إسلام ويب

المرأة بين الرعاية والجناية [2]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اهتم الشرع الحنيف بالمرأة، فرفعها وكرمها، وجعلها في المكان الذي يناسبها خلقة وفطرة وقوة، فلم يحمّلها ما لا طاقة لها به، ولم يضعها في المكان الذي يجلب لها شراً وفتنة، ولا في الموضع الذي تمتهن فيه، وقد حث الشارع على حسن تربيتها إن كانت بنتاً صغيرة، ورتب على ذلك الأجور الكثيرة، وحث على الإحسان إليها إن كانت زوجة، وحث على طاعتها وبرها إن كانت أماً، وجعل لها ثلاثة أرباع البر، وأمر بالصبر عليها إذا صارت عجوزاً، فنهى عن التأفف والتبرم منها، فما أسعدها من حياة للمرأة في ظل الإسلام.

    1.   

    رعاية الشرع للمرأة واهتمامه بها

    الحمد لله الذي أمر الخلق بعبادته، واتباع شريعته، ووعدهم برضوانه وجنته، له الحمد سبحانه وتعالى جعل الأمن أماناً بلا خوف، والإسلام سلامة بلا جناية، شرع لنا الدين، وأوصانا بالاستمساك به، فله الحمد جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، حمداً على آلائه ونعمه التي لا تعد وتحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، بصرنا الله عز وجل به من بعد ضلالة، وهدانا من بعد غواية، وكثرنا من بعد قلة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! [المرأة بين الرعاية والجناية] موضوع نتمم به حديثاً قد سلف، ونؤصل به ما سبق، ونتوسع فيه بما يكشف لنا حقائق إسلامنا، وعظمة ديننا، وبما يبين لنا من جهة أخرى مدى تفريطنا، ومدى مخالفتنا، وفي الوقت نفسه يكشف لنا هذا الحديث عن أسباب المشكلات الاجتماعية لعصرنا هذا.

    فنحن اليوم نرى تجاذباً وتنازعاً بين الرجل والمرأة في النظرة والفكرة والمقالة، ونرى بعضاً من النفرة والخصومة والنزاع في واقع المعايشة والمعاشرة والحياة اليومية، ونرى تزايداً في نسب الطلاق، ونرى كذلك تزايداً في نسب العنوسة، وكثيرة هي الأمور التي تطرح وتناقش، غير أنها في كثير من الأحوال لا يرجع بها إلى أصولها الكاملة العظيمة في شرع الله عز وجل، حتى نعرف من هذه الأصول ما نقوم به أخطاء سلوكياتنا، وما ننفي به الصور السلبية التي تلصق بديننا، ومن جهة أخرى: لنتيقن بأعظم يقين وأوثقه وأثبته أنه ليس للمرأة ولا للرجل ولا للمجتمع ولا للحياة الإنسانية كلها من سعادة وهناء إلا في ظلال الإيمان، وعلى قاعدة تشريع الإسلام.

    إن حضارة الغرب، وأفكار الشرق، ومدنية العصر، وتقنيات التنكولوجيا لا تغني شيئاً ما لم توجد تلك القاعدة الإيمانية، والتشريعات الإسلامية، وذلك يثبته واقع الأمر، وتثبته حقائق التجارب قبل أن ننطق به مستشهدين بآيات القرآن، وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    الفصل الأول من حديثنا هو: النظرة إلى المرأة: ما هي شخصيتها، ودورها، ووظيفتها؟

    فننظر إلى ذلك في رعاية الإسلام وإكرامه وإجلاله وحسن تكامل تشريعاته في الأدوار بين الرجل والمرأة.

    رعاية المساواة

    المساواة صارت كلمة تصم آذاننا كل يوم صباح مساء، لكنها لا تذكر إلّا ومعها معركة، إلّا ومعها استلاب حقوق، وتجاذب أدوار، ونحن نراها أصلاً ثابتاً، ومنهجاً متكاملاً في دين الله عز وجل، فرعاية المساواة جاء بها الإسلام في جانبها التماثلي على أكمل وأتم الوجوه.

    فهناك مساواة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة كما ذكر الله عز وجل، ونذكره دائماً في مقدمة كل خطبة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً [النساء:1].

    قال ابن عطية في تفسيره: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: من جنسها.

