدول، وتدفع الأموال، وتصبح راية مرفوعة يهدد كل من يشكك فيها أو يعترض عليها أو يستهين بها، وهل دماؤهم أعز من دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل هم أشرف وأبر وأطهر من أولئك الأبرار في أرض فلسطين؟ وأولئك الأحرار المجاهدين في الشيشان، وأولئك الأبرياء المجاهدين الذين قُتلوا قتل الخراف وذُبحوا ذبح النعاج في البوسنة والهرسك وكوسوفا؟!

    1.   

    فتح عمر بن الخطاب القدس وحررها صلاح الدين ولابد من السير على دربهم لتحريرها

    كم نحن في حاجة إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا، كفانا كذباً على أنفسنا، كفانا ضحكاً على واقعنا، كفانا تخديراً لأنفسنا وإماتة لقلوبنا وتضليلاً لعقولنا، قد تكون الكلمات قاسية، لكنها هي اللازمة لتوقظنا، لكنها هي اللازمة لنعرف الحقيقة وندرك واقعنا، ولئن كانت تلك القضايا كلها مهمة وعظيمة فإن أكثرها أهمية وأعظمها عظمة وأعمقها تجذراً في صلتها بالدين وكيان الأمة وحضارتها وتاريخها قضية فلسطين(أرض الإسراء مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الفاتح فيها عمر ، والمحرر لها صلاح ، وتاريخ أمتنا يمر عبرها وخلالها منذ تلك الرحلة العظيمة التكريمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يكون حالنا مع غيرها -وإن كان مؤسفاً مؤلماً- لا ينبغي بحال أن يكرر معها ولا أن يستعاد فيها.

    إنه لا بد من أن نعلن لأنفسنا أنه لا وقوف بعد الحركة، ولا فتور بعد النشاط، ولا انقطاع بعد الصلة، ولا غموض ولا ركون بعد الحديث والغضب والانتصار لدين الله عز وجل، فلنبق الجذوة مشتعلة في القلوب، والقضية حية في النفوس، ولا ننس ذكرها على الألسنة، ولا نقطع عنها الإعانة، فإن كل قضية لها جذور تدوم أعواماً وأعواماً وجراحها لا تندمل.

    فإن فيهم أيتاماً ماذا يصنعون؟ وثكالى ماذا يصنعن؟ وأحوال من التغيير العظيم الذي يدمر بنيان تلك المجتمعات ويريد أن ينال من إيمان وعزة إخواننا، فلئن نسيناهم فيوشك أن يغتال إيمانهم، وأن يصاد صمودهم بالتصدع، وإن كنا نرى أنهم أعظم منا صبراً وأكثر شموخاً وثباتاً وإيماناً وصدقاً، ونحن نحتاج إلى أن نستمد منهم قوة الإيمان وعزة الإسلام وشموخ المسلمين وشجاعة المؤمنين، ولكننا أيضاً نحتاج إلى أن نذكر أنفسنا بذلك.

    ولكي تبقى القضية حية فلابد من أن نرجعها إلى أصولها، ليس إلى الأحداث العارضة، ولا إلى الأمور التي تأتي وتنتهي وتنقضي، إنها أولاً قضية عقيدة ودين.

    قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فهل نسخت هذه الآية؟ هل ستنتهي تلاوتها من المحاريب؟! وكلما مرت على مسلم يقرأها ألا يذكر أين مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم؟! ألا يتذكر بغي اليهود؟! ألا يعرف أنه وغيره من أمة الإسلام مقصرون -وربما آثمون- ومؤاخذون إن لم يكن لهم جهد دائم وصلة مستمرة بحسب حالهم وإمكانياتهم؟!

    ألسنا نعرف حديث أبي ذر -وهو صحيح-: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد بني أولاً؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً)؟ أليس هذا دليلاً على هذه الصلة العظيمة؟!

    نحن -أمة الإسلام- الذين أنشأنا النور والعدل والخير والبر والإحسان في تلك البقاع، ونحن أولى بها ديناً وعقيدة، وليس حقاً تاريخياً، ولا قانوناً دولياً، وليس تفاوضاً سياسياً، إنه ديننا، إنه قرآننا، إنها سنة نبينا، إنه تاريخ أمتنا، إنها قضية أعظم من أن تختزل في تلك الحركات أو تلك المداولات أو تلك الأوراق التي يوقع عليها هنا أوهناك، إنها أعظم من ذلك كله، ولكي تستمر لا بد من أن نعرف -أيضاً- أنها تاريخ مجدنا وفخارنا وعزنا.