    وقال السعدي في تفسيره: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به السرور، وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض مع رجوعهم إلى أصل واحد؛ ليعطف بعضهم على بعض، وليرق بعضهم لبعض. وفيها -أي: في الآية- دلالة على أنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحق الخلق والأقرب فالأقرب ممن تربطنا به صلة الرحم.

    فهذه آية عظيمة في أصل مساواة الخلقة، فالكل من نفس واحدة، والمراد هنا: أن الله جل وعلا خلق حواء من آدم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (إن المرأة خلقت من ضلع آدم) قال بعض أهل العلم: أي: أن أصل خلقة آدم من تراب، وأصل خلقة حواء -من حيث الجسد- من ضلع آدم، وأما من حيث النفس والروح فهما أصل واحد، فلا خالق للروح إلا الله عز وجل، وهو الذي جعل هذه الروح بعد ذلك في ذرية آدم وحواء بقدره وقدرته سبحانه وتعالى، فليس ثمة فرق بين روح رجل وامرأة من حيث الحياة، ومن حيث أصل الخلقة.

    وذلك ما شهدت به الآيات، وبينته الأحاديث النبوية، فالله جل وعلا يقول: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:45-46]، وذلك فيما تناسل به البشر من بعد آدم وحواء وذريتهما إلى قيام الساعة.

    وهناك أيضاً مساواة في غاية الخلق، فإذا كانت هناك مساواة في أصل الخلق بين الرجل والمرأة، فأظهر منها وأجل المساواة في غاية الخلق: لِمَ خلق الرجل؟ ولِمَ خلقت المرأة؟ فليس هناك للرجل غاية أشرف ولا أعظم ولا مخالفة لغاية المرأة، قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فما خلق الجنس البشري ذكوراً وإناثاً إلّا لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، فالغاية من الحياة هي الابتلاء والامتحان والتمحيص؛ ليظهر الأعظم والأجل في عبادة ربه، وإحسان عمله، وإخلاصه لمولاه سبحانه وتعالى، رجلاً كان ذلك أو امرأة.

    وكذلك خلافة الأرض وعمارتها هي مسئولية وغاية مشتركة بين الرجل والمرأة، قال الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، والمقصود بذلك آدم عليه السلام، لكنه يشمل ما هو أعم من ذلك وهم ذريته رجالاً ونساءً، فهم الذين يقومون بعمارة الأرض وذلك بإقامة شرع الله، وتحقيق مراده من خلقهم في هذه الحياة الدنيا، كما تظهره هذه الآيات العظيمة، وكما تبينه الآيات الأخرى الكثيرة في هذا الشأن، وكما في قوله جل وعلا: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية:13] والخطاب يعم البشر جميعاً رجالاً ونساء.

    فنحن في مبدأ الإسلام ومنهجه لا نعرف للمرأة دوراً يستثنيها من أن تكون عابدة لله عز وجل، وقائمة بعمارة الأرض، ومنتفعة بما ذللـه الله عز وجل وسخره من الأسباب مع شريكها الرجل لقيام العمران، ولإقامة الحياة الدنيا على أساس من القيم، وعلى ارتباط بالمبادئ والفضائل التي تكسب الحياة حينئذ جمالين وكمالين: في الناحية المادية الدنيوية الحضارية المدنية، وفي الناحية الإيمانية العقدية المبدئية المعنوية؛ فيحصل حينئذ كمال هذه الحياة في جانب الروح والقلب والفكر، وفي جانب البدن والشهوة واللذة المباحة بإذنه سبحانه وتعالى.

    ومن أصول المساواة أيضاً تكريم الخلق، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70]، والتكريم هنا يشمل جنس بني آدم ذكوراً وإناثاً، ثم إن الله جل وعلا أظهر ذلك وبينه في أن النفس البشرية -وخاصة المؤمنة- معظمة محترمة، ولذا جاء الإسلام بأعظم تشريع في الحفاظ على الحياة الإنسانية، وعلى رعاية حقوق الإنسان ونفسه المعصومة في أصل الخلقة ابتداءً، إلا أن يجنح إلى المخالفة بترك الإيمان ومعارضة أهله وحربهم، فالله جل وعلا يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31] ، وخص الله جل وعلا النظر إلى الأنثى نظرة دونية بمزيد من العناية والرعاية؛ لمنع ما تميل به الفطر المنحرفة، وما تمليه الوقائع الجاهلية في شأن المرأة، فقال سبحانه وتعالى في وصف يشتمل على معنى الذم: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل:58-59].

    وينكر الله جل وعلا ذلك ويذمه ويحرمه ويمنعه؛ ليبقي أصل كرامة الخلقة والفطرة والإنسانية فيما جعله الله عز وجل لها بصفة عامة، وما جعلها لها في مراتب أعلى وأسمى بسمت الإيمان والإسلام الذي تأخذ وتتفق به مع أصل الخلقة في الفطرة السوية.

    ومساواة أخرى كذلك في المسئولية والتكليف، فليست المرأة دون الرجل في ذلك، قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] وهذه الآية عظيمة، وهي تبين أن المسئولية في التكليف، وأن العمل والقيام بالواجبات والفرائض، أمر يستوي فيه الرجال والنساء معاً، وأن الحساب ثواباً وعقاباً يترتب على عمل الرجل والمرأة على حد سواء، فليس للرجل تكليف خاص به إلا ما سيأتي من تخصيص يتناسب معه، لكنه ليس له تكليف لكونه رجلاً مكرماً، أو مرفوع القدر عن المرأة، وليس العكس كذلك.

    وهذه مسألة مهمة أوجز النبي صلى الله عليه وسلم -فيما أوتيه من جوامع الكلم- تصويرها في قوله: (النساء شقائق الرجال) فالأمر بينهم شقان معتدلان، وكفتان متساويتان فيما سبق من أصل الخلقة والغاية من الخلق وفي أصل المسئولية والتكليف، فكل مطالب بالإيمان، وأداء الفرائض، والقيام بالواجبات، وذلك بحسبه، والله سبحانه وتعالى قد ذكر في سياق آيات كثيرة الرجال والنساء فقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ.. [الأحزاب:35] إلى آخر ما ذكر الله عز وجل من أوصاف وعبادات ذكر فيها الذكور والإناث، ثم ختم الآية بأنه أعد لهم الأجر العظيم على ذلك كله، وقد ورد في سبب نزولها أن بعض النساء كـأم سلمة رضي الله عنها جاءت تسأل وتقول: (يا رسول الله! ما بال الله جل وعلا يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟)! فنزلت هذه الآية، وإن كان معلوماً في لغة العرب أن الخطاب قد يأتي بصيغة المذكر ويكون للتغليب، وهو يعم الذكر والمرأة معاً، وشاهد ذلك قوله عز وجل: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] فذكر هنا الذكر والأنثى، ثم قال من بعد: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي [آل عمران:195]، وذكر صيغة المذكر بعد أن ذكر المؤنت والمذكر معاً، مما يدل على أن صيغة التذكير تعود عليهما معاً.

    وأصل آخر في المساواة أيضاً وهو المتعلق بالحدود والعقوبات، وهذا يدل على المساواة في التكليف، قال الله جل وعلا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، وقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ [المائدة:38]، فتظهر هنا في أمر الإخلال بالواجبات وارتكاب المحرمات المسئولية والتكليف على قدم المساواة.

    وكذلكم فيما يتعلق بالشأن المالي قال الله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً [النساء:21]، فتلك أصول عامة في المساواة.

    رعاية المراعاة

    ننتقل إلى رعاية أخرى وهي: رعاية المراعاة، ولابد لنا أولاً أن ننتبه إلى أنه إذا كان هناك اختلاف بين صنفين أو نوعين، فإن التسوية بينهما تسوية كاملة يعد ظلماً، ويعد إخلالاً واختلالاً لا يمكن أن تقوم به الأمور على وجه يحسن به الانتظام في الحياة، وخذوا مثالاً على ذلك قبل أن نشرع في مقصودنا: إن كان ثمة رجل قوي في بنيته وعضلاته، وآخر ضعيف متهالك لا يكاد يستقيم في مشيته، فهل يكون من المساواة العادلة أن نقول لهذا وذاك: احملا حملاً واحداً ثقيلاً في وزنه؟! هل نقول لهما: خذا هذا الحمل الذي وزنه خمسين كيلو جرام واحملاه؟! فإذا قال الضعيف: لا أستطيع، نقول له: كلا، هذا من باب المساواة، فأنت رجل وهو رجل، وأنت ذكر وهو ذكر، فلابد أن تكون المساواة في كل شيء، فتحمل مثلما يحمل، سيقول: كلا، إن بيني وبينه اختلافاً: فأنا أضعف منه، ولا أقوى على مثل ذلك، والعاقل حينئذ يقول: احمل أنت كذا، واحمل أنت دونه، فهل يعد ذلك ظلماً أو إخلالاً؟

    كلا، فإن مراعاة الاختلاف هي المساواة التكاملية، وهي التي تحصل بها الفوائد والمنافع العظيمة.