    يوم جاء عمر رضي الله عنه يعبر عن عزة الإسلام، يوم كان الإيمان حياً في القلوب، يوم حاصرها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وبُهت القوم وأسقط في أيديهم أرادوا أن يروا من هو وراء هذه العظمة، فأبوا أن يسلموا مفاتيحها إلا إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجاء عمر ، ولم يأت في المواكب الفاخرة، ولم يأت بالجيوش المدجّجة، بل جاء ومعه غلام من غلمانه وهو يسير معه على دابة ليس فيها شيء من الزينة ولا سرج ولا شيء، ويخوض الماء رضي الله عنه وأرضاه، فيخرج ويسير على قدمه، ويلقاه أبو عبيدة والمسلمون وهو بهذه الحالة المتواضعة،لم يكن يحتاج إلى شيء يعظمه؛ لأنه عظيم في نفسه، ولم يحتج إلى جمع يكثره؛ لأنه كثير بنفسه وأصالته وإيمانه، فماذا صنع عمر؟

    قال له أبو عبيدة: إن القوم كذا وكذا، فلو لبست واتخذنا لك بردوناً ونحو ذلك.

    يريد أن يشاكل الأوضاع القائمة، ويواكب تلك المظاهر التي كانت عند القوم.

    فضرب عمر بيده على صدره ثم قال وهو يبين مظهر العظمة رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

    لقد جاء النصارى أذلاء إلى الفاروق عمر ، وسلموه المفتاح، فدخل ونشر العدل، وأقام الملة، ثم جاء ما جاء من الأحداث العظام، وكان -ولا يزال- في تلك البقاع قبور عشرات ومئات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل نرضى أن يعيث اليهود بأرض في باطنها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء الذين ضحوا بدمائهم، ومن الذين عاشوا لينشروا نور الإسلام ويرفعوا رايته.

    و صلاح الدين، وما أدراك ما صلاح الدين! ونحن نعرف قصته وبؤسه وحزنه الذي لازمه، وغيرته وهمته وغضبه، ونصرته وعزيمته التي ظلت تؤرق ليله وتحرك حياته، فلم تكن حياته معركة حطين، بل كانت حياته كلها جهاداً وإصلاحاً وغيضاً وتحرقاً على بلاد المسلمين الضائعة، حتى كان قبل فتح بيت المقدس يمنع نفسه من الضحك ويقول: كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى الصليبيين؟!

    فكيف بنا نضحك ونلعب وننام ونلهو وننسى رغم أننا رأينا أعظم مما رأوا؟!

    ولذلك نقول: لكي تبقى القضية لابد من أن نستعيد تاريخها، ولابد كذلك من أن نعرف الإجرام والبغي لدى اليهود عليهم لعائن الله، فلا ينتظر منهم خير، ولا يرجى منهم نفع أو مراعاة لحقوق دولية أو غير ذلك، كما في الحديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، والعاقل لا يتكرر عليه الأمر مرات ومرات، فإذا كسرت هذا القانون مرة، ووطئته مرة أخرى، ودست عليه ثالثة، وألقيته وراء ظهرك رابعة فكيف يمكن أن يقال: إنه سيأتي يوم تعظمه أو تحترمه أو تخافه أو ترهبه؟! وذلك دأبهم وديدنهم.

    وأخيراً لكي نعرف القضية في حدودها الصحيحة يجب أن نعرف أنها تآمر وكيد، وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51].

    هل رأينا أكبر من هذا التآمر؟ هل رأينا أظهر من هذا التعاضد والتآزر؟ هل رأينا شيئاً يبقي لنا مجالاً لأن نضل في معرفة حقائق المتعاونين والمتآزرين والمتحالفين استراتيجياً كما يقولون؟!

    إذا عرفنا ذلك عرفنا أنه لابد من أن تبقى هذه القضية حية في قلوبنا، وأن لا ننسى منها شيئاً من الأحداث الجسيمة المؤلمة المحزنة، ولكنها قبل ذلك أساسها ديني عقدي تاريخي إجرامي تآمري يستهدف أمتنا كلها، ويطعن في خاصرتها، ويريد أن يغير كتابها ويبدل سنة نبيها صلى الله عليه وسلم ويمسخ تاريخها، فلابد من يقظة دائمة، وحياة في القلوب مستمرة، ومشاعر متأججة، ودعم متواصل.