    ونحن جميعاً نعلم أن الله عز وجل خلق الذكر مختلفاً عن الأنثى من حيث الخلقة الفطرية والظاهرية، فالمرأة مهيأة للحمل والولادة والإرضاع، والرجل على غير ذلك، والمساواة المطلقة تعني: أن نغمض العين عن هذا الاختلاف، وإذا أغمضت العين عن ذلك فهل سنغير في الواقع شيئاً؟ وهل سيأتينا يوم يمكن للرجل أن يقوم بالدور الذي نريده في المساواة، فنقول له: احمل وضع وأنجب ثم أرضع؟! وقد ترون ذلك مضحكاً ولكنه يلزم الغلاة في هذه المساواة، فقد جاءوا بعجب عجيب، حتى إنهم قالوا: إنه بالإمكان أن يكون ذلك مع تطور العلم. وما يزعمونه وما يقولونه إنما هو ألفاظ ليس لها أثر عملي.

    أما ديننا العظيم الذي هو من عند الله عز وجل القائل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فليس الفرق في الخلقة الظاهرية فقط، بل وفي الخلقة الباطنية، فعاطفة المرأة أرق من عاطفة الرجل، وشدة الرجل أقوى من شدة المرأة, وتركيز المرأة في تفكيرها على جوانب معينة يكون أكثر دقة في ملاحظة خفاياها، وتفكير الرجل أعم وأشمل، فلا ينظر إلى الدقائق، لكنه أقدر على معرفة بعض الأمور من المرأة.

    والأم تعرف أن عند ابنها مشكلة، أو أن عنده شيء قد أحزنه أو نحو ذلك من أقل القليل في تغير وجهه، أو كلمات لسانه، أو حتى طريقة نومه، وأما الرجل فلا يلحظ من ذلك شيئاً، بل ربما يأتيه الابن فيلمح له، أو قد يصرح له، وهو لا ينتبه لشيء؛ لأن دقائق الأمور ليست في طبيعة تفكيره في بعض الجوانب العاطفية والنفسية.

    وقال سبحانه وتعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] أي: جعل الهداية مناسبة لأصل الخلقة، أي: هدى ووفق وفطر وجعل المسار في الحياة الدنيا يتناسب مع طبيعة الخلقة في هذا الكون.

    ولو نظرنا بعيداً عن الإنسان لرأينا ذلك في التكامل الفطري البشري الإنساني، أليس الإنسان يتنفس: فيأخذ الأكسجين ويخرج ثاني أكسيد الكربون، والنبات على عكسه: يأخذ الكربون ويخرج الأكسجين؛ لتكتمل منظومة الحياة؟ فإذا قلنا بالمساواة، وطلبنا أن يكون النبات كالإنسان فسيموت الاثنان وتنعدم الحياة، فهذا المثل الذي أقوله ينطبق تماماً على الذين يريدون المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، فإنهم يجنون بذلك جناية عظيمة على كلا الطرفين: رجلاً أو امرأة، ويجنون جناية كبيرة على الحياة الإنسانية والبشرية في هذه الدنيا قطعاً وجزماً، ونرى ذلك فيما تعلمونه من أحوال الذين ساروا شوطاً بعيداً في مثل هذه الجوانب، فلم تعد المرأة امرأة، ولم يعد الرجل رجلاً، وظهر الشذوذ، وخرجت علينا البدع العجيبة الغريبة التي لا يستطيع بعض الناس أن يصدقها بعقله، حتى إننا رأينا أموراً منكرة وشذوذاً تعف عنه الحيوانات والبهائم -أعزكم الله-، وكان حالهم كما قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ميسر لما خلق له)، ويدخل في عموم هذا القول البليغ منه عليه الصلاة والسلام: أن المرأة ميسرة لما خلقت له وفطرت عليه، والرجل كذلك، ولو بدلنا الأدوار لم تكن المرأة رجلاً، ولم يكن الرجل امرأة، ولم يعد عندنا لا هذا ولا ذاك، وصار عندنا أنماط وأنواع غريبة، فنحن نرى اليوم امرأة مسترجلة، ونرى رجلاً متأنثاً، فلم نعد نستطيع أن نعتمد على هذا الرجل إذا تأنث، ولا أن نركن ونسكن إلى تلك المرأة إذا استرجلت، فحينئذ تنقلب الحياة إلى شقاء وجحيم؛ لأنها خرجت عن أصل خلقة الله عز وجل، وصدق الله القائل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، وذلك كثيراً ما يظهر لنا.

    يقول ابن عاشور رحمه الله في شأن هذه الموافقة والمواءمة والمراعاة بحسب ما يكون عليه اختلاف الخلقة: وملاك الأحكام التي ثبت فيها التفرقة بين الرجال والنساء هو الرجوع إلى حكم الفطرة، فإذا كان بين الصنفين فوارق جبلية من شأنها أن تؤثر تفرقة في اكتساب الأعمال أو إتقانها فإنها تؤثر تفرقة في أسباب الخطاب بالأحكام الشرعية بحسب غالب أحوال الصنف، أليست المرأة في طبيعتها رقة وضعفَ بدنٍ لا تتساوى مع الرجل؟ فجعل تكليف الجهاد، وواجب النفقة والكدح والعمل على الرجل؛ مناسبةً لخلقته وفطرته، وأما المرأة فليست مكلفة بالجهاد وجوباً، وإن أسهمت فيه كان لها فيه دور، وأيضاً ليست مسئولة عن النفقة، وإن أسهمت فيها كان لها ذلك وفي إطار معين لا يفسد طبيعة هذا التكامل في خلقة الحياة البشرية بين الرجال والنساء، ومن أخل بذلك جاءه ما لا تحمد عقباه.

    وتنوع الوظيفة ليس فيه معنى الدونية أو الأفضلية، فليس الرجل -لكونه مكلفاً بالعمل- أفضل من المرأة؛ لأنها من جهة أخرى مكلفة بإنتاج وإنجاب البشر، ورعايتهم وتربيتهم، فإذا فضلناه لذلك فضلناها لهذا، والله عز وجل يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، وهي درجة القوامة، وقد ذكر ابن جرير عن ابن عباس ورجحه أنه قال: إن هذه الدرجة أن الرجل مطالب بأن يغض الطرف عن أخطاء الزوجة، ويحتمل منها من الهفوة والنسيان ما لا يجب أن تحتمله منه على قدم المساواة، فالمطلوب حينئذ أن يكون هو أوسع صدراً، وأكبر عقلاً، وأكثر احتمالاً لما قد تقصر فيه الزوجة أو تغفل عنه، وهي لن تكون كذلك بحكم طبيعتها، ولذلك لم تجعل هذه الدرجة درجة تفضيل لاستعراض العضلات، أو لذكر المناقب والمزايا، بل جُعلت لتحمل المسئولية، والقيام بواجب الرعاية.

    رعاية التجانس

    إنّ رعاية التجانس تكمل ما سبق، ويتضح ذلك من خلال معرفة العلاقة بين الرجل والمرأة، إنها اليوم حقوق وواجبات، وقد صدعت رءوسنا ونحن نستمع إلى هذه الكلمات، فنسمع اليوم أن المرأة أخذت حقوقها، أو وصلت إلى كذا، أو ما زالت تحارب، فجعلنا الحياة كلها ميدان صراع وحرب بين رجل وامرأة، وما معنى ذلك؟!

    لقد صارت الحياة كلها صراع؛ لأنه ليس فيها إلّا رجال ونساء، ذكور وإناث، إذاً أوجدنا ما يشق هذه الحياة، ويمنع التئامها، ويحول دون تجانسها، ويقف دون تكاملها، ويمنع من أن تكون صورة متكاملة شقها الأول يكتمل مع الثاني ويتجانس معه، لتبدو الحياة كما أرادها الله عز وجل، وكما اقتضتها تشريعاته: حياة متوائمة ومتلائمة ومتجانسة ومتكاملة، ليس فيها شذوذ ولا تباعد ولا تناقض ولا تحارب ولا اختصام، كما صورتها لنا الحضارة الحديثة، وأدخلتها علينا الأفكار الدخيلة، فقد صرنا اليوم نتحدث عن قضية المرأة وللأسف من منطلق المدافع، وكأن تلك القضايا قد أصبحت مقررة ومثبتة في الأذهان، بل وقد مالت إليها نفوس كثيرة من الرجال أكثر من النساء، حتى صار تقرير أصل الخلقة وأصل الدين أمراً يحتاج إلى جهد ومشقة وإثبات وتدليل وبيان وبرهان، وهذه مسألة مهمة أوجبت علينا مثل هذا الحديث.