    هذا ما أردت أن أقوله، وهذه ليست مجرد أحداث عبرت، فإن الأمر أكبر من ذلك.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلق قلوبنا بمرضاته، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يسخرنا لنصرة هذا الدين، وأن يجعلنا من الباذلين في مواجهة المعتدين.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية التعاون والدعم والنصرة بين المسلمين

    الدعم بالدعاء والمال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن قضية صراعنا مع اليهود قضية ليست مقتصرة على أرض فلسطين العزيزة، ولا على بيت المقدس العزيز على نفوسنا، بل هي أعظم من ذلك وأوسع، وهي أكثر تنوعاً وأعظم مكراً وأخفى كيداً مما يتصوره كثير منا، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف أننا في معركة دائمة، وفي مواجهة مستمرة، فلا ينبغي أن تغمض أعيننا، ولا أن تسكن أنفسنا، ولا أن تتوقف حركتنا، ولا أن تخرس ألسنتنا، ولا أن تنكس رايتنا بحال من الأحوال.

    أين الدعاء المستمر؟! لماذا لا ندعوا إلا إذا عظمت المصيبة؟! أفليست المصيبة بانتهاك الحرمات واستيلاء اليهود على بيت المقدس مصيبة ينبغي أن يكثر لها دعاؤنا وهمنا وغمنا ولو لم يقتل مسلم واحد؟!

    والعون هو الذي نريد أن يبقى مستمراً؛ لأن المآسي عظيمة، ولأن الجهاد والتثبيت يحتاج إلى مواصلة، ولأن اليهود ليسوا أصحاب موجة واحدة.

    فقد رأينا وعرفنا كل الجرائم، وهذه ما هي إلا قطرة من بحر، فلابد من أن ندرك ذلك، فإن المجرم يبقى مجرماً لا يتغير ما دام سلاحه في يده، وما دام إمداده معه، وما دام اعتقاده الفاسد يسيطر على عقله وفكره، وعندما يرى الضعيف أمامه يغريه ذلك بمزيد من العدوان، فلا بد من أن يبقى عوننا مستمراً، كالدعم المادي، فاقتطع من مالك، ومن قوت يومك, ومن راتب شهرك شيئاً دائماً لا ينقطع أبداً، واجعل ذلك عزيمة ماضية وجهاداً مستمراً، فكيف نرضى أن نتوقف عن مثل هذا؟!

    اجعل القضية شعوراً نفسياً لا يفارقك، اجعله حاجزاً نفسياً يجذّر في قلبك بغض اليهود أعداء الله عز وجل وأعداء الرسل والرسالات والحضارة والإنسانية، اجعل ذلك أمراً لا يمكن أن يتغير في نفسك على المجرمين الحاقدين المغتصبين، واجعل في نفسك عزة الإيمان، وأنه وإن فقدنا بعض أسباب القوة المادية وإن كبلتنا بعض الظروف المحيطة فإن في قلوبنا دماء تنبض، وعروقاً تفيض بالعزة لا يمكن أن تسكن ولا أن تسكت.

    إذا لم تزاحم لنيل الحياة أصبت فناءك في المزدحم

    ينبغي أن ندرك أنه يوم تفتر نفوسنا ونرضى بذلّنا، ويوم نقول: ما عسى أن نفعل يوم ذاك تكون هزيمتنا قد وصلت إلى مقاتلنا، فلنكبر على أنفسنا أربعاً وإن كنا نمشي على الأرض ونتحدث إلى الناس.

    الدعم بتربية الأبناء على نصرة إخوانهم المسلمين

    ومن الدعم التربية الأسرية لأولادنا، فلنجعل هذه المعاني تربية نغذي بها أبناءنا ونعلمهم بها، ولنجعل بيوتنا معرضاً لهذه القضية، ومحفلاً لتناولها من كل الجهات، ومحراباً نتذكر بها معاني الجهاد، وثكنة نهيء فيها ظروف الاستعداد. فلماذا أصبحنا نجعل بيوتنا للراحة والدعة والغفلة ومشاهدة الملاهي، ولا نشرك أبناءنا في الشعور بمآسي إخوانهم الأطفال في أرض فلسطين وفي الشيشان وفي البوسنة وفي كل مكان؟!

    إن عبرتهم ودماءهم لن ترقأ بمجرد مرور هذه الأحداث وانقضائها؛ لأن ذلك -كما قلت- هو أكبر، ولنجعل أنفسنا إذاعات متجولة ونشرات أخبار متحركة، نتحدث عن هذا الأمر وهذه الحقائق في كل مكان وفي كل مجلس، فلنكن دعاة توعية، وإذكاء حماسة، وبيان حق، وإعلان رفض للباطل والظلم، فلنكن كذلك، ولو فعل كل منا أقل القليل من هذا الواجب لرأينا له أثراً في واقعنا وفي تغيير أحوالنا.