    انظروا إلى الصورة النموذجية المشرقة الوضيئة الفياضة بالحب والود والحنان، الراسمة لأجمل صورة يمكن أن تكون عليها هذه الحياة الدنيا وهي قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] فهذا هو الرجل، وتلك هي المرأة.

    إنّ هذه الخلقة المتباينة بين الطرفين تكاملاً وتجانساً من آيات الله عز وجل، ومن عظمة خلقه سبحانه وتعالى، ومن دلائل إعجازه وقدرته جل وعلا: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ)، سبحان الله! كيف يكون الذي خُلق من النفس شيئاً مبايناً ومخالفاً؟! وكيف يكون مصارعاً ومغالباً؟! ولم لا يكون متجانساً ومتوائماً؟! (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، وكلكم يعرف معنى السكن، فقد تكدح في الأرض، وقد تسافر شرقاً وغرباً، لكنك تعود إلى بيتك، وإلى سكنك، وإلى المأوى الذي ترتاح وتسكن فيه من تعب الحياة.

    وانظروا إلى الرجل في طبيعة التكامل مع المرأة، إنه يسكن رحم المرأة أماً له، ويبقى فيه تسعة أشهر، ويسكن حضن المرأة رضيعاً بين يدي أمه، ويسكن حضن زوجته وصدرها محبة ومودة ومعاشرة وشهوة ولذة، ويسكن حضن ابنته وهي ترعاه في كبره، وهي تحنو عليه مع تقدم سنه، إن هذا المعنى يدلنا على عظمة دور المرأة، ولا يقصر في حق الرجل، لكن الرجل يتعب ويحتاج إلى السكن، ولن يجد سكناً إلا في ذلك.

    ثم قال: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: المودة: محبة الرجل لزوجته، والرحمة: الشفقة عليها أن يصيبها منه مكروه، فإذا كان هذا هو الأصل في الخلقة والتجانس والتكامل، فهل ترون مجالاً لشقاق ينشأ من الفكر والتصور، أو تجاذباً واحتراباً ينشأ من واقع الفهم لهذه الخلقة، أم أننا في هذا نرى ذلك النموذج القرآن الذي أخبر الله عز وجل في غير ما آية من كتابه جل وعلا: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا).

    ثم انظر إلى التصوير القرآن البليغ المعجز في قوله جل وعلا: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، فأي شيء أقرب إلى جسدك؟

    إنه لباسك.

    وأي شيء يحسّن مظهرك؟

    إنه لباسك.

    وأي شيء لا تستطيع أن تستغني عنه وإلا بدت سوءتك؟

    إنه لباسك. فهذه المعاني وغيرها تعني: أن تكون المرأة بالنسبة للرجل زينته ولصيقته وجماله وستره، وتعني: أن يكون الرجل للمرأة كذلك، فليس ثمة صورة أقرب وأظهر في الامتزاج والتكامل والتجانس والمحبة والمودة من هذه الصورة.

    ثم استمعوا لقوله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19]، واستمع لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن ساءه منها خلق رضي منها آخر) .

    ذلك هو التوجيه القرآني والنبوي بأن يغض الرجل الطرف عن بعض النقائص، وأن يغلب الأصل، وهو ذلك الامتزاج والتلاحم والمودة والمحبة، وما يجري في الحياة من أسباب الشقاق تظلله تلك المحبة، فيصبح كسحابة صيف عابرة، ويصبح كما هو في طبيعة الحياة اختلاف يمر، وحديث يعرض، وهكذا تعود الأمور إلى أصولها؛ لأن الأصل أثبت من العوارض التي تمر بالإنسان.

    وإذا نظرنا إلى ذلك وجدنا هذه الصورة المشرقة الوضيئة في إسلامنا وإيماننا تبين لنا أصل رعاية الإسلام بعيداً عن جناية من خالفوه من أبنائه، ومن ناقضوه من أعدائه.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يبصرنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا نهج نبينا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    رعاية الإكرام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم ما يلزم فيه تقوى الله عز وجل: الرعاية والعناية وحسن الصلة بالأزواج والأبناء وذوي الأرحام كما قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    وأختم هذه الصور من الرعاية: برعاية الإكرام، لما كانت المرأة بطبيعة خلقتها فيها ضعف لا تستطيع معه أن تغالب الرجل أو تغلبه: لا في قوة البدن، ولا في قوة الحيلة والدهاء، ولا في قوة القدرة على ملامسة أسباب الحياة، كان الظن أن تجنح بعض النفوس، وتميل بعض الأهواء إلى عدوان على المرأة، أو إجحاف بحقها، أو استلاب لحقها .. أو نحو ذلك.

    ومن هنا جاء التشريع الإسلامي برعاية خاصة ومزيد من الإكرام والإجلال للمرأة في جميع جوانب صور حياتها في هذه الحياة البشرية، أما الأم فقد أسلفنا القول فيها، ورأينا كيف جعل لها الشرع من البر ثلاثة أرباع، والرابع للأب؛ لبيان ما لها من أثر في هذا البر بحسب حملها وإنجابها، وما لاقت كرهاً على كره، ووهناً على وهن كما بُيَّن في آيات الله عز وجل، ونحن نعلم كم في بر الأم من أجر وفضل ومثوبة.

    أما الزوجة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن بعض الرجال يضرب النساء فقال: (ليس أولئك بخياركم، ليس أولئك بخياركم) .

    وعندما نرى معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه إصغاءً لمشورتهن، وإتياناً بما يحببه إليهن، وملاحظة ومراعاة لمشاعرهن؛ ندرك كم كان تقديره وإجلاله ومحبته وإعزازه لهن، ألم يكن صلى الله عليه وسلم إذا شربت عائشة رضي الله عنها أخذ الإناء ووضع فمه موضع فمها؛ إشعاراً بلفتات الحب التي تغزو قلب المرأة ونفسها؟!

    ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة ليظهر نوعاً من الترفيه والمرح الذي يجعل الحياة بين الزوجين حياة ندية وأخوية، وليست حياة أمر واستجابة، وحياة عسكرية وجندية؟!

    أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي استمع وأصغى لمشورة أم سلمة رضي الله عنها في أعقاب الحديبية يوم أن قالت: يا رسول الله! قد علمت ما دخل على الناس في نفوسهم من هذا الأمر، فلو خرجت وأمرت حالقك أن يحلق لحلقوا؟! فلم يقل لها عليه الصلاة والسلام: مالك ولهذا الشأن؟ ولم يقل لها: اصمتي فإنك امرأة، ولم يقل لها: اعرضي عني، فإني أحسن تدبير أموري. بل استجاب وخرج وفعل مشورتها، وكانت تلك المشورة صائبة، وغير ذلك من الصور التي تعرفونها.

    وهكذا البنت التي قد يجار عليها تفضيلاً لأخيها عليها، أو نظراً لما قد يكون في العقول والنفوس من الآثار الجاهلية في غمط حقها، فقد جاء التشريع وجاء الهدي النبوي بمزيد من التخصيص في تربية البنات فقال صلى الله عليه وسلم: (من عال ثلاث بنات فأحسن إليهن، وأحسن تأديبهن، كن له ستراً من النار)، وفي رواية: (قيل: واثنتين؟ قال: واثنتين). فلماذا لم يذكر الأبناء؟ الجواب: لأن البنت قد يفرط فيها، وقد لا يلتفت إليها، وقد يكون هناك غمط لحقها، أو انقاص لقدرها، ولأنها أيضاً تحتاج من التربية والرعاية والعناية ما تكون به أعظم وأقدر على أن تنشئ وتربي جيلاً جديداً يستأنف حياة الإيمان والإسلام على أتم وأكمل وجه، وذلك نجده كثيراً في تشريعات الإسلام.

    هذه بعض صور الرعاية، ومن ورائها أمور واقعية في حياة المسلمين من صور الجناية، ومبادئ وأفكار كلها قائم أو مؤد إلى الجناية على المرأة خارج تشريع الإسلام، وذلك ما قد نكمل به حديثنا.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يجعلنا بارين بأمهاتنا، محسنين إلى أزواجنا، قائمين بحقوق أبنائنا وبناتنا.

    ونسأل سبحانه وتعالى أن يحفظ على مجتمعنا أمنه وأمانه، وسلمه وسلامه، ورغد عيشه ووئامه، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، واشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل، يا رب العالمين!

    اللهم أقر أعيننا بهزيمتهم واندحارهم وردهم على أعقابهم، يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يارب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، وسلامنا وإسلامنا، يا رب العالمين! واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    وانصر اللهم عبادك وجندك المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.