    الدعم بالنظر إلى الأمور على ضوء النصوص الشرعية

    وقبل ذلك كله التغيير المنهجي، أن نعطي الأمور حقائقها، وأن نردها إلى مصادرها، وأن لا نقول عن المجاهد الذي يضحي بنفسه في سبيل الله: إنه منتحر يمضي إلى جهنم وساءت مصيراً. وأن لا نغير الحقائق فنجعل من يدافع عن حقه ظالماً ومعتدياً، ومن يغتصب الحق مسالماً وموادعاً.

    ينبغي أن نجعل القضية راجعة إلى المنهجية التي ليس عندنا فيها أدنى شك، ولا يمكن لأحد أن يغيرها، فإن عندنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إن بلغ بنا الأمر أن نرى الحقيقة في القرآن أو الحقيقة في السنة ثم نقبل أن نرضى بغيرها أو أن يدخل إلى عقولنا وفكرنا شيء سواها فقد نقضنا شيئاً من أصل إيماننا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فلا بد من أن نعرف الأسماء وأن نضعها في مواضعها، وأن نسمي الأبطال أبطالاً، وأن نصف الجبناء بالجبن، وأن نبين أن أولئك الإخوة الكرام البررة - نسأل الله عز وجل أن يتقبلهم في الشهداء - هم الذين فعلوا ما لم تفعله كل القوى مجتمعة في شرقها وغربها، مسلمة وغير مسلمة، يوم أذلّوا اليهود وأدخلوا الرعب في صفوفهم وما أوقعوه في مجتمع اليهود أعظم مما أوقعته الحروب السابقة كلها، ويكفي أن نعرف الهجرة المعاكسة عند اليهود، والبنية الاقتصادية المدمرة، والرعب الشائع، والاختلاف المحتدم.

    إذا استمر هذا العون وبقيت تلك الجذوة فإنها الشرارة التي تحرق هذه الدولة الغاصبة، وما ذلك على الله بعزيز، وما قوتهم بشيء، وإنما هو محض ضعفنا وذلنا وتفرقنا وانسلاخنا من دين ربنا.

    الدعم بالسعي في إصلاح أحوال المسلمين وردهم إلى التمسك بالكتاب والسنة

    لكي نبقى متصلين بهذه القضية لنصرة أمتنا علينا أن نصلح أحوالنا، ولنغير من سلوكنا، ولنبادر إلى طاعة ربنا، ولنمنع المعاصي والمنكرات في أنفسنا وفي أسرنا وفي مجتمعاتنا وفي بلادنا؛ لان هذا الصلاح هو السلاح الحقيقي الذي نتهيأ به لمواجهة عدونا، وذلك ما نحتاج إليه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الثبات على الحق، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يبرئنا من معصيته ومخالفة منهجه.

    نسألك -اللهم- أن تسلك بنا سبيل الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم سخرنا لنصرة دينك، واستعملنا في نصرة عبادك وأوليائك.

    اللهم! لا تجعلنا من الذين يتأخرون عن نجدة إخوانهم، ولا عن نصرة دينهم، ولا عن تحقيق إيمانهم، ولا عن الاعتزاز بإسلامهم.

    اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك.

    اللهم! عليك باليهود الغاصبين، ومن يعينهم من النصارى الحاقدين، اللهم! عليك بهم أجمعين، زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخُلف في صفوفهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا تبلغهم غاية.

    اللهم! يا قوي! يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

    اللهم! ثبت إخواننا في أرض الرباط في فلسطين، اللهم! أمدّهم بالصبر واليقين، اللهم! رضِّهم بالقضاء، وصبرهم على البلاء، وآنس وحشتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وتقبل في الشهداء قتلاهم، وأحفظ أيتامهم يا رب العالمين.

    اللهم! أمدهم بحولك وقوتك ونصرتك وعزتك وتأييدك يا رب العالمين، اللهم! قل المعين الناصح، وكثر العدو القاهر، اللهم! فأمدهم بحولك وقوتك يا رب العالمين.

    اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، يا قوي يا عزيز يا متين.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، أصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! إنا نسألك لهذه الأمة وحدة من بعد فرقة، وقوة من بعد ضعف، وعزة من بعد ذل يا رب العالمين.

    اللهم! ردّنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].